فإذا جاز هذا الصلح هل تسمع دعوى المدعي وبينته في بقية الدار بعد ذلك؟ وفيما إذا وقع الصلح على بيت معلوم من هذه الدار؟ ذكر الإمام نجم الدين النسفي في شرح الكافي: تسمع، وذكر شيخ الإسلام: لا تسمع.
وجه من قال تسمع: أن المدعي استوفى بعض حقه وأبرأ عن الباقي، وإبراؤه لاقى عينا، والإبراء في الأعيان باطل، فصار وجوده كعدمه.
وجه ظاهر الرواية: أن الإبراء لاقى عينًا ودعوى؛ فإن المدعي يدعي جميع الدار، والإبراء عن الدعوى صحيح، وإن كان عن العين لا يصح، فإن من قال لغيره: أبرأتك عن دعوى هذا العين يصح الإبراء، حتى لو ادعاه بعد ذلك لا تسمع دعواه.
قوله: (والوجه فيه)، أي: الحيلة في جواز هذا الصلح.
(أو يلحق به)، أي: بهذا الصلح ذكر البراءة عن دعوى الباقي، بأن قال المدعي: أبرأتك، أو برئت من دعوى هذه الدار، فيصح الإبراء؛ لأن الإبراء عن دعوى العين جائز، أما لو قال: أبرأتك من هذه الدار، أو من خصومتي في هذه الدار، فهذا الإبراء لا يصح، وله أن يخاصم بعد ذلك؛ لأن هذا إبراء عن ضمانها لا عن دعواها.
وعن هذا قالوا: إن عبدًا في يد رجل لو قال له آخر: برئت منه كان مبرأ منه، ولو قال: أبرأتك منه، كان له أن يدعيه، وإنما أبرأه من ضمانه، كذا في الذخيرة (^١).
فَصْلٌ
لما ذكر مقدمات الصلح، وشرائطه، وأنواعه شرع في بيان ما يجوز منه،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/¬١٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٧/ ٢٦١).
[ ٧ / ١٣ ]
وَالصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الأَمْوَالِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى البَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَالمَنَافِعِ) لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الإِجَارَةِ فَكَذَا بِالصُّلْحِ وَالأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ العُقُودِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهِهَا بِهِ احْتِيَالًا، لِتَصْحِيحِ تَصَرُّفِ العَاقِدِ مَا أَمْكَنَ. قَالَ: (وَيَصِحُ عَنْ جِنَايَةِ العَمْدِ وَالخَطَأ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
وما لا يجوز.
قوله: (لأنه في معنى البيع)، فما جاز بيعه جاز صلحه ولا خلاف فيه.
وقوله: (والمنافع) بالجر، أي: عن دعوى المنافع بأن ادعى في دار سكنى سنة وصية من رب الدار، فجحده الوارث، أو أقرَّ به وصالحه على شيء جاز؛ لأن أخذ العوض عن المنافع جائز بالإجارة، فكذا بالصلح.
قوله: (ويصح عن جناية العمد والخطأ)، وكذا عن كل حق يجوز أخذ العوض عنه بلا خلاف.
(أما الأول)، أي: الصلح عن جناية العمد.
﴿فَمَنْ عُفِىَ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: أعطي له من دم أخيه شيء، وذلك بطريق الصلح، كذا قاله ابن عباس.
وفي التيسير للآية معنيان، أحدهما: ما قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك: ﴿فَمَنْ عُفِىَ﴾، أي: أعطي له من دم أخيه بسهولة، وأريد به ولي القتيل.
﴿مِنْ أَخِيهِ﴾، أي: جهة المقتول شيء من المال بطريق الصلح، ويكره لأنه مجهول القدر؛ فإنه يقدر بما تراضيا عليه.
﴿فَاتِّبَاعُ﴾ بالمعروف، أي: فلولي القتيل اتباع المصالح ببدل الصلح على حسن معاملة.
﴿وَأَدَاءٌ﴾، أي: على المصالح أداء إلى ولي القتيل بإحسان.
والثاني: ما قاله جماعة، وهو مروي عن عمر، وابن عباس: أن الآية في عفو بعض الأولياء، ويدل عليه قوله ﴿وَشَيْءٌ﴾ فإنه يراد به البعض.
وتقديره: فمن عُفِيَ عنه، وهو القاتل، من أخيه في الدين وهو المقتول،
[ ٧ / ١٤ ]
أَخِيهِ شَيْءٌ فَأَنْبَاعُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى أَنَّ مَا صَلَحَ مُسَمًّى فِيهِ صَلَحَ هَاهُنَا، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَادَلَةُ المَالِ بِغَيْرِ المَالِ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ … … …
شيء من القصاص، بأن كان للقتيل أولياء فعفا بعضهم صار نصيب الباقين مالا وهو الدية على حصصهم من الميراث، فَاتَّبَاعٌ بالمعروف أي: فليتبع الذين لم يَعْفُ القاتل بطلب حصصهم بالمعروف أي بقدر حقوقهم من غير زيادة. ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِ﴾، أي: وليؤد القاتل إلى غير العافي حقه وافيًا غير ناقص.
قوله: (وهو)، أي: الصلح بمنزلة النكاح. في المبسوط: ما يصلح مهرًا يصلح بدلًا في الصلح؛ لأنه مال يستحق عوضًا عما ليس بمال بالعقد، ولهذا لا يبطل الصلح عن دم العمد بهلاك البدل، كما لا يبطل النكاح لأن الصلح عن دم العمد لا يحتمل الفسخ كالنكاح، بخلاف الصلح عن المال (^١).
ولهذا لو صالحه عن القود على سكنى دار، أو خدمة عبد سنة جاز كما في النكاح.
فإن قيل: لو صالحه عن القود على أن عفا عن دم وجب عليه يجوز، ولو تزوجه على عفو عن القود لا يجوز. قلنا: أسقط كل واحد حقه عما له من القود، وكل واحد منهما متقوم صالح للاعتياض عنه، فيجوز أن يجعل أحدهما عوضا عن الآخر؛ لكونه متقوما، بخلاف النكاح؛ فإن الشرط في المهر أن يكون مالا، قال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤]، والقصاص ليس بمال، وفي القصاص الشرط أن يكون ما يستحق متقوّمًا، وذلك موجود في القصاص، ولهذا لو صالح عن القود على أقل من عشرة دراهم يجوز ولو سمى في النكاح لا يجوز.
قوله: (إلا أن عند فساد التسمية)؛ بأن صالح على ثوب، أو دابة غير معينين.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢١/¬١١).
[ ٧ / ١٥ ]
هُنَا يُصَارُ إِلَى الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا مُوجَبُ الدَّمِ. وَلَوْ صَالَحَ عَلَى خَمْرٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ العَفْوِ.
وَفِي النِّكَاحِ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُ المُوجَبُ الْأَصْلِيُّ، وَيَجِبُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ حُكْمًا، وَيَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ جَوَابِ الكِتَابِ الجِنَايَةَ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ حَقِّ الشَّفْعَةِ عَلَى مَالٍ، حَيْثُ لَا يَصِحُ … …
(يصار إلى الدية)، أي: في مال القاتل، وهذا لأن الولي ما رضي بسقوط حقه مجانا وقد صار مغرورًا من جهة القاتل بما سمى له فيرجع عليه ببدل ما سلم، وبدل النفس: الدية، ويجب في مال القاتل؛ لأنه وجب بعقده وكان عليه خاصة، كذا في المبسوط، والإيضاح (^١).
قوله: (لأنه)، أي: المال.
(لا يجب بمطلق العفو)، فلا يكون من ضرورة الصلح عن القود وجوب المال؛ فإنه لو عفا ولم يسم مالًا يصح، فصار ذكر الخمر وعدمه سواء، يبقى مطلق العفو، وفي مطلق العفو لا يجب شيء فكذا في ذكر الخمر في الصلح.
(وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين)، أي: في فصل فساد القسمة، وفي فصل تسمية الخمر.
(لأنه)، أي: مهر المثل الموجب الأصلي في النكاح بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
(ويجب)، أي: مهر المثل.
(مع السكوت)، أي: عن ذكر المهر حكمًا، أو شرعًا؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾.
(في إطلاق جواب الكتاب)، أي: القدوري، وهو قوله: ويصح عن جناية العمد والخطأ.
قوله: (وهذا)، أي: الصلح عن القصاص بخلاف الصلح عن حق الشفعة
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢١/¬١٣).
[ ٧ / ١٦ ]
لِأَنَّهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ، وَلَا حَقَّ فِي المَحَلِّ قَبْلَ التَّمَلُّكِ.
وَأَمَّا القِصَاصُ فَمِلْكُ المَحَلِّ فِي حَقِّ الفِعْلِ فَيَصِحُ الاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ
بمال حيث لا يجوز، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
مع أن كلاهما (حق التملك) ولا حق في المحل؛ فإن للشفيع أن يتملك، وللولي أن يقيم القتل، فقبل أن يقيم القتل. ولا حق في المحل، فقال:
(أما القصاص فملك المحل)، أي: المحل مملوكًا في حق إقامة الفعل قبل الفعل، فظهر الحق في المحل لملك الاعتياض.
إما ولا حق للشفيع في الدار المشتراة قبل أن يأخذها بالشفعة، بل له أن يتملك ملك الغير فكان قبل التملك لَا حَقَّ له في المحل فلا يصح الاعتياض، كذا في الإيضاح.
فإن قيل: لو قطع يمين [إنسان] (^١)، ثم قطع يمين آخر يجب القصاص للثاني كما يجب للأول، فلو ظهر أثر الاستحقاق في المحل لما وجب للثاني؛ لأن المحل صار مستحقا لشخص لا يصير مستحقا لآخر.
قلنا: المحل ما صار مملوكًا به على الإطلاق، بل صار مملوكًا له في حق الفعل الذي يقيمه فقط، وظهوره في حق فعل لا يدل على عدم ظهوره في حق فعل آخر.
وقيد الصلح عن الشفعة على مال لأنه لو صالح حق الشفعة على أخذ نصف الدار يصح؛ لأنه ذكر في المبسوط: صلح الشفيع على ثلاثة أوجه: في وجه يصح، وهو أن يصالح على أخذ نصف الدار بنصف الثمن.
وفي وجه: لا يصح ولا تبطل شفعته، وهو أن يصالح على أخذ بيت معين منها بحصته من الثمن لا يصح؛ لأن حصته مجهولة، ولا تبطل شفعته؛ لأنه لم يوجد منه الإعراض عن الشفعة.
وفي وجه: لا يصح وتبطل شفعته، وهو أن يصالح على مال، فهاهنا تبطل شفعته لوجود الإعراض منه عن الأخذ بالشفعة، ولا يجب المال لأن ملك
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ١٧ ]
يَصِحُّ الصُّلْحُ تَبْطُلُ الشَّفْعَةُ، لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالإِعْرَاضِ وَالسُّكُوتِ، وَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الشَّفْعَةِ حَتَّى لَا يَجِبُ المَالُ بِالصُّلْحِ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي بُطْلَانِ الكَفَالَةِ رِوَايَتَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ جِنَايَةُ الخَطَأ، فَلِأَنَّ مُوجِبَهَا المَالُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ البَيْعِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ مُقَدَّرُ شَرْعًا، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ فَتُرَدُّ الزِّيَادَةُ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ القِصَاصِ، حَيْثُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ القِصَاصَ
المشتري في الدار لم يتغير بهذا الصلح، بل بقي على ما كان، ولا يجوز الاعتياض في حق الشفعة لما ذكرنا (^١).
قوله: (والكفالة بالنفس بمنزلة حق الشفعة)، أي: في عدم جواز الكفالة.
صورته: صالح المكفول له الكفيل على شيء من المال على أن يخرجه من الكفالة، لا يصح الصلح، ولا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (روايتين على ما عرف في موضعه)، ذكر في رواية كتاب الشفعة والحوالة والكفالة: تبطل، وهو رواية أبي حفص؛ لأن الإقدام على الصلح يتضمن البراءة عن الكفالة، والسقوط لا يتوقف على العوض، وإذا سقطت لا تعود، وبه يفتى.
وفي رواية أبي سليمان: لا تبطل الكفالة بالنفس لأنها وسيلة الوصول إلى المال فأخذت حكمه من هذا الوجه فإذا رضي بسقوط حقه بعوض لم يسقط مجانًا، كذا في الإيضاح والذخيرة.
قوله: (إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية)، وفي المعنى هذا إذا كان ذلك الصلح منفردًا، أما إذا كان الصلح عن دم العمد متضمنا بالصلح عن دم الخطأ يجوز وإن زاد بدل الصلح على قدر الديتين، كما لو صالح ولي قتيل العمد وولي قتيل الخطأ بمن قتل عمدًا، أو قتل آخر خطأ على أكثر من الديتين يجوز، ولصاحب الخطأ قدر الدية، وما بقي لصاحب العمد.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٦٣).
[ ٧ / ١٨ ]
لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالعَقْدِ، وَهَذَا إِذَا صَالَحَ عَلَى أَحَدٍ مَقَادِيرِ الدِّيَةِ، أَمَّا إِذَا صَالَحَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ جَازَ، لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ بِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ القَبْضُ فِي المَجْلِسِ كَيْ لَا يَكُونَ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنِ بِدَيْنِ. وَلَوْ قَضَى القَاضِي بِأَحَدِ مَقَادِيرِهَا فَصَالَحَ عَلَى جِنْسِ آخَرَ مِنهَا بِالزِّيَادَةِ جَازَ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الحَقُّ بِالقَضَاءِ فَكَانَ مُبَادَلَةٌ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ تَرَاضِيَهُمَا عَلَى بَعْضِ المَقَادِيرِ بِمَنْزِلَةِ القَضَاءِ فِي حَقِّ التَّعْيِينِ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَعَيَّنَ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الصُّلحُ عَنْ دَعْوَى حَدٌ) لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّهُ، وَلَا
قوله: (أما إذا صالح على [غير] (^١) ذلك جاز) بأن صالح على مكيل، أو موزون وقيمتهما أكثر من الدية يجوز بلا خلاف.
قوله: (عن دين بدين)، أي: عن دين الدية بدين بدل الصلح.
(على جنس آخر منها)، أي: من المقادير، بأن قضى بمائة من الإبل فصالح على أكثر من مائتي بقر جاز، وعند الشافعي، وأحمد لا يجوز؛ لأنه أخذ حقه وزيادة لا مقابل لها فيكون أكل مال الباطل.
وقلنا: لما عين القاضي الوجوب في الإبل خرج غيره عن كونه واجبًا، فكان ما يعطى عوضا عن الواجب فيصح إذا كان يدا بيد.
أما لو صالح على شيء من المكيل أو الموزون سوى الدراهم والدنانير إلى أجل فهو باطل؛ لأن القاضي لما عين الحق في الإبل كان هذا اعتياضًا عن دين بدين فلا يجوز، ذكره في الإيضاح.
قوله: (ولا يجوز الصلح عن دعوى) حَدِّ صورَتُهُ: أَحَدَّ زانيا، أو سارقا، أو شارب خمر فصالح على مال على أن لا يرافعه إلى الحاكم فهو باطل، ويرد ما أخذه، ولا يعلم فيه خلاف؛ لأنه حق الله تعالى لا حق العبد، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز.
قوله: (لأنه)، أي: النسب حق الولد.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ١٩ ]
يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ إِذَا ادَّعَتْ المَرْأَةُ نَسَبَ وَلَدِهَا، لِأَنَّهُ حَقُّ الوَلَدِ لَا حَقْهَا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَمَّا أَشْرَعَهُ إِلَى طَرِيقِ العَامَّةِ
صورته: ادعت امرأة على رجل هذا الصبي الذي في يدها أنه ابنه، وجحد الرجل ولم تَدَّعِ المرأة بالنكاح وقالت: قد طلقني، وأقر الزوج أنه قد طلقها وبانت فصالح من النسب على مائة فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي فلا يجوز للأم إسقاطه، كذا في شرح القدوري (^١).
ونسبت هذه الرواية إلى أبي يوسف في الإيضاح، وقال: النسب حق الصبي فلا تملك الأم إسقاطه بعوض وغير عوض.
قوله: (إلى طريق العامة) قيد به لأن الظلة لو كانت على طريق غير نافذ فصالح رجل من أهل الطريق جاز بلا خلاف؛ لأن الطريق مملوك لأهلها فيظهر في حق الأفراد فكان الصلح معه مفيد لأنه يسقط حقه، ويتوصل إلى تحصيل رضى الباقين فجاز، ذكره في الإيضاح.
هذا بخلاف ما لو أراد أن يفتح بابًا في غرفة، أو كوة فخاصمه أحدهم فصالحه على مالٍ ليترك الكوة ولا يسدها فالصلح باطل، ذكره في فتاوى قاضي خان (^٢).
مع أن ما يقابل الكوة من دار الجار مملوكًا للجار، ومع ذلك لم يجز الصلح؛ لأن الجار ظالم في منع صاحب الكوة عن الانتفاع بمال نفسه، والجار إنما يأخذ المال ليمتنع عن الظلم والامتناع عنه واجب فلا يجوز الصلح عليه.
أما بناء الظلة ليس بتصرف في ملك نفسه، بل هو بناء هواء مشترك بين قوم معلومين فيجوز.
وفي مسألة الكوة لو صالح صاحب الكوة على أن يأخذ مالا ويسد كوته فالصلح باطل أيضًا؛ لأن الجار إنما دفع المال ليمتنع صاحب الكوة عن التصرف في ملك نفسه والانتفاع به فكان باطلا، إليه أشار في فتاوى قاضي خان (^٣).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٦/¬٤٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١٠/¬١٤).
(٢) فتاوى قاضي خان (٣/ ٥٣).
(٣) فتاو قاضي خان (٣/ ٥٣).
[ ٧ / ٢٠ ]
لِأَنَّهُ حَقُّ العَامَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ وَاحِدٌ عَلَى الانْفِرَادِ عَنْهُ؛ وَيَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ الجَوَابِ حَدُّ القَذْفِ لِأَنَّ المُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ.
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، وَهِيَ تَجْحَدُ، فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدَّعْوَى: جَازَ، وَكَانَ فِي مَعْنَى الخُلْعِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ خُلْعًا فِي جَانِبِهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ وَفِي جَانِبِهَا بَدَلًا لِلْمَالِ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ. قَالُوا: وَلَا يَحِلُّ لَهُ
قوله: (واحد على الانفراد)، قيد به لو صالح الإمام بمال على أن يترك الظلة جاز الصلح؛ لأن الاعتياض من الشركة العامة جائز من الإمام، ويضع ذلك في بيت المال كما لو باع شيئًا من بيت المال يجوز، كذا في الذخيرة (^١)، ومبسوط شيخ الإسلام.
لأن المغلب فيه، أي: في حد القذف حق الشرع، ولهذا لا يورث، ولا يسقط بالعفو عندنا، وأخذ العوض على حق الغير لا يجوز، وعند الشافعي (^٢) وأحمد (^٣) وإن كان المغلب فيه حق العبد، لكن حق غير مالي فلا يجوز أخذ العوض عنه، وعند مالك هو مشترك فلا يجوز أخذ العوض عنه.
قوله: (وكان في معنى الخلع)، أي: في زعم الزوج إذ الخلع بلفظ البراءة صحيح، وبه قال بعض أصحاب أحمد، وقال بعض أصحابه: لا يجوز؛ لأن الصلح في الإنكار في حق المنكر لافتداء اليمين، ولا يمين عليها في هذه الدعوى (^٤).
وقلنا: المرأة بذلته لدفع الخصومة عن نفسها، وتخليص نفسها عن الوطء الحرام، وربما توجهت اليمين عليها لكون الحاكم يرى ذلك.
قوله: (قالوا)، أي: المشايخ: (لا يحل له) إلى آخره، وفي النهاية: هذا عام في جميع أنواع الصلح بدليل ما ذكر في كتاب الإقرار: لو أقر لغيره بمال، والمقر له يعلم أنه كاذب، لا يحل له أخذ ذلك ديانة، إلا أن يسلمه
_________________
(١) الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٢٢٨).
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٧/ ٤٣٣)، والوسيط للغزالي (٤/ ١٠١).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣٧٣)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (٥/¬١٨).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣٧٣).
[ ٧ / ٢١ ]
أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ مُبْطِلًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهَا جَازَ)
قَالَ ﵁: هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ المُخْتَصَرِ، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: لَمْ يَجُزْ. وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنْ يَجْعَلَ زِيَادَةٌ فِي مَهْرِهَا. وَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ بَذَلَ لَهَا المَالَ لِتَتْرُكَ الدَّعْوَى، فَإِنْ جُعِلَ تَرْكُ الدَّعْوَى مِنهَا فُرْقَةٌ: فَالزَّوْجُ لَا يُعْطِي العِوَضَ فِي الفُرْقَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ: فَالحَالُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّعْوَى فَلَا شَيْءَ يُقَابِلُهُ العِوَضُ فَلَمْ يَصِحٌ.
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ،
بطيب نفسه فيكون تمليكا بطريق الهبة ابتداءً، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^١).
قوله: (قال ﵁: هكذا ذكر)، وذكر بفتح الذال على بناء الفاعل، بدليل ما ذكر بعده.
(وفي بعضها قال: لم يجز)، وهو المذكور في شرح القدوري.
وجه الأول: وهو الجواز، أنه يجعل كأنه زاد في مهرها ثم خالعها على أصل المهر دون الزيادة.
قوله: (فالزوج لا يعطي العوض في الفرقة)، من جانب الزوج إذ لا يسلم له شيء من هذه الفرقة، وإنما المرأة هي التي تسلم لها نفسها، وتتخلص عن الزوج فالحال على ما كان قبل الدعوى، وتكون هي على دعواها فلا يكون ما أخذ به عوضًا عن شيء فلا يجوز؛ لأنه رشوة محض من غير دفع خصومة، ويلزمها رده.
وإنما قلنا: لم يقابله شيء؛ لأن النكاح ما ثبت هاهنا وهي لم تترك الدعوى؛ لأن الفرقة لم توجد فكان دعواها في زعمها على حالها لبقاء النكاح فلم يفد دفع المال فائدته فلا يجوز.
قوله: (وإن ادعى على رجل أنه عبده)، أي: رجل مجهول الحال فأنكر الرجل، ثم صالحه على مال يجوز، هكذا ذكره في المبسوط، وبه قال أحمد (^٢).
_________________
(١) انظر: لسان الحكام لابن الشحنة (ص ٢٦٥)، ومجمع الضمانات لغانم البغدادي (ص ٣٦٥).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣٧٢)، والهداية للكلوذاني (ص ٢٦٩).
[ ٧ / ٢٢ ]
فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ أَعْطَاهُ جَازَ، وَكَانَ فِي حَقِّ المُدَّعِي بِمَنْزِلَةِ الإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ فِي حَقِّهِ لِزَعْمِهِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ عَلَى حَيَوَانٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ، وَفِي حَقِّ المُدَّعَى عَلَيْهِ يَكُونُ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ فَجَازَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ لِإِنْكَارِ العَبْدِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ فَتُقْبَلَ وَيَثْبُتَ الوَلَاءُ.
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ العَبْدُ المَأذُونُ لَهُ رَجُلًا عَمْدًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ نَفْسِهِ،
وقوله: (لهذا يصح على حيوان في الذمة، وكذا لو أقام بينة بعد الصلح أنه عبده لا تقبل بينته في إثبات الملك؛ لأن ما جرى بينهما بمنزلة الإعتاق، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لا ولاء له)، أي: للمدعي لإنكار العبد) كونه عبدًا، (إلا أن يقيم) المدعي (البينة) بعد ذلك على أنه عبده (فتقبل)، أي: في حق الولاء. (ويثبت الولاء)؛ لأنه صالحه على مال فيكون صلحه بمنزلة الإعتاق على مال فيثبت الولاء.
قوله: (لم يجز له)، أي: للعبد المأذون (أن يصالح عن نفسه) على مال، سواء كان عليه دين أو لا، ومع فساد الصلح لا يجوز لولي القتيل أن يقتله بعد الصلح؛ لأنه لما صالحه فقد عفا ببدل فصح العفو، ولم يجب البدل في حق المولى فتأخر البدل إلى ما بعد العتق؛ لأن صلحه عن نفسه لم يجز لِحَقِّ المولى.
أما في حق نفسه يجوز؛ لأنه مكلف فكان كالأمة البالغة إذا طلقها زوجها بمال وقبلت؛ فإن المال يجب في حقها وإن لم يجب في حق المولى حتى يؤاخذ به بعد العتق وصار كأنه طلقها بمال مؤجل، ولهذا يقع الطلاق بائنا، فكذا هاهنا؛ كأنه صالحه على بدل مؤجل يؤاخذ به بعد العتق فيجوز الصلح في حق المولى فلم يجز أن يقتله بعده، ولا أن يتبعه بشيء ما لم يعتق، كذا ذكر المحبوبي.
وهذا جواب عما لو قال: لما سقط القتل بعفوه وقد اعترف المولى به، فَلِمَ
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/ ١٠٦).
[ ٧ / ٢٣ ]
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ لَهُ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَهُ عنه جَازَ وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ رَقَبَتَهُ لَيْسَتْ مِنْ تِجَارَتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَيْعًا فَكَذَا اسْتِخْلَاصًا بِمَالِ المَوْلَى وَصَارَ كَالأَجْنَبِيِّ، أَمَّا عَبْدُهُ فَمِنْ تِجَارَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ نَافِةٌ بَيْعًا فَكَذَا اسْتِخْلَاصًا، وَهَذَا لِأَنَّ المُسْتَحَقَّ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِ وَهَذَا شِرَاؤُهُ فَيَمْلِكُهُ. …
لم يخاطب بالدفع، أو الفداء؟
فقال: لما كان صلحا ببدل مؤجل إلى ما بعد العتق لم يخاطب به المولى في الحال، وهذا بخلاف المكاتب؛ فإنه لو قتل عمدا، أو صالح عن نفسه بشيء من كسبه يجوز، وفي المأذون: لا يجوز؛ لأن المكاتب أعلى حالا من المأذون، فكان يده على نفسه أقوى.
ولهذا لو ادعى إنسان رقبة المكاتب ينتصب المكاتب خصما للمدعي، ولو قطع شيء من طرفه كان البدل له فيقضي له بدل كتابته وسائر ديونه، بخلاف المأذون حيث لا ينتصب خصما، ولا يكون بدل طرفه له، فصار كالحر باعتبار قوة يده، أما المأذون يلتحق بما قبل الإذن لضعف يده، وصلحه عن نفسه قبل الإذن لا يصح، فكذا بعد الإذن، ذكره المحبوبي (^١).
قوله: (ولهذا لا يملك التصرف فيه) أي: في رقبته على تأويل العضو، أو الجزء.
(بيعا)، قيد بالبيع لأنه يملك التصرف فيه إجازة، كذا ذكر التمرتاشي.
قوله: (استخلاصا بمال المولى)؛ لأن ما أعطاه من بدل الصلح مال المولى.
(وصار)، أي: العبد المأذون (كالأجنبي) في حق نفسه؛ لأن نفسه مال المولى والأجنبي إذا صالح عن مال مولاه بغير إذنه لا يجوز، فكذا هنا.
قوله: (وهذا شراؤه)، أي: الصلح على مال في معنى الشراء فإن العبد صار كالمستحق بقتل العمد، ولو زال عبده عن ملكه يملك شراءه فيملك الصلح أيضا، ولو زالت نفسه عن ملك المولى لا يملك شراء نفسه فكذا لا يملك.
_________________
(١) انظر: الدر المختار - مع رد المحتار - للحصفكي (٥/ ٦٣).
[ ٧ / ٢٤ ]
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا يَهُودِيًّا قِيمَتُهُ دُونَ المِائَةِ فَاسْتَهْلَكَهُ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَبْطُلُ الفَضْلُ عَلَى قِيمَتِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) (*) لِأَنَّ الوَاجِبَ هِيَ القِيمَةُ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ رِبًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى عَرَضٍ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَظْهَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الجِنْسِ، وَبِخِلَافِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ فَلَا تَظْهَرُ الزِّيَادَةُ.
الصلح عن نفسه كذا في جامع صدر الإسلام.
قوله: (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا يَهُودِيًّا) إلى آخره وضع المسألة في الأصل في العبد، وكذا الخلاف في كل ما لا مثل له.
(وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (يبطل الفضل على قيمته)، وبه قال الشافعي، وأحمد.
ثم قيد بالغصب لاستدعاء الصلح ذلك عادةً فإن الحكم في المستهلك والمبيع كذلك، وقيد بالثوب احترازًا عن غصب المثلي فإن الصلح فيه بالدراهم والدنانير بالزيادة يجوز بالإجماع.
وقيد بكونه يهوديا؛ لتعرف قيمته إذ لا بد أن يكون الثوب المدعى به موصوفًا حتى تعرف قيمته.
وقيد بالاستهلاك؛ لأن الثوب إذا كان قائمًا يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع.
وقيد بقوله: (على مائة درهم)؛ لأنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالا وقبضه قبل الافتراق عن المجلس جاز بالإجماع.
ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء لو صالح على أكثر منها لا يجوز بالإجماع.
قوله: (وهي مقدرة)، أي: القيمة مقدرة من النقود شرعًا فتصير الزيادة ربا كالصلح في الدية بأكثر من ألف دينار، أو بأكثر من عشرة آلاف درهم، وكما لو قضى القاضي بالقيمة، وكما لو وجبت الدراهم بسبب البيع
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٢٥ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ حَقَّهُ فِي الهَالِكِ بَاقٍ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا وَتَرَكَ المَوْلَى أَخْذَ القِيمَةِ يَكُونُ الكَفَنُ عَلَيْهِ، أَوْ حَقَّهُ فِي مِثْلِهِ صُورَةً وَمَعْنَى، لِأَنَّ ضَمَانَ العُدْوَانِ بِالمِثْلِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى القِيمَةِ بِالقَضَاءِ فَقَبْلَهُ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى الأَكْثَرِ كَانَ اعْتِيَاضًا فَلَا يَكُونُ
ثم صالحه بالزيادة.
(ولأبي حنيفة أن حقه)، أي: حق المالك في المغصوب باق ولم يزل ملكه عنه ما لم يتقرر حقه في ضمان القيمة، بدليل أنه لو اختار ترك التضمين بقي العبد هالكًا على ملكه حتى يكون الكفن عليه، أو كان ابقا فعاد من إباقه كان مملوكًا له، ولو كان نصب شبكة فيُعقَلُ بها صيد بعد موته يكون للمالك، وإنما يملك الكسب تملك الأصل، وإذا كان ذلك فالذي وقع عليه الصلح عوضًا عن ملكه في العبد والثوب، ولا ربا بين العبد والدراهم، كذا في المبسوط (^١).
(أو حقه في مثله صورة ومعنى)، وفي الذخيرة: هذا اعتياض عن الثوب والعبد حكمًا فيجوز بالغا ما بلغ؛ كالاعتياض عن العبد القائم، والثوب القائم، وهذا لأن ضمان العدوان بالمثل بالنص فيكون مقيدًا بالمثل، والمثل من كل وجه هو المثل صورةً ومعنى، ولهذا كان الواجب من جنسه في المكيلات والموزونات، وإيجاب الحيوان والثوب في الذمة ممكن كما في النكاح والدية، إلا عند الأخذ يصار إلى القيمة ضرورة أن أخذ المثل صورة ومعنى غير ممكن إلا بسابقة التقويم، والآخذ والدافع لا يعرفان ذلك حقيقةً؛ لما فيه من التفاوت الفاحش، ولا ضرورة في وجوب المثل الكامل؛ لأن الوجوب بإيجاب الله، والله تعالى عالم بذلك، فصح أن هذا اعتياض من الثوب أو الحيوان فيجوز كيفما كان.
وهذا معنى قول الشيخ: (فقبله)، أي: قبل القضاء.
(إذا تراضيا على الأكثر كان اعتياضًا)، أي: عن الثوب أو العبد فلا يكون ربا.
وفي المبسوط: وجه آخر أن الواجب على الغاصب ضمان الرد، كما قال
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢١/ ٥٦).
[ ٧ / ٢٦ ]
رِبًا، بِخِلَافِ الصُّلْحِ بَعْدَ القَضَاءِ لِأَنَّ الحَقَّ قَدْ انْتَقَلَ إِلَى القِيمَةِ.
﵇: «على اليد ما أخذتت حتّى تَردَّ» (^١)، وهو الضمان الأصلي في الغصب، وإنما يجب عند تعذر رد العين (^٢)، فكان ذلك لأجل الضرورة فلا يصار إليه إلا عند العجز عن رد العين بالقضاء بالقيمة، فإذا صالحه على مال كان بدل الصلح عوضًا عن الضمان الأصلي وهو رد العين فلا يكون ربا.
وفي المبسوط، والذخيرة، والجوامع وغيرها أن منشأ الخلاف أن بدل الصلح في مقابلة عين المغصوب تحقيقا إذا كان قائما، وحكما تقديرا فيما إذا كان مستهلكا عند أبي حنيفة، وعندهما في مقابلة الدراهم والدنانير إذا كان مستهلكا (^٣).
فإن قيل: يلزم على أبي حنيفة أنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة مؤجلا ينبغي أن يجوز، والحال أنه لا يجوز، وكذا لو باع المالك المغصوب المستهلك من الغاصب لا يجوز، فلو جعل بمنزلة القائم حكمًا بعد الاستهلاك ينبغي أن يجوز.
قلنا: إنما لا يجوز الصلح على الطعام الموصوف مؤجلا باعتبار أن العبد أو الثوب المستهلك لا يوقف على أثره، وما لا يوقف على أثره يكون في حكم الدين، والدين بالدين حرام، لا لأن الطعام بدل عن القيمة.
ألا ترى أنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالا وقبضه في المجلس يجوز، ولو كان ذلك بدلًا عن القيمة لا يجوز؛ لأن الطعام إذا قوبل بالدراهم يكون مبيعًا، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا بطريق السلم، وفي مسألة البيع إنما لا يجوز بيعه من الغاصب بعد الهلاك؛ لأن البيع تمليك مال متقوم بمال، وبعد الهلاك ليس بمال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٢/ ٥٥٧ رقم ١٢٦٦)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠)، والحاكم (٢/¬٤٧) رقم (٢٣٠٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١١/ ٥١).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١٤/ ٧٢).
[ ٧ / ٢٧ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ، فَصَالَحَهُ الْآخَرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، فَالفَضْلُ بَاطِلٌ) وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِمَا بَيَّنَّا. وَالفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ القِيمَةَ فِي العِتْقِ مَنْصُوصُ عَلَيْهَا، وَتَقْدِيرُ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ دُونَ تَقْدِيرِ القَاضِي فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَبِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهَا (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى عُرُوضٍ جَازَ) لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الفَضْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.