قَالَ: (وَإِذَا تَغَيَّرَتِ العَيْنُ المَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الغَاصِبِ، حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهَا: زَالَ مِلْكُ المَغْصُوبِ مِنهُ عَنْهَا، وَمَلَكَهَا الغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، كَمَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ حِنْطَةٌ فَطَحَنَهَا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ صُفْرًا فَعَمِلَهُ آنِيَةٌ) وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْقَطِعَ حَقُّ المَالِكِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ
لما ذكر الغصب ومقدماته شرع في بيان أحكامه.
قوله: (بِفِعْلِ الغَاصِبِ) قَيَّدَ به؛ لأنه لو تغير بدون فعله بأن صار العنب زبيبا، أو الخمر خَلًّا بنفسه، والحليب لبنا، والرُّطَب تمرا، فالمالك بالخيار إن شاء أَخَذَ، وإن شاء ضَمَّنَه وتركه، ولو صار العنب زبيبا يجعله ملكه، كذا في فتاوى العتابي.
وقوله: (حتى زال اسمها) احتراز عما غَصَبَ شاةً وذَبَحَها، حيث لم يَزُلْ ملك مالكها؛ لأنه لم يَزُلِ اسمُها، يقال: شاة مذبوحة شاة حية. أما لو ذبحها وشواها أو طبخها، أو غصب حنطة فطحنها، أو حديدًا فاتخذه سيفا يزول ملك المالك عنه؛ لوجود المخالفة من (^١) الحنطة والدقيق والحديد والسيف؛ لزوال اسم الشاة بعد الطبخ، واسم الحنطة بعد الطحن، واسم الحديد بعد اتخاذ السيف، وكذا لو غرس النواة.
قوله: (وقال الشافعي: حق المالك لا ينقطع)، وبه قال أحمد، وأبو يوسف في رواية، غير أنه إذا اختار المالك (^٢) أَخْذَ الدقيق لا يُضَمِّنُهُ النقصان عند أبي يوسف؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأنه يأخذ عين حقه مع شيء آخر؛ إذ الدقيق غير الحنطة.
وعند مالك: لو ذبحها وشواها يُضَمَّنُ قيمتها، ولو ذبحها ولم يَشْوِها
_________________
(١) في الأصل: (لأن)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (المال)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩٢ ]
غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَخْذَ الدَّقِيقِ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضَمِّنُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ، لَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ. لِلشَّافِعِيّ: أَنَّ العَيْنَ بَاقٍ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ كَمَا إِذَا هَبَّتْ الرِّيحُ فِي الحِنْطَةِ وَأَلْقَتْهَا فِي طَاحُونَةٍ فَطُحِنَتْ. وَلَا مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا انْعَدَمَ الفِعْلُ أَصْلًا وَصَارَ كَمَا إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ المَغْصُوبَةَ وَسَلَخَهَا وَأَرَّبَهَا.
وَلَنَا: أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً
أَخَذَها مذبوحة وما نقصها الذبح كقولنا، وعندهم: يضمنه، وعند أبي يوسف: يزول ملكه عنه، لكنه يباع فيشترى له به حنطة مثل حنطته، فلو مات الغاصب فالمالك أحق به من سائر الغرماء؛ لأنه زال ملكه ويده بسبب لم يرض به، ولو زال ملكه بسبب هو راض به كالبيع لا ينقطع حقه إذا أزيلت يده بغير رضاه بأن [قبض] (^١) المشتري بغير إذن البائع فهاهنا أولى لأن لا ينقطع حقه.
وفي الإيضاح: عن أبي يوسف ثلاث روايات أحدها كقولنا.
قوله: (وتتبعه الصنعة) لأن المالك صاحب الأصل، والغاصب صاحب صفة والصفة قائمة بالأصل مانعة له؛ فيترجح صاحب الأصل على صاحب التبع، وهذا لأن الدقيق حنطة فرقت أجزاؤها، وبتفريق (^٢) الأجزاء لا ينقطع حق المالك كالقطع في الثوب، والذبح والسلخ والتأريب في الشاة بدون الطبخ.
(ولا يعتبر بفعله) أي: بفعل الغاصب؛ لأنه عدوان محض، فلا يصلح سببًا للملك، فلغي فعله والتحق بالعدم وصار كالحنطة وقعت في الطاحونة بهبوب الريح وصارت دقيقا حيث لا ينقطع حق المالك.
(ولنا أنه) أي: الغاصب (أحدث صفة (^٣) متقومة)؛ لأن الحنطة تزداد قيمتها بالطحن، وكذا في ذبح الشاة مع طبخها، وكذا البواقي، فإذا ازدادت قيمتها
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (وتعريف)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) تقدم في المتن: (صنعة).
[ ٧ / ٥٩٣ ]
صَيَّرَ حَقَّ المَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهِ،
بفعل الغاصب وزال اسمها وعظم منافعها صار مستهلكا، فصار كأنه استهلكه، والمستهلك مضمون عليه بمثله، والمحصول له لأنه كسبه، والكاسب أحق بكسبه، وهذا معنى قوله: (هالك من وجه) إذ قيام الشيء بصورته ومعناه، وقد انعدمت الصورة كتبدل الاسم وهو ظاهر، إذ هو الدقيق غير صورة الحنطة. وكذا انعدم المعنى لانعدام عظم منافعها، فإن الحنطة تصلح لأشياء كثيرة مثل البذر، والكشك، والهريسة، والنَّشاسْتَج (^١) وغيرها، وبالطحن تهلك المنافع، وإذا ثبت المغايرة بينهما صورة ومعنى فيكون الأول مستهلكا ضرورة، إذ الشيء الواحد يستحيل أن [يكون] (^٢) شيئين مختلفين في الصورة والمعنى، ولا يقال المقصود الأصلي بالحنطة التغذي؛ لأنها خلق لمصالح الأنفس، وكذا في سائر المطعومات، وبالطحن لم يَفُتْهُ ذلك، وكذا بالزراعة؛ لأن الزراعة استدامها فيكون وسيلة إليه.
ولهذا يجري الربا بين الدقيق والحنطة ولا ربا بدون المجانسة؛ لأنا نقول لا شك في فوات الصورة، وبفواتها يفوت المعنى، إذ المعنى قائم بالصورة، ولا نسلم أن المقصود من الحنطة الأكل، إذ العقلاء ما اعتادوا أكل غير الحنطة إلا بعد القلي، واتخاذ الهريسة أو الخبز يستدعي وجود الدقيق، والدقيق وجود الحنطة؛ فيكون وسيلة إلى هذا المقصود؛ فيكون المقصود الأصلي من عين الحنطة الزارعة، وكذا المقصود من عين السمسم الزراعة، ومن عين العنب التفكه.
فأما الخل والدقيق فمقصود من عين العصير لا من عين العنب، وجريان الربا بشبهة المجانسة لما أن عمل الطحن تفريق الأجزاء، وباب الربا مبني على الاحتياط، وإذا هلك الأول بفعله صار ضامنًا مثله، والدقيق حادث بفعله فيملكه والصنعة قائمة بذاتها من كل وجه والعين هالكة، وكانت الصنعة راجحة في الوجود، وترجيحه يرجع إلى الحال، وترجيحنا إلى الوجود، فالرجحان في الذات أحق من الرجحان بالحال؛ لأنها تابعة للذات.
_________________
(١) في القاموس (١٣٣٩): والنَّشا، وقد يُمَدُّ: النَّشاسْتَجِ، مُعَرَّبٌ حُذِفَ شَطْرُهُ.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩٤ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَبَدَّلَ الاسْمُ وَفَاتَ مُعْظَمُ المَقَاصِدِ، وَحَقَّهُ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، فَيَتَرَبَّحُ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ فَائِتٌ مِنْ وَجْهِ، وَلَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَحْظُورٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِحْدَاثُ الصَّنْعَةِ، بِخِلَافِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اسْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ، وَهَذَا الوَجْهُ يَشْمَلُ الفُصُولَ المَذْكُورَةَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا
(ولا نجعله) أي: الغاصب من الطحن وغيره (سببًا للملك) إلى آخره، يعني فعله صار محظورًا من حيث تفويت يد المالك عن المحل لا من حيث إحداث الصنعة، إذ إحداث الصنعة مشروعة في نفسه، وإنما حرم هاهنا بأن جعل مال الغير بمنزلة آلة له، فأشبه الاحتطاب والاصطياد بقدوم الغير، وقوس الغير، وفرس الغير، وهذا جواب عن قول الخصم إنه [محظور فلا يعتبر (^١)] به.
قوله: (بخلاف الشاة) أي: في ظاهر الرواية تضمنا النقصان لا قيمة الشاة. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا يضمنه النقصان، لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة، ولهذا يلتزم بمقابلته العوض. وجه الظاهر: أنه زيادة من حيث التفويت إلى الانتفاع باللحم، ولكنه نقصان بتفويت سائر الأعضاء من الحيوان فلأجله يثبت الخيار للمالك كما في قطع الثوب، كذا في المبسوط.
وفي طريقة بعض مشايخنا إذا ذبح الشاة ينقطع حق المالك، وكذا إذا أَرَّبَها؛ لفوات التركيب والمنافع على المالك، ولكن الصحيح أنه لا ينقطع لما ذكرنا أن بالذبح لا يفوت اسم الشاة ولاعظم منافعها، والتأريب لا يفوت ما هو المقصود بالذبح، بل يحققه ولا يكون ذلك تبدل العين فيبقى حق المالك.
قوله: (وهذا الوجه) أي: وجه الاستدلال ببقاء الاسم على عدم الانقطاع، وبفوات الاسم على الانقطاع شامل لعامة فصول مسائل الغصب. (ويتفرع عليها) أي: على الفصول المذكورة (غيرها) مثل: خبز الدقيق، ونسج الغزل، وغزل القطن، وعصر السمسم، فإنها تقطع حق المالك عندنا، ذكره في الإيضاح خلافا للشافعي ومن تابعه.
_________________
(١) في الأصل بياض مقدار ثلاث كلمات والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩٥ ]
فَاحْفَظْهُ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا» اسْتِحْسَانُ، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ وَزُفَرَ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَهُ، رَوَاهُ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. وَوَجْهُهُ: ثُبُوتُ المِلْكِ المُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ جَازَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊: «فِي الشَّاةِ المَذْبُوحَةِ المَصْلِيَّةِ
قوله: (في الشاة المَصْلِيَّة) أي: المشوية، من الصَّلْي، من حَدِّ ضَرَبَ.
روى أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الحرمي عن أبي بردة عن أبي موسى أنه ﵊ كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدم إليه شاة مصلية فأخذ منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغه فقال ﵊: «إنّها تُخبِرُني أنّها ذُبِحَتْ بِغَيْرِ حَقٌّ»، فقال الأنصاري: كانت شاة أخي لو كانت أعز من هذا لم ينفس (^١) عليَّ بها، وسأرضيه بخير منها إذا رجع، قال ﵊: «أطْعِموها الأسارى» رواه أبو داود نحوًا من هذا (^٢).
قال محمد: يعني المحبوسين قال محمد: هذا الحديث جعله أبو حنيفة أصلا في أكثر مسائل الغصب، كذا في المبسوط.
فالأمر بالتصدق يدل على زوال ملك مالكها، وملك غاصبها، إذ لولاها لأمر بحفظها لمالكها وردها عليه، إذ ملك الغير يحفظ عليه، ويرد إليه إذا أمكن، ودل على حل الانتفاع للفقير، وعلى حرمة الانتفاع للغاصب قبل أداء الضمان بالتراضي أو بالقضاء، ولا ترد علينا اللقطة، فإن الشارع أمر بتصدقها مع أنها ملك مالكها؛ لأنه أمر بتصدقها بعد تعريفها وعجزها عن إصابة المالك، وعن صيانة المال.
وهاهنا المالك معلوم، ويمكن الرد عليه، فلا يجوز التصدق بدون رضاه كما لو علم صاحب اللقطة، ويمكن الرد عليه كذا ذكره الإمام البرغري. وفي المبسوط: لو قضى القاضي بالضمان يحل الانتفاع بمجرد القضاء؛
_________________
(١) بياض في الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٤٤ رقم (٣٣٣٢)، وأحمد (٥/ ٢٩٣) رقم (٢٢٥٦٢)، والدارقطني (٥) ٥١٤ رقم ٤٧٦٣) عن رجل من الأنصار ﵁. قال ابن حجر: أخرجه أحمد وأبو داود بسند قوي. فتح الباري (٩/ ٦٣٣).
[ ٧ / ٥٩٦ ]
بِغَيْرِ رِضَاءِ صَاحِبِهَا: أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى» أَفَادَ الأَمْرُ بِالتَّصَدُّقِ زَوَالَ مِلْكِ المَالِكِ، وَحُرْمَةَ الِانْتِفَاعِ لِلْغَاصِبِ قَبْلَ الإِرْضَاءِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَةِ الانْتِفَاعِ فَتْحُ بَابِ الغَصْبِ، فَيَحْرُمُ قَبْلَ الإِرْضَاءِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الفَسَادِ، وَنَفَاذِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ الحُرْمَةِ لِقِيَامِ المِلْكِ كَمَا فِي المِلْكِ الفَاسِدِ. وَإِذَا أَدَّى البَدَلَ يُبَاحُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ المَالِكِ صَارَ مُوَفَّى بِالبَدَلِ، فَحَصَلَتْ مُبَادَلَةٌ بِالتَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ إِذَا أَبْرَأَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِهِ، وَكَذَا إِذَا أَدَّى بالقَضَاءِ، أَوْ ضَمِنَهُ الحَاكِمُ، أَوْ ضَمِنَهُ المَالِكُ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إِلَّا بِطَلَبِهِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا غَصَبَ حِنْطَةٌ فَزَرَعَهَا، أَوْ نَوَاةٌ فَغَرَسَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ الانْتِفَاعُ فِيهِمَا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِقِيَامِ العَيْنِ فِيهِ مِنْ وَجْهِ.
لوجود الرضا من المالك، إذ الحاكم لا يضمنه إلا بعد طلبه، فكان راضيا به.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها) ينقطع حق المالك عندنا خلافا للشافعي.
قوله: (لوجود الاستهلاك من كل وجه) فحينئذ لم يبق عين يتعلق به حق المالك؛ فيباح به الانتفاع به.
(بخلاف ما تقدم) أي: الحنطة فطحنها، وشاة فذبحها وطبخها (لقيام العين فيه من وجه) لما ذكرنا أن أثر الطحن في تفريق الأجزاء، فيكون العين باقيا من وجه.
ولهذا قال أبو يوسف: إذا غصب نواة فغرسها، وصار شجرا لا يكره الانتفاع بها، كما في الحنطة إذا زرعها؛ لأن الحب بالزرع يعفن، فإذا عفن لم يبق متقوما، فلم يبق تعلق حق مالكها، فكذا النواة بعد الغرس تُعفّن، فلا يبقى حق مالكها فيها، أما لو غصب الودي وغرسه وصار نخلا يكره الانتفاع بها حتى يرضى صاحبه؛ لأن الودي يزيد في [نفسه] (^١) ولا يهلك، فبقي حق مالكها من وجه.
_________________
(١) بياض في الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩٧ ]
وَفِي الحِنْطَةِ يَزْرَعُهَا لَا يَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَصْلُهُ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَإِنْ غَصَبَ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبًا، فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةٌ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، وَقَالَا: يَمْلِكُهَا الغَاصِبُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا) (*)؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةٌ مُعْتَبَرَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَسَرَهُ وَفَاتَ بَعْضُ المَقَاصِدِ، وَالتِّبْرُ لَا يَصْلُحُ رَأْسَ المَالِ فِي المُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالمَضْرُوبُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وَلَهُ: أَنَّ العَيْنَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الاِسْمَ بَاقٍ وَمَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ الثَّمَنِيَّةُ، وَكَوْنُهُ مَوْزُونًا، وَأَنَّهُ بَاقٍ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِرَأسِ المَالِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّنْعَةِ دُونَ العَيْنِ، وَكَذَا
قوله: (وأصله) أي: أصل هذا الخلاف ما تقدم في مسألة من غصب عبدا فاشتغل فالطيب يدير على الضمان عبده؛ لنهيه ﵊ عن ذبح ما لم يضمن وعندهما على رضى من له الحق.
قوله: (فيأخذها ولا شيء للغاصب)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقيد بضمانهما دراهم أو دنانير؛ لأن في كسر الدراهم والدنانير وقلبهما يضمن مثله بالاتفاق؛ لأنه غُيّر بصَنْعَةٍ (^١) ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه إلا بإيجاب المثل، والمكسور للكاسر بعد الضمان، وإن شاء صاحبه أخذ المكسور ولم يرجع عليه بشيء، ويستوي إن انتقصت ماليته بالكسر أو لم ينتقص؛ لأن صفة العين تغيرت بفعله وذلك كاف لإثبات الخيار له.
أما لو استهلك القلب فعليه قيمته مصوعًا من غير جنسه، وعند الشافعي من جنسه، وقد مر، ألا ترى أنه كسره يعني بالكسر يتبدل الاسم والمقصود، فإن قبل الضرب يسمى ذهبًا وفضة وبعده درهما ودينارا، والكسر لا يصلح رأس المال في المضاربات والدرهم والدينار يصلح، فثبت أنهما اختلفا حكمًا فصار كالمسائل المتقدمة.
قوله: (ألا ترى أن الاسم باقٍ) بعد الصنعة يقال: ذهب وفضة.
قوله: (من حكم الصنعة لا من حكم العين) ولهذا نقول ما لا يتفاوت من
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) في الأصل: (لأنه عبر بضعفه)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩٨ ]
الصَّنْعَةُ فِيهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ المُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا.
قَالَ: (وَمِنْ غَصَبَ سَاجَةٌ فَبَنَى عَلَيْهَا، زَالَ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الغَاصِبَ قِيمَتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا، وَالوَجْهُ مِنْ الجَانِبَيْنِ قَدَّمْنَاهُ.
الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالدراهم، فلا اعتبار ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة عن الأصل، وبه فارق الحديد والصفر، فإن الصنعة هناك تخرجه من الوزن، وجب أن يكون مال الربا حتى لو باع قمقمة بقمقمتين يدا بيد يجوز ذكره في كتاب الصرف.
وللصنعة في غير مال الربا قيمة، مع أن اسم العين وحكمهم قد تبدل هناك، أما هاهنا فلم يتبدل الاسم بالصنعة وحكم العين، فلما بقي العين وحكمه فللمالك أخذه، وإن وجد صنعة الصرف لما أنه لا قيمة للصنعة في هذه الأموال، إليه أشار في المبسوط.
قوله: (وكذا الصنعة فيها) أي عين الفضة والذهب.
وقوله: (مطلقًا) يحترز عن كسر إنائهما وقلبهما يضمن قيمته من خلاف جنسه على ما ذكرناه.
قوله: (ومن غصب ساجة)، في المغرب: الساجة، بالجيم: الخشبة العظيمة، أي: الخشبة المنحوتة المهيأة للأساس ونحوه (^١).
وأما مسألة الساحة، بالحاء المهملة فتجيء.
قوله: (ولزم الغاصب قيمتها)، وفي الذخيرة هذا إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة، أما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء لم يزل ملك مالكها عنها بالإجماع، ويجيء بتمامه في مسألة الساجة إن شاء الله تعالى.
(والوجه من الجانبين قدمناه) أي: في مسألة، وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب في أول الفصل وبقوله قال مالك، وأحمد، وزفر وافق الشافعي في هذه المسألة، والفرق لزفر أن في مسألة غصب الحنطة تصير مستهلكة بالطحن، وهاهنا زيادة وصف من غير استهلاك، وعلى هذا الخلاف لو غصب
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٣٧).
[ ٧ / ٥٩٩ ]
وَوَجْهُ آخَرُ لَنَا فِيهِ: أَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِضْرَارًا بِالغَاصِبِ بِنَقْضِ بِنَائِهِ الحَاصِلِ مِنْ
غَيْرِ خَلَفٍ، وَضَرَرُ المَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَجْبُورٌ بِالقِيمَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا
خيطا وخاط به مساو (^١) وهو بحاله فإنه يجب نقض ذلك ورد الخيط على صاحبه عندهم، وعندنا لا.
أما لو خاط بالخيط جرح حيوان يؤكل ففيه للشافعي وأحمد قولان: في قول: يجب رده، وفي الثاني ينتقل حقه إلى القيمة.
وفي المغني لابن قدامة: فإن خاط به جرح حيوان لا حرمة له كالمرتد والخنزير والكلب العقور يجب نزعه ورده، وإن خاط به جرح حوان محترم لا يحل أكله كالآدمي والبغل والحمار الأهلي، وخيف من نزعه الهلاك وإبطاء برئه لا يجب نزعه.
وإن خاط جرح حيوان مأكول لغير الغاصب وخيف التلف بنزعه لم ينزع؛ لأن فيه إضرارًا بصاحبه، ولا يزال الضرر بالضرر. ولو كان الحيوان للغاصب فقال القاضي: يجب نزعه ورده (^٢).
وقال أبو الخطاب فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا؛ لأن الحيوان حرمته في نفسه، ونهيه ﷺ عن ذبح الحيوان لا لمأكله (^٣). ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.
ولو أدخل اللوح المغصوب في السفينة فإن كان في الساحل لزمه رده وقلعه، وبه قال الشافعي، ومالك، وإن كان في لجة البحر، واللوح في أعلاها بحيث لا تغرق بقلعه يقلع، وإن خيف غرقها لم يقلع حتى يخرج إلى الساحل، ولصاحب اللوح طلب القيمة، فإذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة، وبه قال أصحاب الشافعي.
قوله: (وآخر لنا) أي: دليل آخر لنا.
_________________
(١) هذا هو الأشبه لرسم (الكيملة) في النسخ الخطية، ولم نهتد لها.
(٢) كذا في النسخ الخطية، والذي في المغني: (وإن كان الحيوان للغاصب، فقال القاضي: لا يجب رده؛ لأنه يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه، وذلك جائز).
(٣) المغني لابن قدامة (٥/ ٢١١).
[ ٧ / ٦٠٠ ]
خَاطَ بِالخَيْطِ المَغْصُوبِ بَطْنَ جَارِيَتِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ أَدْخَلَ اللَّوْحَ المَغْصُوبَ فِي سَفِينَتِهِ. ثُمَّ قَالَ الكَرْخِيُّ وَالفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرَ: إِنَّمَا لَا يُنْقَضُ إِذَا بَنَى فِي حَوَالِي السَّاجَةِ، مَا إِذَا بَنَى عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٌ فِيهِ. وَجَوَابُ الكِتَابِ يَرُدُّ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قوله: (وأدخل اللوح المغصوب في سفينته) وفي الأسرار: صورة المجمع عليها فيما إذا كانت السفينة مع من عليها في لجة البحر، وخيف الغرق لما ذكرنا أن عند الشافعي إذا كانت السفينة ساكنة في جانب البحر نزعه، وكذا قيد بقوله: (خاط بطن عبده أو جاريته)؛ لأن فيه إجماعا؛ لأن فيه تلف النفس كما نقلنا من مذهبهم.
وقلنا: بالبناء أثبت لنفسه حقًا محترمًا، فلا يجوز إبطاله، إذ الظالم لا يُظلم، فلما حرم إبطاله وصار بحال لا يمكن التمييز بينهما، ولا سبيل للاشتراك بالإجماع، فحق الغاصب أولى بالاعتبار، إذ في نقضه إضرار للغاصب بإهلاكه بلا خلف.
أما ضرر المالك مجبور بالضمان، ولا يقال: صاحب السلعة صاحب الأصل، إذ البناء تابع له، ولا شك أن صاحب الأصل يرجح بمراعاة جانبه على جانب صاحب الوصف؛ لأن الوصف هو البناء قائم من كل وجه، والأصل قائم من وجه هالك من وجه؛ لأنه صار تبعًا لملك غيره، وهذا صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق بالشفعة، فانعدم فيه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا، والقائم من كل وجه يرجح على القائم من وجه.
وفي الذخيرة: لو أراد الغاصب نقض البناء ورد الساحة مع تملكها بالضمان بعد القضاء بقيمتها لا يحل، وقبل القضاء بها قيل: يحل، وقيل: لا يحل؛ لأنه تضييع المال بلا فائدة.
قوله: (في حوالي الساجة) بأن يجعله عمادًا للجدار، أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض؛ لأنه متعد فيه، والساحة من وجه كالأصل فتهدم للرد كما في مسألة الساجة وجواب الكتاب وهو قوله: (بني عليها) يرد ذلك لأنه قال بني عليها.
(وهو الأصح) (^١) أي جواب الكتاب؛ لأن محمدًا ذكر في كتاب الغصب:
_________________
(١) في الأصل (الأصلح)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٠١ ]
قَالَ: (وَمِنْ ذَبَحَ شَاةً غَيْرِهِ فَمَالِكُهَا بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَّهُ قِيمَتَهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَّهُ نُقْصَانَهَا، وَكَذَا الجَزُورُ، وَكَذَا إِذَا قَطَعَ يَدَهُمَا) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَجْهُهُ: أَنَّهُ إِتْلَافُ مِنْ وَجْهِ بِاعْتِبَارِ فَوْتِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ مِنْ الحَمْلِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَبَقَاءِ بَعْضِهَا، وَهُوَ اللَّحْمُ، فَصَارَ كَالخَرْقِ الفَاحِشِ فِي الثَّوْبِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ
لو غصب بقرة واتخذ منها [عروة] (^١) مرادة انقطع حق المالك، وهو في العمل هنا متعد؛ لأن عمله في ملك الغير، فدل أنه لا فرق بين أن يكون عمله في ملك الغير أو ملك نفسه، وهو الصحيح، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (وكذا الجزور) أي: الإبل، وهو ما أعد للجزر وهو القطع، أي: الذبح، يُذَكَّر ويُؤنَّث، كذا في المغرب.
وقد بينا أن في رواية الحسن لا يضمن النقصان إذا أخذ الشاة، وإنما ذكر الجزور بعدما ذكر حكم الشاة من الاختيار بين تضمين القيمة وتضمين النقصان؛ لدفع شبهة ترد على اختيار النقصان بأن يقال: والنقصان بالذبح في الشاة إنما كان يسبب تفويت صلاحيتها للدر والنسل، والجمل والجزور هي التي أعدت للذبح فلم يكن الدر والنسل مطلوبًا، فينبغي أن لا يضمن الغاصب النقصان بل استحق أجر المثل من جزارته على المالك؛ لأنه حق مقصود فيها، فكان زيادة فيها لا نقصانًا كما إذا غصب ثوبًا فصبغه أحمر حيث يضمن المالك للغاصب ما زاد الصبغ إذا اختار أخذ الثوب، فدفع تلك الشبهة بقوله: (وكذا الجزور)، وذلك لأن نفس إزالة الحياة عن الحيوان نقصان فكان المالك مخيرًا لأنه يحتمل أن يكون مقصوده فيها سوى الدر والنسل من الإسمان وتبقيتها إلى زمان ليحصل مقاصده منها.
قوله: (ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم)، وفي تقييد هذا الحكم بغير مأكول اللحم ليست زيادة فائدة؛ لما أن للحكم في مأكول اللحم كذلك؛ لأن
_________________
(١) بياض في الأصل مقدار كلمة والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ٩٤).
[ ٧ / ٦٠٢ ]
فَقَطَعَ الغَاصِبُ طَرَفَهَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، بِخِلَافِ قَطْعِ طَرَفِ العَبْدِ المَمْلُوكِ حَيْثُ يَأْخُذُهُ مَعَ أَرْشِ المَقْطُوعِ؛ لِأَنَّ الآدَمِيَّ يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ.
قَالَ: (وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا يَسِيرًا: ضَمِنَ نُقْصَانَهُ، وَالثَّوْبُ لِمَالِكِهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ عَيْبٌ فَيَضْمَنُهُ (وَإِنْ خَرَقَ خَرْقًا كَبِيرًا يُبْطِلُ عَامَّةَ مَنَافِعِهِ: فَلِمَالِكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ فَكَأَنَّهُ أَحْرَقَهُ. قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ يَتْرُكُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ: وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ تَعْيِيبُ مِنْ وَجْهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ العَيْنَ بَاقٍ، وَكَذَا بَعْضُ المَنَافِعِ قَائِمٌ، ثُمَّ إِشَارَةُ الكِتَابِ إِلَى أَنَّ الفَاحِشَ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَامَّةُ المَنَافِعِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الفَاحِشَ مَا يَفُوتُ
بقطع الطرف للمالك اختيار تضمين جميع القيمة في المأكول وغيره، ذكره في المبسوط.
وفي الذخيرة والمغني وفي المنتقى هشام عن محمد فيمن قطع يد حمار أو رجله، فكان لِما بَقِي [قيمة، فله] (^١) أن يمسكه ويأخذ النقصان، أما لو ذبحه وكذلك الخيار، ولو قتله فليس له الخيار؛ لأن جلده لا قيمة له حينئذ، أما في الذبح بمنزلة الذبائح.
وفي النوادر: قطع أذن الدابة أو ذنبها يضمن النقصان لا غير.
قوله: (لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع طرفه) فلا يكون مستهلكا من كل وجه؛ لبقائه صالحًا لعامة ما كان صالحًا له من قبل.
(ومن خرق ثوبًا) المراد (^٢) من الثوب ما يلبس، وما لا يلبس كالكرباس بدليل وضع محمد في المبسوط، وبدليل تعليل شمس الأئمة في مبسوطه.
وقوله: (والصحيح) إلى آخره، احتراز عما ذكر قبله أن الفاحش ما تبطل به عامة منافعه، وعما ذكروا غير ذلك، بعضهم قالوا: ما أوجب نقصان ربع القيمة فصاعدا فاحش، وقيل: ما أوجب نقصان نصف القيمة فاحش، وقيل: الفاحش
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (المرأة)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٠٣ ]
بِهِ بَعْضُ العَيْنِ، وَجِنْسُ المَنْفَعَةِ، وَيَبْقَى بَعْضُ العَيْنِ وَبَعْضُ المَنْفَعَةِ، وَاليَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ المَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَ فِي الأَصْلِ قَطعَ الثَّوْبِ نُقْصَانَا فَاحِشًا وَالفَائِتُ بِهِ بَعْضُ المَنَافِعِ.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى، قِيلَ لَهُ: اقْلَعِ البِنَاءَ وَالغَرْسَ
ما لا يصلح لثوب، واليسير ما يصلح.
قال شيخ الإسلام: ما ذكره لا يصح بدليل أن محمدًا جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا، والفائت به بعض المنافع، فعلم أن الصحيح ما ذكره محمد أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة بأن فات جنس المنفعة، وتبقى العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة.
(وإنما يدخل فيه النقصان) أي: في المالية.
قوله: (جعل في الأصل) أي: المبسوط (قطع الثوب) بدون الخياطة (نقصانا فاحشا) أما لو خاطه ينقطع حق المالك عندنا، ذكره في الذخيرة.
وعند الأئمة الثلاثة: لا ينقطع، وقالوا: في الشق اليسير يأخذ الثوب ويضمنه النقصان، وفي الفاحش كذلك عند الشافعي وأحمد، وعند مالك يخير كقولنا.
قال شمس الأئمة: هذا الحكم الذي ذكرناه في الخرق في الثوب فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية، فإن التعييب هناك فاحشا أو يسيرًا - لصاحبه الخيار بين الإمساك والدفع وتضمين قيمته، وفي الإمساك لا يضمن النقصان؛ لأنه يؤدي إلى الربا.
قوله: (قيل له اقلع البناء والغرس)، ولا يعلم فيه خلاف؛ لقوله ﷺ: «ليس
لِعَرْقٍ ظالم حَقٌّ» (^١) وفي النهاية: بتنوين عرق على الصفة لا غير، ورواية الفقهاء
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٨ رقم ٣٠٧٣)، والترمذي (٣/ ٥٥) رقم (١٣٧٨)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٢٥ رقم ٥٩٢٧) من حديث سعيد بن زيد ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا، وقال النسائي: خالفه يحيى بن سعيد، وليث بن سعد - أي فروياه مرسلًا.
[ ٧ / ٦٠٤ ]
وَرُدَّهَا) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَلِأَنَّ مِلْكَ صَاحِبِ الأَرْضِ بَاقٍ، فَإِنَّ الأَرْضَ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةٌ وَالغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ لِلْمِلْكِ
على الصفة والإضافة.
وفي المغرب: أي: لذي عرق ظالم حق (^١).
وصف العرق بالظلم الذي هو صفة صاحبه مجازا كأنه غرسها على وجه الاغتصاب ليستوجبها به، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وقال أبو داود وأبو عبيد في هذا الحديث: أنه قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلًا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي ﷺ فقضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر بنزع نخله، قال: ولقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم (^٢).
وفي الفائق والغريبين: أول الحديث: «مَنْ أحيَى أرضًا ميتةً فهيَ لَهُ، وليس لعرق ظالم حق»، ثم قال في الغريبين: قال هشام بن عروة: وهو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسا؛ ليستوجب به الأرض.
وفي الذخيرة، والمحيط، والمغني: لو غصب ساحة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك، ثم قال: وكان الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الكرخي أنه ذكر في بعض كتبه مفصلًا فقال: إن كانت قيمة الساحة أقل من قيمة البناء ليس للمالك أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساحة أكثر فله أن يأخذها، وكذا في الساجة، وقال: المراد مما ذكر في الكتاب ما قلنا، وزعم أن هذا هو المذهب.
قال مشايخنا: وهذا قريب من مسائل حفظت عن محمد ﵀، قال: من كان في يده لؤلؤة فسقطت فابتلعتها دجاجة إنسان ينظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، فإن كانت قيمة الدجاجة أقل يخير صاحب اللؤلؤة بين أخذ الدجاجة بقيمتها، وبين ترك اللؤلؤة وأخذ قيمتها.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣١٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٨) رقم (٣٠٧٤) من حديث عروة بن الزبير مرسلًا.
[ ٧ / ٦٠٥ ]
مِنْ سَبَبٍ فَيُؤْمَرُ الشَّاغِلُ بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا إِذَا شَغَلَ ظَرْفَ غَيْرِهِ بِطَعَامِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ ذَلِكَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ لَهُ قِيمَةَ البِنَاءِ وَالغَرْسِ مَقْلُوعًا وَيَكُونَانِ لَهُ)؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهُمَا وَدُفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا. وَقَوْلُهُ: «قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا» مَعْنَاهُ: قِيمَةُ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ
وكذا لو أودع رجلا فصيلًا، فَكَبُرَ الفصيل حتى لم يمكن إخراجه من البيت إلا بنقض الجدار ينظر إلى أكثرها قيمة، ويخير صاحب الأكثر على ما قلنا، وفي كتاب الحيطان: دخل قرن الشاة في قِدْرِ الباقلاني وتعذر إخراجه، ينظر أيهما أكثر قيمة فيؤمر صاحب الأكثر بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه، ويتملك مال صاحبه.
وكذا لو كان للمستأجر جب في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجها إلا بهدم شيء من الحائط ينظر أيهما أكثر قيمة، وكذا لو أدخل رجل أترجة في قارورة غيره فكبرت الأترجة فلا خيار لأحد، وضمن الفاعل كصاحب الأترجة، ولصاحب القارورة قيمة الأترجة وقيمة القارورة، وتكون الأترجة والقارورة له بالضمان.
وقيل: يمكن أن نجيب عن هذه المسائل بأنه لا تعدي فيها، ويمكن دفع الضرر عنها بتملك صاحب الإكراه، وفي مسألة الغصب متعد فلا يراعى حقه.
وفي الكافي: ثم في وضع المسألة إشكال؛ لأنا بينا أن الغصب لا يتصور في العقار، والجواب أن الغصب الموجب للضمان لا يتصور فيه لا أصل الغصب، فيجوز أن يستعمل لفظ الغصب مجازًا كما في قوله: «مَنْ غصبَ شِبْرًا من أرض» الحديث (^١)، لتصوره بصورة الغصب.
قوله: (معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه) فعلى هذا كانت قيمة الشجر المقلوع أكثر من قيمة الشجر الذي أمر بقلعه؛ لأن المؤنة صرفت في قلع المقلوع دون القائم، وازدادت قيمة المقلوع لذلك (لأن حقه) أي: حق الغاصب
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٧ رقم ٣١٩٨)، ومسلم (٣/ ١٢٣٠ رقم ١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁.
[ ٧ / ٦٠٦ ]
فِيهِ، إِذْ لَا قَرَارَ لَهُ فِيهِ، فَتَقُوَّمُ الأَرْضُ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالبِنَاءِ وَتَقَوَّمُ وَبِهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءُ، لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا، فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ سَوِيقًا، فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ: فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَمِثْلَ السَّوِيقِ، وَسَلَّمَهُ لِلْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ فِيهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الثَّوْبِ: لِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْسِكَهُ وَيَأْمُرَ الغَاصِبَ بِقَلْعِ الصَّبْغِ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ اعْتِبَارًا بِفَصْلِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ،
(فيه) أي: في البناء والشجر الذي يؤمر بقلعه (إذ لا قرار له) أي: للبناء والشجر.
قوله: (فَلَتَّ السَّوِيقَ) اللَّتُّ: الخَلْط، من باب طَلَبَ.
وبقولنا قال مالك وأصبغ، وبقول الشافعي قال أحمد (^١).
قوله: (لأن التمييز ممكن)، أي: بالغسل والعصر، وكذا في الخلط إذا كان التمييز ممكنا يجب التمييز والرد، وإن كان غير ممكن يجب رد مثله، وملك في الخلط بهما، وفي الوجيز وشرحه: لو كان قيمة الصبغ بقدر قيمة الثوب فهما شريكان، يباع ويقسم الثمن عليهما.
وفي الحلية: إذا طالبه صاحب الثوب بقلع صبغه وامتنع الغاصب من ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر، وهو قول أبي العباس، والثاني: يجبر، وهو قول ابن خيران، وأبي إسحاق (^٢).
ولو طلب الغاصب بيع الثوب وامتنع صاحبه ففيه وجهان: يجبر ليصل الغاصب إلى حقه، والثاني: لا يجبر، وفي الخلط إن كان بمثله وطلب المالك أن يدفع إليه حقه وامتنع الغاصب: في المنصوص الخيار للغاصب، وفي وجه يلزمه دفعه إلى المالك، ولو خلطه بأجود وبدله الغاصب صاعا مثله ففيه وجهان: في المنصوص الخيار للغاصب، والثاني أنه يباع الجميع ويقسم الثمن
_________________
(١) في الأصل: (وبقول قال الشافعي وأحمد)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٥/ ٢٣٩).
[ ٧ / ٦٠٧ ]
بِخِلَافِ السَّمْنِ فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا: مَا بَيَّنَّا أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الجَانِبَيْنِ، وَالخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الأَصْلِ، بِخِلَافِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَهُ بَعْدَ النَّقْضِ؛ أَمَّا الصِّبْغُ فَيَتَلَاشَى، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا انْصَبَغَ بِهُبُوبِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ
بينهما، ولو خلطه بما دونه أجبر الغاصب على دفع ملك المالك.
وعند مالك: أخذه بالمثل من غيره، ومن أصحابنا من قال: يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر القيمتين، ولو خلطه بغير جنسه لزمه صاع من مثله.
ومن أصحابنا من قال: يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر قيمتها، وبه قال مالك في الصورتين، وعن أحمد: مثله.
وفي المغني لابن قدامة: لو خلطه بما لا قيمة له كالزيت بالماء فإن أمكن تخليصه خلصه ورده ورد نقصه، وإن لم يمكن تخليصه أو كان ذلك يفسده رجع عليه بمثله؛ لأنه صار مستهلكا، وإن لم يفسده رده ورد ما نقصه، وإن احتيج في تخليصه إلى غرامة لزم الغاصب؛ لأنه بسببه، ولأصحاب الشافعي: في هذا الفصل نحو مما ذكرنا (^١).
قوله: (ولنا: أن فيه) أي في ثبوت الخيار للمالك (رعاية للجانبين) جانب المالك والغاصب؛ لأن صنيعه مال متقوم كالثوب، وتغصيبه لا يسقط حرمة ماله، فيجب صيانته ما أمكن، وذا فيما قلنا من التخيير، وأثبتنا الخيار لرب الثوب؛ لكونه صاحب أصل، والغاصب صاحب وصف، فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى؛ لأن الأصل قائم بنفسه، والوصف تابع له، والشافعي أهدر جانب الغاصب من كل وجه.
قوله: (بخلاف الساحة) بالحاء المهملة أي: البناء في الساحة، حيث يؤمر بالقلع من غير إثبات الخيار؛ لأنه أمكن إيصال حق كل واحد منهما إلى صاحبه بالنقض.
(لأن النقض) أي: المنقوض كالخشب والآجُرّ (له) أي: للغاصب، فيصل
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/ ٢١٥).
[ ٧ / ٦٠٨ ]
لِيَضْمَنَ الثَّوْبَ، فَيَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الأَصْلِ الصِّبْغَ. قَالَ أَبُو عِصْمَةَ فِي أَصْلِ المَسْأَلَةِ: وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الثَّوْبِ بَاعَهُ، وَيَضْرِبُ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الصَّبْغِ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ الصَّبْغَ بِالقِيمَةِ، وَعِنْدَ امْتِنَاعِهِ تَعَيَّنَ رِعَايَةُ الجَانِبَيْنِ فِي البَيْعِ وَيَتَأَنَّى، هَذَا فِيمَا إِذَا انْصَبَغَ الثَّوْبُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا لِوَجْهِ فِي السَّوِيقِ، غَيْرَ أَنَّ السَّوِيقَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ، وَالثَّوْبُ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ فَيَضْمَنُ
إليه عين حقه، أما الصبغ يتلاشى بالغسل ولم يحصل للغاصب شيء، فلذا أثبتنا الخيار له وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح، حيث لا يثبت الخيار لرب الثوب بل يؤمر بدفع قيمته، إذ لا جناية من صاحب الصبغ ليضمن الثوب، فيتملك صاحب الأصل الصبغ كذا في المبسوط.
وقوله: (لِيُضْمَنَ) على بناء المفعول، و(الثوبَ) بالنصب؛ لأنه مفعول ثان أي: ليضمن من التضمين صاحب الصبغ الثوب.
وفي الإيضاح: ولو انصبغ بغير فعل أحد فهو لرب الثوب، ولا شيء عليه من قيمة الصبغ في قول أبي حنيفة، وإن كان عصفرًا أو زعفرانا فرب الثوب بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء امتنع، فيباع الثوب فيصرف بقيمة ثوبه أبيض، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ في الثوب؛ لأنه لم يوجد من أحد فعل هو سبب للضمان، فانتفى الضمان وصارا شريكين، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (وقال أبو عصمة) أي: المروزي (في أصل المسألة) أي: في قوله: (ومن غصب ثوبًا فصبغه أحمر) (^١)، وإنما ذكر في أصل المسألة لئلا يتوهم أن هذا الحكم الذي ذكره أبو عصمة متصل بما يليه من مسألة الانصباغ، وإن كان حكم مسألة الانصباغ كذلك على ما ذكر في الكتاب، ويتأتى هذا فيما انصبغ الثوب بنفسه.
(وقد ظهر بما ذكرنا الوجه في السويق) أي: الجواب، والتعليل في السويق كالجواب، والتعليل في الصبغ والانصباغ.
_________________
(١) انظر المتن ص ٦٠٧.
[ ٧ / ٦٠٩ ]
قِيمَتُهُ. وَقَالَ فِي الأَصْلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ يَتَفَاوَتُ بِالقَلْيِ، فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا. وَقِيلَ: المُرَادُ مِنهُ المِثْلُ سَمَّاهُ بِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَالصُّفْرَةُ كَالحُمْرَةِ. وَلَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَهُوَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ. وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ السَّوَادُ فَهُوَ نُقْصَانٌ، وَإِنْ كَانَ ثَوْبًا يُزِيدُ فِيهِ السَّوَادُ فَهُوَ كَالحُمْرَةِ وَقَدْ عُرِفَ فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ. وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا تُنْقِصُهُ الحُمْرَةُ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَتَرَاجَعَتْ بِالصَّبْغِ إِلَى عِشْرِينَ، فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى ثَوْبٍ تُزِيدُ فِيهِ الحُمْرَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةٌ يَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الخَمْسَتَيْنِ جُبِرَتْ بِالصَّبْغِ.
قوله: (سماه به) أي: سمى المثل به أي بالقيمة على تأويل ما (يقوم به) (^١) أي: لقيام المثل مقام المغصوب (وهذا اختلاف عصر) فإن أبا حنيفة في زمن بني أمية، وكانوا يمتنعون عن لبس السواد، فأجاب على ما شاهد، وهما أجابا على ما شاهدا من عادة بني العباس بلبس السواد، وكان أبو يوسف يقول أولا بقول أبي حنيفة، فلما قلد القضاء أمر بلبس السواد، احتاج إلى التزام مؤنة في ذلك، فرجع وقال: السواد زيادة.
قوله: (يزيد فيه السواد) كالغصب ونحوه.
قوله: (فعن محمد) إلى قوله (يأخذ) أي: رب الثوب (ثوبه وخمسة دراهم) من الغاصب أيضًا؛ لأنه استوجب على الغاصب نقصان قيمة ثوبه عشرة دراهم؛ واستوجب الصباغ عليه قيمة الصبغ خمسة، فالخمسة بالخمسة قصاص، ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة، وهذا رواية هشام عن محمد، كذا في المبسوط (^٢).
فالحاصل: أن الصبغ لا يخلو إما أن يكون بالسواد أو غيره، وكل واحد لا يخلو إما أن يوجب الزيادة أو النقصان، ثم كل واحد من السواد وغيره بفعل أحد أو لا.
_________________
(١) تقدم في المتن (لقيامه مقامه).
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ٨٥).
[ ٧ / ٦١٠ ]