قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى قِيمَةِ نَفْسِهِ: فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الخَمْرَ وَالخِنْزِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ، فَلَا يَصْلُحُ بَدَلًا فَيَفْسُدُ العَقْدُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ القِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا، فَتَفَاحَشَتْ الجَهَالَةُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ،
فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ
قوله: (فالكتابة فاسدة)، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة.
وفي المبسوط: ويجب عليه قيمته، أي قيمة نفسه (^١).
قوله: (فلأن القيمة مجهولة)، أي: جنسًا وقدرًا لأنها تارة تكون من الدراهم، وتارة من الدنانير، ويختلف مقدارها باختلاف المقومين، (ووصفا) أيضًا باعتبار صفة الدراهم.
قوله: (كما إذا كاتب على ثوب أو دابة) حيث تفسد الكتابة، والأصل أن ما صلح مهرًا في النكاح صلح بدلًا في الكتابة؛ لأنها مبادلة مال بما ليس بمال، إذ البدل في الحال مقابل بفك الحجر وهو ليس بمال فصار كالنكاح.
فإن قيل: لو كاتبه على عبد يصح، وبه قال مالك، خلافًا للشافعي وأحمد، ويجب عليه قيمة عبد وسط، حتى لو أتى بالعبد الوسط أو قيمته يجبر المولى على القبول، وإن كانت القيمة تجب بهذه التسمية فينبغي أن يجوز إذا صرح بالقيمة.
قلنا: بتسمية العبد تجب القيمة ضمنًا وحكما لا قصدًا؛ لأنه نص على
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢١٤).
[ ٧ / ٣٥٥ ]
وَلِأَنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ العَقْدِ الفَاسِدِ، لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقِيمَةِ. قَالَ: (فَإِنْ أَدَّى الخَمْرَ: عَتَقَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ البَدَلَ هُوَ القِيمَةُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الخَمْرِ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةٌ، وَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ القِيمَةِ
تسمية العبد، وقد يثبت الشيء ضمنًا وحكما لغيره وإن كان لا يثبت قصدًا كبيع الأجنة ونحوها، ولأنه يصار إلى القيمة لعدم تعيين العبد وهو ليس من ذوات الأمثال فتكون جهالة القدر طارئة لا مقارنة، كذا في المبسوط.
وفيه: فإن قيل: هلا جعلت قوله (كاتبتك على ثوب) كناية عن قوله (إن أديت إليَّ ثوبًا فأنت حر)؛ فإن في هذه الصورة يعتق بأداء الثوب.
فإن قلنا: لا يمكن ذلك؛ لأن الكتابة متى صحت كان حكمه تعليق العتق بثوب معين لا ثوب مجهول الجنس، فلا يمكننا أن نجعله كناية عنه (^١).
وفي الذخيرة: قوله: (فإن أدى الخمر عتق).
وفي المبسوط: قبل المرافعة إلى القاضي وقد كان قاله: إذا أديته، ولم يقل بعتق؛ لأن العقد منعقد مع فساده فيعتق بالأداء، وعليه قيمة نفسه؛ لأن العقد فاسد فيلزمه رد رقبته لأجل الفساد، وقد تعذر رده بعتقه فيلزمه قيمته، كما في الشراء الفاسد إذا أعتق المشتري المبيع بعد القبض (^٢).
قوله: (لأن البدل هو القيمة)، أي: في الكتابة الفاسدة.
وفي الكافي: ذكر في الهداية: إلا بأداء قيمة الخمر، وهو مشكل (لأنه) (^٣) مخالف لعامة الروايات، وكأنه وقع في بعض نسخ الهداية كذلك، وإلا النسخة الصحيحة: (لا يعتق إلا بأداء قيمة نفسه) كما هو مذكور في عامة النسخ.
قوله: (وعن أبي يوسف) إلى آخره، وهذا الحكم ظاهر الرواية عند علمائنا الثلاثة ذكره في المبسوط، والذخيرة، فعلى هذا ينبغي أن لا يخص أبا يوسف، وأن لا يذكر بكلمة (عن).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢١٤).
(٣) في نسخة المخطوط: (لا).
[ ٧ / ٣٥٦ ]
أَيْضًا، لِأَنَّهُ هُوَ البَدَلُ مَعْنَى.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الخَمْرِ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدَّيْتِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ العِتْقُ بِالشَّرْطِ لَا بِعَقْدِ الكِتَابَةِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَاتَبَ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ، وَلَا فَصْلَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَوَجْهُ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ المَيْتَةِ: أَنَّ الخَمْرَ وَالخِنْزِيرَ مَالٌ فِي الجُمْلَةِ، فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى العَقْدِ فِيهِ، وَمُوجِبُهُ العِتْقُ عِنْدَ أَدَاءِ العِوَضِ المَشْرُوطِ.
وَأَمَّا المَيْتَةُ: فَلَيْسَتْ بِمَالٍ أَصْلًا، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مَعْنَى العَقْدِ، فِيهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ (وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ عَيْنِ الخَمْرِ: لَزِمَهُ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ العَقْدِ وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَمَا فِي البَيْعِ الفَاسِدِ إِذَا تَلِفَ المَبِيعُ. قَالَ: (وَلَا يَنْقُصُ عَنْ المُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ القِيمَةُ عِنْدَ هَلَاكِ المُبْدَلِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي البَيْعِ الفَاسِدِ، وَهَذَا لِأَنَّ المَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ، وَالعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقَّهُ فِي العِتْقِ أَصْلًا، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ، وَفِيمَا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ
قوله: (وصار كما إذا كانت على ميتة أو دم) حيث لا يعتق بأدائهما إلا إذا قال المولى: إذا أديت الميتة أو الدم فأنت حر، أما إذا لم يقل فلا يعتق بأداء الميتة أو الدم؛ لأن العقد لم ينعقد أصلا فيعتبر فيه التعليق.
(ولا فصل في ظاهر الرواية)، يعني يعتق بأداء الخمر سواء كان قال في العقد: إن أديت الخمر فأنت حر أو لم يقل ذلك.
قوله: (كيلا يبطل حقه) أي: حق العبد في العتق.
فإن قيل: هذا الإبطال إذا لم يعتق بأداء عين الخمر أما إذا عتق فلا يلزم هذا.
قلنا: يحتمل أن القاضي يرى صحة ما روي عن أبي حنيفة فيما إذا كاتبه على خمر ولم يقل: إن أديتها فأنت حر، فأدَّى الخمر لا يعتقُ، فلو قضى بذلك الرواية يبطل حقه في العتق.
ثم قوله: (كيلا يبطل حقه في العتق)، تعليل لقوله: (والعبد رضي بالزيادة)؛
[ ٧ / ٣٥٧ ]
القِيمَةِ لِأَنَّهُ هُوَ البَدَلُ.
وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى العَقْدِ فِيهِ وَأَثَرُ الجَهَالَةِ فِي الفَسَادِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ،
لأنه يمكن أن يكون العبد غير راض بالزيادة على المسمى وإن بطل حقه في العتق لأن ذلك نفع مشوب بالضرر؛ لأن تحمل الزيادة أضر عليه من العتق، وكم من عبد لا يرضى بنفس العتق من غير بدل (^١)، وفي وقت عزة الطعام فأولى أن لا يرضى عند إيجاب الزيادة على المسمى.
والأولى في التعليل أن يقال: لما عقد مع مولاه عقد الكتابة الفاسدة وأقدم عليه باختياره ورضاه كان قابلا قيمة نفسه بالغا ما بلغت، إذ قيمة نفسه قد تربو على المسمى.
(لأنه هو البدل) أي: القيمة على تأويل المذكور، أو ذكره بتذكير الخير.
وفي الذخيرة، ومبسوط شيخ الإسلام: وقيمته تعرف بتصادقهما؛ لأن الحق فيما بينهما لا يعدوهما كضمان الغصب والبيع الفاسد، وإما بتقويم المقومين.
ثم لو اختلف المقومون، فإن اتفق الاثنان منهم على شيء يجعل ذلك قيمة له، ولو اختلفا في ذلك لا يعتق ما لم يؤد أقصى القيمتين؛ لأن شرط العتق لا يثبت إلا بيقين.
وقوله: (وأثر الجهالة في الفساد) جواب إشكال وهو أن يقال: لأن القيمة مجهولة كجهالة الثوب، كما يجيء.
قوله: (بخلاف ما إذا كاتبه على ثوب)، وكذا لو كاتبه على دابة لا يجوز أيضًا، ولا يعتق بأداء ثوب أو دابة.
فإن قيل: المسمى ثوب، وهذا الاسم حقيقة لما أدى فينبغي أن يعتق بأدائه وإن لم يكن هو البدل حكما، كما لو كاتبه على خمر فأدى الخمر.
قلنا: نعم المسمى ثوب، ولكن الثياب متفاوتة تفاوتا فاحشا فلا وجه لتعيين هذا الثوب مسمى؛ لأنه لو تعين لم يرجع المولى عليه بشيء آخر؛ لأنه
_________________
(١) في نسخة المخطوط: (بذل).
[ ٧ / ٣٥٨ ]
حَيْثُ لَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ، لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ فِيهِ عَلَى مُرَادِ العَاقِدِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثَّوْبِ فَلَا يَثْبُتُ العِتْقُ بِدُونِ إِرَادَتِهِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَمُرَادُهُ شَيْءٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ الدَّرَاهِمِ،
مال متقوم وقد سلم، وفي هذا ضرر عليه، فلدفع الضرر عنه لم يتعين، ولأن هذا بمنزلة اسم المشترك وفي المشترك لا يتعين شيء بمطلق الاسم ولا عموم له أيضًا، فلهذا لا يعتق بأدائه، كذا في المبسوط.
ولأنه إنما يعتق بتسليم ما يصلح بدلًا والقيمة تصلح بدلا في العقد الفاسد، أما الثوب فلا يصلح بدلًا بحال لا في الفاسد ولا في الصحيح.
فإن قيل: الكتابة على القيمة كالكتابة على الثوب في الجهالة فإن القيمة مجهولة قدرًا وجنسًا كما ذكر أولا، وإذا أدى القيمة يعتق فينبغي أن يعتق بأداء الثوب.
قلنا: ذكر الفرق في الذخيرة حيث قال: إن في الكتابة شيئين معاوضة، وتعليق عتق بأداء العوض، أما معاوضة فلوجود العوض من الجانبين، وأما تعليق عتق بالأداء فإن التعليق يُعلّق العتق بشرط في المستقبل وفي الكتابة ذلك، فقلنا القيمة تصلح عوضًا لأنها معلومة، الجنس، وتصير معلومة القدر أيضًا عند الأداء، فإذا صلح عوضًا وهو ملفوظ به تعلق العتق بأدائه.
أما الثوب لا يصلح بدلًا في المعاوضات؛ لأنها مجهولة الجنس والقدر فلا يتعلق العتق بأدائه؛ لأن عتق المكاتب تعلق بأداء العوض، فلهذا لا يعتق بأدائه.
ثم الكتابة على قيمته جائزة عندنا ومالك، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز.
قوله: (ومراده شيء يتعين بالتعيين)؛ كالعبد والثوب وغيرهما من المكيل والموزون لا تجوز الكتابة عندنا والشافعي وأحمد، وقال مالك: يجوز ويشتريه ويؤديه، وإن لم يبعه الغير يؤدي قيمته ويجوز عندنا إذا كان مالا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز فيه لتعين الدراهم والدنانير
[ ٧ / ٣٥٩ ]
وَهِيَ لِغَيْرِهِ: جَازَ، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي المُعَاوَضَاتِ فَيَتَعَلَّقُ بِدَرَاهِمِ دَيْنِ فِي الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ: أَنَّهُ يَجُوزُ، حَتَّى إِذَا مَلَكَهُ وَسَلَّمَهُ يُعْتَقُ، وَإِنْ عَجَزَ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ، لِأَنَّ المُسَمَّى مَالٌ وَالقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ مَوْهُومٌ فَأَشْبَهَ الصَّدَاقَ. قُلْنَا: إِنَّ العَيْنَ فِي المُعَاوَضَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَالقُدْرَةُ عَلَى المَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ إِذَا كَانَ العَقْدُ يَحْتَمِلُ الفَسْخَ كَمَا فِي البَيْعِ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّ القُدْرَةَ عَلَى مَا هُوَ المَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِشَرْطِ، فَعَلَى مَا هُوَ تَابِعٌ فِيهِ أَوْلَى.
عندهما، فصار كعين تتعين بالتعيين، وعند أبي حنيفة يجوز، حتى إذا ملكه وسلم يعتق، وقال أشهب المالكي: إذا ملكه قبل الفسخ وسلمه جاز.
قوله: (فأشبه الصداق) فإنه إذا أمهر عند الغير تصح التسمية، فكذا هاهنا صح التسمية، فإذا قدر على تسليمه جاز وإذا عجز رُدَّ إلى الرق.
قوله: (قلنا العين في المعاوضة)، وفي بعض النسخ: (في المعاوضات)، والمراد من العين هذه بدل الكتابة، ولا يقال: البدل في الكتابة كالثمن في البيع فينبغي أن لا يشترط القدرة على بدل الكتابة [كما لا يشترط على الثمن في البيع لأن في بدل الكتابة] (^١) شبهين، شبه الثمن لما أن التصرف فيه بالاستبدال جائز قبل القبض، وشبه بالمبيع من وجه آخر، وهو أن العجز عن تسليمه يوجب حق الفسخ كما في المبيع.
ثم لو كان ذلك عينًا صار عقد الكتابة بمنزلة بيع المقابضة فصار للبدل حكم المبيع من وجه حتى يشترط القدرة على تسليمه، وإذا كان غير عين لا يشترط القدرة عملا بالشبهين.
قوله: (على ما هو المقصود بالنكاح)، وهو منافع البضع، حتى لو تزوج رضيعة يصح، فعلى ما هو تابع - وهو الصداق في النكاح - أولى أن لا يشترط القدرة عليه، فعن محمد أنه يجوز البيع عند الإجارة، يعني إذا اشترى شيئًا بمال
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
فَلَوْ أَجَازَ صَاحِبُ العَيْنِ ذَلِكَ: فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ البَيْعُ عِنْدَ الإِجَازَةِ فَالكِتَابَةُ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِحَالِ عَدَمِ الإِجَازَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الكِتَابِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ مِلْكَ المَكَاسِبِ وَهُوَ المَقْصُودُ، لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَدَاءِ مِنهَا وَلَا حَاجَةَ فِيمَا إِذَا كَانَ البَدَلُ عَيْنًا مُعَيَّنَا، وَالمَسْأَلَةُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ،
الغير فأجازه الغير يجوز، مع أنه مبني على المضايقة، فالكتابة وهي مبنية على المسامحة أولى.
قوله: (على ما قال في الكتاب)، وهو قوله: (وكذلك إن كاتبه على شيء بعينه لغيره لا يجوز) (^١).
(والجامع)، أي: المعنى الجامع بين المقيس عليه وهو الكتابة على العين الذي لم تلحقه الإجارة، وبين المقيس وهو الكتابة على عين الغير الذي لحقه الإجارة (أنه)، أي: عقد الكتابة (لا يفيد ملك المكاتب)، أي: في الحال، (لأنه) أي: ملك المكاتب، وفي بعض النسخ: (لأنها) أي: المكاسب.
(ولا حاجة فيما إذا كان البدل عينًا معينًا)، أي: لا حاجة إلى الأداء منه إذا كان البدل عينًا معينًا للغير؛ لأن العقد لم ينعقد إذا كان البدل عينا للغير فلم يحتج إلى الأداء منه؛ لأن الاحتياج إليه عند صحة العقد.
وفي جامع أبي اليسر: الكتابة على شيء بعينه لغيره فاسد؛ لأنه لا يفيد ما هو المقصود بالعقد؛ لأن مقصوده صيرورة العبد أحق بمكاسبه فلا ينعقد العقد إذ كل عقد لا يفيد مقصوده لا ينعقد.
قوله: (والمسألة فيه)، أي: هذه المسألة التي كلامنا فيها مصورة فيما إذا كان البدل عينا معينا للغير.
وقيدنا بقوله: (معينا) بعد قوله: (عينًا) احترازًا عن الدراهم والدنانير المعينة فإنها وإن عينت لا تتعين عندنا.
قوله: (وهكذا عن أبي يوسف)، رواه الحسن بن مالك عن أبي يوسف،
_________________
(١) انظر المتن ٣٥٩.
[ ٧ / ٣٦١ ]
أَنَّهُ يَجُوزُ، أَجَازَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَجُزْ، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الإِجَازَةِ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا: صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِهِ مالا، وَلَوْ مَلَكَ المُكَاتَبُ ذَلِكَ العَيْنَ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا أَذَاهُ لَا يُعْتَقُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَمْ يَنْعَقِدُ العَقْدُ إِلَّا إِذَا قَالَ لَهُ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَقُ قَالَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِأَنَّ العَقْدَ يَنْعَقِدُ مَعَ الفَسَادِ لِكَوْنِ المُسَمَّى مَالًا فَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ المَشْرُوطِ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنِ فِي يَدِ المُكَاتَبِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الكِتَابَةِ عَلَى الأَعْيَانِ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي الأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَى».
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ المَوْلَى إِلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ
وهو قول زفر، ذكره في اختلاف زفر ويعقوب، وروى أصحاب الإملاء عنه أنه يعتق بالأداء قاله المولى ذلك أو لم يقل.
(لأن العقد ينعقد) إلى آخره، وجه قول أبي حنيفة أن ملك الغير لا يصير بدلًا في هذا العقد بتسميته؛ لأنه غير مقدور التسليم له فلم ينعقد العقد أصلا، وإنما يكون العتق باعتبار التعليق بالشرط، فإذا لم يصرح بالتعليق لا يعتق كما لو كاتبه على ثوب أو ميتة.
قوله: (على عين في يد المكاتب) بأن كان مأذونًا في التجارة ففيه روايتان، والمراد عين معين سوى الدراهم والدنانير، فإنه لو كاتبه على دراهم أو دنانير في يد العبد من كسبه تجوز الكتابة باتفاق الروايات ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه.
وفي الذخيرة فيه روايتان في رواية كتاب الشرب من الأصل، يجوز، وفي رواية كتاب المكاتب في الأصل: لا يجوز.
وهي مسألة الكتابة على الأعيان، وهي ما ذكر قبيل بقوله: (وإن كاتبه على شيء بعينه لغيره لم يجز)، وعن أبي حنيفة - رواه الحسن -: يجوز، وقد ذكرنا وجه الروايتين في كفاية المنتهي.
وإنما أحاله ولم يورده لأنه يصير مطولا غاية التطويل، والوجهان مذكوران
[ ٧ / ٣٦٢ ]
فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ (*)، وَيَقْسِم المِائَةَ الدِّينَارِ عَلَى قِيمَةِ المُكَاتَبِ وَعَلَى قِيمَةِ عَبْدٍ وَسَطِ فَتَبْطُلُ مِنهَا حِصَّةُ العَبْدِ فَيَكُونُ مُكَاتَبًا بِمَا بَقِيَ)، لِأَنَّ العَبْدَ المُطْلَقَ يَصْلُحُ بَدَلَ الكِتَابَةِ وَيَنْصَرِفُ إِلَى الوَسَطِ، فَكَذَا يَصْلُحُ مُسْتَثْنِّى مِنْهُ.
في الذخيرة بتمامهما، فقال: وجه رواية عدم الجواز أنا متى جوزنا الكتابة على [العين] (^١) لا يخلو إما أن يجعل العبد أحق بهذا العين أو لا، فإن لم يجعل لم تجز الكتابة لبقاء العين في ملك المولى رقبة ويدًا فلم يستفد المولى بهذا العقد شيئًا لا ملك التصرف، ولا ملك الرقبة، فصار كما لو اشترى من مأذونه شيئًا ولا دين عليه فلا يجوز، فكذا هذا.
ولو جعلنا العبد أحق به لا يجوز أيضًا؛ لأنه لا يتحقق معنى الكتابة؛ لأن تفسير الكتابة شرعًا: إيجاب الحُرّيتين على سبيل التعاقب حرية الرقبة مرتبا على حرية اليد، ولو جوزنا بهذه الكتابة تثبت الحريتان لا على سبيل التعاقب فيكون إعتاقا على مال، ولا يكون كتابة.
بخلاف ما لو كاتبه على الدراهم والدنانير فإنا لو جعلنا العبد أحق بها [يتحقق] (^٢) معنى الكتابة؛ لأن العقد لا يتعلق بعينها بل بمثلها في الذمة لما ذكرنا أنها لا تتعين في المعاوضات، وما يثبت في ذمته يملكه المولى على الحقيقة بالقبض لتوقف الملك في الدين على القبض فيتحقق معنى الكتابة.
ووجه الجواز أنه كاتبه على بدل معلوم مقدور التسليم فيجوز، كما يجوز لو كان في يده دراهم أو الدنانير ويصير العبد أحق بها فتفيد الكتابة فائدته.
وأما قوله: (إن الكتابة على العين لا تجوز)، لأنه تثبت الحريتان معًا فيكون إعتاقا على مال لا كتابة، فقلنا: إنما صار هكذا أن لو جعلنا بدل الكتابة رقبة العوض، ونحن لا نجعل كذلك، بل نجعل بدلها ملك التصرف في العوض، وملك التصرف يصلح عوضًا.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
وَهُوَ الْأَصْلُ فِي أَبْدَالِ العُقُودِ.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى العَبْدُ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ، وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا فَكَذَلِكَ مُسْتَثْنَى.
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانِ غَيْرِ مَوْصُوفِ: فَالكِتَابَةُ جَائِزَةٌ) استحسانًا،
ألا ترى أن رب المال لو اشترى من مال المضاربة من المضارب ولا ربح يصح الشراء باعتبار ملك اليد والتصرف، فكذا هاهنا تصحيحا للعقد بقدر الإمكان، فعلى هذا التقدير يثبت للمولى ملك التصرف بعد العتق، ويثبت للمكاتب حرية اليد بنفس العقد، وحرية الرقبة بعدما يثبت ملك الرقبة للمولى بالقبض، فتثبت الحريتان على التعاقب.
قوله: (على عبد بغير عينه) (^١)، قيد به إذ لو كان العبد معينا يجوز بالاتفاق لجواز بيع المعين بالاتفاق فكذا استثناؤه ذكره في المختلف، وعند الأئمة الثلاثة لا يجوز في المعين وغيره لأنه شرط فاسد، أو صفقة في صفقة.
قوله: (وهو الأصل)، أي: أن كل ما يصلح بدلًا في المعاوضات يصلح استثناؤه، والعبد يصلح بدل الكتابة فيجب أن يصح استثناؤه من بدل الكتابة، وهما يسلمان هذا الأصل، ولكن يقولان: ذلك فيما صح استثناؤه من غير أن يورد فساد العقد، وهاهنا الاستثناء لا يصح لأن استثناء العبد من الدنانير لا يصح لاختلاف الجنس، واستثناء العبد من الدنانير إنما يصح بحسب قيمته لا بحسب نفس العبد، وقيمة العبد لا تصح بدل الكتابة، بل به تفسد الكتابة على ما مر، فكذا لا يصح استثناؤه.
والفرق ظاهر بين العبد وقيمته فإن الكتابة على العبد تصح وتصرف إلى الوسط كما في النكاح، والكتابة على قيمته فاسدة كما لو سمى في النكاح قيمة العبد لا تصح التسمية ويصار إلى مهر المثل؛ لأن الجهالة في العيب جهالة في الوصف لا في القدر، بخلاف الجهالة في القيمة لأنها متفاحشة من حيث القدر والجنس والوصف فيفسد بها العقد.
_________________
(١) انظر المتن ص ٣٦٢.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
مَعْنَاهُ: أَنْ يُبَيِّنَ الجِنْسَ، وَلَا يُبَيِّنَ النَّوْعَ وَالصِّفَةَ (وَيَنْصَرِفُ إِلَى الوَسَطِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ القِيمَةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُبَيِّنُ الجِنْسَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: دَابَّةٌ، لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةٌ فَتُتَفَاحَشُ الجَهَالَةُ، وَإِذَا بَيَّنَ الجِنْسَ كَالعَبْدِ وَالوَصِيفِ فَالجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الكِتَابَةِ، فَتُعْتَبَرُ جَهَالَةُ البَدَلِ بِجَهَالَةِ الأَجَلِ فِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَأَشْبَهَ البَيْعَ.
قوله: (ومعناه أن يُبَيِّنَ الجنس)؛ كالعبد والفرس ولا يبين النوع كالتركي والهندي والصفة بأنه جيد أو رديء وينصرف إلى الوسط فيجوز العقد به، وبقولنا قال مالك.
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز)، وبه قال أحمد لأنه مجهول، فصار كما لو لم يسم جنسه بأن كاتبه على دابة، أو دار، أو ثوب، وصار كالبيع، والجامع أنها لا تصح إلا بتسمية البدل فكانت معاوضة كالبيع.
ولنا ما روي عن ابن عمر أنه أجاز الكتابة على الوصفاء، ولأن مبنى الكتابة على المسامحة والمساهلة فلا تفسد بالجهالة اليسيرة في البدل كالجهالة في الأصل، فإنه لو كاتبه على ألف إلى العطاء، أو إلى الحصاد، أو إلى الدياس ونحو ذلك يجوز استحسانًا لا قياسًا، بخلاف البيع لأن مبناه على المضايقة والمماكسة، وهو معاوضة مال بمال من كل وجه.
وعقد الكتابة في الابتداء معاوضة مال بغير مال؛ لأن البدل في الابتداء مقابل بفك الحجر، وهو ليس بمال، وفي الانتهاء وإن كانت معاوضة مال بمال لأنه في الانتهاء يقابل الرقبة، ولكن على وجه يسقط الملك فيه، إذ العبد لا يتملك مالكية نفسه فشابه النكاح، ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة التسمية في النكاح فكذلك في الكتابة، كذا في المبسوط.
والحاصل أن جهالة البدل إذا كانت جهالة جنس منعت صحة التسمية في العقود كلها سواء كانت مبادلة مال بمال أو مال بغير مال، وإذا كانت جهالة وصف منعت صحة التسمية في معاوضة مال بمال لا في معاوضة مال بغير مال كالنكاح والخلع والكتابة وأشباهها.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
وَلَنَا: أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالِ، أَوْ بِمَالٍ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ يَسْقُطُ المِلْكُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَالجَامِعُ: أَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى المُسَامَحَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى المُمَاكَسَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ: فَهُوَ جَائِزٌ) مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا، وَالعَبْدُ كَافِرًا، لِأَنَّهَا مَالٌ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الخَلِّ فِي حَقْنَا (وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الخَمْرِ) لِأَنَّ المُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِ الخَمْرِ وَتَمَلَّكَهَا، وَفِي التَّسْلِيمِ
وإنما جعل العبد هاهنا جنسًا واحدًا، وفي الوكالة أجناسا مختلفة لأن العبد في أنواعه بسبب فحش التفاوت بمنزلة أجناس مختلفة، ولكن في ماهية اسم العبد، وفي حق ما يطلب منه من المنفعة واحد.
ثم في معاوضة المال بالمال تجري المضايقة والمماكسة يجعل كالأجناس؛ لكون العمل بأحوط الأمرين، وفي معاوضة مال بما ليس بمال تجري المسامحة والمساهلة ألحق بالجنس عملًا بما هو موضوعه من المساهلة.
قوله: (وينصرف إلى الوسط) كما في الزكاة والدية، والوصية، والنكاح لما أن الوسط بين الجيد والرديء فيكون نظرًا للجانبين، ثم الوسط عند أبي حنيفة في العبد الذي قيمته أربعون درهما، وعندهما على قدر غلاء السعر ورخصه، ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب؛ لأن عقد الكتابة عقد إرفاق فالظاهر أن يكون البدل على أقل من قيمة المكاتب.
قوله: (وأيهما أسلم)، أي: من المولى والعبد فللمولى قيمة الخمر، وعند الشافعي تفسد الكتابة، وبه قال مالك، وأحمد، ومحمد في رواية عنه؛ لأنه يمكنه تسليم البدل فصار كأنه عَجَّزَ نفسه، فإن وجد بعد ذلك القبض لم يعتق؛ لأنه لا أثر للكتابة الفاسدة بعد الفسخ والإبطال، وصار كما لو اشترى ذمي من ذمي عبدا بخمر ثم أسلم أحدهما قبل القبض يفسد البيع، فكذا هنا.
وقلنا: العقد انعقد صحيحًا، ووقع العجز عن تسليم البدل فيجب تسليم قيمته فَتُقَوَّمُ القيمة؛ إذ القيمة تصلح بدلًا في الجملة في الكتابة فإنه إذا كاتبه على وصيف كان ذلك كتابة على قيمة الوصيف في الحقيقة، فمتى جاز أن تنعقد الكتابة على قيمة الشيء ابتداءً جاز أن تبقى على القيمة، بخلاف شراء الذمي
[ ٧ / ٣٦٦ ]
ذَلِكَ، إِذْ الخَمْرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِ البَدَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا تَبَايَعَ الذُّمِّيَّانِ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا: حَيْثُ يَفْسُدُ البَيْعُ عَلَى مَا قَالَهُ البَعْضُ، لِأَنَّ القِيمَةَ تَصْلُحُ بَدَلًا فِي الكِتَابَةِ فِي الجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَاتِبٌ عَلَى وَصِيفٍ، وَأَتَى بِالقِيمَةِ يُجْبَرُ عَلَى القَبُولِ، فَجَازَ أَنْ يَبْقَى العَقْدُ عَلَى القِيمَةِ، فَأَمَّا البَيْعُ فَلَا يَنْعَقِدُ صَحِيحًا عَلَى القِيمَةِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَإِذَا قَبَضَهَا: عَتَقَ) لِأَنَّ فِي الكِتَابَةِ مَعْنَى المُعَاوَضَةِ.
عبدا بخمر من ذمي حيث يفسد البيع بإسلام أحدهما قبل القبض؛ لأنه لا يمكن أن يبقى البيع على القيمة لعدم انعقاده ابتداءً على القيمة فلا يمكن إبقاؤه عليها.
وقيد بقوله: (على ما قاله البعض)؛ لأنه ذكر بعض المشايخ ينبغي أن يكون الجواب في البيع كالجواب في الكتابة والرواية في الكتابة رواية في البيع.
قوله: (وإذا قبضها)، أي: قيمة الخمر عتق، وبه صرح الإمام قاضي خان وغيره في شرح الجامع الصغير.
قوله: (ولو أداها) (^١)، أي: الخمر، أي: أدى العبد المسلم الخمر (عتق) (^٢) أيضًا لتضمن الكتابة تعليق العتق بأداء البدل المذكور، وصار كما لو كاتب المسلم عبده على خمر فأدى الخمر فإنه يعتق كذا ذكره بعض المشايخ كالقاضي ظهير الدين، والرازي، ونجم الدين الأفطس، ورضي الدين النيسابوري.
ولكن ذكر في شرح الجامع الصغير، وشرح الطحاوي، والتمرتاشي: لو أدى لا يعتق، ولو أدى القيمة يعتق؛ لأن الكتابة انقلبت إلى القيمة، ولم يبق الخمر بدل هذا العقد؛ لأنه انعقد صحيحًا على الخمر ابتداء، وبقي على القيمة صحيحًا بعد الإسلام ولا يتصور بقاؤه صحيحًا، والخمر بدل فيه، فبقاؤه صحيحًا دليل على أن الخمر لم يبق بدلا فلا يعتق.
وفي مسألة المسلم وقع العقد فاسدًا بسبب الخمر، وبقي فاسدًا كذلك، وإذا بقيت بدلا يعتق بأدائها.
_________________
(١) ، (^٢) انظر المتن ص ٣٦٨.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
فَإِذَا وَصَلَ أَحَدُ العِوَضَيْنِ إِلَى المَوْلَى، سَلَّمَ العِوَضَ الْآخَرَ لِلْعَبْدِ، وَذَلِكَ بِالعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ العَبْدُ مُسْلِمًا، حَيْثُ لَمْ تَجُزُ الكِتَابَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التِزَامِ الخَمْرِ، وَلَوْ أَدَّاهَا عَتَقَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.