قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى المُكَاتَبُ أَبَاهُ، أَوْ ابْنَهُ: دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ
فَصْلٌ
لما ذكر مسائل من يدخل في الكتابة أصلًا شرع في بيان من يدخل تبعًا.
قوله: (دخلت في كتابته)، وكذا لو اشترى أمة، وهؤلاء يدخلون في كتابته تبعًا له حتّى يُرَدُّونَ إلى الرق بعجزه، فلو كانت كتابتهم بطريق الأصالة لبقيت كتابتهم بعد عجزه وليس كذلك، فلذلك قال: دخل، ولم يقل: صار مكاتبا.
ثم شراؤه ذوي أرحامه يجوز عندنا، وعند الشافعي، ومالك، وأحمد لا يجوز لأنه تصرف تبرع كالإعتاق، وعند أصحاب الظاهر لو ملك قريبه يعتق عليه كما في الحر لإطلاق النصوص.
وقال القاضي الحنبلي: يجوز؛ لأنه تصرف لا ضرر فيه على السيد فإنهم يعتقون بعتقه ويرزقون برزقه.
أما لو اشترى قريبه بإذن السيد ففي صحته للشافعي قولان، وعن أبي إسحاق المروزي من أصحابه القطع بالصحة، وعند أحمد يجوز.
ثم على قول الصحة يتكاتب عليه، ثم في كل تصرف لا يجوز للمكاتب فإذا فعله بإذن السيد للشافعي فيه قولان في قول: يجوز، وبه قال أحمد ومالك.
قوله: (لأنه)، أي: المكاتب من أهل أن يكاتب كالحر أهل للتحرير، فإذا اشتراهما الحر يعتقان عليه، فكذا المكاتب إذا اشتراهما يتكاتبان عليه تحقيقا للصلة بقدر الإمكان، ثم الأقوى في الدخول تبعًا في الكتابة الولد المولود في كتابته؛ لأنه جمع فيه الملك، والبعضية حكمًا في حق العبد حقيقة في حق العقد حتى يحرم بيعه، ويقبل منه بدل الكتابة بعد موت أبيه على نجوم أبيه.
ثم الولد المشترى؛ لأن فيه الملك، والبعضية حكما في حق العبد حتى يحرم بيعه ويقبل منه البدل حالا بعد موت الأب؛ لأنه بعد الانفصال لا بعضية بينهما.
ثم الوالدان لأن فيهما الملك لا البعضية فإنهما ليسا ببعض للولد، فلذا
[ ٧ / ٣٧٨ ]
يُكَاتِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الإِعْتَاقِ، فَيُجْعَلُ مُكَاتَبًا تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الحُرَّ مَتَى كَانَ يَمْلِكُ الإِعْتَاقَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (وَإِنْ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهُ لِأَوْلَادِ لَهُ: لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَدْخُلُ) اعْتِبَارًا بِقَرَابَةِ الوِلَادِ، إذْ وُجُوبُ الصِّلَةِ يَنْتَظِمُهُمَا، وَلِهَذَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الحُرِّ فِي حَقِّ الحُرِّيَّةِ. وَلَهُ: أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ كَسْبًا لَا مِلْكًا، غَيْرَ أَنَّ الكَسْبَ يَكْفِي الصَّلَةَ فِي الوِلَادِ، حَتَّى أَنَّ القَادِرَ عَلَى الكَسْبِ يُخَاطَبُ بِنَفَقَةِ الوَالِدِ وَالوَلَدِ، وَلَا يَكْفِي فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى لَا تَجِبُ نَفَقَةُ الأَخِ إِلَّا عَلَى المُوسِرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَرَابَةٌ تَوَسَّطَتْ.
انحطت تبعيتهما عن تبعيّة ولد المشترى، فيحرم بيعهما حال حياته، ولا يقبل بدل الكتابة بعد موته لا حالا ولا منجمًا، إليه أشار في الذخيرة.
ثم المولى إذا أعتق الولد المشترى لم تسقط حصته من بدل الكتابة، وينبغي أن تسقط لدخوله في الكتابة، كما إذا كاتب عبده مع أولاده الصغار ثم أعتق المولى أحد الأولاد، لما أن دخوله ضمنًا لا قصدًا، فلا يكون العقد مضافًا إليه، بخلاف ما لو كاتب الأولاد مع أبيهم قصدًا فإن العقد مضاف إليهم، وإن كان القابل هو الأب فيكون لهم حصة من البدل فتسقط حصة الولد بعتقه.
(وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنيفة (يدخل).
قوله: وله أي لأبي حنيفة (أن للمكاتب كسبًا لا ملكًا)؛ لوجود ما ينافيه وهو الرق، ولهذا لا يفسد نكاح امرأته لو اشتراها، وتحل الصدقة له وإن أصاب كسبا ولا يملك الهبة، كذا في الأسرار.
غير أن الكسب يكفي للصلة، مع أن القدرة على الكسب موجبة للصلة في الولاد حتى تجب النفقة للوالد والولد على القادر على الكسب وإن لم يكن موسرًا.
(ولا يكفي لغيرها)، أي: لغير الولاد، حتى لا تجب نفقة الأخ وإن كان قادرًا على الكسب إذا لم يكن موسرًا، والدخول في الكتابة بطريق الصلة يختص بموضع وجوب الصلة.
قوله: (ولأن هذه)، أي: قرابة الأخوة (قرابة توسطت) يعني الأخ نسبة
[ ٧ / ٣٧٩ ]
بَيْنَ بَنِي الأَعْمَامِ وَقَرَابَةِ الوِلَادِ، فَأَلْحَقْنَاهَا بِالثَّانِي فِي العِتْقِ، وَبِالأَوَّلِ فِي الكِتَابَةِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ العِتْقَ أَسْرَعُ نُفُوذًا مِنْ الكِتَابَةِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا كَاتَبَ
(بني الأعمام) في حق الزكاة، وحلّ الحليلة، وقبول الشهادة، وجريان القصاص، ونسبة الولاد في حرمة المناكحة، وافتراض الصلة، وحرمة الجمع بينهما نكاحا.
(فألحقناها في بالثاني)، أي: الولاد (في العتق)، (وبالأول) وهو بنو الأعمام (في الكتابة) توفيرا للشبهين حظهما، والعمل على هذا الوجه أولى من العكس.
(لأن العتق (^١) أسرع نفوذًا) إلى آخره، يعني لو قلنا بتكاتب أخيه عليه إذا اشتراه وجب علينا أيضًا أن نقول إذ مَلكَ الحُرُّ أخاه يعتق عليه أيضًا، فحينئذ يلزم إلغاء العمل بشبه قرابة بني الأعمام، فلا تبقى حينئذ قرابة الأخوة متوسطة بين القرابتين.
وفي الذخيرة: عِلَّةُ صيرورة حال المملوك كحال المالك شيئان: الملك، والقرابةُ المُحَرِّمَةُ النكاح؛ لقوله ﵊:: «من ملك ذا رَحِمٍ عَتَقَ عَلَيهِ» (^٢)، فقد جعلت العلة القرابة المُحرّمة والملك. وفي المكاتب إذا اشترى ابنه أو والده وجدت القرابة المحرمة، وحقيقة الملك أيضًا حكمًا؛ لأنه انضم إلى حق الملك الولاد.
وللولاد زيادة تأثير في إيجاب الصلة باعتبار وجوب الصلة بمجرد القدرة
_________________
(١) في الأصل: (لأن العقد)، والمثبت من النسخة الثانية، وهو الموافق لما جاء في المتن.
(٢) أخرجه أبو داود (٤/¬٢٦ رقم ٣٩٤٩)، والترمذي (٣/¬٣٩ رقم ١٣٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٤٣ رقم ٢٥٢٤) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال أبو داود: ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه، وقال الترمذي: هذا حديث، لا نعرفه مسندا إلا من حديث حماد بن سلمة، وقال ابن حجر: قيل إنه - البخاري - أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الوارد فيمن ملك ذا رحم فهو حر، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من حديث الحسن، عن سمرة، واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي إرساله، وقال البخاري: لا يصح، وقال أبو داود: تفرد به حماد وكان يشك في وصله، وغيره يرويه عن قتادة عن الحسن قوله، وعن قتادة عن عمر قوله، منقطعًا. فتح الباري (٥/ ١٦٨).
[ ٧ / ٣٨٠ ]
كَانَ لِلْآخَرِ فَسْخُهُ، وَإِذَا أَعْتَقَ لَا يَكُونُ لَهُ فَسْخُهُ.
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ: دَخَلَ وَلَدُهَا فِي الكِتَابَةِ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) وَمَعْنَاهُ: إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا، أَمَّا دُخُولُ الوَلَدِ فِي الكِتَابَةِ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا امْتِنَاعُ بَيْعِهَا: فَلِأَنَّهَا تَبَعُ لِلْوَلَدِ فِي هَذَا الحُكْمِ، قَالَ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدُهَا: فَكَذَلِكَ الجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَلَهُ: أَنَّ القِيَاسَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ، … …
على الكسب ويستحق عند اختلاف الدين، وإذا انضم إلى حق الملك ما له زيادة أثر في إيجاب الصلة التحق بالحقيقة، ومن حكم حقيقة الملك صيرورة المملوك بمثل حال المالك.
أما إذا كان المشتري أحاله لم يوجد حقيقة الملك، لا حقيقةً، ولا حكمًا، أما حقيقة فظاهر وأما حكمًا فلأنه لم ينضم إلى حقيقة الملك ما له أثر في إيجاب زيادة الصلة فلم يلتحق بالحقيقة، بقي مجرد الحق مع القرابة المحرّمة، وأنه ليس بعلة تامة لصيرورة المشترى بمثل حال المشتري.
قوله: (إذا اشترى أم ولده)، أي: ومعها ولده منها الأصل في هذا أن المكاتب إذا اشترى امرأته لا يبطل نكاحها لعدم الملك حقيقة في رقبتها، وله ملك اليد، وملك اليد لا يبطل النكاح، وله أن يبيعها؛ لأن النكاح ليس بسبب لاستحقاق الصلة فلا يمتنع البيع بسببه، وكذا المكاتبة تشتري زوجها، وله أن يطأها بالنكاح؛ لأنها لم تملك رقبته حقيقة.
ثم إن امرأة المكاتب إن ولدت قبل الشراء، ثم ملكها المكاتب بوجه من الوجوه، فإن كان ولدها معها لم يجز بيعها إجماعا؛ لأنها تبع للولد إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وفي المبسوط: ولم تدخل الأم في كتابته حتى لا تعتق بعتقه (^١).
(وإن لم يكن معها ولدها وقت الشراء)، أي: اشترى أم ولده ولم يشترط ولدها معها لم يجز بيعها عندهما كما في الأول، وعند أبي حنيفة يجوز.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٢٢).
[ ٧ / ٣٨١ ]
لِأَنَّ كَسْبَ المُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الفَسْخَ، إِلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الحَقُّ فِيمَا إِذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الوَلَدِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ الوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ (وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ لَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي المُشْتَرَى (وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ، وَكَسْبُهُ لَهُ) لِأَنَّ كَسْبَ الوَلَدِ كَسْبٌ كَسَبَهُ، وَيَكُونُ كَذَلِكَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ، فَلَا يَنْقَطِعُ بِالدَّعْوَةِ اخْتِصَاصُهُ،
(لأن كسب المكاتب موقوف) أي: متردد بين أن يؤدي المكاتب البدل فيعتق، وما فضل من البدل له، وبين أن يعجز فيعود هو وماله للمولى، ولهذا لا يفسد نكاح امرأة بشرائها، ولا يصح تبرعًا به، فعلم أنه لا ملك له.
(فلا يتعلق به)، أي: يكسبه ما لا يحتمل الفسخ، وهو الاستبداد إذ لو تعلق لكان كسبه غير محتمل للفسخ، أو كان الاستبداد محتملا للفسخ وكلاهما لا يجوز وفي شرح الأقطع حق الاستبداد مما لا يلحقه الفسخ، وما للمكاتب موقوف فلم يجز أن يتعلق به ما لا يلحقه الفسخ.
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأنه من أهل أن يكاتب وإن لم يكن من أهل العتق).
فإن قيل: قد ذكر في الأصول وغيره من فتاوى قاضي خان، والمعنى: أن المكاتب لا يملك التسري، ولا وطء أمته - وبه قالت الأئمة الثلاثة - فكيف يتحقق له ولد من أمته؟
قلنا: نعم، إلا أن له في ملك مكاتبه يد بمنزلة الحر، وذلك يكفي لثبوت النسب منه عند الدعوة وإن لم يحل وطؤه، كما في الجارية المشتركة، وجارية الابن إذا وطئها الأب وادعى الولد.
ثم الولد يدخل في كتابته عند الأئمة الثلاثة، وعند أصحاب الظاهر ولده من جاريته حر، وهل تصير الأمة أم ولد له؟ للشافعي فيه قولان، أحدهما: أنها تصير أم ولد له، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد، والثاني: لا تصير أم ولد له، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد.
(فلا ينقطع بالدعوة اختصاصه)، أي: اختصاص المكاتب بكسبه.
[ ٧ / ٣٨٢ ]
(وَكَذَلِكَ إِنْ وَلَدَتْ المُكَاتَبَةُ وَلَدًا)، لِأَنَّ حَقَّ امْتِنَاعِ البَيْعِ ثَابِتٌ فِيهَا مُؤَكَّدًا، فَيَسْرِي إلى الوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ.
قَالَ: (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ، ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا: دَخَلَ فِي كِتَابَتِهَا، وَكَانَ كَسْبُهُ لَهَا)
قوله: (وكذلك ولد المكاتبة)، أي: من زوجها، أو زنا يدخل في كتابتها، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الصفات الحكمية في الأمهات تسري إلى الأولاد؛ كالتدبير، والاستيلاد.
وقال الشافعي في قول: إن الولد ملك للمولى فيتصرف فيه كيف شاء؛ لأن الكتابة عقد يقبل الفسخ فلا يثبت حكمه في الولد، كما أن ولد المرهونة لا يكون مرهونا.
ثم قوله في الكتاب: (مُؤَكَّدًا فيسري إلى الولد) احترازا عن ولد الآبقة حيث لا يجوز بيعها، ويجوز بيع ولدها؛ لأن امتناع البيع في الآبقة غير مؤكد فلا يسري إلى الولد؛ لأن الإباق لا يبقى دائما كالإعتاق وشعبه، والرقبة والإسلام فلا يكون مؤكدًا، وكذا يقع احترازًا عن ولد المُستأجرة والجانية فإنها لا يجوز بيعها مطلقا، بل مقرونا بشيء، لكنها غير مؤكد لما قلنا فلا يسري إلى الولد.
وعن هذا قالوا: الأوصاف القارة الشرعية في الأمهات تسري إلى الأولاد، واحترز بالقارة عن هذه الأوصاف الخَلْقِيّةِ كالبياض، والسواد، والحمرة، والصفرة.
قوله: (دخل في كتابتهما)، وفي بعض النسخ: (دخل في كتابتها) وهو الأصح بدليل قوله: (وكان كسبه لها)، ووجه الأول أن في الدخول ببيعهما، ولكن في أداء الكسب يتبع أمه لزيادة وجود دلالة التبعية في حقها.
فإن قيل: ذكر في المبسوط: لو قتل الابن قاتل فقيمته للأبوين جميعا ولا تختص بها الأم، فينبغي أن تكون في مسألتنا كذلك.
قلنا: تلك المسألة مصورة فيما إذا قبل الأبوان الكتابة عليه، وحالهما في ذلك سواء إذ لا ولاية لهما عليه، ولا يمكن جعل تلك القيمة للمولى؛ لأن
[ ٧ / ٣٨٣ ]
لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الأُمِّ أَرْجَحُ، وَلِهَذَا يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَالحُرِّيَّةِ. قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ المُكَاتَبُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ امْرَأَةٌ زَعَمَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْ مِنهُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ: فَأَوْلَادُهَا عَبِيدٌ وَلَا يَأخُذُهُمْ بِالقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ العَبْدُ يَأْذَنُ لَهُ المَوْلَى بِالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِالقِيمَةِ) (*) لِأَنَّهُ شَارَكَ الحُرَّ فِي سَبَبِ ثُبُوتِ
الولد مكاتبًا بقبولهما فلم يبق للمولى سبيل على كسبه وعلى قيمة رقبته، فلا بد أن تؤخذ القيمة عنه فتكون للأبوين؛ لأنهما كانا ينفقان عليه في حياته، وكانا أحق بحضانته.
أما الولد المولود في الكتابة فإن ثبوت الكتابة هاهنا بطريق التبعية، وجانب الأم يترجح في ذلك؛ لأنه جزء منها حقيقة، وهاهنا ثبوت الكتابة بالقبول وهما في القبول سواء، كذا في المبسوط (^١).
وفي الكافي: لو قُتِلَ المولود في الكتابة تكون قيمته للأم ككسبه، وبه قال الشافعي في قول أحمد، ومالك، وفي قول للسيد؛ لأنه لا يدخل الولد في كتابتها في قول فيكون قنا للسيد يبيعه ويعتقه.
قوله: (وقال محمد أولادها أحرار بالقيمة)، وبه قال زفر، والشافعي في قول، ومالك، وأحمد، ثم على قول محمد إن كان التزوج من هؤلاء - أعني العبد والمكاتب والمُدبَّر - بإذن السيد فعليهم قيمة الولد، والمهر في الحال، وإن كان بغير إذن السيد فعليهم قيمة الولد والمهر بعد العتق؛ لأن كل دين وجب على العبد بسبب مأذون فيه يؤخذ به بعد العتق، هذا إذا غرمه المرأة أو غيرها بأن زوجها الغير على أنها حرة فالأب يرجع بقيمته على الزوج في الحال.
وإن كان المزوج الغار عبدًا أو مديرًا أو مكاتبًا لا رجوع عليهم في الحال، بل بعد عتقهم.
أما إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة فأخبر رجل أنها حرة ولم يزوجها إياه، أو تزوجها رجل على ظن أنها حرة وما قالت: زَوِّجْني فإني حرة، فإنه لا ير.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (٨/¬٢٥).
[ ٧ / ٣٨٤ ]
هَذَا الحَقُّ وَهُوَ الغُرُورُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا إِلَّا لِيَنَالَ حُرِّيَّةَ الأَوْلَادِ، وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالحُرِّيَّةِ، وَخَالَفْنَا هَذَا الأَصْلَ فِي الحُرِّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ حَقَّ المَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ، وَهَاهُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إِلَى مَا بَعْدَ العِتْقِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ وَطِئَ المُكَاتَبُ أَمَةٌ عَلَى وَجْهِ المِلْكِ بِغَيْرِ إِذْنِ المَوْلَى، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، فَعَلَيْهِ العُقْرُ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الكِتَابَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ: لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ
على المخبر، ولا على المرأة، ويرجع عليها بعد عتقها في صورة غرورها كضمان الكفالة.
قوله: (فيكون رقيقًا) كما إذا كان عالما بحالها.
(وهذا لأن الأصل)، أي: القياس أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، إلا أنا تركناه بإجماع الصحابة في ولد المغرور، وهذا ليس في معنى ولد المغرور؛ لأن الحكم ثمة حرية الولد مع مراعاة حق المستحق وهو المولى بإيجاب قيمة في الحال، وهاهنا بقيمة متأخرة إلى زمان العتق؛ لأنه ضمان قول لا يقابله مال، فصار نظير ضمان الكفالة فينقلب ضررًا محضًا من جانب المستحق، فيبطل الإلحاق فيبقى على الأصل وهو أن يكون الولد تابعًا لها (فلا يلحق) أي: المكاتب (به) أي: بالحر.
قوله: (بغير إذن المولى) يتعلق بقوله: (وطئ) أي: وطئها بغير إذن المولى، أما هو مأذون في تملكها بالشراء وغيره؛ لأنه مكاتب، والمكاتب غير ممنوع عن شراء الجارية وغيرها.
ثم التقييد بغير إذن المولى إنما تظهر فائدته في حق إثبات هذا الحكم في إذن المولى بالطريق الأولى؛ لأنه لما كان يؤاخذ بالعقر في حال الكتابة في الوطء بغير إذن المولى لا يؤاخذ بالعقر في الكتابة بالوطء بإذن المولى بالطريق الأولى، أما في المأذون يفترقان.
قوله: (وإن وطئها بالنكاح)، أي بغير إذن المولى بالنكاح، وكذلك المأذون له قنا أو مدبرا.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
حَتَّى يَعْتِقَ، وَكَذَلِكَ المَأذُونُ لَهُ) وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ المَوْلَى، لِأَنَّ التِّجَارَةَ وَتَوَابِعَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الكِتَابَةِ، وَهَذَا العُقْرُ مِنْ تَوَابِعِهَا، لِأَنَّهُ لَوْلَا الشَّرَاءُ لَمَا سَقَطَ الحَدُّ، وَمَا لَمْ يَسْقُطُ الحَدُّ لَا يَجِبُ العُقْرُ. أَمَّا لَمْ يَظْهَرْ فِي الفَصْلِ الثَّانِي، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الاِكْتِسَابِ فِي شَيْءٍ فَلَا تَنْتَظِمُهُ الكِتَابَةُ كَالكَفَالَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى المُكَاتَبُ جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا، ثُمَّ وَطِئَهَا فَرَدَّهَا: أُخِذَ بِالعُقْرِ فِي المُكَاتَبَةِ، وَكَذَلِكَ العَبْدُ المَأْذُونُ لَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَ تَارَةً يَقَعُ صَحِيحًا وَمَرَّةً يَقَعُ فَاسِدًا، وَالكِتَابَةُ وَالإِذْنُ يَنْتَظِمَانِهِ بِنَوْعَيْهِ كَالتَّوْكِيلِ فَكَانَ ظَاهِرًا فِي حَقِّ المَوْلَى.