قَالَ: (بُلُوغُ الغُلَامِ بِالاحْتِلامِ، وَالإِحْبَالِ، وَالإِنْزَالِ إِذَا وَطِئَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَبُلُوغُ الجَارِيَةِ بِالحَيْضِ، وَالاحْتِلَامِ، وَالحَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا
وعند محمد: يزول بغير قضاء، وبه قال الشافعي في وجه آخر.
وفي الإفلاس لا يزول الحجر عنه إلا بالقضاء بالاتفاق.
فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ
لما ذكر أن الصغر من أسباب الحجر لا بد من بيان انتهائه فشرع في بيانه.
اعلم أن في بلوغ الغلام بالإحبال، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام
والحبل إجماع العلماء؛ لقوله ﵊: «رُفِعَ القلمُ عَنِ الصَّبِيِّ حتّى يَحْتَلِمَ» (^١).
وأما الإنبات: فهو نبت الشعر حول الذكر وفرج المرأة، بحيث يستحق أخذه بموسى.
علامة البلوغ عند أحمد ومالك والشافعي لا اعتبار له في قولنا.
وأما الزغب الضعيف لا اعتبار له بالاتفاق، إلا في قول من الشافعي، فإنه في حق المسلمين بلوغ.
لهم ما روي أنه ﵊ أمر بأن يقتل مقاتل بني قريظة، وتسبى ذراريهم، وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٤٠ رقم ٤٤٠١)، والترمذي (٣/ ٨٤ رقم ١٤٢٣)، وابن ماجه (١/ ٦٥٩ رقم ٢٠٤٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٠٢ رقم ١٠٠٣)، وابن حبان (١/ ٣٥٦ رقم ١٤٣)، والحاكم (١/ ٢٥٧ رقم ٩٤٩) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٥٠٢ ]
تَمَّ الغُلَامُ وَالجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ فَقَدْ بَلَغَا) (*)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعَنْهُ فِي الغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ. وَقِيلَ: المُرَادُ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعِ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَيَتِمُّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ فَلَا اخْتِلَافَ. وَقِيلَ: فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، أَمَّا العَلَامَةُ: فَلِأَنَّ البُلُوغ بِالإِنْزَالِ حَقِيقَةٌ، وَالحَبَلُ وَالإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الإِنْزَالِ، وَكَذَا الحَيْضُ فِي أَوَانِ
ومن لم ينبت ألحقه بالذرية.
وكتب عمر إلى عامله أن لا يأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي، ولأنه خارج علامة البلوغ غالبًا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، فكان عَلَمًا على البلوغ كخروج المني.
ولنا قوله ﵊: «رُفِعَ عَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ»، فعلم أن قبل الاحتلام بمجرد النبات لا يحكم ببلوغه، ولهذا لا يحكم بالزغب الضعيف، ولأنه نبات شعر فأشبه نبات سائر شعر الإنسان، ولأن البلوغ عبارة عن بلوغ الإنسان كمال الحال، وذلك بكمال القوة، والقوة من حيث الأسباب والآلات استعمال الجوارح وارتفاع الموانع، وذا لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام، إذ استعمال سائر الجوارح ثابت، إلا استعمال هذه الآلة فيما وضع له، وهو قضاء الشهوة على الكمال، وكمالها بالإنزال.
وما روى الخصم يمكن أن يكون قبل هذا الحديث، أو ألحقه بالمقاتلة باعتبار قتالهم، إذ في بعض ألفاظ الحديث فقتل من جرت عليه المواسي، وفي بعضها اخضر إزاره، ومعلوم أنه لا يبلغ هذا الحال إلا بعد البلوغ.
وفي هذا الحديث رجل مجهول لا يعرف إلا بهذا الخبر، مع أن الحديث يعارضه وهو قوله ﵊: «حَتّى يَحْتَلِمَ»، وأثر عمر يدل على أخذ الجزية ممن جرت به المواسي، وذلك يكون في الغالب بعد البلوغ، وأما قولهم: إنه يلازمه البلوغ غير مُسَلّم، فإنه قد يكون بدون البلوغ كما في الزغب الضعيف، فإذا لم توجد هذه العلامات يعتبر السن.
فعند أبي حنيفة حتى يتم الغلام ثماني عشرة سنة، وعن أبي حنيفة في
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
[ ٧ / ٥٠٣ ]
الحَبَلِ، فَجُعِلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَامَةَ البُلُوغِ، وَأَدْنَى المُدَّةِ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الغُلَامِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَفِي حَقِّ الجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ. وَأَمَّا السِّنُّ: فَلَهُمْ العَادَةُ الفَاشِيَةُ
الغلام تسعة عشر سنة (^١)، وفي الجارية حتى تتم سبع عشرة سنة. (وهو قول الشافعي) (^٢) أي: قولهما قول الشافعي وأحمد، وعليه الفتوى. وقال داود: لا حد للبلوغ من السن؛ لقوله ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبيّ حتّى يَحْتَلِمَ»، وإثبات البلوغ بغيره يخالف الخبر وهذا قول مالك وقال أصحاب مالك بسبع عشرة سنة أو ثماني عشرة كقول أبي حنيفة.
قوله: (ثماني عشرة (^٣) سنة) (^٤) بفتح العددين للتركيب، وحذف التاء من ثمانية وإثباتها في عشرة، وتكسر الشين في عشرة وتسكن، وكذلك في سبع عشرة. وفي ذيل المغرب: إذا جاوزت العشرة أسقطنا التاء من العشرة في المذكر، وأثبتناها في المؤنث، وكسرت الشين وأسكنتها، وما ضممت إلى العشرة باق على حاله أي: يثبت التاء في المذكر، ويسقطها في المؤنث، إلا الواحد يقول في المذكر: أحد عشر، وفي المؤنث أحد عشرة، وفي الثاني والثانية والعاشر والعاشرة عادوا إلى الأصل، يقولون في المذكر الثاني عشر، والتاسع عشر، وفي المؤنث: الثانية عشرة، والتاسعة عشرة، [يبني] (^٥) الاسمين على الفتح، فعلى هذا القياس يجب أن يقال في قوله.
وقيل: المراد أن يطعن في التاسعة عشرة، إذ التمييز فيه السنة، فكان التمييز مؤنثا إلا إذا أريد بها العدد أي عدد السنين فحينئذ يجوز أن يقال في تاسع عشر. (وعنه) (^٦) أي:: عن أبي حنيفة.
قوله: (ولهم) أي: لأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، والشافعي: (العادة الفاشية) أي: الغالبة، أن العلامات تظهر في هذه المدة، فجعلناها علامة للبلوغ. ولأنه روي أن ابن عمر قال: عُرِضْتُ على النبي ﵊ يوم
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، وسيأتي كلامه على تراكيب الأعداد قريبا.
(٢) انظر المتن ص ٥٠٢.
(٣) في الأصل: (ثمانية عشر)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر المتن ص ٥٠٢.
(٥) في الأصل، (بتبين)، والمثبت من النسخة الثالثة.
(٦) انظر المتن ص ٥٠٣.
[ ٧ / ٥٠٤ ]
أَنَّ البُلُوغَ لَا يَتَأَخَّرُ فِيهِمَا عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ. وَلَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ …﴾ [الإسراء: ٣٤] وَأَشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَابَعَهُ القُتَبِيُّ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ، فَيُبْنَى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الإِنَاثَ نُشُوقُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَنَقَصْنَا فِي حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يُوَافِقُ وَاحِدٌ مِنْهَا المِزَاجَ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ: (وَإِذَا رَاهَقَ الغُلَامُ، أَوْ الجَارِيَةُ الحُلُمَ، وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي البُلُوغ، فَقَالَ:
أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يقبلني، ولم يرني بلغت وعرضت عليه ﵊ يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني، ورآني بلغت.
وعن أنس أنه ﵊ قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً كُتِبَ ما لَهُ وما عليه، وأُقيمَتْ عَلَيْهِ الحُدودُ (^١).
قلنا: لا دلالة في حديث ابن عمر؛ لأنه ﵊ لم يسأله عن الاحتلام، ولا عن السن، وإنما اعتبر قوته وضعفه، ومعنى قوله رآني بلغت أي في القوة إلى حد القتال.
وحديث أنس غريب، فلم يعارض ظاهر الآية، والحديث المشهور وهو قوله «حتى يحتلم» اذ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] ينفي أن يكون مدة البلوغ خمس عشرة سنة، وكذا الآية المذكورة في المتن.
قوله: (وهذا أقل ما قيل) أي: قول ابن عباس أقل ما قيل فيه.
فإن بعض السلف قال: أقله اثنان وعشرون سنة، فإنه حينئذ يصير جَدًّا فاسدًا، كما قلنا. وعن عمر: أقله خمس وعشرون سنة.
(فيبنى الحكم عليه) أي: على الأقل؛ لأنه هو المتيقن.
قوله: (لاشتمالها) أي: لاشتمال السنة على الفصول الأربعة، يعني زيادة سنة في حق الغلام؛ ليوافق فصلا من الفصول فيستوي مزاجه.
قوله: (وإذا راهق) أي: قرب ودنا، يقال: راهقه رهقا أي: دنا منه، كذا
_________________
(١) قال البيهقي: وروى قتادة عن أنس مرفوعا: الصبي إذا بلغ خمس عشرة أقيمت عليه الحدود. وإسناده ضعيف. السنن الكبرى (٦/ ٥٦)، وكذا ضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٩٣).
[ ٧ / ٥٠٥ ]
قَدْ بَلَغْتُ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ البَالِغِينَ) لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا ظَاهِرًا، فَإِذَا أَخْبَرَا بِهِ وَلَمْ يُكَذِّبْهُمَا الظَّاهِرُ قُبِلَ قَوْلُهُمَا فِيهِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ المَرْأَةِ فِي الحَيْضِ.