قَالَ: (وَإِذَا أَتْلَفَ المُسْلِمُ خَمْرَ الذّمِّيِّ، أَوْ خِنْزِيرَهُ: ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا، فَإِنْ أَتْلَفَهُمَا لِمُسْلِمٍ: لَمْ يَضْمَنْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُهَا لِلذَّمِّيِّ أَيْضًا،
للاستغلال أو لا نظرًا للوقف.
وفي المجتبى: وأصحابنا المتأخرون يفتون بقول الشافعي في المسبلات، والأوقاف، وأموال اليتامى، ويوجبون أجر منافعها على العصبية، ثم في مسألة فتح رأس التنور المسجور إنما يضمن قيمة الحطب مع أن غصب المنافع وإتلافها غير متصور؛ لما أنه أتلف ما هو المقصود من تسجير التنور، فصار هذا بمنزلة استهلاك العين، فلذلك ضمن الحطب.
وأما قوله: إنها تصلح صداقًا: قلنا: لا نسلم أنها تصلح مهرا، ولهذا لو تزوج حر امرأة على خدمته سنة، أو على تعليم القرآن لا يصح عندنا، أما لو تزوجها على خدمة عبد سنة يجوز؛ لأن منفعة العبد وخدمته بأمر المولى تتضمن تسليم الرقبة، ورقبته مال.
وأما إجارة العبد المأذون والشريك، والوصي، والأب باعتبار أن التفاوت الذي بين الجوهر والعرض لا يعد عينًا في الأسواق، وهذا لأن ضمان العقود في الأصل بني على التراضي لا التساوي، بل الأرباح إنما تحصل عند التفاوت، والشرط في الوصي وغيره أن يتجر بما يتعارف عينا في الأسواق لا المماثلة من كل وجه، أما ضمان العدوان فمبني على المماثلة في أصله، ولم يوجد هذا الوصف يقينًا، فلم يكن من موجب الغصب إليه أشار في الأسرار.
فَصْلٌ فِي غَصْبٍ مَا لَا يُتَقَوَّمُ
لما فرغ من بيان غصب ما يتقوم إذ هو الأصل شرع في بيان غصب ما لا يتقوم.
قوله: (وقال الشافعي لم يضمنها لذمي أيضًا) أي: في جميع الصور، وبه قال أحمد، إنما ينهى عن تعرض خمر الذمي بالإجماع، ويجب ردها، وفي الغصب بالإجماع إذا كانت لذمي، ويجب إراقتها في المسلم، وعلى هذا الخلاف إذا أتلف ذمي خمر ذمي أو خنزيره، وبقولنا قال مالك، المسألة على
[ ٧ / ٦٣٠ ]
وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيِّ، أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الدِّمِّيِّ. لَهُ: أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الدِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي
أربعة أوجه: أحدها: إتلاف المسلم خمر المسلم. والثاني: إتلاف الذمي خمر المسلم، ففي الصورتين لا ضمان بالإجماع. والثالث: إتلاف المسلم خمر الذمي. والرابع: إتلاف الذمي خمر الذمي، ففي الصورتين يجب الضمان عندنا، ومالك.
وعند الشافعي، وأحمد: لا يضمن، وعلى هذا لو باع ذمي الخمر من ذمي يجوز عندنا، خلافًا للشافعي لسقوط تقومها في حق المسلم. (لأنهم) أي: أهل الذمة، أتباع لنا في الأحكام، قال ﷺ «فإذا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلَمَهُم أَنّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمين، وعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلمين» (^١)، فبين أن كل حكم يثبت في حق الذمي، ولأن عقد الذمة خلف على الإسلام فكل حكم ثبت بالإسلام يثبت بعقد الذمة، فإذا سقط تقومها في حقهم أيضًا سقط الضمان، ولا يصلح بيعها، وصار كما لو باع مسلم من مسلم خمرًا وصارت كالميتة والدم والعبد المرتد للذمي، إذ اعتقاده لا يكون حجة على المتلف.
ولنا: أن التقوم باقٍ في حقهم بدليل أن عمر أمر ببيعها لعماله، وأخذ العشرين ثمنها حين سألوه ماذا نصنع بما يمر به أهل الذمة من الخمور، فقالوا بعشرها، فقال عمر: لا، ولكن ولوهم بيعها وخذوا العشر من ثمنها، فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حتى جوز بيعها، وأخذ العشر من ثمنها. ولأنه قال ﵇: «اترُكُوهُمْ ومَا يَدينون»، والخمر كانت متقومة في شريعة من كان قبلنا وفي صدر شريعتنا، والمزيل - وهو قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]- وجد في حقنا بدليل السباق والسياق، فبقي في
_________________
(١) قال الزيلعي: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف. نصب الراية (٤/ ٥٥)، وقال ابن حجر: لم أجده هكذا. الدراية (٢/ ١٦٢).
[ ٧ / ٦٣١ ]
الأَحْكَامِ، فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ. وَلَنَا: أَنَّ التَّقْوِيمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ، إِذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالخَلِّ لَنَا وَالخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا.
وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ فَيَتَعَذَّرُ الإِلْزَامُ، وَإِذَا
حق من لم يدخل تحت الخطاب على ما كان من قبل.
قوله: (والسيف موضوع فتعذر الإلزام) لانقطاع ولاية المحاجة أو الإلزام بالسيف لمكان عقد الذمة، قال ﵇: «اتركوهمْ وَمَا يَدينون»، والسيف موضوع بعقد الذمة؛ لأنه خلف الإسلام، والخطاب عندنا نازل في حقهم كما بينا، فبقي الحكم على ما كان بخلاف الميتة والدم؛ لأن أحدًا من أهل دين سماوي لا يتمولها.
وفي المبسوط (^١): تَرْكُنا إياهم وما يدينون ليس لتوسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج، وتركهم على الجهل، وتمهيد لعقوبة الآخرة، والخلود في النار، وتحقيق لقوله ﷺ: «الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ» (^٢).
وقيل: المراد من الميتة الذي مات حتف أنفه، أما الذي خنقوه أو ضربوه حتى مات كما يفعله المجوس، فعند أبي يوسف يضمنها المسلم بالغصب والإتلاف.
وقال محمد: لا يضمنها كالميتة؛ لأنها ليست [بمال] (^٣) في اعتقاد أهل الذمة، وقد أُمِرْنا [أن نبني] (^٤) أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب؛ لقوله ﷺ: «سنوا بالمجوس سُنَّةَ أهل الكتاب».
وفي المبسوط: هذا ضعيف؛ فإن في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب حتى جوزنا نكاح محارمهم، ولا يقال إذا مات المجوسي عن امرأتين وإحداهما منكوحته فإنها لا ترث بالزوجية، وقد اعتقدوا أن هذا النكاح صحيح؛ لأنا نقول: لا يلزم من
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٠٣).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٢ رقم ٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٣٢ ]
بَقِيَ التَّقَوُّمُ فَقَدْ وُجِدَ إِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوْمٍ فَيَضْمَنُهُ. بِخِلَافِ المَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الخَمْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ لِكَوْنِهِ إِعْزَازًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَرَتْ المُبَايَعَةُ بَيْنَ الذُّمِّيِّينَ؛ لِأَنَّ الدِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا.
وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا؛
صحة النكاح التوارث، فإنه ممتنع بالرق واختلاف الدين مع صحة النكاح، مع أن أهل الذمة لا يتوارثون بأنكحة المحارم فلذلك لم يرث بينه (^١) بالزوجية.
قوله: (لكونه) أي: لكون التمليك (إعزازًا له) أي: للخمر فتجب قيمته. فإن قيل: ما الفرق بين ما إذا أتلف مسلم خمر ذمي حيث تجب قيمته وبين ما إذا أتلف ذمي خمر ذمي ثم أسلم حيث لا يجب عليه شيء لا القيمة ولا الخمر عند أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة، والرواية في المبسوط، وإسلام المقارن لا يمنع وجوب القيمة فالطارئ أولى؟
قلنا: الفرق أنه حين أتلفه لم يكن إتلافه سببًا لوجوب القيمة، ولم يوجد بعد ذلك سبب الوجوب، وعند محمد [وهو رواية عن] (^٢) أبي حنيفة: عليه قيمة الخمر؛ لأنه لا يمكن إيجاب الخمر؛ لأنه مسلم، ولا يمكن إبراؤه عن الضمان؛ لأن المتلف عليه ذمي، والخمر في حقه مال متقوم، وقد أمكن إيجاب القيمة فتجب. أما في الخنزير يبقى الضمان بإسلامهما أو إسلام أحدهما بالاتفاق؛ لأن الواجب هو القيمة والإسلام لا ينافيها.
قوله: (وهذا) أي: عدم التعرض في مبايعتهم (بخلاف الربا) فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا حتى لو باعا درهما بدرهمين يسترد الدرهم الزائد؛ لأنا لم نضمن له ترك التعرض في ذلك قال ﷺ: «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنا وبينَهُ عَهْدٌ»، وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد لا ديانة، فقد ثبت بالنص حرمة
_________________
(١) كذا في الأصول، ولعل صوابها (منه).
(٢) بياض بالأصل مقدار ثلاث كلمات والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٣٣ ]
لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى عَنْ عُقُودِهِمْ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ المُرْتَدٌ يَكُونُ لِلذَّمِّيِّ؛ لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إِذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ المُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ.
قَالَ: (فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ: فَلِصَاحِبِ الخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَيَأْخُذَ جِلْدَ المَيْتَةِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ)،
الربا في اعتقادهم قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
قوله: (وبخلاف العبد المرتد) معطوف على قوله: (وبخلاف الربا) وكلاهما متعلقان بقوله: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر) (^١) لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون؛ فأورد استحلالهم الربا، فأجاب عنه ثم أورد عليه العبد المرتد للذمي، فإن المسلم إذا [أتلفه] (^٢) لا يضمن، وإن كان الذمي يعتقد أن العبد المرتد مال متقوم، ولذلك لم يعتبر اعتقاده في إيجاب الضمان، وهو المقيس عليه للشافعي، فأجاب عنه بقوله: (لأنا ما ضمنا) إلى آخره.
فإن قيل: يشكل على هذا التعليل ما لو أتلف صليب نصراني حيث يضمن قيمته، مع أن في ترك التعرض في حقيقة عبادة الصليب على اعتقادهم استخفاف بالدين.
قلنا: إن النصراني مقرّ على ذلك بخلاف الارتداد، كذا في الإيضاح.
قوله: (وبخلاف متروك التسمية) أي: عامدا حيث لا يجب الضمان بإتلافه، مع أن الشافعي ومن تابعه قال: إنه قال: متقوم، ولم يعتبر اعتقاده بالاجتهاد، واعتبرنا اعتقاد أهل الكتاب.
فأجاب بقوله: (لأن ولاية المحاجة باقية) (^٣) معهم، إذ ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال، فلهذا لم يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان.
_________________
(١) انظر المتن ص ٦٣٣.
(٢) بياض بالأصل مقدار كلمة، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) تقدم في المتن ثابتة.
[ ٧ / ٦٣٤ ]
وَالمُرَادُ بِالفَصْلِ الأَوَّلِ: إِذَا خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إِلَى الظَّلِّ وَمِنهُ إِلَى الشَّمْسِ، وَبِالفَصْلِ الثَّانِي: إِذَا دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالقَرَظِ وَالعَقْصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالفَرْقُ: أَنَّ هَذَا التَّخْلِيلَ تَطْهِيرٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ إِذْ لَا تَثْبُتُ المَالِيَّةُ بِهِ وَبِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْغَاصِبِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذُ الجِلْدَ وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيمَتِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوعٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الحَبْسِ فِي البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُمَا: ضَمِنَ الخَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الجِلْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الجِلْدَ مَدْبُوعًا،
قوله: (والمراد بالفصل الأول إذا خللها) إلى آخره، وعند الشافعي، وأحمد: لا يصير الخمر طاهرا بالتخليل؛ فلا يجب ردها، بل يجب إراقتها كما قبل التخليل، أما لو خللت بنفسها يجب ردها بالإجماع، ويضمن متلفها بالإجماع، وفي جلد الميتة لو دبغه يلزم رده عند الشافعي في الأصح، وأحمد، وفي قول: لا يلزمه رده، وبه قال أحمد في وجه؛ لأنه صار مالًا متقومًا (^١).
(القرظ) بفتحتين: وَرَق السَّلَم يدبغ به، ومنه أديم مقروظ وبالفارسية: (بزغنج)، والعفص: (مازد).
وقوله: (ويعطي) على بناء الفاعل، أي: يأخذ المالك الجلد ويعطي ما زاد الدباغ.
وفي الذخيرة: قال القدوري: هذا إذا أخذ الجلد من منزل المالك، فأما إذا ألقى الميتة على الطريق فأخذها رجل ودبغ جلدها، فليس للمالك أن يأخذ الجلد.
وعن أبي يوسف له أن يأخذه في هذه الصورة أيضًا.
(وإن استهلكهما) أي: الغاصب الخل والجلد المدبوغ.
(وقالا: يضمن الجلد مدبوعًا،) وبه قالت الأئمة الثلاثة في قول.
_________________
(١) في الأصل: (متفرقًا)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٣٥ ]
وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ) (*) وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُهُ بِالإِجْمَاعِ.
أَمَّا الخَلُّ؛ فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ ضَمِنَهُ بِالإِتْلَافِ، يَجِبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ. وَأَمَّا الجِلْدُ فَلَهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ المَالِكِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ فَيَضْمَنُهُ مَدْبُوعًا بِالاسْتِهْلَاكِ، وَيُعْطِيهِ المَالِكُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا إِذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ وَيَضْمَنُهُ وَيُعْطِيهِ المَالِكُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ، فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ خَلَّفَهُ قِيمَتَهُ كَمَا فِي المُسْتَعَارِ. وَبِهَذَا فَارَقَ الهَلَاكُ بِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُمَا: يُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الجِنْسِ. أَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِهِ
وقوله: (ويُعطى) على بناء المفعول، أي: يعطى الذي دبغه ثم استهلكه، هذا محمول على اختلاف جنس ما ضمن وما أعطى على ما ذكر في الكتاب.
(ولو هلك) أي: كل واحد من الخل والجلد المدبوغ لا يضمن بالإجماع.
وعند الأئمة الثلاثة: لو تخللت الخمر بنفسه وهلكت في يد الغاصب يضمن، أما إذا تخلل بفعل الغاصب لا يضمنه، وفي الجلد المدبوغ على قول لا يلزمه رده لا يضمن وفي قول وجب رده يضمن.
قوله: (وبهذا فارق الهلاك عن نفسه) حيث لا يضمن؛ لأنه لم يفوت شيئًا فلا يضمن كما في المستعار حيث يضمنه بالاستهلاك دون الهلاك، وكذا لو دبغه بشيء لا قيمة له بالاستهلاك دون الهلاك (^١).
قوله: (محمول على اختلاف الجنس) بأن قضى لأحدهما بالدراهم وللآخر بالدنانير، إذ القاضي إنما يقضي [بما] (^٢) يشترى به في الأسواق ويباع.
(أما عند اتحاده) بأن قومها بالدراهم أو الدنانير، فحينئذ يطرح ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي؛ لأنه لا فائدة في الأخذ منه ثم الرد عليه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) وقع تكرار بالأصل في هذا الموضع.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٣٦ ]
فَيَطْرَحُ عَنْهُ ذَلِكَ القَدْرَ وَيُؤْخَذُ مِنهُ البَاقِي لِعَدَمِ الفَائِدَةِ فِي الْأَخْذِ مِنهُ ثُمَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَلَهُ: أَنَّ التَّقَوْمَ حَصَلَ بِصُنْعِ الغَاصِبِ، وَصَنْعَتُهُ مُتَقَوِّمَةٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ، وَالجِلْدُ تَبَعُ لَهُ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ، ثُمَّ الأَصْلُ وَهُوَ الصَّنْعَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّابِعُ، كَمَا إِذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، بِخِلَافِ وُجُوبِ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ المِلْكَ، وَالجِلْدُ غَيْرُ تَابِعِ لِلصَّنْعَةِ فِي حَقِّ المِلْكِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، بِخِلَافِ الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ فِيهِمَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الدَّبْغِ وَالصَّبْغِ، فَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِلصَّنْعَةِ، وَلَوْ كَانَ قَائِمًا فَأَرَادَ المَالِكُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الغَاصِبِ فِي هَذَا الوَجْهِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ، قِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الجِلْدَ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ صَبْغِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةٌ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ عَجَزَ الغَاصِبُ عَنْ رَبِّهِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
(وله) أي: لأبي حنيفة (التقوم حصل) أي: تقوم الجلد حصل بفعل الغاصب، فيكون تابعًا لما زاد الدباغ فيه؛ لظهور ماليته به فلا يضمنه بالاستهلاك كما لا يضمن الأصل، وهو ما زاد الدباغ فيه، ولهذا لا يضمن الجلد بدون هذا الوصف.
(وبخلاف وجوب الرد حال قيامه) أي: الجلد (لأنه) أي: الرد (يتبع الملك) أي: تابع للملك والجلد في حكم الملك غير تابع للصنعة لثبوت الملك قبل الصنعة.
قوله: في هذا الوجه أي: الذي دبغه بشيء متقوم.
(قيل: ليس له ذلك) أي: مطلقا بلا خلاف؛ لأن الجلد لا قيمة له، فلا يمكن تضمينه؛ لأن التضمين للمتقوم بخلاف صبغ الثوب؛ لأن له قيمة فكان له تركه عليه وأخذ القيمة.
وقوله: على هذا الخلاف على ما بيناه آنفا.
[ ٧ / ٦٣٧ ]
ثُمَّ قِيلَ: يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدِ مَدْبُوعٍ، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا فِي الاسْتِهْلَاكِ. وَقِيلَ: يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدِ ذَكِيٌّ غَيْرِ مَدْبُوعٍ، وَلَوْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ. وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الغَاصِبُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا.
وَقِيلَ: طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوعٍ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الدِّبَاغَةِ هُوَ الَّذِي حَصَّلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ.
([ثم]) (^١) قيل: يضمنه قيمة جلد (غير مدبوغ) أي: على قولهما كما في الاستهلاك، أعني الذي دبغه بشيء له قيمة.
(وقيل: قيمة جلد ذكي) أي: طاهر (غير مدبوغ) لأن صفة الدباغ حصلت بفعله فلا يوجب الضمان عليه [لكن من ضرورته] (^٢) زوال صفة النجاسة، وذلك [غير] (^٣) حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة.
قوله: (ولو استهلكه) أي: الجلد الذي دبغه بشيء لا قيمة له (يضمن قيمته مدبوغا) أي: بالإجماع، نص في الذخيرة لأنه صار مالا على ملك صاحبه، ولا حق للغاصب فيه، فكانت المالية والتقوم جميعا حقا للمالك فيضمن بالاستهلاك.
قوله: (لأن وصف الدباغة هو الذي حصله) فلا يوجب الضمان عليه، لكن من ضرورة صفة النجاسة، وذلك غير حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة.
وجه الأول: وهو أن يضمنه قيمته مدبوغا، قال القدوري: لو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديما أو زقا أو دفترا أو جرابا أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدل الاسم والمعنى بصنع الغاصب، فكان هو أولى، فإن كان الجلد ذكيا فعليه قيمته يوم الغصب، وإن كان ميتة فلا شيء له، كذا في الإيضاح، والذخيرة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) بياض بالأصل مقدار كلمات، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) بياض بالأصل مقدار كلمة، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٣٨ ]
وَجْهُ الأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ: أَنَّ صِفَةَ الدِّبَاغَةِ تَابِعَةٌ لِلْجِلْدِ فَلَا تُفْرَدُ عَنْهُ، وَإِذَا صَارَ الأَصْلُ مَضْمُونَا عَلَيْهِ فَكَذَا صِفَتُهُ، وَلَوْ خَلَّلَ الخَمْرَ بِإِلْقَاءِ المِلْحِ فِيهِ قَالُوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَهُمَا: أَخَذَهُ المَالِكُ وَأَعْطَى مَا زَادَ المِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَبْعِ الجِلْدِ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ وَزْنِ المِلْحِ مِنْ الخَلِّ، وَإِنْ أَرَادَ المَالِكُ تَرْكَهُ عَلَيْهِ وَتَضْمِينَهُ فَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ. وَقِيلَ: فِي دَبْغِ الجِلْدِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي دَبْغِ الجِلْدِ، وَلَوْ خَلَّلَهَا بِإِلْقَاءِ الخَلِّ فِيهِمَا، فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِنْ صَارَ خَلَّا مِنْ سَاعَتِهِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ خَلَّا إِلَّا بَعْدَ زَمَانٍ بِأَنْ كَانَ المُلْقَى فِيهِ خَلَّا قَلِيلًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ كِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ خَلْطَ الخَلِّ بِالخَلِّ فِي التَّقْدِيرِ، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ
قوله: (قالوا) أي: أكثر المشايخ الخل للغاصب على قول أبي حنيفة؛ لأنه استهلاك إلا أن الخمر لم تكن متقومة، والملح كان متقوما؛ فترجح جانب الغاصب، فيكون له بغير شيء.
وقال بعض المشايخ: هذا والأول سواء؛ إذ الملح صار مستهلكا فيه فلا يعتبر.
قوله: (على ما قيل، وقيل في الجلد) أي: على القولين المذكورين في دبغ الجلد، وينبغي أن يقرأ بالوصل حتى يستفاد منه ذلك المعنى، ولو خللها بإلقاء الخل اختلف المشايخ فيه أيضًا.
قال بعضهم على قول أبي حنيفة: يكون للغاصب بغير شيء سواء صار خلا من ساعته أو بمرور الأيام؛ لأن الخلط استهلاك، واستهلاك الخمر لا يوجب الضمان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إن صار خلا بمرور الزمان كان بينهما على قدر كيلهما؛ لأنه لم يصر استهلاكًا بل صار كأنه خلط الخل بالخل.
(وهو): أي خلط الخل بالخل (على أصله)، وعلى أصل محمد ليس باستهلاك، إذ خلط الجنس بالجنس ليس باستهلاك، وهو قول أبي يوسف
[ ٧ / ٦٣٩ ]
بِاسْتِهْلَاكِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْغَاصِبِ فِي الوَجْهَيْنِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الخَلْطِ اسْتِهْلاكُ عِنْدَهُ، وَلَا ضَمَانَ فِي الاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ نَفْسِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَضْمَنُ بِالاسْتِهْلَاكِ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا. وَيَضْمَنُ فِي الوَجْهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَبَعْضُ المَشَايِخِ أَجْرَوْا جَوَابَ الكِتَابِ عَلَى إِطْلَاقِهِ: أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ الخَلَّ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ المُلْقَى فِيهِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي الخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ مُتَقَوَّمًا. وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ أَقْوَالُ المَشَايِخِ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهَا فِي «كِفَايَةِ المنتهي».
قَالَ: (وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمِ بَرْبَطًا، أَوْ طَبْلًا، أَوْ مِزْمَارًا، أَوْ دُفًا، أَوْ أَرَاقَ لَهُ سَكَرًا، أَوْ مُنَصَّفًا: فَهُوَ ضَامِنٌ، وَبَيْعُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ: جَائِزٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
أيضًا، فيكون الخل مشتركًا بينهما؛ لأنه صار خالصًا خل نفسه بخل غيره، فإذا أتلفه فقد أتلف خل نفسه وخل غيره، كذا في جامع أبي اليسر.
قوله: (في الوجهين) ما إذا صارت خلا من ساعته أو بمرور الزمان.
(ولا ضمان في الاستهلاك) أي: في استهلاك خمر المسلم، ولا يجوز أن يضمنه باعتبار الخل أيضًا؛ لأن الخل ملك الغاصب.
قوله: (وقد كثرت فيه أقوال المشايخ) حتى قال بعضهم يصير المخلوط مشتركًا هاهنا بالإجماع؛ لأن عند أبي حنيفة إنما ينقطع حق المالك بالاستهلاك إذا ضمنه بالخلط، كالمكيل والموزون إذا غصبه وخلط بمثله من ملك نفسه، فأما إذا لم [يكن] (^١) مضمونًا عليه لا ينقطع، ووجود الاستهلاك كعدمه؛ فبقي مشتركًا كالمكيل إذا اختلط بنفسه بمكيل آخر لغيره، كذا ذكره المحبوبي.
وما ذكرنا من الأقوال يحتمل أن يكون هو الذي ذكره بقوله: (وقد أثبتناها في كتاب (^٢) المنتهي).
قوله: (أو أراق له سكرًا) وفي المُغرِب: هَراقَ الماء بمعنى أراقه أي:
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) تقدم في المتن (كفاية).
[ ٧ / ٦٤٠ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ (*)، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ الَّذِي يُضْرَبُ لِلَّهْوِ. فَأَمَّا طَبْلُ الغُزَاةِ وَالدُّقُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي العُرْسِ يُضْمَنُ بِالإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَقِيلَ: الفَتْوَى فِي الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِهِمَا.
صَبَّهُ، يُهَريق، بتحريك الهاء، وأهراق يهريق بسكون الهاء في الأول بدل عن الهمزة، وفي الثاني زائدة.
وفي الصحاح: هراق الماء يهرقه بفتح الهاء هراقة، أصله أراق يريق إراقة، وأصل أَراقَ أَرْيَقَ، وأصل يُرِيقُ يُرْيِقُ، وإنما قالوا: أنا أهريقه و[هم] (^١) لا يقولون: أأريقه لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال.
وفيه لغة أخرى: أهرق الماء إهراقا على أفعل يفعل.
وفيه لغة ثالثة: أهراق يهريق إهراقا، فهو مهريق، والشيء مُهراق، ومُهراق أيضًا بالتحريك، وهذا شاذ.
وقالا: لا يضمن، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فضل يصلح لنفع مباح، وإذا كسر لم يصلح له لزمه ما بين قيمته مفضلا ومكسورًا؛ لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه، لو أتلف شيئًا من الملاهي التي اقتنيت في البيت لا للهو ضمن قمتها عنده، وفيه إشارة إلى أنه إذا اقتنى لأجل التلهي لا ضمان بالاتفاق.
قوله: (يباح ضربه في العرس يضمن) بلا خلاف.
قال أبو الليث: ضرب الدف في العرس مختلف بين العلماء، قيل: يكره، وقيل: لا يكره، أما الدف الذي يضرب في زماننا هذا مع الصيجان والجلاجلات ينبغي أن يكون مكروها.
وأما الخلاف في الدف الذي كان يضرب في الزمان المتقدم، كذا في الذخيرة.
(وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما) أي: يفتى بعدم الضمان؛ لكثرة
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٤١ ]
وَالسَّكَرُ: اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إِذَا اشْتَدَّ.
وَالمُنَصَّفُ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ. وَفِي المَطْبُونِ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَهُوَ البَاذَقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي التَّضْمِينِ وَالبَيْعِ لَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ فَبَطَلَ تَقَوُّمُهَا كَالخَمْرِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وَهُوَ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا
الفساد في الناس، ذكره في جامع أبي اليسر.
وذكر الصدر الشهيد عن أصحابنا: أنه يهدم البيت على من اعتاد الفسق وأنواع الفساد، حتى قالوا لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، ويراق العصير قبل أن يشتد على من اعتاد الفسق؛ لأنه روي عن عمر أنه هجم حين بلغه عن نائحة من نساء أهل المدينة فهجم عليها وضربها بالدرة حتى سقط خمارها، فقيل: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها، فقال: إنه لا حرمة لها.
قالوا: معنى قوله حين اشتغلت بما لا يحل في الشرع فقد أسقطت حرمتها.
وروي أنه أحرق البيت على الثقفي حين سمع شرابًا في بيته.
وعن الفقيه أبي بكر البلخي أنه خرج عن بعض نهر، وكانت النساء كاشفات الرؤوس والذراع، فقيل له: كيف فعلت؟ فقال: إنه لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن كأنهن حربيات، وإنما قال ذلك استدلالًا بما قال عمر.
وهل يضمن قيمة الدنان؟ إن كان بإذن الإمام لا يضمن، وإلا يضمن.
وقال أبو يوسف: إن كان لا يتيسر إراقتهما إلا بشق الزق لا يضمن ككسر المعازف، وعند الشافعي وأحمد في رواية يضمن، كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (وهو بأمر) أي: الكسر والإراقة بأمر الشرع قال رسول الله ﷺ «بُعِثْتُ بِكَسْرِ المَزاميرِ» (^١) وفي رواية «بُعِثْتُ لِمَحْقِ القَيناتِ والمَعازِفِ وقتل الخنازير»، وقال ﵊ «إِذَا رَأَى أحدٌ مِنْكُمْ مُنكَرًا فليُنكِرْهُ بِيَدِهِ، فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسانِهِ، فَإِنْ لَم يَستَطِعْ فَبِقَلْبِه» (^٢) وكان كسرها أمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر باليد فلا يضمن، كما لو فعله بأمر الإمام.
_________________
(١) أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١/ ١٢٩ رقم ٨٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٦٩ رقم ٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٧ / ٦٤٢ ]
إذَا فَعَلَ بِإِذْنِ الإِمَامِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا أَمْوَالٌ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِمَا يَحِلُّ مِنْ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ وَإِنْ صَلُحَتْ لِمَا لَا يَحِلُّ فَصَارَ كَالأَمَةِ المُغَنِّيَةِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الفَسَادَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ، وَجَوَازُ البَيْعِ وَالتَّضْمِينِ مُرَتِّبَانِ عَلَى المَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ بِاليَدِ إِلَى الأَمَرَاءِ لِقُدْرَتِهِمْ، وَبِاللِّسَانِ إِلَى غَيْرِهِمْ،
وفي الذخيرة، والمغني، وبستان أبي الليث: الأمر بالمعروف على وجوه:
إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يقبلون منه ويمتنعون عن المنكر فالأمر واجب عليه ولا يسعه تركه.
ولو علم بأكبر رأيه أنهم يقذفونه بذلك ويشتمونه فتركه أفضل، وكذا لو علم أنهم يضربونه ولا يصبر على ذلك، وتقع بينهم العداوة ويهيج منه القتال فتركه [أفضل] (^١).
ولو علم أنه يصبر على ضربها ولم يشك إلى أحد فلا بأس به، وهو مجاهد.
ولو علم أنهم لا يقبلون منه، ولا يخاف منهم ضربًا ولا شتما فهو بالخيار، والأمر بالمعروف أفضل.
ذكر المحبوبي مطلقا، وقال: الأمر بالمعروف واجب أو فرض إذا غلب على ظنه أنهم يتركون الفسق بالمعروف، ولو غلب على ظنه أنهم لا يتركون لا يكون آثما في تركه.
قوله: (لأنه) (^٢) أي: نصراني (مقر على ذلك) (^٣) فيضمن عندنا، وقال أحمد لا يضمن، وعند الشافعي بالتفصيل كما ذكرنا.
(والدلائل ذكرها) (^٤) إلى آخره، وقد بينا فيه خلاف الأئمة الثلاثة أيضًا.