قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (إنه أمين).
(فهلاك المال في الثاني)، أي: في العقد الثاني (لا يوجب انتقاص الأول)، أي: الاقتسام الأول.
وفي الكافي: اقتسما الربح، وأخذ رب المال رأس ماله، ثم زاد رب المال رأس ماله، ثم زاد رب المال سدس الربح للمضارب، يجوز عند أبي حنيفة؛ كالمضارب إذا زاد لرب المال، وعند محمد لا يجوز؛ لأن العقد لم يبق فلا تصح الزيادة، كما لو زاد في الثمن بعد هلاك المبيع، وزاد في الأجرة بعد تمام العمل.
قلنا: العقد انتهى، والمنتهي متقرر في نفسه.
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ الْمُضَارِبُ
ذكر في هذا الفصل ما لم يذكره في أول المضاربة زيادة للإفادة، وتنبيها على مقصودية أفعال المضارب بالإعادة.
قوله: (بالنقد والنسيئة)، وبه قال أحمد في رواية (^١)، وقال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد في رواية (^٤)، وابن أبي ليلى: لا يجوز بغير الإذن؛ لأن ذلك تصرف يوجب قصر يده عن مال المضاربة، والتصرف فيه يكون ضد ما هو
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٢٩)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٣٤٨).
(٢) انظر: العزيز للغزالي (٦/¬٢١)، والبيان للعمراني (٧/ ٢٠٨).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (٣/ ٦٥٢)، والذخيرة للقرافي (٦/ ٧٣).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٢٩)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٣٤٨).
[ ٧ / ٩٨ ]
التَّجَّارِ فَيَنْتَظِمُهُ إطْلَاقُ العَقْدِ، إِلَّا إِذَا بَاعَ إِلَى أَجَلٍ لَا يَبِيعُ التَّجَّارُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ لَهُ الْأَمْرَ العَامَّ المَعْرُوفَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةٌ لِلرُّكُوبِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سَفِينَةٌ لِلرُّكُوبِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَكْرِيَهَا اعْتِبَارًا لِعَادَةِ التَّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِ المُضَارَبَةِ فِي التِّجَارَةِ فِي الرِّوَايَةِ المَشْهُورَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التَّجَّارِ.
وَلَوْ بَاعَ بِالنَّقْدِ ثُمَّ أَخَرَ الثَّمَنَ جَازَ بِالإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا: فَلِأَنَّ الوَكِيلَ يَمْلِكُ ذَلِكَ فَالمُضَارِبُ أَوْلَى،
مقصود رب المال فصار بمنزلة دفعه مضاربة حيث لا يجوز بغير الإذن.
وقلنا: البيع بالنسيئة من صنيع التجار، وهو أقرب إلى تحصيل مقصود رب المال وهو الربح؛ فإن الربح في الغالب يحصل في البيع بالنسيئة أكثر من البيع بالنقد، والدليل على أن البيع بالنسيئة تجارة قوله تعالى: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، فهذا بين أن التجارة قد تكون غائبة، وليس ذلك إلا البيع بالنسيئة، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وليس له أن يشتري سفينة للركوب)، هذا في المضارب الخاص بنوع كالطعام مثلا، أما إذا لم يخص المضاربة بنوع، بل دفع المال ولم يسم ما يشتري به فاشترى سفينة، أو دابة ليحمل عليها مال المضاربة يجوز؛ لأنه يملك التجارة في المدفوع مطلقا، وجميع ما اشترى من عقود التجارة.
أما لو دفعه مضاربة في الطعام خاصة ليس له أن يشتري لنفسه دابة إذا خرج إلى الطعام، أما لو اشترى حمولة للطعام جاز؛ لأنه لا بد منه، أما لو اشترى سفينة يحمل عليها الطعام لا يجوز على رب المال؛ لأن شراء السفينة لا يعد من توابع التجارة في الطعام.
قوله: (في الرواية المشهورة)، وروى ابن رستم عن محمد: لا يملك الإذن في التجارة؛ لأنه بمنزلة الدفع مضاربة، والفرق أن المضارب شريك في الربح، والمأذون لا يصير شريكا فيه.
قوله: (فالمضارب أولى)؛ لأن ولاية المضارب أعم؛ لأنه شريك في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٣٨).
[ ٧ / ٩٩ ]
إِلَّا أَنَّ المُضَارِبَ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُقَابِلَ ثُمَّ يَبِيعَ نَسِيئَةً، وَلَا كَذَلِكَ الوَكِيلُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الإِقَالَةَ ثُمَّ البَيْعَ بِالنَّسَاءِ. بِخِلَافِ الوَكِيلِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الإِقَالَةَ. (وَلَوْ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى الأَيْسَرِ أَوْ الْأَعْسَرِ جَازَ)، لِأَنَّ الحَوَالَةَ مِنْ عَادَةِ التَّجَّارِ، بِخِلَافِ الوَصِيِّ يَحْتَالُ بِمَالِ اليَتِيمِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَنْظَرُ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ، وَالأَصْلُ: أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ المُضَارِبُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ: نَوْعٌ يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ المُضَارَبَةِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ المُضَارَبَةِ وَتَوَابِعِهَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ جُمْلَتِهِ التَّوْكِيلُ بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَالرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ، لِأَنَّهُ إِيفَاء وَاسْتِيفَاءُ وَالإِجَارَةُ وَالاسْتِنْجَارُ وَالإِيدَاعُ وَالإِبْضَاعُ وَالمُسَافَرَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَنَوْعٌ لَا يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وَيَمْلِكُهُ إِذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، وَهُوَ: مَا
الربح، أو بفرضية أن يصير شريكا فكان أصيلا من وجه، (إلا أن المضارب لا يضمن)، والوكيل يضمن إذا أخر.
(لأن له)، أي: للمضارب أن يقابل البيع.
(لأنه)، أي: الوكيل لا يملك ذلك وهو الإقالة والبيع بالنسيئة بعدها فيضمن الوكيل بتأجيل الثمن عندهما، وعند أبي يوسف: الوكيل لا يملك تأجيل الثمن وتأخيره، ويملك المضارب فلا يرد الضمان وعدم الضمان على قوله.
قوله: (احتال بالثمن)، أي: لو قبض المضارب الحوالة على رجل أيسر أو أعسر من المشتري جاز؛ لأنه لو قال: البيع مع الأول، ثم باعه بمثله على المحتال عليه جاز، فكذا إذا قبل الحوالة والثمن عليه، وبه فارق الوكيل حيث لا يجوز له ذلك، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وتوابعها)، أي: توابع المضاربة؛ كالتوكيل بالبيع والشراء، والرهن والارتهان، والإجارة والاستئجار، والإيداع والإبضاع، والمسافرة.
وقوله: (وهو ما ذكرنا)، إشارة إلى قوله (أن يبيع بالنقد والنسيئة) (^٢).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٤٧).
(٢) انظر المتن ص ٩٨.
[ ٧ / ١٠٠ ]
يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فَيَلْحَقَ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ دَفْعِ المَالِ مُضَارَبَةٌ، أَوْ شَرِكَةً إِلَى غَيْرِهِ وَخَلْطِ مَالِ المُضَارَبَةِ بِمَالِهِ، أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ رَبَّ المَالِ رَضِيَ بِشَرِكَتِهِ لَا بِشَرِكَةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التِّجَارَةُ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ العَقْدِ وَلَكِنَّهُ جِهَةٌ فِي التَّثْمِيرِ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يُوَافِقُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلَالَةِ وَقَوْلُهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَنَوْعٌ لَا يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ العَقْدِ وَلَا بِقَوْلِهِ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ إِلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ رَبُّ المَالِ، وَهُوَ الِاسْتِدَانَهُ، وَهُوَ: أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بَعْدَمَا اشْتَرَى بِرَأْسِ المَالِ السِّلْعَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ المَالُ زَائِدًا عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ المُضَارَبَةُ، وَلَا يَرْضَى بِهِ وَلَا يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ المَالِ بِالِاسْتِدَانَةِ صَارَ المُشْتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَرِكَةِ الوُجُوهِ وَأَخَذَ السَّفَاتِجَ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الاسْتِدَانَةِ،
قوله: (وهو أن يشتري)، الضمير للاستدانة، إلا أنه ذكر المبتدأ لتذكير الخبر وهو قوله (أن يشتري).
قوله: (وما أشبه ذلك)، بأن كان رأس المال ألف درهم فليس له أن يشتري بمكيل أو موزون؛ لأنه اشترى بغير رأس المال فكان هذا استدانة فلا ينفذ على المضاربة، ولو كان في يده دراهم فاشترى بدنانير نقد على المضاربة استحسانًا؛ لأنهما كالجنس الواحد في الثمنية؛ لأنه يصير المال زائدا.
إلى قوله: (ولا شغل ذمته بالدين)، يعني أن رب المال لا يرضى بزيادة مال المضاربة وإن كان فيها نفع لمقابلة ضرر يفوقها وهو شغل الذمة بالدين.
وفي الفوائد الظهيرية: الاستدانة تصرف على غير رأس المضاربة، والتوكيل مقيد برأس المال، وعند التنصيص عليها يصير التصرف بمنزلة شركة الوجوه ولا يكون مضاربة؛ لأنه ليس بواحد منهما رأس المال، فيكون المشترى بينهما نصفين، والدين عليهما نصفين، ولا يتغير موجب المضاربة؛ لأن هذه شركة وجوه ضمت إلى المضاربة فلم يتغير موجب المضاربة، وكان الربح الحاصل من مال المضاربة على ما شرطا.
وقد مر تفسير السفاتج في آخر الحوالة.
[ ٧ / ١٠١ ]
وَكَذَا إِعْطَاؤُهَا، لِأَنَّهُ إِقْرَاضُ، وَالعِتْقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِ مَالٍ، وَالكِتَابَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ وَالإِقْرَاضُ وَالهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ مَحْضُ.
قَالَ: (وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدًا وَلَا أَمَةٌ مِنْ مَالِ المُضَارَبَةِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُزَوِّجُ الأَمَةَ (*)، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ المَهْرَ وَسُقُوطَ النَّفَقَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَالعَقْدُ لَا يَتَضَمَّنُ إِلَّا التَّوْكِيلَ بِالتِّجَارَةِ، وَصَارَ كَالْكِتَابَةِ وَالإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ اكْتِسَابٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ تِجَارَةً لَا يَدْخُلُ تَحْتَ المُضَارَبَةِ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ: (فَإِنْ دَفَعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ المُضَارَبَةِ إِلَى رَبِّ المَالِ بَضَاعَةٌ، فَاشْتَرَى رَبُّ المَالِ وَبَاعَ: فَهُوَ عَلَى المُضَارَبَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: تَفْسُدُ المُضَارَبَةُ، لِأَنَّ رَبَّ المَالِ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَا يَصْلُحُ وَكِيلًا فِيهِ، فَيَصِيرُ مُسْتَرَدًا، وَلِهَذَا لَا تَصِحُ إِذَا شَرَطَ العَمَلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَلَنَا: أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِيهِ قَدْ تَمَّتْ وَصَارَ التَّصَرُّفُ حَقًّا لِلْمُضَارِبِ فَيَصْلُحُ رَبُّ المَالِ وَكِيلًا عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَالإِبْضَاعُ تَوْكِيلٌ مِنْهُ
قوله: (وإن دفع شيئًا من مال المضاربة إلى رب المال)، إلى آخره، وكذا الحكم لو دفع كله، ذكره في الذخيرة، والمبسوط.
وقيد بدفع المضارب لأن رب المال لو أخذه من منزل المضارب من غير أمره وباع واشترى إن كان رأس المال ناضًا فهو نقض للمضاربة، وإن صار عرضًا لا يصير نقضا؛ لأنه يمكن أن يجعل مُعيَّنا لأنه يكون عاملا لغيره، ولو كان رأس المال ناضًا يكون عاملًا لنفسه فتنتقض المضاربة اقتضاء، فيعتبر هذا بالنقض صريحًا؛ فإن رب المال لو نقض المضاربة صريحًا والمال ناض ينقض في الحال، ولو كان عرضًا لا ينقض فكذا هاهنا، كذا في الذخيرة.
قوله: (فلا يصلح وكيلًا فيه؛ لأن المرء فيما يعمل في ملكه لا يصلحوكيلا لغيره.
قوله: (والإبضاع توكيل منه، أي من المضارب في التصرف.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ١٠٢ ]
فَلَا يَكُونُ اسْتِرْدَادًا، بِخِلَافِ شَرْطِ العَمَلِ عَلَيْهِ فِي الابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ المَالَ إِلَى رَبِّ المَالِ مُضَارَبَةٌ حَيْثُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّ المُضَارَبَةَ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً عَلَى مَالِ رَبِّ المَالِ وَعَمَلِ المُضَارِبِ وَلَا مَالَ هَاهُنَا، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ المَوْضُوعِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ بَقِيَ عَمَلُ رَبِّ المَالِ بِأَمْرِ المُضَارِبِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ المُضَارَبَةُ الأُولَى.
فإن قيل: في الإبضاع يكون المال للمبضع والعمل من الآخر بغير شيء، وهاهنا لا مال لرب المال فكيف يتحقق الإبضاع؟
قلنا: المراد من الإبضاع هو الدفع على وجه الاستعانة، ورب المال يصلح معينا لأنه أشفق الناس إليه تصرفًا فيصح الاستعانة به، كما يصح من الأجنبي.
فإن قيل: الأجنبي عامل في ملك الغير فيصلح معينًا، ورب المال يتصرف في ملك نفسه فلا يصلح معينًا، ولهذا لو استأجر خياطا واستعان الآخر بالمستأجر في الخياطة لا يستحق المستأجَرُ الأجر؛ لأن عمله لا يتحول إلى المستأجر فينبغي أن لا يكون للمضارب من هذا الربح نصيب.
قلنا: في المضاربة معنى الإجارة والشركة جميعًا، ومعنى الشركة راجح، بل المقصود هو الشركة، ولهذا لو عمل ولم يربح لا يقضى له بشيء، وفي الشركة يستحق أحد الشريكين الربح بعمل صاحبه، وإذا كان كذلك صلح رب المال معينًا، أما في الإجارة يستحق الأجر بالعمل، وعمل الأجر لا يتحول إليه، كذا قيل.
قوله: (فلا تبطل به)، أي: بدفع المال إلى رب المال في المضاربة الثانية المضاربة الأولى عندنا، ويكون الربح بينهما على ما شرطا في المضاربة الأولى.
وقال زفر: تنفسخ المضاربة الأولى كما لو دفعه إعانة.
وقلنا: لما لم تصح المضاربة الثانية بقي المال في يد رب المال وعمل فيه بإذن المضارب فيكون معينًا في العمل، ولكن للمضارب أن يعيد إلى نفسه لحصول المال في يده، وبقاء المضاربة كالرهن في يد الراهن بالعارية لا يبطل حق المرتهن، كذا في شروح الجامع الصغير.
[ ٧ / ١٠٣ ]
قَالَ: (وَإِذَا عَمِلَ المُضَارِبُ فِي المِصْرِ، فَلَيْسَتْ نَفَقَتُهُ فِي المَالِ، وَإِنْ سَافَرَ فَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَكِسْوَتُهُ وَرُكُوبُهُ وَمَعْنَاهُ: شِرَاءٌ وَكِرَاءٌ فِي المَال).
وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِإِزَاءِ الاحْتِبَاسِ كَنَفَقَةِ القَاضِي وَنَفَقَةِ المَرْأَةِ، وَالمُضَارِبُ فِي المِصْرِ سَاكِنٌ بِالسُّكْنَى الأَصْلِيّ، وَإِذَا سَافَرَ صَارَ مَحْبُوسًا بِالمُضَارَبَةِ فَيَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِيهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الأَجِيرِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ البَدَلَ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِالإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ، أَمَّا المُضَارِبُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الرِّبْحُ وَهُوَ فِي حَيِّنِ التَّرَدُّدِ، فَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَبِخِلَافِ المُضَارَبَةِ الفَاسِدَةِ، لِأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَبِخِلَافِ البِضَاعَةِ لِأَنَّهُ متبرع.
قوله: (وركوبه)، بفتح الراء ما يركب عليه (في المال)، أي: بالمعروف، وبه قال مالك (^١)، وأبو ثور، والحسن، والنخعي والأوزاعي، وإسحاق.
وقال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣): فنفقته في مال نفسه في صورة يجوز له السفر، أي: بالإذن، وبه قال ابن سيرين، وحماد بن أبي سيلمان؛ لأنه يستحق على عمله جزء من الربح فكانت نفقته عليه كنفقة الحضر كالأجير، أما لو شرط له النفقة فله ذلك.
ولنا: أن النفقة إنما تجب بالاحتباس؛ كالمرأة تستوجب النفقة باحتباسها في منزل الزوج، والقاضي يستوجب في مال بيت المال لكونه محبوسًا لمصالح المسلمين، فكذا المضارب إذا سافر صار محبوسًا بالعمل للمضاربة فوجبت النفقة في مالها، وفي المصر ساكن بالسكنى الأصلي، وبخلاف الأجير لأنه يعمل ببدل فكان البدل واجبًا له لا محالة فلا يتضرر بالإنفاق من مال نفسه. أما المضارب فيستحق الربح، والربح قد يحصل وقد لا يحصل، فلو أوجبنا النفقة يتضرر بالإنفاق من مال نفسه، وبخلاف المضاربة الفاسدة إذا سافر؛ لأنه أجير فلا يستحق النفقة.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٢/ ٣٦٤)، والكافي لابن عبد البر (٢/ ٧٧٢).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٣١٧)، والبيان للعمراني (٧/ ٢١٢).
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق (٦/ ٣٠١٦)، والكافي لابن قدامة (٢/ ١٥٦).
[ ٧ / ١٠٤ ]
قَالَ: (فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا قَدِمَ مِصْرَهُ: رَدَّهُ فِي المُضَارَبَةِ) لِانْتِهَاءِ الاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ دُونَ السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَغْدُو ثُمَّ يَرُوحُ فَيَبِيتُ بِأَهْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السُّوقِيِّ فِي المِصْرِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَبِيتُ بِأَهْلِهِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ، لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِلْمُضَارَبَةِ، وَالنَّفَقَةُ هِيَ مَا يُصْرَفُ إِلَى الحَاجَةِ الرَّاتِبَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ ذَلِكَ غَسْلُ ثِيَابِهِ، وَأُجْرَةُ أَجِيرٍ يَخْدُمُهُ، وَعَلَفُ دَابَّةٍ يَرْكَبُهَا، وَالدُّهْنُ فِي مَوْضِعِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَادَةٌ كَالحِجَازِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى يَضْمَنَ الفَضْلَ إِنْ جَاوَزَهُ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ بَيْنَ التَّجَّارِ. (وَأَمَّا الدَّوَاءُ: فَفِي مَالِهِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَلُهُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي النَّفَقَةِ، لِأَنَّهُ لِإِصْلَاحِ بَدَنِهِ، وَلَا
قوله: (لانتهاء الاستحقاق)، فعليه رد ما بقي؛ كالحاج عن الغير إذا بقي معه شيء من النفقة بعد رجوعه، وكالمولى إذا نقل الأمة المُبرَّأة للخدمة وبقي معها شيء من النفقة كان للزوج أن يسترد ذلك منها، كذا في المبسوط (^١). وهو ما ذكر من الطعام والشراب والكسوة.
قوله: (ومن ذلك غسل ثيابه)، إلى آخره، وفي الفوائد الظهيرية: وما يحتاج إليه في غسل ثيابه، وأجرة الحمام، والحلاق مما لا يحتاج إليه في عموم الأوقات، والنفقة مما لا بد في كل وقت فينبغي أن لا يكون واجبًا؛ كأجرة الحجام، والفصاد.
قلنا: إنما أوجبناه في مال المضاربة لأن من صنيع التجار أنهم يحلقون رؤوسهم، ويقصون شواربهم، وينظفون ثيابهم ليزداد رغبات الناس في مبايعتهم ومعاملتهم، فإن الإنسان متى كان طويل الشعر، وسخ الثياب يعد من المفاليس فيقل معاملوه، فصار أجرة الحمام والحلاق من جملة النفقة بهذا الاعتبار، وكذا ثمن الحرض والصابون.
قوله: (وعن أبي [حنيفة]) (^٢)، وهو رواية الحسن عنه (أنه)، أي: ثمن الدواء يدخل.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/ ٦٣).
(٢) في الأصل أبي جعفر، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ١٠٥ ]
يَتَمَكَّنُ مِنْ التِّجَارَةِ إِلَّا بِهِ فَصَارَ كَالنَّفَقَةِ، وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى النَّفَقَةِ مَعْلُومَةُ الوُقُوعِ وَإِلَى الدَّوَاءِ بِعَارِضِ المَرَضِ، وَلِهَذَا كَانَتْ نَفَقَةُ المَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَدَوَاؤُهَا فِي مَالِهَا. قَالَ: (وَإِذَا رَبِحَ أَخَذَ رَبُّ المَالِ مَا أَنْفَقَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، فَإِنْ بَاعَ المَتَاعَ مُرَابَحَةٌ حَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى المَتَاعِ مِنْ الحِمْلَانِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَحْتَسِبُ مَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّ العُرْفَ جَارٍ بِإِلْحَاقِ الأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي المَالِيَّةِ بِزِيَادَةِ القِيمَةِ وَالثَّانِيَ لَا يُوجِبُهَا.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا فَقَصَّرَهَا، أَوْ حَمَلَهَا بِمِائَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ: فَهُوَ مُتَطَوّعٌ) لِأَنَّهُ اسْتِدَانَةٌ عَلَى رَبِّ المَالِ فَلَا يَنْتَظِمُهُ هَذَا المَقَالُ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِنْ صَبَغَهَا أَحْمَرَ: فَهُوَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ قَائِمِ بِهِ حَتَّى إِذَا بِيعَ، كَانَ لَهُ حِصَّةُ الصَّبْغِ وَحِصَّةُ الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ عَلَى المُضَارَبَةِ بِخِلَافِ القِصَارَةِ وَالحَمْلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنِ مَالٍ قَائِمٍ بِهِ، وَلِهَذَا إِذَا فَعَلَهُ
قوله: (ما أنفق)، أي: الذي أنفقه في السفر يدفعه رب المال أولا، ثم يقسم الربح إن بقي؛ لأن قسمة الربح شرعت بعد تقسيم رأس المال، وما أنفق يجعل كالتاوي من رأس المال، والهالك مقدم على الربح.
قوله: (فإن باع)، أي: المضارب (المتاع مرابحة) بعد ما أنفق عليه من أجر الحملان، والحملان مصدر بمعنى الحمل، ذكره في المغرب (^١). (ونحوه)، كأجرة السمسار والقصار، والصباغ، لكن لا يقول اشتريته بكذا، بل يقول: قام عليَّ بكذا، كما بينا في المرابحة.
قوله: (صبغها أحمر فهو شريك)، خص الحمرة؛ لأن السواد نقصان عند أبي حنيفة، فأما سائر الألوان كالحمرة، ذكره فخر الإسلام.
القصارة: بفتح القاف مصدر من قصر الثوب، وبكسر القاف حرفة القصار. (لأنه)، الحمل، والقصارة ليس بمال قائم، بل يزيل الدرن، ولا يزيد فيه شيئًا فلا يكون شريكا بهما؛ لأن شركة الأملاك إنما تكون بالمال.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٢٩).
[ ٧ / ١٠٦ ]
الغَاصِبُ ضَاعَ وَلَا يَضِيعُ إِذَا صَبَغَ المَعْصُوبَ، وَإِذَا صَارَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ انْتِظَامَهُ الخُلْطَةَ فَلَا يَضْمَنُهُ.