قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ لِرَجُل ثَوبًا وَضَمِنَ لَهُ الثَّمَنَ، أَوْ مُضَارِبٌ ضَمِنَ ثَمَنَ مَتَاعِ رَبِّ المَالِ: فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الكَفَالَةَ التِزَامُ المُطَالَبَةِ وَهِيَ إِلَيْهِمَا، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا ضَامِنَا لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ المَالَ أَمَانَةٌ فِي أَيْدِيهِمَا، وَالضَّمَانُ تَعْبِيرٌ لِحُكمِ الشَّرِعِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، كَاشْتِرَاطِهِ عَلَى المُودَعِ وَالمُستَعِيرِ (وَكَذَا رَجُلَانِ بَاعًا عَبدا صَفقَة وَاحِدَة
بالبيع والشراء عندي، أما إذا كتب في الشهادة ما يوجب صحة البيع ونفاذه بأن كتب في الصك: باع فلان كذا، وقد أقر أنه باع ملكه، والشاهد كتب: شهد بذلك، تصح دعواه.
فَصْلٌ فِي الضَّمَانِ
هذه مسائل الجامع الصغير وردت بلفظ الضمان ففصلها، لتغاير اللفظ، وإن كان معنى الضمان والكفالة واحدًا، ولهذا سمى أكثر الفقهاء باب الكفالة باب الضمان.
قوله: (ومن باع لرجل ثوبًا وضمن له) أي: لذلك [الرجل] (^١) (الثمن) يعني باع الوكيل ثوبًا للموكل، وضمن الثمن للموكل.
قوله: (وهي) أي: المطالبة (إليهما) أي: إلى الوكيل والمضارب؛ إذ حقوق العقد ترجع إلى العاقد، فاختص المطالبة به، فلو صح الضمان منه يصير ضامنا لنفسه، وأنه لا يجوز، بخلاف الوكيل بالنكاح فإن المهر من الزوج يصح؛ لأنه سفير؛ ولهذا لا يلي قبض المهر، فلا يصير هناك ضامنًا لنفسه. كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي.
على قياس قول الأئمة الثلاثة ينبغي أن يصح هذا الضمان؛ لأن للموكل ولاية مطالبة الثمن، فلا يكون ضامنًا لنفسه، كما في النكاح.
قوله: (ويرد عليه) أي: على الضامن (كاشتراطه) أي: كاشتراط الضمان (على المودع والمستعير) فإنه لا ضمان عليهما شرعًا، فاشتراطه يكون تغييرا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
وَضَمِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ لَو صَحَ الضَّمَانُ مَعَ الشَّرِكَةِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ، وَلَو صَحَّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ خَاصَّة يُؤَدِّي إِلَى قِسْمَةِ الدِّينِ قَبْلَ قَبضِهِ
للمشروع، فلا يجوز، وكمن عليه السهو إذا سلم بنية قصد الخروج، فيرد عليه ولا يخرج، حتى لو كان له أن يعود إلى سجدتي السهو، وكمن نذر أن يصوم غدًا، وعليه قضاء رمضان يجوز له صوم القضاء، فترد عليه نيته تعيينه الغد لصوم النذر؛ لأنه يعتبر المشروع، وهو صلاحية الغد لصوم القضاء.
قوله: (لأنه [لو] (^١) صح الضمان) إلى قوله: (ولو صح في نصيب صاحبه) يعني: أن هذا الضمان لو صح؛ إما أن يصح مع بقاء الشركة، أو لا مع بقائها.
فلا يجوز الأول؛ لما مرَّ أن كل واحد يصير ضامنًا لنفسه؛ لأن ما من جزء من الثمن إلا وهو مشترك بينهما.
ولا يجوز الثاني؛ لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض، حتى امتاز نصيب أحدهما، والدين لا يحتمل القسمة قبل القبض؛ لأن القسمة إقرار، والإقرار يتحقق في الأعيان لا في الأوصاف، والدين وصف، ولأن في القسمة معنى التمليك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز (^٢). كذا في جامع قاضي خان.
ولأنه لو جاز ضمان أحد الشريكين لآخر يبطل من حيث يجوز، لأن الضامن يقول: أنا قائم مقام المشتري، والمشتري إذا دفع إليك شيئًا فأنا شريك في ذلك الشيء؛ لبقاء الشركة؛ فلذلك رجع إلى نصف ما أدّيتُ إليك، فيبطل الضمان انتهاء لو جاز ابتداء؛ لأن الضامن شريك فيما أدى إلى الشريك إلى أن يبقى فيه الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا معنى قول المشايخ: إن تجويز هذا الضمان ابتداء إبطاله انتهاء.
فقلنا ببطلانه ابتداءً، ولا معنى لما قيل في هذه المسائل: لو صح الضمان؛ إما أن يصح بنصف شائع، أو بنصف هو نصيب شريكه؛ لأن الضمان يضاف إلى نصيب شريكه، فكيف يصح شائعا!
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ١٤٦)، وبدائع الصنائع (٦/ ٦٥).
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَا بِصَفقَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلمُشتَرِي أَنْ يَقْبَلَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا وَيَقْبِضَ إِذَا نَقَدَ ثَمَنَ حِصَّتِهِ وَإِنْ قَبِلَ الكُلَّ.
وقوله: (ولا وجه إلى الثاني) لما فيه من قسمة الدين قبل القبض، ولا معنى لهذا أيضًا؛ لانعقاد الإجماع على أن أحدهما لو اشترى بنصيبه من الدين يجوز، وليس فيه معنى قسمة الدين، فكذا إذا ضمن أحدهما بنصيب شريكه، ولكن التعويل على ما ذكرنا كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (بخلاف ما إذا باعا بصفقتين) بأن سمى [كل واحد منهما لنفسه ثمنًا، ثم ضمن أحدهما الآخر - صح ضمانه؛ لأنه لا شركة؛ إذ نصيب] (^١) كل واحد منهما ممتاز عن نصيب الآخر؛ ولهذا لو أخذ أحدهما شيئًا من المشتري لا يشاركه الآخر فلا يصير ضامنًا لنفسه بخلاف الفصل الأول.
قال الإمام قاضي خان ولو تبرع بالأداء في هذه الفصول من غير ضمان - جاز تبرعه؛ لأن التبرع لا يتم إلا بالأداء، وعند الأداء يصير مسقطا حقه في المشاركة فيصح، وجواز التبرع لا يدل على جواز الكفالة؛ لأن التبرع [أسرع] (^٢) جوازا من الكفالة؛ ألا ترى أنه يجوز التبرع ببدل الكتابة، ولا تصح الكفالة [به] (^٣).
قوله: (فإن قبل الكل) أي: فإن قبل المشتري الكل بكلام واحد؛ لما مر في البيوع أن تفريق الصفقة يكون بتفريق الثمن بتسمية كل واحد من الثمن للبائعين.
وإن كان المشتري واحدًا وقبلهما بكلمة واحدة، وفي لفظ الكتاب تخليط، وقد فصله المحبوبي حيث قال: إن كان البيع صفقتين، بأن سميا لكل نصيب ثمنًا - صح ضمانه؛ لأنه لا شركة بينهما؛ ألا ترى أن المشتري لو قبل نصيب أحدهما ورد الآخر يصح، ولو قبل الكل ثم نقد حصة أحدهما ملك قبض نصيبه بخلاف الأول (^٤).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: الهداية (٣/ ٩٥).
[ ٦ / ٣٢٥ ]
قَالَ: (وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ آخَرَ خَرَاجَهُ وَنَوَائِبَهُ وَقِسَمَتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ). أَمَّا الخَرَاجُ فَقَد ذَكَرنَاهُ وَهُوَ يُخَالِفُ الزَّكَاةَ، لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ فِعل، وَلِهَذَا لَا تُؤَدَّى بَعدَ مَوتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ إِلَّا بِوَصِيَّة.
قوله: (أما الخراج فقد ذكرناه) قبل هذا الفصل بقوله: والرهن والكفالة جائزان في الخراج بلا خلاف (^١).
ثم قيل: المراد بالخراج الذي تصح الكفالة به الموظف، وهو الذي يجب في الذمة أما خراج المقاسمة، وهو ما يجب فيما يخرج من الأرض، فإنها غير واجبة (^٢) في الذمة، فلم يكن في معنى الدين، فلا تصح الكفالة به.
(وهو) أي: الخراج (يخالف الزكاة؛ لأنها) أي: الزكاة (مجرد فعل).
وفي الفوائد الظهيرية: الخراج دين كسائر الديون، كأنه أراد به الموظف، بخلاف الزكاة في الأموال الظاهرة حيث لا يجوز الضمان بها (^٣)؛ لأن الواجب جزء من النصاب، وهو عين غير مضمون، بدليل أنه لو هلك لا يضمن شيئًا، والكفالة بأعيان غير مضمونة باطلة، فعلى هذا ينبغي أن تصح الكفالة بدين الزكاة عند الشافعي (^٤)؛ لأنها دين مطالب؛ ولهذا لا تسقط بهلاك المال.
فإن قيل: عندنا ينبغي أن تصح الكفالة في زكاة واجبة في نصاب مستهلك السوائم؛ لأنه في الذمة.
قلنا: قال بعض المشايخ: الفرق بين الزكاة والخراج: أن الزكاة ليست بدين؛ لأن الدين اسم لمال واجب في الذمة، والزكاة فعل هو عبادة والمال لإقامته، كالحج؛ ولهذا قلنا: إن الزكاة لا تستوفى من التركة بخلاف الخراج؛ لأنه مال يجب في مقابلة الذب عن حريم الدين وحفظه، فكان بمنزلة الأجرة، والكفالة بالأجرة صحيحة، فكذا بالخراج، وأما الواجب في الزكاة فتمليك مال من غير أن يكون بدلا عن شيء آخر.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٢١).
(٢) انظر: التجريد للقدوري (٢/ ١٠٩٥)، وبدائع الصنائع (٢/ ٣٠١).
(٣) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٤/ ١٦٥)، ودرر الحكام (٢/ ٣٠١).
(٤) انظر: تحفة المحتاج (٥/ ٢٥٩).
[ ٦ / ٣٢٦ ]
وَأَمَّا النَّوَائِبُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَكُونُ بِحَقِّ، كَكَري النَّهْرِ المُشْتَرَكِ وَأَجْرِ الحَارِسِ وَالمُوَظَّفِ لِتَجهيز الجَيشِ وَفِدَاءِ الأَسَارَى وَغَيْرِهَا، جَازَتِ الكَفَالَةُ بِهَا عَلَى - الاتِّفَاقِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقِّ، كَالجِبَايَاتِ فِي زَمَانِنَا، فَفِيهِ اخْتِلَافُ المَشَايِخِ ﵏، وَمِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى الصِّحَّةِ الإِمَامُ عَلِيٌّ البَرْدَوِيُّ، وَأَمَّا القِسْمَةُ فَقَد
قوله: (جازت الكفالة (^١) بها) أي: بالنوائب بالحق (بالاتفاق) بين أصحابنا وغيرهم من الفقهاء.
(كالجبايات في زماننا) وهي التي تأخذها الظلمة ظلمًا كالفتحر (^٢) وغيره ففيه اختلاف مشايخنا.
(علي البزدوي) وهو فخر الإسلام (^٣)، لا صدر الإسلام (^٤)، فإن صدر الإسلام قال: لا تصح الكفالة (^٥)، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٦).
وقال النسفي، وشمس الأئمة، وقاضي خان مثل قول فخر الإسلام؛ لأنها في حق توجه المطالبة فوق سائر الديون، والعبرة في باب الكفالة للمطالبة؛ لأنها شرعت لالتزامها.
ولهذا قلنا: إن من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط يؤجر، وإن كان الآخذ ظالمًا؛ ولهذا قلنا: إن من قضى نائبة غيره بأمره رجع عليه وإن لم يشترط الرجوع، كما لو قضى دين غيره بأمره.
قوله: (وأما القسمة) إلى آخره، عن أبي بكر بن سعيد أنه قال: قول صاحب الكتاب: (وقسمته) وقع غلطًا؛ لأن القسمة مصدر، والمصدر فعل حقيقة، والفعل غير مضمون.
قال الهندواني: معنى قسمته؛ يعني: إذا طلب أحد الشريكين القسمة من صاحبه، وامتنع الآخر عن ذلك، فضمن إنسان بها؛ لأن القسمة واجبة عليه.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٦٠).
(٢) كذا بالأصل، وفي النسخة الثانية: (القنجر)، وفي العناية (٧/ ٢٢٢): (كَالْقَيْجَرِ).
(٣) وهو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم النسفي، فخر الإسلام البزدوي.
(٤) هو محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم النسفي صدر الإسلام، وهو وفخر الإسلام أخوان.
(٥) انظر: مجمع الأنهر (٢/ ١٤٢).
(٦) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥٩)، والموسوعة الفقهعية الكويتية (٥/¬٤١).
[ ٦ / ٣٢٧ ]
قِيلَ: هِيَ النَّوَائِبُ بِعَينِهَا، أَوْ حِصَّةٌ مِنهَا وَالرِّوَايَةُ بِـ «أو»، وَقِيلَ: هِيَ النَّائِبَةُ المُوَظَّفَةُ الرَّاتِبَةُ، وَالمُرَادُ بِالنَّوَائِبِ: مَا يَنُوبُهُ غَيْرُ رَاتِبِ … … … .
وقال بعضهم: معناها: إذا اقتسما، ثم يبيع أحد الشريكين قسم صاحبه، فتكون الرواية على هذا (قسمة) بسكون السين، وحذف التأكيد. كذا في الفوائد الظهيرية.
قيل في جوابه: القسمة بمعنى النصيب، جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَنَّبئهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]، والمراد النصيب.
(هي النوائب بعينها) وقد ذكر في التفسير النوائب بحق وبغير حق (أو حصة منها) أي: من النوائب، يعني إذا قسم الإمام نائبة على المسلمين، فأصاب من تلك القسمة له شيئًا فكفل به - صح بالإجماع.
ولكن ينبغي أن يذكر الرواية على هذا التقدير، (وقسمة) بالواو، ليكون عطفًا للخاص على العام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] دون (أو)، فكان قوله: الرواية (بأو) جواب هذه الشبهة.
قال شمس الأئمة: تكلموا في معنى النوائب، قيل: هي أجرة الحارس ونحوه من نوائب المحلة، وهو واجب شرعًا.
وقيل: ما يجهز الإمام للجيش إذا لم يكن في بيت المال شيء، وهو واجب على كل مسلم؛ طاعةً للإمام فيما يجب نظرًا للمسلمين (^١)، وقيل: هي النائبة الموظفة الراتبة؛ أي: المقاطعات الديوانية في كل شهر أو ثلاثة. كذا في الفوائد الظهيرية.
قال المحبوبي في جامعه: من أصحابنا من قال: الأفضل للمرء أن يشارك أهل محلته في إعطاء النائبة.
قال شمس الأئمة: هذا كان في ذلك الوقت؛ لأنه إعانة على الطاعة والجهاد، أما في زماننا أكثر النوائب تؤخذ بطريق الظلم، ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه [فذلك خير له، وإن أراد الإعطاء فليُعط من هو عاجز عن دفع
_________________
(١) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٩٥)، الاختيار لتعليل المختار (٢/ ١٧٢).
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وَالحُكمُ مَا بَيَّنَّاهُ.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَى شَهرٍ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: هِيَ حَالَّةٌ، فَالقَولُ قولُ المُدَّعِي، وَمَنْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَك عَنْ فُلان مِائَةً إِلَى شَهرٍ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: هِيَ حَالَةٌ، فَالقَولُ قَولُ الضَّامِنِ). وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ المُقِرَّ أَقَرَّ بِالدِّينِ.
ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ وَهُوَ تَأْخِيرُ المُطَالَبَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَفِي الكَفَالَةِ مَا أَقَرَّ بِالدِّينِ، لِأَنَّهُ لَا دَينَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ المُطَالَبَةِ بَعدَ الشَّهْرِ، وَلِأَنَّ الأَجَلَ
الظلم عن نفسه] (^١) لفقره؛ حتى يستعين به الفقير على دفع الظلم، وينال المعطي الثواب.
قوله: (فالحكم ما بيناه) وهو أن الكفالة فيما إذا كانت بحق بالاتفاق، ولو كانت بغير حق ففي صحة الكفالة اختلاف المشايخ كما ذكرنا.
قوله: (فالقول للضامن) (^٢) أي في ظاهر الرواية.
(أن المقر أقر بالدين) وهو سبب وجوب المطالبة (ثم ادعى لنفسه حقًا) على المقر له (وهو تأخير المطالبة إلى شهر والمقر له ينكر ذلك؛ فالقول للمنكر في الشرع وفي الكفالة ما أقر بالدين) إذ لا دين عليه في الأصح، وإنما أقر بحق المطالبة بعد شهر، والمكفول له يدعي المطالبة لنفسه في الحال، والضامن ينكر ذلك القول، والقول للمنكر.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير تتعطل الكفالة عن موجبها وهو التزام المطالبة؛ فينبغي ألا يكون القول للضامن.
قلنا: لا يتعطل؛ لأن التزام المطالبة إما للحال أو للمستقبل، وقد وجد هاهنا التزام المطالبة في المستقبل، فكانت صحيحة. إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
قوله: (لا دين عليه) (^٣) أي: على الكفيل (في الصحيح)، ولهذا لو أبرأ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: كنز الدقائق (١/ ٤٥٥)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٧٠).
(٣) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٦١).
[ ٦ / ٣٢٩ ]
في الدُّيُونِ عَارِضٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ إِلَّا بِشَرط، فَكَانَ القَولُ قَولَ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرِطَ كَمَا في الخِيَارِ، أَمَّا الأَجَلُ فِي الكَفَالَةِ فَنَوعٌ مِنهَا حَتَّى يَثْبُتَ مِنْ غَيْرِ شَرط بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى الأَصِيلِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَلحَقَ الثَّانِيَ بِالأَوَّلِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ فِيمَا يُروَى عَنهُ: أَلحَقَ الأَوَّلَ بِالثَّانِي
الطالب الكفيل، فرده الكفيل، لا يرتد برده كما بينا، فعلم أن لا دين عليه، ولأن الأصل في الدين أن يجب حالا، والأجل فيه عارض؛ لأنه إن وجب فرضًا أو إتلافًا فظاهر، وإن وجب ثمنًا فكذلك؛ لأنه مقابل بزوال ملك البائع بآخر، أو العاقل على ما عليه ظاهر حاله لا يرضى بزوال ملكه ناجزا لا ببدل ناجز؛ ولهذا لا يثبت الأجل إلا بشرط، فكان القول قول من أنكر العارض، كما إذا ادعى أحد المتعاقدين خيار الشرط وينكر الآخر؛ فالقول لمنكر الشرط؛ أي: مع اليمين والأجل في الكفالة، وليس بعارض حتى يثبت بلا شرط، فإن كفل بدين مؤجل؛ فإن الأجل يثبت (^١) في حق الكفيل بلا شرط، فوجب أن يقبل قوله في بيانه.
قوله: (والشافعي ألحق الثاني بالأول، وأبو يوسف ألحق الأول بالثاني).
هكذا وقع في عامة النسخ، وليس بصحيح؛ بل الصحيح عكسه؛ فإن الشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف الثاني بالأول؛ وذلك لأن عند الشافعي القول للمقر في الفصلين جميعًا، فكان الإقرار بالدين هو المذكور أولا، ملحقا بالثاني وهو الإقرار بالكفالة، ومذهب أبي يوسف على عكسه.
وفي الكافي: ما ذكر في الهداية أن الشافعي ألحق الثاني بالأول مشكل؛ لأن مذهبه على عكسه، فيحتمل أن يكون له قولان، أو لفظ المصنف: والشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف الثاني بالأول، وهكذا في شرح البزدوي والظهيري، والتغيير وقع من الكاتب.
حجة الشافعي أن الدين نوعان: حال ومؤجّل كالكفالة، فكان القول له في بيانه.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٢٣)، والجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (١/ ٣٨٠).
[ ٦ / ٣٣٠ ]
والفَرقُ قَدْ أَوضَحَنَاهُ. قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة فَكَفَلَ لَهُ رَجُلٌ بِالدَّرَكِ) فَاسْتَحَقَّت: (لَم يَأْخُذِ الكَفِيلَ حَتَّى يُقضَى لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ) لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَنتَقِضُ البَيعُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (•)
وحجة أبي يوسف في رواية إبراهيم بن يوسف عنه: أنهما تصادقا على وجوب المال، ثم ادعى أحدهما الأصل على صاحبه، فلا يصدق إلا بالحجة كما في الأول؛ ألا ترى أنه لو أقر بالكفالة على أنه بالخيار - جاز إقراره بالكفالة، ودعواه الخيار باطل، وكذا الأجل (^١).
قوله: (والفرق قد أوضحناه) إشارة إلى قوله: (ووجه الفرق) صالح للجواب عن دليل الشافعي، وعن دليل أبي يوسف.
فإن قيل: الأجل صفة للدين، يقال: دين مؤجل ودين حال، كالجودة والرداءة، وفي دعوى الجودة والرداءة القول للمقر بالاتفاق، وفي دعوى الأجل القول للمقر له، فما الفرق بينهما؟
قلنا: قال الإمام المرغيناني والمحبوبي: الأجل للدين وصف لفظا لا معن، بخلاف الجودة والرداءة صفة للمال حقيقة ولفظا، فلما أقر بالمال بوصف لا يجب عليه بوصف آخر في مطلق الإقرار.
ثم ذكر التمرتاشي هاهنا مسألة، وهي أن رجلا لو ادعى مالا على رجل، والمال مؤجل، فيخاف إن أقر أخذ به، وإن أنكر يكون كاذبًا؛ فالحيلة له أن يقول للمدعي: هذا المال الذي تدعيه مؤجل أو معجل؟ فإن قال: مؤجل فلا دعوى له في الحال، فإن قال: معجل ينكر وهو صادق.
وفي العيون: من عليه دين مؤجل لو حلف: ما له قبلي اليوم شيء - أرجو ألا يكون به بأس إن كان لا يقصد إتواء حقه.
قوله: (لأن بمجرد الاستحقاق) أي: القضاء بالاستحقاق، والقضاء بالمبيع للمستحق (لا ينتقض البيع (^٢) على ظاهر الرواية) فلا يجب الثمن على البائع، وفي
_________________
(١) (•) الراجح: هو ظاهر الرواية.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٢٣).
(٣) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٦٢).
[ ٦ / ٣٣١ ]
مَا لَم يُقضَ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ، فَلَم يَجِب لَهُ عَلَى الأَصِيلِ رَدُّ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الكَفِيلِ، بِخِلَافِ القَضَاءِ بِالحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ البَيعَ يَبْطُلُ بِهَا لِعَدَمِ المَحَلِّيَّةِ فَيَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ وَالكَفِيلِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَبْطُلُ البَيعُ بِالاسْتِحْقَاقِ، فَعَلَى قِيَاسِ قَولِهِ: يَرجِعُ بِمُجَرَّدِ الاستحقاقِ، وَمَوضِعُهُ أَوَائِلُ الزِّيَادَاتُ فِي تَرتِيبِ الأَصل.
الكفالة بالدرك لا بد من وجود الثمن على البائع، فلا بد من القضاء بالثمن على البائع؛ لاحتمال أن يجيز المستحق البيع فلا يعود الثمن (^١) إلى ملك المشتري؛ ولهذا لو كان الثمن عبدًا فأعتقه بائع الجارية بعد استحقاقها نفذ إعتاقه.
وكذا لو كان المشتري باعها من غيره، فاستحقت من يد الثاني لم يكن للمشتري الأول أن يرجع على بائعه ما لم يرجع عليه المشتري الثاني؛ كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد، ومتى لم يجب الثمن على البائع لا يرجع المشتري على الكفيل. كذا في جامع قاضي خان والمحبوبي.
وفي جامع المحيط: قال أبو يوسف (^٢): الكفيل بالدرك يأخذه المشتري إذا قضي عليه بالاستحقاق، وإن كان البائع غائبًا فينفسخ البيع بهذه الرواية بمجرد الاستحقاق، وهو وراية عن أبي حنيفة، وبه قال الأئمة الثلاثة (^٣)، فعلى هذا: للمشتري أن يأخذ الكفيل بالثمن إذا قضي عليه بالاستحقاق.
قوله: (بخلاف القضاء بالحرية) [ووجه الورود أن بمجرد القضاء بالحرية] (^٤) يثبت للمشتري حق الرجوع، ولم يثبت في فصل الاستحقاق (لأن البيع يبطل بها) أي: بالحرية (لعدم المحلية).
قوله: (في ترتيب) (^٥) وهو ترتيب محمد، حيث ابتدأ كتاب الزيادات بكتاب المأذون، ثم رتبها الزعفراني على هذا الترتيب الذي عليه الآن.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٨/ ٢٧٨).
(٢) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٢٩٨)، ومجلة الأحكام العدلية (١/ ١٢٠).
(٣) انظر: الجامع لمسائل المدونة (١٨/ ٨٦)، وشرح التلقين (٢ - ٣/ ١٩١)، وبحر المذهب للروياني (٦/ ١٦٤)، وحاشية الجمل على شرح المنهج (٣/ ١٧٩)، والمغني (٤/ ٤٠٤، ٤٠٥).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) كذا بالأصول الخطية، وتقدم في المتن: (في ترتيب الأصل).
[ ٦ / ٣٣٢ ]
(وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ بِالعُهْدَةِ فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفظَةَ مُشتَبِهَةٌ قَدْ تَقَعُ عَلَى الصَّلِّ القَدِيمِ، وَهُوَ مِلكُ البَائِعِ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَقَدْ تَقَعُ عَلَى العَقدِ وَعَلَى حُقُوقِهِ وَعَلَى الدَّرَكِ وَعَلَى الخِيَارِ، وَلِكُلِّ ذَلِكَ وَجهُ فَتَعَذَّرَ العَمَلُ بِهَا، بِخِلَافِ الدَّرَكِ، لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي ضَمَانِ الاستحقاقِ عُرفًا، وَلَو ضَمِنَ
قوله: (فضمن له رجل بالعهدة، فالضمان باطل) اعلم أن هاهنا ثلاث مسائل: ضمان العهدة، وضمان الدرك، وضمان الخلاص، فضمان الدرك جائز باتفاق (^١) أصحابنا، وضمان العهدة باطل (^٢) عندهم بالاتفاق، وضمان الخلاص؛ فعند أبي يوسف ومحمد جائز (^٣)، وعند أبي حنيفة باطل (^٤).
وفي الفوائد الظهيرية: وأما ضمان العهدة فقد ذكر هاهنا؛ أي: في الجامع الصغير، أنه باطل، ولم يَحْكِ خلافًا، وذكر بعض مشايخنا أن عند أبي حنيفة ضمان العهدة ضمان الدرك.
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي للخصاف أن تفسير الخلاص والدرك والعهدة واحد عند أبي حنيفة ومحمد، وهو الرجوع بالثمن على البائع عند الاستحقاق، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٥)، وعند أبي حنيفة شرط العهدة باطل، وتفسيره عنده الصك الأصلي الذي كان عند البائع يشترط المشتري أن يسلمه إليه، وهذا شرط لا يقتضيه العقد، ولأحد العاقدين فيه منفعة فكان باطلا، والضمان به باطل أيضًا؛ لأنه التزام شيء لا يقدر عليه.
(وهذه اللفظة) أي: لفظة العهدة (مشتبهة) كما ذكره في الكتاب، يعني يطلق على العقد؛ لأن العهدة أخذت من العهد والعهد والعقد سواء، فكانت العهدة من العهد بمنزلة العقدة من العقد، ويطلق على الصك القديم؛ لأنه وثيقة بمنزلة كتاب العهد، ويطلق على الحقوق التي ترجع إلى العقد؛ لأنها من ثمرات
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٣/ ٢٤١)، وبدائع الصنائع (٦/¬٩).
(٢) انظر: شرح مختصر الطحاوي (٢٣٩٣)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٧٣).
(٣) انظر: المحيط البرهاني (٨/ ٨١).
(٤) انظر: مجمع الأنهر (٢/ ١٤٢).
(٥) انظر: الجامع لمسائل المدونة (١٨/ ٨٦)، الحاوي الكبير (٩/ ٥١٢)، المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٤)
[ ٦ / ٣٣٣ ]
الخَلَاصَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْلِيصِ الْمَبِيعِ وَتَسْلِيمِهِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ غَيْرُ قَادِر عَلَيْهِ، وَعِندَهُمَا: هُوَ بِمَنزِلَةِ الدَّرَكِ وَهُوَ تَسْلِيمُ البَيعِ أَوْ قِيمَتِهِ فَصَحَّ.
العقد، ويُطلق على خيار الشرط، كما جاء في الحديث: «عُهْدَةُ الرّقيق ثلاثة أيّام» (^١)؛ أي: خيار الشرط، وإذا كان كذلك بطل العمل بها قبل البيان، وهما يقولان: يجب صرفها إلى ما يصح به الضمان، وهو الدرك؛ تصحيحا للضمان بقدر الإمكان، وأبو حنيفة يقول: فراغ الذمة أصل، فلا يثبت الشغل بالشك والاحتمال.
وقال ابن قدامة في المغني: العُهدة عبارة عن الدرك، وضمان الثمن في العُرف، فيحمل المطلق عليه (^٢).
وقلنا: العُرف غير مسلم؛ لما ذكرنا، ولئن سلم فيحمل عليه إذا لم يعارض أصلا آخر، وهو الأصل في الذمم البراءة.
وضمان الخلاص لا يصح عند أبي حنيفة (^٣)، وبه قال أحمد في رواية (^٤)، واختاره القاضي الحنبلي.
(لأنه عبارة) أي: ضمان الخلاص (عن تخليص المبيع) وهو غير قادر عليه؛ لأن المبيع إذا خرج حرًا أو مستحقا كيف يخلصه؟ وعندهما تفسيره ضمان تسليم المبيع إن قدر عليه، وتسليم الثمن إن عجز عنه. كذا في جامع المحبوبي وقاضي خان وشمس الأئمة.
وقال شمس الأئمة: شرط الخلاص تفسيره: أن يشترط على البائع أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٤ رقم ٣٥٠٦)، والحاكم (٢/¬٢١ رقم ٢١٩٨)، وأحمد (٤/ ١٥٠ رقم ١٧٣٩٥) من حديث عقبة بن عامر ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أنه على الإرسال فإن الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر، وله شاهد.
(٢) المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٤).
(٣) انظر: مجمع الأنهر (٤/ ١٤٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٤)، والشرح الكبير على المقنع (١٣/¬٣٢)، والإنصاف (١٣/¬٣١)
[ ٦ / ٣٣٤ ]