قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ نَصْرَانِي فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً وَقَالَتْ: أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الوَرَثَةِ) وَقَالَ زُفَرُ لَهُ: القَوْلُ قَوْلُهَا (*)، لِأَنَّ الإِسْلَامَ حَادِثٌ فَيُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ الأَوْقَاتِ. وَلَنَا: أَنَّ سَبَبَ الحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الحَالِ، فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى تَحْكِيمًا لِلْحَالِ، كَمَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ نَعْتَبِرُهُ لِلدَّفْعِ؛
رضاه، وإنما يلزم بهذا؛ لأنه إسقاط حقه، والإسقاطات تصح مع الجهالة كما في الصلح على الإنكار (^١).
وقيل: إنما يكتب في الصك قوله: من قام إلى آخره؛ تحرزا عن قول ابن أبي ليلى لا عن قول أبي حنيفة؛ [لأن التحرز عن قول أبي حنيفة] (^٢) لا يحصل به؛ لأنه بهذا يثبت الرضا بوكالة وكيل مجهول، والرضا بوكالة وكيل مجهول باطل، فوجوده كعدمه، وإنما يحصل التحرز عن قول ابن أبي ليلى؛ فإن عنده يصح التوكيل بالخصومة من غير رضا الخصم، إلا إذا وجد الرضا بوكالة وكيل مجهول، فحينئذ يجوز، فيقع الاحتراز عن قوله. كذا ذكره قاضي خان والمحبوبي.
ولكن ذكر في كتب المذاهب الأربعة أن عند ابن أبي ليلى يجوز التوكيل بغير رضا الخصم مطلقا (^٣).
فَصْلٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ
لما كان الموت آخر أحوال المرء ذكر الأحكام المتعلقة به آخرًا.
قوله: (كما في جريان ماء الطاحونة) اختلفا في وجوب الأجر بعد المدة، كالمستأجر يقول: الماء منقطع فلا يجب الأجر، وقال الآجر: جار يجب الأجر، فلو كان الماء في الحال جاريًا كان القول للآجر، ولو كان منقطعًا كان
_________________
(١) (*) الراجح: هو قولنا.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٧)، فتح القدير (٧/ ٣٣٨).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ٧٧).
[ ٦ / ٤٦٠ ]
وَمَا ذَكَرَهُ: يَعْتَبِرُهُ لِلِاسْتِحْقَاقِ؛ (وَلَوْ مَاتَ المُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا)، وَلَا يُحَكِّمُ الحَالُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةٌ لِلاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ، أَمَّا الوَرَثَةُ فَهُمْ الدَّافِعُونَ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الحُدُوثِ أَيْضًا.
القول للمستأجر، وهذا حكم باستصحاب الحال في حق ما مضى، بخلاف المفقود، فإن هناك حكمًا باستصحاب الحال الماضي في حق الحال، فعلم أن العمل بالاستصحاب تارة يكون من الحال إلى الماضي، وتارة من الماضي إلى الحال (^١).
قوله: (وما ذكره) (^٢) أي: زفر (يعتبره) أي: الاستصحاب (للاستحقاق) وهو قول الشافعي (^٣)، والظاهر يعتبر للدفع لا للاستحقاق.
قوله: (ولا يُحَكِّمُ الحال) أي: لا يقال: إنها مسلمة في الحال فتكون مسلمة قبل موته، كما في مسألة الطاحونة؛ لأن إسلامها حادث، والأصل في الحوادث أن تضاف إلى أقرب الأوقات، فالحاصل أن المرأة تتمسك في هذه المسألة بما تمسك به الورثة في المسألة الأولى والورثة يتمسكون بما تمسكت به المرأة في المسألة الأولى، غير أنها تتمسك بالظاهر في المسألتين فيصلح لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق (^٤).
فإن قيل: الماء إذا كان جاريًا في مسألة الطاحونة يجعل حجة لصاحب الطاحونة، فيستحق الأجر، فقد تمسكتم بالحال لإثبات استحقاق الأجر.
قلنا: اتفقا على سبب الوجوب، وهو العقد، ولكن اختلفا في التأكيد، والظاهر يصلح للتأكيد، وفي مسألة الميراث: اختلفا في وجوب السبب، وهو الزوجية، مع اتفاقهما في الدين عند الموت، فلا يصلح الظاهر حجة (^٥).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٩، ٣٤٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ٧٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٨)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٠).
(٣) انظر: الأم (٦/ ٢٥٢)، نهاية المطلب ودراية المذهب (١٩/ ١٣٣).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٠، ٣٤١)، البناية شرح الهداية (٩/ ٧٨، ٨٩).
(٥) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٤١).
[ ٦ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: يشكل هذا بمسألة ذكرها محمد في الأصل: إذا مات وترك ابنين، فقال أحدهما: مات أبي مسلمًا، وقد كنت مسلمًا حال حياته، وقال الآخر: صدقت وأنا أيضًا أسلمت [حال] (^١) حياته، وكذبه الابن المتفق [على] (^٢) إسلامه، وقال: بل أسلمت بعد موته؛ فالقول للابن المتفق على إسلامه، ولم يجعل الحال حكمًا على إسلامه فيما مضى مع قيام السبب في الحال، وهو البنوة.
قلنا: ما ذكرنا من الطريق إنما يصار إليه إذا اختلفا في الماضي في ثبوت ما هو ثابت في الحال، أما إذا اتفقا في الماضي على خلاف ما هو ثابت في الحال، غير أنهما اتفقا في مقداره، فلا يصار إلى تحكم الحال وإن كان السبب قائمًا (^٣)، ألا ترى أن في مسألة الطاحونة إذا اتفقا على الانقطاع في بعض مدة الإجارة، بأن قال المستأجر: كان الماء منقطعًا شهرين، وقال الآخر: انقطع شهرًا - فالقول للمستأجر مع يمينه منقطعًا كان أو جاريًا في الحال، لأنهما اختلفا في جريان مقدر وانقطاع مقدر؛ وذلك غير ثابت للحال.
وفي مسألة الابنين ومسألة الكتاب حاصل الاختلاف واقع في مقدار مدة الإسلام لا في نفس الإسلام، والثابت في الحال نفس الإسلام لا إسلام مقدر، فهذا هو المأخذ في المسألة (^٤).
وذكر التمرتاشي مثله، وهي ترد شبهة أيضًا على الأصل، وهو أن الاستحقاق لا يثبت بالظاهر، وقال: ادعت المرأة أنه أبانها في مرضه وصار فارًا، وقالت الورثة: في الصحة؛ فالقول للمرأة؛ لأنها أنكرت المانع، وهو الطلاق في الصحة، يعني الأصل عدم المانع (^٥).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (حال) إسلامه، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٤٣، ٤٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٢٧، ٤٢٨)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٥) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤١، ٣٤٢).
[ ٦ / ٤٦٢ ]
قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ المُسْتَوْدَعُ: هَذَا ابْنُ المَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ حَقٌّ الوَارِثِ خِلَافَةٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ حَقُّ المُوَرِّثِ وَهُوَ حَيٌّ أَصَالَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ المُودِعِ بِالقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ
قوله: (أو أنه اشتراه) أي: أن الرجل المُقرّ له اشترى عين الوديعة من مودعه، ثم في فصل الشراء لا يؤمر بالدفع، مع أن المودع أقر بزوال ملك المودع؛ لأن إقراره حجة قاصرة عليه، فلا يصح في حق الغير، فإنه أقر أنه ملك الغائب وهو حي، ويده في الوديعة يد الغائب، فلا يملك إبطال يده وملكه بإقراره؛ إذ في تصحيح إقراره تنفيذ إقراره على الغير، كما في حق قبض الوديعة بالوكالة (^١).
وفي الفوائد الظهيرية: ففي فصل الوديعة إذا لم يؤمر بالتسليم، ومع هذا لو سلم وأراد الاسترداد هل له ذلك؟
قيل: لا يملك؛ لأنه يصير ساعيًا في نقض ما أوجبه، وكان والدي يحكي عن أستاذه ظهير الدين المرغيناني أنه كان يتردد في جواب هذه المسألة، أما إذا لم يسلم في فصل الوديعة حتى ضاعت في يده قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن، وكان ينبغي أن يضمن؛ لأن المنع من وكيل المودع في زعمه كالمنع من المودع، وفي المنع منه يضمن، فكذا من وكيله (^٢).
واختلف في الملتقط لو أقر باللقطة لرجل: هل يؤمر بالدفع؟ وقد بينا الخلاف في اللقطة (^٣).
وفي الجامع (^٤): لو ادعى الوصاية فصدقه مودع الميت أو غاصب منه أو وصيه - لا يؤمر بالدفع.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٠).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٢، ٣٤٣)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٣).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٥)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٣).
(٤) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (١/ ٣٩٦).
[ ٦ / ٤٦٣ ]
أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ المُودِعِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى مَالِ الغَيْرِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ المَدْيُونِ إِذَا أَقَرَّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ بِالقَبْضِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ (فَلَوْ قَالَ المُودَعُ لِآخَرَ، هَذَا ابْنُهُ أَيْضًا، وَقَالَ الأَوَّلُ: لَيْسَ لَهُ ابْنٌ غَيْرِي قَضَى بِالمَالِ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ إِقْرَارُهُ لِلْأَوَّلِ انْقَطَعَ يَدُهُ عَنْ المَالِ، فَيَكُونُ هَذَا إِقْرَارًا عَلَى الأَوَّلِ، فَلَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ لِلثَّانِي، كَمَا إِذَا كَانَ الأَوَّلُ ابْنَا مَعْرُوفًا، وَلِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فَصَحَّ، وَحِينَ أَقَرَّ لِلثَّانِي لَهُ مُكَذِّبٌ فَلَمْ يَصِحٌ.
قَالَ: (وَإِذَا قُسِمَ المِيرَاثُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وَالوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنهُمْ كَفِيلٌ وَلَا مِنْ وَارِثٍ، وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ القُضَاةِ، وَهُوَ ظُلْمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: يُؤْخَذُ الكَفِيلُ (*)،
قوله: (بخلاف المديون إذا أقر بتوكيل غيره)، أي: أقر المديون لرجل أنه وكيل صاحب الدين بقبض الدين، حيث يؤمر بالدفع؛ لأن المديون يقبضه من مال نفسه (لأن الديون تقضى بأمثالها) فكان إقرار المديون بأنه وكيل بقبضه إقرارًا على نفسه بوجوب القضاء إليه (^١). كذا ذكره قاضي خان.
قوله: (فلم يصح إقراره) بابن آخر ويضمن المودع نصف ما أدى إلى الأول للابن الثاني الذي أقر له إذا دفع الوديعة بغير قضاء القاضي (^٢)، وبه قال الشافعي في قول وأحمد (^٣)، وقال في قول: لا يضمن؛ لأن إقراره للثاني صادف ملك الغير، فلا يلزم به شيء.
قوله: (وهذا شيء) أي: أخذ الكفيل شيءء (احتاط به بعض القضاة) وكان ابن أبي ليلى يفعل كذلك بالكوفة في قضائه (^٤).
قوله: (وقالا: يؤخذ الكفيل) أي: لا يدفع المال إليهم حتى يؤخذ الكفيل،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٠).
(٣) البناية شرح الهداية (٩) (٨٠)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٣).
(٤) انظر: المغني (٦/ ٤٤٥، ٤٤٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (٧/ ٣١٥).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨١)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٤).
[ ٦ / ٤٦٤ ]
وَالمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالإِرْثُ بِالشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ.
وبه قال الشافعي (^١)، واختلف أصحابه، فقيل: يجب أخذ الكفيل، وقيل: لا يجب بل يستحب، وقيل: إن كان الوارث ممن يحجب وجب، إلا فلا.
وقيل: إن كان الوارث مأمونًا لا يجب، وإن كان غير مأمون يجب، وهذا الدفع إلى الوارث إنما يصح أن لو كان وارثًا لا يُحجب بغيره، فإن كان يحجب بغيره لا يدفع المال إليه، وإذا كان وارثا يختلف نصيبه ولا يحجب - يدفع إليه أقل النصيبين عند أبي يوسف، وعند محمد: أوفر النصيبين، وبه قال الشافعي (^٢) في وجه، وقول أبي حنيفة مضطرب. ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (^٣).
قوله: (والمسألة فيما إذا ثبت الدين والإرث بالشهادة)، أما لو ثبتا بالإقرار يؤخذ الكفيل بالاتفاق، وقيل: بقوله: لا نعلم له وارثا غيره، أما إذا قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره - يدفع إليه المال بلا أخذ كفيل بالاتفاق، وعند ابن أبي ليلى لا يثبت إرثه حتى يقولا: لا وارث له سواه، ويأخذ الكفيل عنده في هذه الصورة أيضًا، وبه قال الشافعي (^٤) في وجه، وقال في وجه: يجب أخذ الكفيل في جميع الصور.
قال التمرتاشي: لو قال المودع لرجل: هو ابن الميت، ولم يزد عليه، فالقاضي يتلوم في ذلك زمانًا على حسب ما يرى، يعني مفوّض إلى رأي القاضي، وقدر الطحاوي (^٥) زمان التلوم بالحول، فإن لم يظهر وارث آخر أمر بدفع المال، ويأخذ له كفيلا؛ لاحتمال أن يظهر وارث آخر.
قيل: هذا قولهما، وعند أبي حنيفة لا يأخذ، وبه قال الشافعي (^٦) في وجه،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (٧/ ١١٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٧/ ١١٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٤).
(٣) انظر: أدب القاضي (٣/ ٤٥٨).
(٤) انظر: الأم (٧/ ١٣٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٧).
(٥) انظر: شرح مختصر الطحاوي (٨/ ١٣٩، ١٤٠).
(٦) انظر: الأم (٧/ ١٣٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٧).
[ ٦ / ٤٦٥ ]
لَهُمَا: أَنَّ القَاضِيَ نَاظِرُ لِلْغُيَّبِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ فِي التَّرِكَةِ وَارِثًا غَائِبًا أَوْ غَرِيمًا غَائِبًا، لِأَنَّ المَوْتَ قَدْ يَقَعُ بَغْتَةً فَيُحْتَاطُ بِالكَفَالَةِ. كَمَا إِذَا دَفَعَ الْآبِقَ وَاللُّقَطَةَ إِلَى صَاحِبِهِ وَأَعْطَى امْرَأَةَ الغَائِبِ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ حَقَّ الحَاضِرِ ثَابِتٌ قَطْعًا، أَوْ ظَاهِرًا فَلَا يُؤَخَّرُ لِحَقِّ مَوْهُومٍ إِلَى زَمَانِ التَّكْفِيلِ،
وقيل: يأخذ عند الكل؛ لأن الثابت بالإقرار دون الثابت بالبينة (^١)، وإذا قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره يدفع إليه من غير تلوم وكفيل، سواء كان وارثًا يُحجب بحال أو لا، ولو قالوا: لا وارث غيره، فكذلك استحسانًا، وفيه خلاف الشافعي (^٢).
(فيحتاط) أي: القاضي.
(كما إذا دفع) أي: القاضي العبد (الآبق واللقطة) إلى رجل أثبت عنده أنه صاحبه (وأعطى امرأة الغائب) يعني طلبت النفقة وزوجها غائب، وله عند إنسان وديعة، والمودع مقرّ بالوديعة والنكاح، فالقاضي يفرض لها النفقة ويأخذ منها كفيلا (^٣). كذا في المبسوط (^٤) والفوائد الظهيرية.
قوله: (حق الحاضر ثابت قطعًا) أي: فيما إذا كان الوارث الآخر معدومًا قطعًا (أو ظاهرًا) أي: فيما إذا كان موجودًا، لكن القاضي لم يكلف بإظهاره على وجه يُؤخر حق الحاضر؛ بل هو مكلف بالعمل بما ظهر عنده من الحجة، وكان العمل بالظاهر عليه واجبًا.
(فلا يؤخر لحق) أي: لا يؤخر الدفع إلى زمان التكفيل بسبب أمر موهوم؛ لأن الموهوم لا يقابل المعلوم، أرأيت لو لم يجد كفيلا كان منع حقه هذا ظلما! ولأنه لو أخذ الكفيل إنما يأخذ لمجهول، والكفالة لمجهول لا تصح، لا يقال: يأخذ الكفيل لنفسه؛ صيانةً لقضائه عن النقض؛ لأنه ليس
_________________
(١) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٥).
(٢) الأم (٧/ ١٣٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٧).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٢، ٨٣).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٥٢، ١٥٣).
[ ٦ / ٤٦٦ ]
كَمَنْ أَثْبَتَ الشَّرَاءَ مِمَّنْ فِي يَدِهِ أَوْ أَثْبَتَ الدَّيْنَ عَلَى العَبْدِ حَتَّى بِيعَ فِي دَيْنِهِ لَا يَكْفُلُ، وَلِأَنَّ المَكْفُولَ لَهُ مَجْهُولٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كُفِلَ لِأَحَدِ الغُرَمَاءِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ ثَابِتٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ.
وَأَمَّا الْآبِقُ وَاللُّقَطَةُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ عَلَى الخِلَافِ. وَقِيلَ: إِنْ دَفَعَ
بخصم ولا للميت؛ لأن حقه في تسليم ماله إلى وارثه، وقد أثبت وارثه، فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل (^١).
فإن قيل: القاضي يتلوم في هذه الصورة، ذكره في الأسرار وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٢)، والتلوم إنما يكون لتوهم وارث آخر، وبعد التلوم ما انقطعت الشبهة، فينبغي أن يجوز أخذ الكفيل لبقاء الشبهة، ويدفع المال إلى الحاضر؛ لقيام الحجة؛ لأن الحجة راجحة على الشبهة؛ عملا بالجهتين.
قلنا: يجب العمل على القاضي العمل بالحجة، ولا يجوز له العمل بغير حجة، والموهوم غير حجة، ألا ترى لو قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره - فالشبهة قائمة، ولا يجوز أخذ الكفيل، وليست الكفالة كالتلوم؛ لأن التلوم لطلب علم زائد له؛ ليتم علمه بقدر الممكن، أما الكفالة طلب أمر زائد على المستحق، فلا يجوز ألا يتوجه حق عليه من وجه، ولا يتوجه بالموهوم كما ذكرنا (^٣)، إليه أشار في المبسوط (^٤) والأسرار.
قوله: (كمن أثبت الشراء) إلى قوله: (لا يكفل) أي لا يؤخذ الكفيل من المشتري الذي أثبت شراءه بالحجة، ولا من رب الدين الذي أثبت دينه على العبد بالبينة، وإن كان يتوهم حضور مشتر آخر قبله وغريم آخر في حق العبد؛ لأن حق الزوج ثابت والمكفول له هو، وهو معلوم، فالتكفل لأجله يكون واجبًا (^٥).
قوله: (والأصح أنه على الخلاف) إذا ظهر الاستحقاق بالبينة،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٥، ٣٤٦)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٢).
(٢) انظر: أدب القاضي (٣/ ٤٥٨).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٧)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٥٢).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٣)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٦).
[ ٦ / ٤٦٧ ]
بِعَلَامَةِ اللُّقَطَةِ أَوْ إِقْرَارِ العَبْدِ يَكْفُلُ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الحَقَّ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُمْنَعَ. وَقَوْلُهُ: ظُلْمٌ: أَيْ مَيْلٌ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهَذَا يَكْشِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ تَعْلَتُهُ أَنَّ المُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ لَا كَمَا ظَنَّهُ البَعْضُ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَانًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهُ فُلَانٍ الغَائِبِ، قُضِيَ لَهُ بِالنِّصْفِ، وَتُرِكَ النِّصْفُ الآخَرُ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنهُ بِكَفِيلٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ كَانَ
أما لو أعطى العلامة يكفل بالإجماع (^١). كذا ذكره المرغيناني (^٢) والمحبوبي.
قوله: (وهذا) أي: قوله: (ظلم يكشف عن مذهب أبي حنيفة أن المجتهد يخطئ ويصيب) بل هو نص عليه.
(لا كما ظنه البعض) وهو المعتزلة، أن كل مجتهد مصيب على مذهب أبي حنيفة، وإنما وقعوا في هذا الظن بسبب ما نقل عن أبي حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد.
وقلنا: معناه مصيب في الاجتهاد، حتى يكون مثابًا وإن وقع اجتهاده مخالفًا (^٣) للحق عند الله تعالى، فقد قال محمد: لو تلاعنا ثلاثا ثلاثا، ففرق القاضي بينهما - نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة، جعل قضاءه صوابا مع فتواه أنه مخطئ الحق عند الله تعالى (^٤). كذا في التقويم (^٥).
قوله: (ولا يستوثق منه أي: من صاحب اليد بكفيل) وهذا بإجماع الفقهاء، وإنما الخلاف في أخذ نصيب الغائب منه وتركه في يده، فعند أبي حنيفة (^٦) يُترك في يده، وعندهما إن كان جاحدًا أُخِذ منه، وجُعِلَ في يد
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٣)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٦).
(٢) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدئ (٣/ ١١٢).
(٣) بعدها في الأصل: (للحق عند الله مخطئ) ولعلها مقحمة، والسياق المثبت في البناية (٩/ ٨٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٣)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٧).
(٥) انظر: تقويم الأدلة في أصول الفقه (ص: ٤٠٧).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٥)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٧).
[ ٦ / ٤٦٨ ]
الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ جَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ وَجُعِلَ فِي يَدِ أَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ تُرِكَ فِي يَدِهِ) (*) لَهُمَا: أَنَّ الجَاحِدَ خَائِنٌ فَلَا يُتْرَكُ المَالُ فِي يَدِهِ، بِخِلَافِ المُقِرِّ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. وَلَهُ: أَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ لِلْمَيِّتِ مَقْصُودًا، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ مُخْتَارَ المَيِّتِ ثَابِتٌ فَلَا تُنْقَضُ يَدُهُ كَمَا إِذَا كَانَ مُقِرًّا، وَجُحُودُهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِقَضَاءِ القَاضِي، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الجُحُودِ فِي المُسْتَقْبَلِ لِصَيْرُورَةِ الحَادِثَةِ مَعْلُومَةٌ لَهُ وَلِلْقَاضِي، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَنْقُول فَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الحِفْظِ، وَالنَّزْعُ أَبْلَغُ فِيهِ، بِخِلَافِ
أمين، وقال الشافعي (^١) وأحمد (^٢): يحفظ الحاكم نصيب الغائب كقولهما.
(له) أي: لأبي حنيفة أن القضاء للميت مقصودًا؛ لأن القضاء بالميراث قضاء بملك الميت حتى تقضى منه ديونه، وتنفذ وصاياه (^٣).
وقوله: (وجحوده قد ارتفع بالقضاء)، جواب عن قولهما: إن الجاحد (^٤)
خائن.
وقوله: (والظاهر عدم جحوده في المستقبل جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال لما جحد مرة، فالظاهر دوامه على جحوده، فأجاب عن هذا، وقال: والظاهر عدم جحوده في المستقبل؛ لصيرورة الحادثة معلومة له وللقاضي)، فالظاهر أنه إنما جحد لاشتباه الأمر عليه، وقد زال ذلك بالحجة (^٥).
فإن قيل: هذا مسلّم على تقدير بقاء القاضي وتذكره، فربما يموت القاضي في المستقبل، أو ينساه، بأن يحترق المحضر ولا يتذكره.
قلنا: خوف التلف بموت القاضي ونسيانه واحتراق المحضر مما يندر، ولا يُبالي بالنوادر (^٦). كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (والنزع أبلغ فيه) أي: في المنقول؛ لأنه لما جحد ربما يتصرف فيه
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: الأم (٦/ ٢٥٠)، الحاوي الكبير (١٧/ ٣٤٠، ٣٤١).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٠)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٢٦٩).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٤)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٤).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٤).
(٧) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٤٨)، فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٨).
[ ٦ / ٤٦٩ ]
العَقَارِ، لِأَنَّهَا مُحَصَّنَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الوَصِيُّ بَيْعَ المَنْقُولِ عَلَى الكَبِيرِ الغَائِبِ دُونَ العَقَارِ، وَكَذَا حُكْمُ وَصِيِّ الْأُمِّ وَالأَخِ وَالعَمِّ عَلَى الصَّغِيرِ.
وَقِيلَ: المَنْقُولُ عَلَى الخِلَافِ أَيْضًا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَظْهَرُ لِحَاجَتِهِ إلَى الحِفْظِ، وَإِنَّمَا لَا يُؤْخَذُ الكَفِيلُ، لِأَنَّهُ إِنْشَاءُ خُصُومَةٍ، وَالقَاضِي إِنَّمَا نُصِبَ
إما لخيانة، أو لزعمه أنه ملكه؛ إذ العدل لا يمتنع من التصرف فيما يزعم أنه ملكه، فالأخذ أبلغ من الترك في الحفظ (^١).
وقوله: (ولهذا يملك الوصي) توضيح لمعنى الحفظ، فإن المنقول يحتاج إلى الحفظ دون العقار فكان البيع أبلغ في الحفظ، فيملكه، وكذا وصي الأخ والأم والعم على الصغير، وإنما خصهم؛ إذ ليس لهم ولاية التصرف، ولهم ولاية الحفظ، وهذا من باب الحفظ (^٢).
(وقول أبي حنيفة فيه) أي: في المنقول (أظهر) بأنه يترك عنده نصيب الغائب في يد ذي اليد، أي: أظهر من حيث الدليل؛ إذ لو ترك في يده لكان مضمونًا عليه، ولو أخذ منه لا يكون مضمونًا على أحد، فكان الترك في يده أبلغ من الحفظ؛ إذ يد الضمين أشد حفظا من يد الأمين (^٣).
قوله: (وإنما لا يؤخذ الكفيل) من ذي اليد (لأنه) أي: أخذ الكفيل (إنشاء خصومة) إذ ربما لا يسامح ذو اليد في دفع الكفيل، والأخ الحاضر يطالبه بالكفيل، فتنشأ الخصومة، وأما في سائر الصور التي يؤخذ بالتكفيل فقد تقدمت سوابق الخصومة، فكان أخذ الكفيل هناك قطعًا للخصومات (^٤).
وعند الشافعي (^٥) إن لم يكن الشهود من أهل المعرفة الباطنة، يعني بالظاهر لا باليقين - لم يدفع إلى الحاضر شيئًا، حتى يبعث الحاكم ويسأل في البلاد التي سافر إليها، فإن لم يظهر له وارث سواهما دفع إلى الحاضر نصيبه، ويأخذ كفيلا منه.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/¬٤٨)، فتح القدير (٧/ ٣٤٩).
(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٣٤٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٥)، فتح القدير (٧/ ٣٤٩).
(٥) انظر: الأم (٧/ ١٣٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ١٣٤).
[ ٦ / ٤٧٠ ]
لِقَطْعِهَا لَا لِإِنْشَائِهَا، وَإِذَا حَضَرَ الغَائِبُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ البَيِّنَةِ وَيُسَلَّمُ النِّصْفُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ القَضَاءِ، لِأَنَّ أَحَدَ الوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ البَاقِينَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ لَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ المَقْضِيَّ لَهُ وَعَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ المَيِّتُ فِي الحَقِيقَةِ وَوَاحِدٌ مِنْ الوَرَثَةِ يَصْلُحُ خَلِيفَةٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الاسْتِيفَاءِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَامِلٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا: لَا يَسْتَوْفِي إِلَّا نَصِيبَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَامَتْ البَيِّنَةُ بِدَيْنِ المَيِّتِ،
قال بعض أصحابه: يجب أخذ الكفيل، وقال بعضهم: يستحب، وقال بعضهم: إن كان الوارث ممن يُحجب وجب أخذ الكفيل، وإلا لا، وقال بعضهم: إن كان الوارث مأمونًا لم يجب، وإلا وجب، وقد مر.
قوله: (لا يحتاج إلى إعادة البينة) في حق أخذ نصيبه من ذي اليد، وقال أبو الليث عن بعض مشايخنا: إن على قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن يعيد البينة؛ لأن تلك البينة للحاضر خاصة، كما في القصاص إذا أقام بينة الولي الحاضر على قتل أبيه عمدًا، ثم حضر الغائب - يحتاج إلى إعادة البينة على قوله خاصة، فكذا هاهنا.
وقال بعضهم: لا يحتاج إلى الإعادة؛ لأن بينة الحاضر له وللغائب كما في القتل الخطأ، إذا أقام الحاضر بينة لا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة، ويأخذ نصف الدية (^١) كذا هاهنا.
قال فخر الإسلام: وهذا أصح، لا أن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين.
قوله: (بخلاف الاستيفاء) أي: استيفاء نصيبه؛ لأنه عامل فيه لنفسه لا للميت فلا يصلح نائبا عن غيره فلهذا لا يستوفي إلا نصيب نفسه (^٢).
قوله: (بدين الميت) أي: بدين للميت، فإنه يقضى بالكل، ولا يأخذ إلا نصيب نفسه (^٣).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٦)، فتح القدير (٧/ ٣٥٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٦)، فتح القدير (٧/ ٣٥٠).
[ ٦ / ٤٧١ ]
إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الكُلِّ عَلَى أَحَدِ الوَرَثَةِ إِذَا كَانَ الكُلُّ فِي يَدِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الجَامِعِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا بِدُونِ اليَدِ فَيَقْتَصِرُ القَضَاءُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي المَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، فَهُوَ عَلَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ
وقوله: (إلا أنه) استثناء عن قوله: لأن ([أحد] (^١) الورثة) ينتصب خصمًا إلى آخره، يعني لو ادعى أحد على أحد الورثة دينًا على الميت - يكون هو خصمًا في جميع التركة، ويكون قضاء على جميع الورثة إذ كانت التركة جميعها في يده ينفذ بقدره؛ لأنه لا خصومة بدون اليد (^٢).
(ذكره في الجامع) أي: في الجامع الكبير.
وفي الكافي: أن دعوى العين لا تتوجه إلا على ذي اليد، وإنما ينتصب أحد الورثة خصمًا عن الباقين إذا كان المدعى في يده، وهذا بخلاف دعوى الدين فإن أحد الورثة ينتصب خصمًا وإن لم يكن في يده شيء من التركة (^٣).
قوله: (فهو على ما فيه الزكاة) أي: يلزم صدقة جميع ما يملكه من أجناس الأموال التي يجب فيها الزكاة، كالنقدين والسوائم وأموال التجارة، بقليلها وكثيرها، ويمسك قوته، فإذا أصاب شيئًا بعد ذلك تصدق بما أمسك، وبعد ما وجب التصدق في جنس الأموال التي يجب فيها الزكاة فلا فرق بعد ذلك بين قدر النصاب وما دونه؛ لأن ذلك يتعلق به الزكاة إذا انضم به غيره، فكأنهم اعتبروا الجنس دون القدر.
ولهذا قالوا: لو نذر أن يتصدق بماله، وعليه دين محيط بماله لزمه أن يتصدق به، فإن قضى به دينه لزمه التصدق عند تملكه؛ لأن المعتبر جنس ما يجب فيه الزكاة وإن لم تكن الزكاة واجبة. كذا ذكره المحبوبي.
ولا يجب عليه تصدق الأموال التي لا يجب في جنسها الزكاة، كالعقار والرقيق وأثاث المنازل، وثياب البذلة، وغير ذلك (^٤). ذكره في المبسوط (^٥).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٥٠ - ٣٥١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٦، ٨٧)، فتح القدير (٧/ ٣٥١).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٣).
[ ٦ / ٤٧٢ ]
أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالقِيَاسُ: أَنْ يَلْزَمَهُ التَّصَدُّقُ بِالكُلِّ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ تَلَهُ لِعُمُومِ اسْمِ المَالِ كَمَا فِي الوَصِيَّةِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ إِيجَابَ العَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْصَرِفُ إِيجَابُهُ إِلَى مَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ فِيهِ الصَّدَقَةَ مِنْ المَالِ.
قوله: (وبه) أي: بالقياس (قال زفر) (^١) وهو قول الشافعي (^٢) والنخعي (^٣) والبتي (^٤)، وقال مالك (^٥) وأحمد (^٦) والزهري (^٧): يتصدق بثلث ماله، سواء كان زكويا أو لا؛ لما روى أنه ﵇ قال لأبي لبابة حين قال: إن من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي، فقال: «يُجزِئُكَ الثَّلث» (^٨).
وجه قول زفر والشافعي أنه ﵇ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيع الله فليطعه» (^٩) ولأن اسم المال عام فيتناول الكل، كما في الوصية.
وقلنا: (استحسانًا أن إيجاب العبد) إلى آخره، يعني أن الله تعالى أوجب الصدقة في مطلق المال بقوله: ﴿وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ويتناول مال الزكاة، فكذا فيما يوجب العبد، ألا ترى لو قال: الله علي إطعام، ينصرف إلى إطعام عشرة مساكين استدلالًا بإيجاب الله تعالى، فكذا هاهنا، بخلاف الوصية؛ لأنا لا نجد في الوصيّة إيجابًا في الشرع يقيّد بمال الزكاة لا غير حتى ينصرف إيجابه إليه، فلذلك انصرف إلى كل المال، ولأن الوصية أخت الميراث من حيث إنها خلافة (^١٠).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٦، ٨٧).
(٢) انظر: الأم (٢/ ٢٧٩)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٣/ ٢٩٧).
(٣) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ١٩٠)، المغني لابن قدامة (١٠/¬٩)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٤٠).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١٠/¬٩)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٤٠).
(٥) انظر: المدونة (١/ ٥٧٤)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ١٩٠).
(٦) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢١٥)، المغني لابن قدامة (١٠/¬٩).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (١٠/¬٩)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٤٠).
(٨) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٤٠) رقم (٣٣١٩)، وابن حبان (٨/ ١٦٤) رقم (٣٣٧١)، والحاكم (٣/ ٦٣٢ رقم ٦٦٥٨)
(٩) أخرجه البخاري (٨/ ١٤٢) رقم (٦٦٩٦) من حديث عائشة ﵂.
(١٠) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٥٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٧).
[ ٦ / ٤٧٣ ]
أَمَّا الوَصِيَّةُ: فَأُخْتُ المِيرَاثِ، لِأَنَّهَا خِلَافَةٌ كَهِيَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ مَالِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ التِزَامُ الصَّدَقَةِ مِنْ فَاضِلِ مَالِهِ وَهُوَ مَالُ الزَّكَاةِ، أَمَّا الوَصِيَّةُ تَقَعُ فِي حَالِ الِاسْتِغْنَاءِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الكُلِّ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الأَرْضُ العُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهَا سَبَبُ الصَّدَقَةِ، إِذْ جِهَةُ الصَّدَقَةِ فِي العُشْرِيَّةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀:
(كهي) أي: كالوراثة؛ إذ في كل منهما تمليك مضافًا إلى ما بعد الموت، ثم الميراث لا يختص بمال الزكاة، فكذا الوصية (^١). كذا ذكره المحبوبي.
ولا يلزم علينا الاعتكاف، فإنه يجب بإيجاب العبد، مع أن الله تعالى لم يوجب من جنسه؛ لأنا نقول: أوجب الله تعالى على العباد من جنسه معنى، وهو الوقوف بعرفات، فإن كل واحد حبس النفس على العبادة في مكان، أو لأن الاعتكاف انتظار للصلاة، ولهذا اختص بالمسجد الذي يصلى فيه الجماعة، «فالمُنتَظِر للصّلاةِ كأنّهُ فِي الصّلاةِ» (^٢) في الحديث، والصلاة واجبة بإيجابه تعالى.
وأما حديث أبي لبابة ليس بنذر، فإنه شاور النبي ﵇ أن يتصدق بجميع ماله، فأمره ﵇ بالاقتصار على الثلث، كما أمر سعدًا حين أراد الوصية بجميع ماله بالاقتصار على الثلث، وليس هذا محل النزاع (^٣).
وأما قوله ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيع الله فليطعهُ» فنحن نقول به، ولكن هذا محل النزاع أيضًا، وقد بينا الفرق بين الوصية والنذر بالصدقة.
قوله: (لأنها) أي: الأرض العشرية (سبب الصدقة) وهي العشر، فكانت الأرض العشرية بمنزلة مال التجارة من حيث إنهما من جنس مال الزكاة التي يجب فيها الصدقة، ولا يقال في العشر معنى المؤنة بالحديث فقال: (جهة الصدقة) أي: العبادة فيها راجحة، وعند محمد لا تدخل، وذكر التمرتاشي قول أبي حنيفة مع قول محمد.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٥٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (١/¬٤٦ رقم ١٧٦)، ومسلم (١/ ٤٥٩ رقم ٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٧، ٨٨).
[ ٦ / ٤٧٤ ]
لَا تَدْخُلُ (*) لِأَنَّهَا سَبَبُ المُؤنَةِ، إِذْ جِهَةُ المُؤنَةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَهُ، وَلَا تَدْخُلُ أَرْضُ الخَراجِ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ يَتَمَحَّضُ مُؤْنَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ فِي المَسَاكِينِ، فَقَدْ قِيلَ: يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَالٍ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ لَفْظِ المَالِ. وَالمُقَيَّدُ إِيجَابُ الشَّرْعِ وَهُوَ مُخْتَصُّ بِلَفْظِ المَالِ، فَلَا مُخَصِّصَ فِي لَفْظِ المِلْكِ فَبَقِيَ عَلَى العُمُومِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ المُلْتَزِمَ بِاللَّفْظَيْنِ
(لأنه) أي: الأرض العشرية، على تأويل المكان، أو ذكره بالنظر إلى خيره، كما في قوله: هذا ربى؛ إذ هي من أسباب المؤنة عنده، فصارت مثل عبد الخدمة فلا يدخل في قوله: مالي صدقة؛ لرجحان جهة المؤنة؛ لأن سببه الأرض النامية، كما في الخراج، وجهة الصدقة غالبة عند أبي يوسف، ولهذا تُصرف مصارف الصدقات.
(لأنه) أي: الخراج (يتمحض مؤنة) لأن مصرفه المقاتلة، وفيهم الأغنياء (^١).
قوله: (فقد قيل: يتناول كل المال) وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ذكره في الأمالي، وإليه ذهب محمد بن إبراهيم الميداني (لأنه) أي: لفظ الملك (أعم من لفظ المال) إذ الملك يطلق على المال وعلى غيره، يقال: ملك النكاح وملك القصاص وملك المنفعة، بخلاف ما لو قال: عبده حر إن ملك إلا خمسين درهما، فإن ذلك ينصرف إلى مال الزكاة، وإن نصّ على لفظ الملك، ذكره في الجامع (^٢)؛ لأن بقرينة الاستثناء يفهم أن المراد من الملك المال؛ إذ استثناء الدراهم يدل أن المستثنى من جنسه. كذا ذكره المحبوبي (^٣).
قوله: (والصحيح أنهما) أي لفظ المال، ولفظ الملك (سواء) وهو اختيار شمس الأئمة (^٤)، ذكره في مبسوطه حيث قال: [لو قال] (^٥): ما أملك صدقة في المساكين في القياس: تدخل جميع الأموال، وهو قول زفر، وفي
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٨٨) فتح القدير (٧/ ٥٣).
(٣) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (١/ ٣٩٨).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٥٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ٨٩).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٣).
(٦) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٤٧٥ ]
الفَاضِلُ عَنْ الحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ، (ثُمَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى مَا دَخَلَ تَحْتَ الإِيجَابِ، يُمْسِكُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَهُ، ثُمَّ إِذَا أَصَابَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ) لِأَنَّ حَاجَتَهُ هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ وَلَمْ يُقَدِّرْ مُحَمَّدٌ بِشَيْءٍ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ.
وَقِيلَ: المُحْتَرِفُ يُمْسِكُ قُوتَهُ لِيَوْمٍ، وَصَاحِبُ الغَلَّةِ لِشَهْرٍ، وَصَاحِبُ الصِّيَاعِ لِسَنَةٍ عَلَى حَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي مُدَّةِ وُصُولِهِمْ إِلَى المَالِ، وَعَلَى هَذَا صَاحِبُ التِّجَارَةِ يُمْسِكُ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَالُهُ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمُ الوَصِيَّةَ حَتَّى بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ، فَهُوَ وَصِيٌّ وَالبَيْعُ جَائِزٌ) وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَكِيلِ حَتَّى يَعْلَمَ.
الاستحسان: لا تدخل إلا الأموال الزكوية، فكان في لفظ الملك قياس واستحسان كما في المال، وهو اختيار أبي بكر البلخي.
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى ما ذكر من وجه الاستحسان والقياس (^١).
قوله: (لأن حاجته هذه مقدمة) إذ لو لم يمسك لاحتاج إلى أن يسأل الناس، ولا يحسن أن يتصدق بماله ثم يسأل الناس من ساعته (ولم يقدر) أي: لم يبين في الكتاب، وهو المبسوط (^٢)، مقدار ما يمسك؛ لأن ذلك يختلف بقلة عياله وكثرتها (^٣).
قوله: (وصاحب الغلة) أي: صاحب الدور والحوانيت والبيوت التي لو أجرها يمسك قوت شهر، وإن كان صاحب ضياع لسنة؛ لأن يد الدهقان إنما تصل إلى ما ينفق سنة وسنة (^٤).
وفي الكافي: وإن كان تاجرا فيمسك مقدار ما يرجع إليه ماله اعتبارًا لتفاوت وصولهم إلى المال.
قوله: (ولا يجوز بيع الوكيل حتى يعلم) لتوقف التوكيل على العلم (^٥)، وقال أحمد: لا يتوقف التوكيل على العلم أيضًا كالوصاية.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٨)، فتح القدير (٧/ ٣٥٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٠)، فتح القدير (٧/ ٣٥٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٠)، فتح القدير (٧/ ٣٥٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٠)، فتح القدير (٧/ ٣٥٤).
[ ٦ / ٤٧٦ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ أَيْضًا، لِأَنَّ الوِصَايَةَ إِنَابَةٌ بَعْدَ المَوْتِ فَتُعْتَبَرُ بِالإِنَابَةِ قَبْلَهُ، وَهِيَ الوَكَالَةُ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ الوِصَايَةَ خِلَافَةٌ لِإِضَافَتِهَا إِلَى زَمَانِ بُطْلَانِ الإِنَابَةِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الوَارِثِ (*).
قوله: (والفرق على الظاهر) أي: ظاهر الرواية، من وجهين:
أحدهما: أن الوصاية تصرف بالموت فتعتبر بملك يثبت بالموت، وهو الميراث وثبوت الملك بالميراث لا يفتقر إلى العلم، فكذا هذا.
والثاني: أن الوصي يخلف الموصي عند خلو مكانه، كالوارث يقوم مقام المورث، ولو باع الوارث تركة المورث بعد موته وهو لا يعلم بموته يجوز بيعه، فكذا الوصي، بخلاف التوكيل وعزل الوكيل؛ لأن التوكيل أمر بما وكل به، والعزل نهي منه، فيعتبر فيه العلم، كأمر الشرع ونهيه، ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ شربوا الخمر بعد حرمتها بدون العلم فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وأنهم صلوا إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، ولم يؤمر بالإعادة وكذا الخليفة إذا عزل قاضيه، فقضى ذلك القاضي قبل وصول العزل إليه - نفذ قضاؤه. كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي.
قوله: (لأن الوصاية إنابة) أي: جعل الوصي نائبًا عن نفسه، والإنابة بمعنى جعل الغير عن نفسه لم يوجد في كتب اللغة المتداولة بين الناس؛ بل هي مستعملة فيها بمعنى الرجوع، كقولهم: أناب إلى الله: رجع؛ فلهذا عيب على صاحب الكتاب استعمال الإنابة بمعنى جعل الغير نائبا عن نفسه.
قال شيخي العلامة صاحب النهاية في النهاية: ليس هذا موضع عيب؛ إذ صاحب الكشاف (^١) استعملها في ذلك في الكشاف في سورة الروم، وكفى قوله حجة في اللغة.
(كما في تصرف الوارث) فإن الولاية لو ثبتت بطريق الوراثة بأن مات أبو
_________________
(١) (*) الراجح: قول ظاهر الرواية.
(٢) انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٣/ ٤٦٦).
[ ٦ / ٤٧٧ ]
أَمَّا الوَكَالَةُ: فَإِنَابَةٌ لِقِيَامِ وِلَايَةِ المَنُوبِ عَنْهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ لَا يَفُوتُ النَّظَرُ لِقُدْرَةِ المُوَكِّلِ، وَفِي الأَوَّلِ يَفُوتُ، لِعَجْزِ المُوصِي (وَمَنْ أَعْلَمَهُ مِنَ النَّاسِ
الصغير، ولم يعلم به الجد حتى باع شيئًا من مال اليتيم - جاز بيعه، وكذا الوارث في إملاك المورث، والجامع بينهما مساس الحاجة إلى الصيانة والحفظ عن الضياع.
قوله: (فيتوقف على العلم) لأن التوكيل إثبات ولاية التصرف، فلا يصح بدون علمه كسائر الإثباتات، مثل البيع والهبة (^١).
ثم اعلم أن الروايات اتفقت أن الوكالة إذا ثبتت قصدت بدون العلم، أما إذا ثبتت الوكالة في ضمن أمر الحاضر بالتصرف، بأن قال لغيره: اشتر عبدي من فلان لنفسك هل ثبتت وكالة فلان بالبيع؟ أو قال لعبده: انطلق إلى فلان ليعتقك، أو لامرأته انطلقي إلى فلان ليطلقك، فاشترى من فلان، أو أعتق أو طلق فلان بدون العلم - جاز.
فالحاصل أن الوكيل يصير وكيلا قبل العلم بالوكالة أم لا؟
فيه روايتان في رواية الزيادات: لا يصير، وفي رواية الوكالة: يصير (^٢). كذا في المحيط (^٣)، وكذا العزل إذا كان حكميًا، على ما سيجيء في الوكالة.
قوله: (ومن أعلمه من الناس) أطلق اسم الناس؛ ليتناول كل مميز صغيرًا أو كبيرًا أو كافرًا أو مسلمًا، فإن خبر كل مميز حجة في المعاملات التي لا إلزام فيها، كالوكالات والمضاربات، والإذن في التجارة للعبيد. ذكره في أصول شمس الأئمة (^٤).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٥٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ٩١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩١)، فتح القدير (٧/ ٣٥٥).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ٢٧٠).
(٤) انظر: أصول السرخسي (١/ ٣٣٥).
[ ٦ / ٤٧٨ ]
بِالوَكَالَةِ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ) لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حَقٌّ لَا إِلْزَامُ أَمْرٍ.
قَالَ: (وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الوَكَالَةِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: هُوَ وَالأَوَّلُ سَوَاءٌ (*)، لِأَنَّهُ مِنْ المُعَامَلَاتِ وَبِالْوَاحِدِ فِيهَا كِفَايَةٌ.
وقال الشافعي (^١) وأحمد (^٢): لا تثبت الوكالة والعزل عنها بخبر الواحد؛ لأنه عقد مالي كالبيع.
وقلنا: (إثبات حق لا إلزام أمر) يعني إطلاق محض لا إلزام فيه، يؤيده أنه ﵇ «كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ مِنْ البَرِّ والتَّقِيِّ والعَبدِ، وكانَ يَشْتَرِي من الكافر» (^٣).
قوله: (حتى يشهد شاهدان) والمراد من الشهادة الإخبار؛ إذ لفظ الشهادة ليس بشرط (^٤). ذكره في جامع قاضي خان.
أما العدالة في الشاهدين شرط اختلف المشايخ فيه؛ قال شمس الأئمة في أصول الفقه: ولفظ الكتاب مشتبه فإنه قال: حتى يخبره رجلان أو رجل عدل، فقيل: معناه رجلان عدل أو رجل عدل؛ لأن صيغة هذا النعت للفرد والجماعة واحد، ألا ترى أنه يقال: شاهدي عدل فقيل: لا يثبت العزل بخبر الفاسقين؛ لأن فيه إلزامًا، وخبر الفاسقين لا يصلح للإلزام، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه أخذ الهندواني وزعم أنه مذهب أبي حنيفة، وقال: ومعنى ما أطلق في الكتاب محمول فيما إذا كان لا يعلم حالهما بالفسق والعدالة.
وقيل: يثبت العزل بخبر الفاسقين؛ لأنه يثبت بخبر عدل واحد، وتأثير العدد فوق تأثير العدالة، فبالطريق الأولى يثبت به، ألا ترى أن القضاء بشهادة واحد عدل لا ينفذ، وبشهادة الفاسقين ينفذ! (^٥).
قوله: (لأنه) أي: العزل (من المعاملات) فيثبت بخبر الفاسق اعتبارًا
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٢/ ٩١)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٤٢٣).
(٣) انظر: المغني (٥/ ١٠٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (٥/ ٢٦٦).
(٤) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٥٥).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٢)، فتح القدير (٧/ ٣٥٥).
(٦) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٥٥).
[ ٦ / ٤٧٩ ]
وَلَهُ: أَنَّهُ خَبَرٌ مُلْزِمٌ فَيَكُونُ شَهَادَةً مِنْ وَجْهِ فَيُشْتَرَطُ أَحَدُ شَطْرَيْهَا وَهُوَ العَدَدُ أَوْ العَدَالَةُ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ المُوَكِّلِ، لِأَنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ المُرْسِلِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الإِرْسَالِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أُخْبِرَ المَوْلَى بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَالشَّفِيعُ وَالبِكْرُ وَالمُسْلِمُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا.
بالوكالة، والإذن للعبد في التجارة، بخلاف الديانات، فإنها لا تثبت بخبر الفاسقين، فَلَأَنْ لا تثبت بخبر الفاسق الواحد أولى. كذا ذكره المحبوبي.
(له) أي: لأبي حنيفة (أنه خبر ملزم) أي: من وجه دون وجه، فمن حيث إنه تصرف في ملك نفسه يشبه التوكيل، فيقبل خبر كل مميز، ومن حيث إنه إلزام ضرر يلزم الوكيل من حيث منعه عن التصرف، فتشترط الشهادة، فشرطنا أحد شرطي الشهادة، وهو العدد أو العدالة؛ توفيرًا على الشبهين حظهما.
(بخلاف الأول) أي: التوكيل؛ لأنه لا إلزام فيه بوجه (وبخلاف رسول الموكل؛ لأن عبارته [كعبارة] (^١) المرسل) فصار كأنه حضر (^٢).
ومعنى ما قيل في الأصول أن فيه إلزامًا من وجه دون وجه وأن فيه منع من التصرف للوكيل والمأذون من كل وجه، ولا يجوز تصرفهما بعد ذلك؛ لأن في الإلزام، قصورًا، فإن العزل والحجر تصرف المالك في ملكه، ولم يشترط فيه لفظ الشهادة وحكم الحاكم، فانحطت رتبته عن رتبة الإلزام من كل وجه، وهو ما كان إلزاما على خصم منكر بشرط الشهادة وحكم الحاكم (^٣). كذا في النهاية.
وذكر المحبوبي: أجمعوا على أن المخبر إن كان عدلا - ينعزل، وإن كان فضوليا، وأجمعوا أن المخبر لو كان فاسقًا، وصدّقه الوكيل فيما أخبر، والمأذون - ينعزل.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا أخبر المولى) إلى آخره.
هاهنا ست مسائل: عزل الوكيل، وعزل المأذون، وإخبار المولى، والشفيع، والبكر، والمسلم الذي لم يهاجر، ثلاث منها - وهو عزل الوكيل، وعزل المأذون، وإخبار المولى - ذكره محمد في المبسوط (^٤)،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٢).
(٣) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٥٥).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٦).
[ ٦ / ٤٨٠ ]
قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ القَاضِي أَوْ أَمِينُهُ عَبْدًا لِلْغُرَمَاءِ وَأَخَذَ المَالَ فَضَاعَ وَاسْتُحِقَّ العَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لِأَنَّ أَمِينَ القَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ القَاضِي، وَالقَاضِي مَقَامَ الإِمَامِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَلْحَقُهُ ضَمَانٌ كَيْ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، فَتُضَيعُ الحُقُوقُ (وَيَرْجِعُ المُشْتَرِي عَلَى الغُرَمَاءِ)، لِأَنَّ البَيْعَ وَاقِعٌ لَهُمْ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَعَذَّرِ الرُّجُوعِ عَلَى العَاقِدِ، كَمَا إِذَا كَانَ العَاقِدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَلِهَذَا يُبَاعُ بِطَلَبِهِمْ (وَإِنْ أَمَرَ
واثنان منها - وهو إخبار الحربي، وإخبار الشفيع - ذكره في النوادر، والمسألة السادسة قاسها مشايخنا بهذه الخمسة (^١).
أما المولى إذا أخبر بجناية العبد فأعتقه؛ فإن كان المخبر عدلًا أو فاسقًا، فصدقه - يكون مختارًا للفداء بالإجماع، وإن كان فاسقا، ولم يصدقه - فعلى الاختلاف (^٢).
وكذا الحربي إذا أسلم في دار الحرب، فأخبره إنسان بِمَا عليه من الفرائض؛ فإن كان المخبر عدلًا أو فاسقًا فصدقه - يلزمه القضاء بالإجماع، وإن كان فاسقا، ولم يصدقه - فعلى الاختلاف؛ فعنده: لا يلزمه، خلافًا لهما.
وكذا الشفيع أخبر بالشراء، فسكت، فعلى ما قلنا من الوجوه (^٣).
وكذا البكر إذا أخبرت بالنكاح فسكتت، فعلى ما ذكرنا من الوجوه (^٤). كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (وأخذ المال) أي: الثمن (فضاع) أي: الثمن (واستحق العبد لم يضمن) أي: القاضي أو أمينه.
قوله: (إذا كان العاقد محجورًا) أطلق لفظ المحجور ليتناول العبد المحجور، والصبي المحجور، فإن من وكل صبيا محجورًا يعقل البيع والشراء، أو عبدا محجورًا جاز العقد بمباشرتهما، ولا تتعلق حقوق العقد بهما؛ بل تتعلق بموكلهما، وإذا تعذر تعليق الحقوق هاهنا على العاقد تتعلق بأقرب الناس إلى
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٣)، فتح القدير (٧/ ٣٥٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٣)، فتح القدير (٧/ ٣٥٧).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٣)، فتح القدير (٧/ ٣٥٧).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٣)، فتح القدير (٧/ ٣٥٧).
[ ٦ / ٤٨١ ]
القَاضِي الوَصِيَّ بِبَيْعِهِ لِلْغُرَمَاءِ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَ القَبْضِ، وَضَاعَ المَالُ، رَجَعَ
المُشْتَرِي عَلَى الوَصِيّ) لِأَنَّهُ عَاقِدٌ نِيَابَةٌ عَنْ المَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةِ القَاضِي عَنْهُ فَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَهُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ: (وَرَجَعَ الوَصِيُّ عَلَى الغُرَمَاءِ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُمْ، وَإِنْ ظَهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ يَرْجِعُ الغَرِيمُ فِيهِ بِدَيْنِهِ. قَالُوا: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ بِالمِائَةِ الَّتِي غَرِمَهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَحِقَهُ فِي أَمْرِ المَيِّتِ، وَالوَارِثُ إِذَا بِيعَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الغَرِيمِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ كَانَ العَاقِدُ عَامِلًا لَهُ.
العاقد، كما في توكيل المحجور، وأقرب الناس فيما نحن فيه الغريم؛ لوقوع العقد له، كما في الوكيل، ولهذا أن القاضي لا يأمر أمينه أو الوصي إلا بعد طلب الغريم.
(لأنه) أي: الوصي (عاقد نيابة عن الميت).
أما إذا كان الميت أوصى إليه فظاهر، وكذا إذا نصبه القاضي؛ لأن القاضي إنما نصبه ليكون قائمًا مقام الميت لا ليكون قائما مقام القاضي، فصار كما إذا باع المديون بنفسه حال حياته، وهاهنا ترجع الحقوق إليه، فكذا هاهنا.
(لأنه) أي: الوصي (عامل لهم) أي: للغرماء، ومن عمل لغيره عملًا، ولحقه فيه ضمان يرجع على من وقع له العمل (^١).
قوله: (قالوا ويجوز أن يقال: يرجع) أي: الغريم (بالمائة التي غرمها أيضًا) كما رجع بدينه، وإنما قال بهذا اللفظ؛ لأن فيه اختلافا.
قال أبو الليث: يجوز أن يقال: يرجع بما ضمن الوصي أو للمشتري؛ لأن الضمان لحقه لأمر الميت، وعن بعض مشايخنا: لا يرجع؛ لأن الضمان إنما يلحقه بفعله؛ لأن قبض الوصي كقبضه (^٢).
وفي الكافي والأصح الرجوع؛ لأنه قضى ذلك وهو مضطر فيه.
قوله: (والوارث إذا بيع له) أي: لأجل الوارث، يعني إذا احتاج إلى بيع
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩٤٩)، فتح القدير (٧/ ٣٥٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٩٥)، فتح القدير (٧/ ٣٥٨).
[ ٦ / ٤٨٢ ]