(وَمَا يَتَحَمَّلُهُ الشَّاهِدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ، مِثْلُ البَيْعِ وَالإِقْرَارِ وَالغَصْبِ وَالقَتْلِ وَحُكْمِ الحَاكِمِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ أَوْ رَآهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا هُوَ المُوجِبُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الرُّكْنُ فِي إِطْلَاقِ الأَدَاءِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: «إِذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» قَالَ: (وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ، وَلَا يَقُولُ: أَشْهَدَنِي) لِأَنَّهُ كَذِبٌ، (وَلَوْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ
فَصْلٌ: [في بَيَانِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وبِأنَّ الشَاهِدَ كَيفَ يَشْهَدُ عِنْدَ القَاضِي]
في هذا الفصل بيان أحكام تتعلق بأداء الشهادة بأن الشاهد: كيف يشهد عند القاضي؟
قوله: (ما يثبت حكمه بنفسه) أي: لا يحتاج إلى الإشهاد، فيجوز للشاهد أن يشهد بلا إشهاد، بخلاف الشهادة على الشهادة.
قوله: (فإذا سمع ذلك) أي: ما ثبت بنفسه من الأفعال (أو رآه) أي: من الأفعال.
قوله: (وهو الركن) أي: علم ما هو الموجب بنفسه هو الركن في تجوز الأداء، جعل العلم ركنًا مع أنه شرط فيه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] جعل كونهم عالمين حالا للشهود، والأحوال شروط، وكذلك في الحديث: «إِذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ» وإنما جعله هكذا لزيادة تأثيره في صحة أداء الشهادة (^١).
قوله: (ويقول: أشهد ابتاع) (^٢)، وفي الذخيرة (^٣): هذا في البيع الصريح،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٨٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٢٢).
(٢) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (أشهد أنه باع).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٩).
[ ٦ / ٥١١ ]
أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ) لِأَنَّ النَّعْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ فَلَمْ يَحْصُلُ العِلْمُ إِلَّا إِذَا كَانَ دَخَلَ البَيْتَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى البَابِ وَلَيْسَ فِي البَيْتِ مَسْلَكُ غَيْرُهُ فَسَمِعَ إِقْرَارَ الدَّاخِلِ وَلَا يَرَاهُ، لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَنَّهُ حَصَلَ العِلْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(وَمِنْهُ: مَا لَا يَثْبُتُ الحُكْمُ فِيهِ بِنَفْسِهِ: مِثْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَإِذَا سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ بِشَيْءٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُوجِبَةٌ بِالنَّقْلِ إِلَى مَجْلِسِ القَضَاءِ، فَلَا بُدَّ.
أما في البيع على سبيل التعاطي يشهدون على الأخذ والإعطاء؛ لأن التعاطي بيع حكمي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز.
(ولو فسره للقاضي) بأن يقول: أشهد بالسماع من وراء الحجاب.
النغمة: الكلام الخفي من حد ضرب، يقال: فلانٌ حَسَن النَّعْمة: إذا كان حسن الصوت في القراءة، وكان ابن مقاتل لا يجوز الشهادة بالسماع من وراء الحجاب مطلقا.
وقال أبو الليث: إذا رأى شخصها حال إقرارها يجوز، وإلا لا، شرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها. كذا في الذخيرة (^١).
قوله: (ولم يوجد) أي: الإبانة والتحميل فلا يصح؛ لأن شاهد الفرع لا علم له بالحق، ولكن ينقل شهادة غيره عند محمد بطريق التوكيل، حتى لو رجع الأصول دون الفروع وجب الضمان على الأصول، ولو رجعوا جميعًا يخيرون عند أبي حنيفة وإن لم يكن بطريق التوكيل، حتى لو أشهد واحدًا على شهادته، ثم منعه عن الأداء - لا يصح منعه، وكان لشاهد الفرع (^٢) أن يشهد على شهادته، ولو رجع الأصول لا يجب الضمان عليهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا أن شهادة الأصول إنما تصير حجة بالنقل إلى مجلس القاضي، فلا يجوز لغيره أن يجعل كلامه حجة إلا بأمره (^٣).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٩٢).
(٢) في الأصل: (النوع) والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٨٥)، فتح القدير (٧/ ٣٨٦).
[ ٦ / ٥١٢ ]
مِنْ الإِنَابَةِ وَالتَّحْمِيلِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَكَذَا لَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ الشَّاهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ: لَمْ يَسَعْ لِلسَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ) لِأَنَّهُ مَا حَمَلَهُ وَإِنَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ.
(وَلَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطَّهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ) لِأَنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ فَلَمْ يَحْصُلُ العِلْمُ. قِيلَ: هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَعِنْدَهُمَا: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ (*). وَقِيلَ: هَذَا بِالاتِّفَاقِ،
قوله: (لم يسع للسامع أن يشهد) على شهادته؛ لعدم أمره، بخلاف ما لو سمع قاضيًا يُشهد قومًا على قضائه كان للسامع أن يشهد على قضائه بغير أمره؛ لأن قضاء القاضي حجة ملزمة، ومن عاين حجة حل له الإشهاد بها، كما لو عاين الإقرار أو البيع، أما الشهادة في غير مجلس القضاء غير ملزمة. كذا قاله قاضي خان.
وفي هذا التعليل إشارة إلى أنه إذا سمع في مجلس القاضي ينبغي أن يجوز، ويجيء هذا البحث في باب الشهادة على الشهادة مع اختلافاته (^١).
قوله: (وقيل هذا) إشارة إلى أول المسألة، وهو قوله: (ولا يحل للشاهد). (بالاتفاق)، وفي أدب القاضي من المبسوط (^٢) هاهنا ثلاثة فصول:
أحدها: القاضي إذا وجد في ديوانه صحيفة فيها شهادة، ولم يتذكر أنهم شهدوا بذلك ولا حكمه، فعلى قول أبي حنيفة: لا يحكم بدون التذكر، وبه قال الشافعي (^٣) وأحمد في رواية، وعند أبي يوسف ومحمد: إذا وجد ذلك في قِمَطْرَة (^٤) تحت خاتمه يجوز أن يقضي به، وبه قال مالك (^٥) وأحمد (^٦) في رواية؛ إذ القاضي لكثرة أشغاله يعجز عن حفظ كل حادثة، ولهذا يكتب، وإنما
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: باب الشهادة على الشهادة (ص: ٣٨١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٢).
(٤) انظر: الأم (٦/ ٢٣٢)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٠٦).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٠).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٥٧)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٩٣).
(٧) انظر: المغني (١٠/ ٦٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٦٢).
[ ٦ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحصل المقصود بالكتابة إذا جاز له الاعتماد على الكتاب عند النسيان؛ إذ ليس في وسع الآدمي التحرز عن النسيان، فما كان في قمطرة تحت خاتمه فالظاهر أنه حق، والقاضي مأمور باتباع الظاهر، ومذهب أبي حنيفة هو العزيمة؛ لأن الكتابة للتذكّر؛ إذ الكتاب للقلب كالمرآة للعين، وإنما تعتبر المرآة لإدراك العين، فإذا لم يتذكر كان وجوده كعدمه، وهذا لأن الكتاب يُزوّر ويُفتعل، والخط يشبه الخط، والخاتم يشبه الخاتم، فلم يحصل العلم مع احتمال التزوير.
والثاني: الشاهد يجد شهادته في صك، وعلم أنه خطه وهو معروف، ولم يتذكر الحادثة.
والثالث: إذا سمع حديثًا، فوجده مكتوبًا بخطه، ووجد سماعه مكتوبًا بخط غيره لا تحل له الرواية عند أبي حنيفة بدون التذكر، ولهذا قلت روايته، فمحمد أخذ في الفصول الثلاثة بالرخصة تيسيرا، وقال: يعتمد خطه إذا كان معروفًا.
وأبو يوسف في مسألة القضاء والرواية أخذ بالرخصة؛ لأن المكتوب كان في يده، وفي مسألة الشهادة أخذ بالعزيمة؛ لأن الصك في الشهادة في يد الخصم، فلا يأمن الشاهد التغيير، فلا يعتمد خطه.
ولو وجد القاضي في خريطته سجلا ولم يتذكر الحادثة فهو على الخلاف الذي بيناه.
ولو نسي قضاءه ولم يكن سجلا، فشهدا على حكمه لم يمضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي (^١)، وعند محمد وأحمد (^٢) وابن أبي ليلى يقضي به ويمضيه.
وعلى هذا لو سمع من غيره حديثًا ثم نسي الأصل الرواية، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يعمل به، وعند محمد يعمل به، وعلى هذه المسائل التي اختلف
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٣٢)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٠٩).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٦٨)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٦٢).
[ ٦ / ٥١٤ ]
وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ القَاضِي شَهَادَتَهُ فِي دِيوَانِهِ أَوْ قَضِيَّتَهُ، لِأَنَّ مَا يَكُونُ فِي قِمْطَرِهِ فَهُوَ تَحْتَ خَتْمِهِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَحَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي الصَّكَ، لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا: إِذَا تَذَكَّرَ المَجْلِسَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الشَّهَادَةُ أَوْ أَخْبَرَهُ قَوْمٌ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّا شَهِدْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ لَمْ يُعَايِنُهُ، إِلَّا النَّسَبَ وَالمَوْتَ وَالنِّكَاحَ وَالدُّخُولَ وَوِلَايَةَ القَاضِي، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِذَا أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا تَجُوزَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ المُشَاهَدَةِ.
فيها أبو يوسف ومحمد في الرواية في الجامع الصغير، وهي ثلاث سمعها محمد عن أبي يوسف ثم نسي أبو يوسف الرواية، وكان لا يعتمد على رواية محمد، ومحمد لا يدع الرواية.
قوله: (أو قضيته) أي: وجد حكمه مكتوبًا في خريطته، والقمطر: الخريطة، وإنما خص دليلهما بقوله: (لأن ما) إلى آخره؛ لأنه ذكر أوّلًا دليل أبي حنيفة بقوله: (لأن الخط يشبه الخط).
وقوله: (على [هذا] (^١) إشارة إلى المذكور قبله، وهو القولان المذكوران، قيد بقوله: (قيل: هذا قول أبي حنيفة، وقيل: بالاتفاق).
قوله: (لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة) فالمعنى من الاشتقاق انتظام الصيغتين معنى واحدًا بعد اشتراكهما في الحروف الأصول، وهو موجود ها هنا (^٢).
ثم في الشهادة بالاستفاضة في النكاح والنسب والموت وولاية القضاء اختلاف؛ فعندنا يجوز، وبه قال أحمد (^٣) والشافعي (^٤) في قول، ومالك (^٥) في
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٨٧، ٣٨٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٢٥).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، المغني (١٠/ ١٤١).
(٤) الحاوي الكبير (١٧/¬٣٨، ٣٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٠).
[ ٦ / ٥١٥ ]
وَذَلِكَ بِالعِلْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَصَارَ كَالبَيْعِ.
رواية إن كان في غاية الشهرة، وقال بعض أصحاب الشافعي (^١): لا يجوز في النكاح، وبه قال مالك (^٢) في رواية.
قوله: (فصار كالبيع) يعني إذا سمع من ثقة أن فلانا باع، ولم يشاهد بيعه - لا يسع للسامع الشهادة، كذا هاهنا؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا بعلم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] والعلم يستفاد بالمعاينة أو بالخبر المتواتر، فأما التسامع لا يفيد العلم، فلا يجوز العمل به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وجه الاستحسان تعامل الناس في ذلك، ألا ترى أنا نشهد أن عمر ابن الخطاب، وأن عليا ابن أبي طالب، ونشهد أن فاطمة زوجة علي، وأن عائشة بنت أبي بكر، وأن شريحا كان قاضيا، ونشهد أنهم قد ماتوا، ولم ندرك شيئا من ذلك!
ثم هذه الأسباب يقترن بها ما يشتهر، فإن النسب يشتهر بالتهنئة، والموت بالتعزية، والنكاح بالشهود والوليمة، والقضاء بقراءة المنشور، فنزلت الشهرة فيها منزلة العيان، بخلاف الأموال وغيرها.
ألا ترى أن سبب النسب الولادة، ولا يحضرها إلا القابلة، وسبب القضاء تقليد السلطان، ولا يعاين ذلك إلا الخواص، فلو لم تجز الشهادة عليها بالتسامع أدى إلى الحرج؛ لأنه يتعلق بها أحكام تبقى على مر الدهور، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لأدى إلى الحرج أو تعطيل تلك الأحكام، بخلاف البيوع وغيرها، فإنه كلام يسمعه كل أحد، وسبب الملك هو اليد، وهو مما يعاينه كل أحد، ولهذا قلنا في الصحيح: إن الشهادة على أصل الوقف بالتسامع تجوز، وعلى شرائطه لا تجوز؛ لأن أصل الوقف يشتهر دون شرائطه، فلا بد للشاهد من نوع علم. كذا في المبسوط (^٣).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٤٩، ١٥٠).
[ ٦ / ٥١٦ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ تَخْتَصُّ بِمُعَايَنَةِ أَسْبَابِهَا خَوَّاصٌ مِنْ النَّاسِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ تَبْقَى عَلَى انْقِضَاءِ القُرُونِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ أَدَّى إلَى الحَرَجِ وَتَعْطِيلِ الأَحْكَامِ، بِخِلَافِ البَيْعِ، لِأَنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالاشْتِهَارِ، وَذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ كَمَا قَالَ فِي الكِتَابِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعُ عِلْمٍ.
أما الشهادة بالدخول، فقد ذكر الجصاص: تجوز بالتسامع؛ لأن هذا أمر يشتهر بخلاف الزنا؛ لأنه فاحشة لا يحتال في إثباتها، وعند الأئمة الثلاثة (^١) لا يقبل بالاستفاضة؛ لأنه مما يُعاين كما في الشهادة على الزنا، وقد بينا الفرق.
وأما الشهادة على المهر بالشهرة والتسامع، فقد ذكر في نكاح المنتقى: يجوز. ذكره في الذخيرة (^٢).
وعند الأئمة الثلاثة (^٣) لا يجوز؛ لأنه مما يُعاين.
قوله: (ويشترط أن يخبره رجلان) إلى آخره، وبه قال بعضُ أصحاب الشافعي (^٤) وأحمد (^٥)، وقال الماوردي من أصحاب الشافعي (^٦): لا تثبت الاستفاضة إلا بعدد يقع العلم بخبرهم، وهو ظاهر كلام أحمد (^٧) ومالك (^٨).
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣، ١٦٤)، إرشاد السالك إلى أشرف المسالك لشهاب الدين المالكي (١/ ١٢٠)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ٢١٠٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، المغني (١٠/ ١٤٢).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٦٢).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣، ١٦٤)، إرشاد السالك إلى أشرف المساك (١/ ١٢٠)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ٢١٠٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، المغني (١٠/ ١٤٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٥)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٦٨).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٥)، المغني (١٠/ ١٤٢).
(٦) الحاوي الكبير (١٧/¬٣٥).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٥)، المغني (١٠/ ١٤٢).
(٨) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٩٢).
[ ٦ / ٥١٧ ]
وَقِيلَ: فِي المَوْتِ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ قَلَّمَا يُشَاهِدُ غَيْرُ الوَاحِدِ، إِذْ الإِنْسَانُ يَهَابُهُ وَيَكْرَهُهُ فَيَكُونُ فِي اشْتِرَاطِ العَدَدِ بَعْضُ الحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ النَّسَبُ وَالنِّكَاحُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ ولا يُفَسِّرَ.
(وفي الموت قيل: يكتفي بإخبار واحد أو واحدة) عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة (^١): لا يكتفى، بل يشترط عدلان حتى يحصل بخبرهما نوع علم؛ لأنه أقل نصاب يفيد العلم الذي ينبني عليه الحكم في المعاملات.
وقلنا: نعم كذلك، إلا أن الموت قد يتفق في موضع لا يحضره إلا واحد، وإذا وجد قوم فلا يحضرون غالبًا كما ذكره في المتن، بخلاف الأشياء الثلاثة، وهي النسب والنكاح وولاية القاضي؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، [فإن النكاح لا ينعقد إلا بحضور شاهدين، وتقليد القضاء يكون بين الجماعة] (^٢) غالبًا، وكذا الولادة عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة لا يحل ما لم يسمع من العامة بحيث يقع في قلبه صدق خبرهم (^٣).
[ثم] (^٤) فيما يثبت بالشهرة بخبر العدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظ الشهادة، ذكره الخصاف وشيخ الإسلام، وبه أخذ الصدر الشهيد (^٥)؛ لأن لفظ الشهادة يوجب زيادة علم شرعًا لا يوجبه لفظ الخبر، وفي فصل الموت لما ثبت بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط لفظ الشهادة. كذا في الذخيرة (^٦).
قوله: (وينبغي أن يطلق) أي: يقول: إنه ابنه أو أمير أو قاض، أما إذا فسره لم تقبل شهادته؛ لأنه إذا أطلق يعلم أنه وقع في قلبه صدقه، فتكون الشهادة عن علم، ولا كذلك إذا فسر، ويقول: سمعت هذا.
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٩٤)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٢)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٦٧، ٢٦٨)، المغني ()، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬١٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٠٢)، فتح القدير (٧/ ٣٨٩).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٣٨١، ٣٨٢).
(٦) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٠٢).
[ ٦ / ٥١٨ ]
أَمَّا إِذَا فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَمَا أَنَّ مُعَايَنَةَ اليَدِ فِي الأَمْلَاكِ تُطْلِقُ الشَّهَادَةَ، ثُمَّ إِذَا فَسَّرَ لَا تُقْبَلُ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ رَأَى إِنْسَانًا جَلَسَ مَجْلِسَ القَضَاءِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الخُصُومُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كَوْنِهِ قَاضِيًا، وَكَذَا إِذَا رَأَى رَجُلًا وَامْرَأَةً يَسْكُنَانِ بَيْتًا وَيَنْبَسِطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا إِلَى الْآخَرِ انْبِسَاطَ الأَزْوَاجِ، كَمَا إِذَا رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ. وَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ شَهِدَ دَفْنَ فُلَانٍ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ فَهُوَ مُعَايَنَةٌ، حَتَّى لَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي قَبْلَهُ. ثُمَّ قَصْرُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الخَمْسَةِ يَنْفِي اعْتِبَارَ التَّسَامُعِ فِي الوَلَاءِ وَالوَقْفِ.
وفي فصول الأَسْتَرَوْشَنِيّ: لو شهدا على النكاح فسألهما: هل كنتما حاضرين؟ فقالا: لا؛ تقبل شهادتهما؛ لأنه يحل لهما الشهادة بالتسامع، وقيل: لا تقبل؛ لأنهما قالا: لم نعاين تبين أنهما شهدا على النكاح والنسب وفسرا، وقالا: سمعنا ذلك من قوم لا يتصور اجتماعهم على الكذب - لا يقبل، وقيل: يقبل، وكذا لو قالا: دفناه وشهدنا جنازته تقبل.
وقال صاحب العدة: لو قالا: أخبرنا بذلك من نثق به تقبل، وهو الأصح، واختاره الخصاف (^١).
ولو شهد واحد بالموت وآخر بالحياة فامرأته تأخذ بقول من يخبر بالموت؛ لأنه يثبت العارض. ذكره رشيد الدين في فتاواه، وذكر فيه: إنما تجوز الشهادة بالتسامع على الموت إذا كان الرجل معروفًا، بأن كان عالما أو من العمال، أما إذا كان تاجرًا أو من هو مثله لا يجوز إلا بالمُعاينة، وإذا عاين الموت واحد ويشهد عند القاضي لا تقبل، فالحيلة أنه يخبر بذلك عدلا مثله، فإذا سمع منه حلّ له الشهادة به (^٢).
قوله: (على هذه الأشياء) أي: الأشياء الخمسة.
_________________
(١) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٣٨٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٢٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٧٣).
[ ٦ / ٥١٩ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ آخِرًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَلَاءِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ لِقَوْلِهِ ﵊: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ».
(وعن أبي يوسف أنه يجوز في الولاء) أي: قال آخرًا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^١) وأحمد (^٢) ومالك (^٣) في صورة يجوز بالتسامع؛ لأنه ﵇ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (^٤) وعلى النسب يجوز بالإجماع، فكذا هاهنا، ألا ترى أنا نشهد أن قنبرًا مولى عليّ، وعكرمة مولي ابن عباس، ونافعًا مولى ابن عمر، وإن لم ندرك ذلك! ولأن الحكم المتعلق بالولاء يبقى على ممر الزمان، كالحكم المتعلق بالنسب، فلو لم يجز بالتسامع لبطلت الأحكام المتعلقة بالولاء.
ولأبي حنيفة ومحمد أن الولاء يتعلق بالعتق، وهو قول يسمع كالبيع، وليس كالولادة، فلا حاجة إلى التسامع، ولا يقترن بسبب الولاء ما يشتهر؛ لأن الإنسان يعتق عبده ولا يعلم به غيره، فكان دون البيع؛ لأن البيع لا ينعقد ما لم يعلم به المشتري، والعتق وإن لم يعلم به العبد (^٥)، بخلاف ما تقدم؛ لأنه يعرف بأسباب تشتهر به من الوجه الذي قررناه. كذا في المبسوط (^٦).
وفي أدب القاضي للشهيد (^٧) عن الحلواني أن الخلاف ثابت في العتق أيضًا؛ لأن الشهادة على الولاء شهادة على العتق أيضًا.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٨)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، المغني (١٠/ ١٤١).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٥٨١)، الذخيرة (١٠/ ١٦٣).
(٤) أخرجه الشافعي في «الأم» (٢) (٧٢)، وابن حبان (١١/ ٣٢٦ رقم ٤٩٥٠)، والحاكم (٤/ ٣٤١ رقم ٧٩٩٠) من حديث ابن عمر ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال البيهقي: وهذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ …، وروي من أوجه أخر ضعيفة، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب»، وهذا مرسل. معرفة السنن (٢٠٤٩٧)، وقال ابن حجر: وقال أبو بكر النيسابوري: هذا خطأ؛ لأن الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو رواية الحسن المرسلة. التلخيص الحبير (٤/ ٥١١).
(٥) كذا في الأصول الخطية، وفي المبسوط: (والعتق نافذ وإن لم يعلم المعتق بخلاف الطلاق).
(٦) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٥١، ١٥٢).
(٧) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٣٩٧).
[ ٦ / ٥٢٠ ]
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَقْفِ، لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ الوَلَاءُ يُبْتَنَى عَلَى زَوَالِ المِلْكِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ المُعَايَنَةِ فَكَذَا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الوَقْفُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي أَصْلِهِ دُونَ شَرَائِطِهِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ هُوَ الَّذِي يَشْتَهِرُ.
وذكر شمس الأئمة في شرح هَذَا الكتاب أن الشهادة على العتق بالتسامع لا تُقبل بالاتفاق، وعند الشافعي (^١) في قول، وأحمد (^٢) ومالك (^٣) تقبل في العتق أيضًا.
ثم الخصاف (^٤) شرط لسماع الشهادة بالتسامع على الولاء عند أبي يوسف شرطا لم يشترط محمد في المبسوط (^٥)، فقال: إنما تقبل إذا كان العتق مشهورًا، أو للمعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام.
(وعن محمد أنه يجوز في الوقف)، وبه قال أحمد (^٦) والإِصْطخري من أصحاب الشافعي (^٧).
(لأن أصله) أي: أصل الوقف (يشتهر) أما شرائطه التي شرطها الواقف فلا تشتهر.
قال المرغيناني: لا بد من بيان الجهة بأن يشهد بأن هذا وقف على المسجد أو على المقبرة أو ما أشبهه، حتى لو لم يذكر ذلك لا تقبل شهادته، وتأويل قولهم: لا تقبل الشهادة على شرائط الوقف: ألا ينبغي للشاهد بعد ذكر الجهة أن يشهد أنه يبدأ من عليه فيصرف إلى كذا وكذا، ولو قال ذلك في شهادته لا تقبل. كذا في الذخيرة (^٨).
وفي المجتبي: والمختار أن تقبل على شرائط الوقف أيضًا.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٨)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ١٤١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬١٠).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٢)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٩٤).
(٤) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٣٩٧).
(٥) المبسوط للسرخسي (٧/ ٦٦).
(٦) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، المغني (١٠/ ١٤١).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٦٧).
(٨) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٠٤، ٣٠٥).
[ ٦ / ٥٢١ ]
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى العَبْدِ وَالأَمَةِ، وَسِعَكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ) لِأَنَّ اليَدَ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى المِلْكِ، إِذْ هِيَ مَرْجِعُ الدَّلَالَةِ فِي الأَسْبَابِ كُلِّهَا فَيَكْتَفِي بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ.
قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ
قوله: (ومن كان في يده شيء) إلى آخره، وفي جامع قاضي خان (^١): صورة المسألة: رجل رأى عينًا في يد إنسان، ثم رآها في يد آخر، والأول يدعي الملك - وسعه أن يشهد أنه للمُدّعي؛ لأن الملك في الأشياء لا يُعرف بطريق اليقين، وإنما يعرف بطريق الظاهر، واليد بلا منازع دليل الملك ظاهرًا؛ بل لا دليل لمعرفة الملك للشاهد سوى اليد بلا منازعة؛ لأنه أقصى ما في الباب إن عاين أسباب الملك من البيع والهبة ونحوهما؛ لكن البيع إنما يفيد الملك إذا كان المبيع ملكًا للبائع، وكذا الهبة، وإنما يعرف ذلك باليد بلا منازعة. كذا في جامع البرهاني أيضًا.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه يشترط مع ذلك)، وفي الفوائد الظهيرية: أسند هذا القول إلى أبي يوسف ومحمد فقال: وعنهما، ووجهه أن الأصل في الشهادة الإحاطة والتيقن؛ لقوله ﵇: «إِذَا عَلِمْتَ مِثلَ الشَّمْسِ فاشهد، وإلّا فَدَعْ» (^٢)، وعند إعواز ذلك يصار إلى ما يشهد به القلب، ولهذا قيل: إذا رأى إنسان دُرَّة ثمينة في يد كناس، أو كتابًا في يد جاهل ليس في آبائه من هو أهل لذلك لا يسعه أن يشهد بالملك، وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: مع رؤية اليد والتصرف ينبغي أن يقع في قلبه أنه ملكه (^٣).
قوله: (ويحتمل أن يكون هذا)، وهو قوله: (أن يقع في قلبه أنه له) تفسير لإطلاق قول محمد، وهو قوله: (وسعك أن تشهد)، وذكر الصدر الشهيد في
_________________
(١) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٨٣، ٤٨٤).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١١٠، رقم ٧٠٤٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٦٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٥٥، رقم ١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الحاكم، وضعفه العقيلي، وابن عدي.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٣١)، درر الحكام شرع غرر الأحكام (٢/ ٣٧٥).
[ ٦ / ٥٢٢ ]
شَرْحًا عَلَى الاتِّفَاقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَلِيلُ المِلْكِ اليَدُ مَعَ التَّصَرُّفِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ لِأَنَّ اليَدَ مُتَنَوِّعَةٌ إِلَى إِنَابَةٍ وَمِلْكِ.
أدب القاضي (^١) [فيه اليد]، ويحتمل أن يكون قوله قول الكل، وبه نأخذ.
قوله: (وقال الشافعي (^٢): دليل الملك اليد مع التصرف) أي: التصرف مدة طويلة، وبه قال مالك (^٣) وابن حامد الحنبلي (^٤).
وبه قال بعض مشايخنا، وهو الخصاف؛ لأن اليد تتنوع إلى ملك ونيابة وضمان.
وقلنا: التصرف إلى نيابة، كالوكيل والمضارب، وإلى أصالة فلا معنى لاعتبار هذه الزيادة؛ إذ الاحتمال لا يزول بها، والأصل أن الأملاك تكون في يد الملاك، والكينونة في يد غيرهم عارض، فرجحنا الأصل، فينبغي ألا تقيد الشهادة بما استفاد به من معاينة اليد، حتى إنه لو قال: إنه شهد بناء على اليد لا تقبل، كما مر في التسامع؛ لأن معاينة اليد في الأملاك مطلق الشهادة بالملك لا موجب، والقاضي يلزمه القضاء بالملك بالشهادة، ونحن ما ضمنا ذلك.
ألا ترى أن في يد رجل دارًا يتصرف فيها تصرف الملاك، فيجوز أن يأخذ بذلك الشفعة في المبيعة بجنبها، والقاضي لا يقضي بالشفعة عند إنكار المشتري أن تكون الدار ملك الشفيع؛ لأن عيان اليد ليس سببًا للوجوب؛ لكنه سبب للجواز، وعند أحمد (^٥) والإِصْطَخْرِي من أصحاب الشافعي (^٦) يجوز أن يشهد في الملك بالاستفاضة؛ لأنه موجب للعلم الظاهر لما ذكرنا؛ بل أولى من اليد والتصرف، وعندنا والشافعي (^٧) - في الأصح - ومالك (^٨): لا يجوز؛ لاحتمال أنه اشتهر من رجل، ويكون لغيره وهو كبير، فلا يفيد علمًا.
_________________
(١) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٤٠٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٧)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥١).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٥)، المغني (١٠/ ١٤٢، ١٤٣).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٥)، المغني (١٠/ ١٤٢، ١٤٣).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٧، ٣٨)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٣).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٧)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٦٩).
(٨) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥١)، مواهب الجليل (٦/ ١٩٢).
[ ٦ / ٥٢٣ ]
قُلْنَا: وَالتَّصَرُّفُ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا إِلَى نِيَابَةٍ وَأَصَالَةٍ. ثُمَّ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ: إِنْ عَايَنَ المَالِكُ المِلْكَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَكَذَا إِذَا عَايَنَ المِلْكَ بِحُدُودِهِ دُونَ المَالِكِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ فَيَحْصُلُ مَعْرِفَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُهَا أَوْ عَايَنَ المَالِكَ دُونَ المِلْكِ لَا يَحِلُّ لَهُ.
قوله: (ثم إن عاين المالك) إلى آخره، في الكافي والذخيرة (^١): ثم المسألة على أربعة أوجه: إن عاين الملك والمالك، بأن عرف المالك باسمه ونسبه ووجهه، وعرف الملك بحدوده، وَرَآه في يدِهِ بلا منازعة، ثم رآه في يد آخر، فجاء الأول وادعى الملك - وسعه أن يشهد للأول بالملك بناء على يده.
أو عاين الملك دون المالك، بأن عاين ملكًا بحدوده ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني، وهو لم يعرفه بوجهه ونسبه، ثم جاء الذي نسب إليه الملك وادعى ملك هذا المحدود على شخص - حل له أن يشهد استحسانا؛ لأن النسب يثبت بالتسامع، فصار المالك معلومًا بالتسامع.
أو لم يعاين الملك ولا المالك، بأن سمع من الناس يقولون: لفلان بن فلان ضيعة في قرية كذا، حدودها كذا، وهو لم يعرف تلك الضيعة، ولم يعاين يده عليها لا يحل له أن يشهد له بالملك، وهي صورة من صور الاستفاضة.
أو عاين المالك دون الملك بأن يعرف المالك باسمه ونسبه ووجهه، ويسمع أن له ضيعة في قرية كذا، وهو لا يعرف تلك الضيعة بعينها لا يسعه أن يشهد له بالملك؛ لأنه لم يحصل له العلم بالمحدود، وهو شرط للشهادة، وهذا صورة من صور الاستفاضة، فهذه قسمة عقلية، وهي دليل الانحصار.
فإن قيل: يلزم على جواز الاستحسان الشهادة على الملك بالتسامع، وذا لا يجوز عندنا.
قلنا: إنما لا يجوز إذا كانت الشهادة في حق المال قصدًا بالتسامع، أما بالتسامع هاهنا يثبت النسب، وفي ضمنه يثبت الملك، والاعتبار للمتضمن لا للمتضمن.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٩٩، ٣٠٠).
[ ٦ / ٥٢٤ ]
وَأَمَّا العَبْدُ وَالأَمَةُ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمَا رَقِيقَانِ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُمَا رَقِيقَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا صَغِيرَانِ لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ فَذَلِكَ مَصْرِفُ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَيُدْفَعُ يَدُ الغَيْرِ عَنْهُمَا فَانْعَدَمَ دَلِيلُ المِلْكِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِمَا أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالثَّيَابِ، وَالفَرْقُ مَا بَيَّنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (وإن كانا كبيرين) أراد به أن يعبّرا عن أنفسهما، سواء كانا صبيين عاقلين أو بالغين، وبه صرّح الإمام المحبوبي؛ لأن لهما يدًا على أنفسهما فتدفع يد الغير عنهما حكمًا، حتى إن الصبي الذي يعقل لو أقرّ بالرّق على نفسه لغيره يجوز إقراره، ويصنع المقر له به ما يصنع بمملوكه، فلا يكون نفس اليد دليل الملك؛ إذ الحر قد يخدم الحر كأنه عبده وأمكن إزالة هذا الاحتمال بتحكم الإقرار بالرق، فلم يسقط اعتبار الاحتمال فيهما، بخلاف ما لو عرف أنه رقيق؛ إذ لا يد للرقيق على نفسه. كذا في جامع قاضي خان.
فإن قيل: لو كان الاعتبار لتعبيرهما عن نفسهما دون البلوغ لوجب أن تعتبر دعواهما بعدما كبرا في يد ذمي يدعي رقبتهما.
قلنا: نعم الاعتبار للتعبير عن أنفسهما إذا كان في وقته، وهو فيما إذا لم يثبت لأحد عليهما رقبة قبله، وفي هذه الصورة ظهر الرق عليهما باليد في حال صغرهما، وسيجيء في فصل التنازع بالأيدي من كتاب الدعوى.
[قوله] (^١) (وعن أبي حنيفة أنه يحل أن يشهد فيهما) أي: في الكبيرين، وكذا عن أبي يوسف ومحمد، فجعلوا اليد في الكل دليلًا على الملك، ألا ترى أن من ادعى عبدًا أو أمةً في يد غيره، وذو اليد يدعي لنفسه؛ فالقول لذى اليد؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لقيام يده عليه، كما في الثياب والدواب؛ إذ لا يد لهما على أنفسهما (^٢).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٣٣)، فتح القدير (٧/ ٣٩٦).
[ ٦ / ٥٢٥ ]