(وَإِنْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْهِ: هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الغَائِبُ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي، أَوْ غَصَبْتُهُ مِنهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُدَّعِي) وَكَذَا إِذَا قَالَ: اجَرَنِيهِ وَأَقَامَ البَيِّنَةَ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِيَدِ خُصُومَةٍ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا تَنْدَفِعُ الخُصُومَةُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُ المِلْكِ لِلْغَائِبِ لِعَدَمِ الخَصْمِ عَنْهُ وَدَفْعِ الخُصُومَةِ بِنَاءً عَلَيْهِ قُلْنَا: مُقْتَضَى البَيِّنَةِ شَيْئَانِ: ثُبُوتُ المِلْكِ
النسخ (للحي منهما) سهو، وفي رواية محمد والزعفراني: للحر، بالراء.
وذكر في [المختصر السراجي السعيد] (^١): ولو كان أحدهما مملوكًا، واختلفا بعد الفرقة في الأمتعة المشكلة فالقول للحر؛ لقوة يده عند أبي حنيفة، وعندهما سواء.
وذكر في جامع البزدوي: المتاع للحر منهما غير مقيدة بالمشكل، وصرح به في مختلف الفقيه والأقضية أن المتاع كله للحر عنده، وعندهما على التفاصيل التي عرفت فيما إذا كانا حرين وقيد بالمأذون؛ لأن المحجور لا يد له، فالمتاع كله للحر بالاتفاق.
فَصْلٌ فِيمَنْ لَا يَكُونُ خَصْمًا
لما ذكر أحكام مَنْ يكون خصمًا، ذكر في هذا الفصل أحكام من لا يكون خصمًا؛ إذ بضدها تتبين الأشياء.
قوله: (فلا خصومة بينه وبين المدعي وكذا) لا خصومة (إذا قال: أَجَرَنِيهِ) أو أعارنيه (وأقام البينة) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الأظهر.
وقال ابن شبرمة: لا يندفع به، وبه قال الشافعي في المنصوص، وعن بعض أصحابه لو قال: آجرنيه، وأقام بينة تسمع بينته.
قوله: (ودفع الخصومة بناء عليه) أي: على ثبوت الملك للغير، ولم يثبت؛
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) في الأصل: (الحصر السراجي للسعدي) وفي الثانية: (للسعيدي) وما أثبتناه من البناية (٩/ ٣٧٥).
[ ٦ / ٨١٥ ]
لِلْغَائِبِ وَلَا خَصْمَ فِيهِ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَدَفْعُ خُصُومَةِ المُدَّعِي وَهُوَ خَصْمٌ فِيهِ فَيَثْبُتُ وَهُوَ كَالوَكِيلِ بِنَقْلِ المَرْأَةِ وَإِقَامَتِهَا البَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا بِظَاهِرِ يَدِهِ، فَهُوَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا بِالحُجَّةِ، كَمَا إِذَا ادَّعَى تَحَوُّلَ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّتِهِ إِلَى ذِمَّةِ غَيْرِهِ.
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا فَالجَوَابُ كَمَا قُلْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالحِيَلِ، لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الخُصُومَةُ) (*)، لِأَنَّ المُحْتَالَ مِنْ النَّاسِ قَدْ يَدْفَعُ مَالَهُ
لأن المدعى عليه ليس بخصم في إثبات الملك للغائب؛ إذ لا ولاية لأحد على غيره في إدخال شيء في ملكه بلا رضاه، وخروجه من الخصومة يثبت في ضمن إثبات الملك للغائب، ولم يثبت فلا يثبت ما في ضمنه.
قوله: (وهو خصم فيه) لأن مقصود ذي اليد إثبات أن يده يد حفظ لا يد خصومة، ولا إثبات الملك للغائب، وفيما هو المقصود المدعي خصم له فيه، فتقبل بينته، وتثبت يد الحفظ.
قوله: (كما قال ابن أبي ليلى) فإن عنده يخرج من الخصومة بمجرد الدعوى بغير بينة؛ لأنه لا تهمة فيما يقر به على نفسه، فيثبت ما أقر به بمجرد إقراره، وتبين أن يده يد حفظ لا يد خصومة.
وقوله: (لأنه صار خصمًا) دليلنا، يعني توجهت الخصومة عليه (بظاهر يده) ولهذا كان للقاضي إحضاره وتكليفه بالجواب، فهو بهذا الدعوى يريد إبطال الخصومة المتوجهة عليه، فلا يصدق إلا بحجة، كما لا يصدق المدعي في دعوى الملك إلا بحجة، وكما في تحويل الدين من ذمته إلى ذمة غيره.
قوله: (وإن كان معروفًا بالحيل لا تندفع عنه الخصومة) ورجع إليه حين ابتلي بالقضاء وعرف أحوال الناس، فقال المحتال من الناس: يأخذ مال إنسان غصبا ثم يدفعه سرًّا إلى من يريد السفر حتى يودعه بشهادة الشهود، حتى إذا جاء
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
[ ٦ / ٨١٦ ]
إِلَى مُسَافِرٍ يُودِعُهُ إِيَّاهُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ فَيَحْتَالُ لِإِبْطَالِ حَقٌّ غَيْرِهِ، فَإِذَا اتَّهَمَهُ القَاضِي بِهِ لَا يَقْبَلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ الشُّهُودُ: أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ، لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الخُصُومَةُ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ المُودِعُ هُوَ هَذَا المُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ مَا أَحَالَهُ إِلَى مُعَيَّنِ يُمْكِنُ لِلْمُدَّعِي اتَّبَاعُهُ، فَلَوْ انْدَفَعَتْ لَتَضَرَّرَ بِهِ المُدَّعِي، وَلَوْ قَالُوا: نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَلَا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ،
المالك وأراد أن يثبت ملكه يقيم ذو اليد على أن فلانا أودعه، فيبطل حقه وتدفع عنه الخصومة. كذا في المبسوط (^١).
هذا إذا كان العين قائمًا في يد المدعى عليه، فإن كان هالكا لا تندفع الخصومة بهذه الدعاوى وإن أقام بينة؛ لأن العين إذا كان قائما في يده تقع الدعوى في العين، وذو اليد إنما ينتصب خصمًا فيها بظاهر يده، ويحتمل أنه ليس يد ملك، فإذا أثبته اندفع عنه الخصومة، أما إذا كان العين هالكا فالدعوى تقع في الدين، ومحل الدين الذمة، فالمدعى عليه ينتصب خصما بذمته، وبالبينة أنه كان في يده وديعة لا يتبين أن ما في ذمته لغيره، فلا تحول الخصومة عنه؛ ألا ترى أن القاضي يقضي بالقيمة على مودع الغاصب وإن كان يده في العين يد غيره.
فإن قيل: ينبغي ألا يقضى بقيمة الهالك هناك؛ إذ القضاء بقيمة العبد له إنما تصح إذا ثبت ملكه، ولم يثبت، ولا يجوز أن تكون قيمته لغير مالكه وقد تعذر القضاء للمدعي بالملك، فكيف يحكم بالقيمة له؟
قلنا: ليس من ضرورة القضاء بقيمة العبد له أن يكون العبد ملكًا له؛ إذْ يجوز أن يكون العبد لإنسان، ويد له لغيره، حتى قال أصحابنا في رجل قال لغيره: بعت منك هذا العبد الذي في يدك بألف ولي عليك ألف، فقال ذلك الرجل: ما بعته مني ولا اشتريته منك، وأنا بريء مما تقول، فأقام المدعي بينة على ذلك، وجب على المنكر ثمن العبد، ولم يكن العبد ملكًا له.
قوله: (لا نعرفه) [أي] (^٢): أصلا لا بالرؤية ولا بالاسم والنسب، فلا تقبل
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٦٩).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨١٧ ]
فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْوَجْهِ الثَّانِي، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَنْدَفِعُ (*)، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ العَيْنَ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ حَيْثُ عَرَفَهُ الشُّهُودُ بِوَجْهِهِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُهُ يَدَ خُصُومَةٍ وَهُوَ المَقْصُودُ،
شهادتهم، ولا تندفع الخصومة بالإجماع.
قوله: (للوجه الثاني) وهو (أنه ما أحاله إلى معين) إلى آخره.
وفي المبسوط (^١) وجامع فخر الإسلام: اعْتَبَرَ في هذه المسائل جهة الحوالة إلى معروف؛ كيلا يتعطل حق المدعي، وهما اعتبرا جهة الدفع، فإذا لم يمكن اتباعه ليخاصمه صار هذا بمنزلة قوله: لا أعرفه أصلا؛ وهذا لأن المعرفة بالوجه لا تكون معرفة؛ لما روي أنه ﵊ قال لرجل: «أتعرفُ فُلَانًا»؟ قال: نعم، فقال: «تَعْرف اسمه ونَسَبه»؟ فقال: لا، فقال: «إذن لا تعرفه» (^٢)، ومن حلف لا يعرف فلانًا، وهو يعرف وجهه لا اسمه ونسبه لا يحنث، وهما يقولان: مقصود ذي اليد إثبات أن يده يد حفظ، وإنما تندفع الخصومة عنه إذا أثبت أنها لسبب بيد ملك، وقد حصل ذلك؛ لأنه أثبت بينة أنه ليس بخصم لهذا المدعي، فإنا نعلم أن مودعه ليس هذا المدعي؛ إذ الشهود يعرفون المودع بوجهه، بخلاف ما لو قال: لا أعرفه أصلا؛ لما مر.
ثم إن تضرر المدعي بأن لا يقدر على اتباع خصمه، فذلك الضرر يلحقه من قبل نفسه حيث نسي خصمه، أو من قبل شهوده بأن جهلوا خصمه، لا من جهة ذي اليد، ونحن نسلم أن المعرفة بالوجه لا تكون معرفة تامة، ولكن ليس على ذي اليد تعريف خصم المدعي، وإنما عليه أن يثبت أنه ليس بخصم، بخلاف الفصل الأول، وهو ما إذا قال الشهود: لا نعرفه أصلا.
(فلم تكن يده يد خصومة) أي: في هذا الفصل، وهو إذا ما قال الشهود: نعرفه بوجهه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٣٨).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٢١ رقم ١٣٢٣٧) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. قال الهيثمي: فيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير وهو متروك. مجمع الزوائد (٨/ ١٨٦).
[ ٦ / ٨١٨ ]
وَالمُدَّعِي هُوَ الَّذِي أَضَرَّ بِنَفْسِهِ حَيْثُ نَسِيَ خَصْمَهُ، أَوْ أَضَرَّهُ شُهُودُهُ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مُخَمَّسَةُ كِتَابِ الدَّعْوَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَقْوَالَ الخَمْسَةَ.
(وَإِنْ قَالَ: ابْتَعْتُهُ مِنْ الغَائِبِ، فَهُوَ خَصْمٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ مِلْكِ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ خَصْمًا (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: غَصَبْتَهُ مِنِّي، أَوْ سَرَقْتَهُ مِنِّي، لَا تَنْدَفِعُ الخُصُومَةُ وَإِنْ أَقَامَ ذُو اليَدِ البَيِّنَةَ عَلَى الوَدِيعَةِ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ خَصْمًا بِدَعْوَى الفِعْلِ عَلَيْهِ لَا بِيَدِهِ، بِخِلَافِ دَعْوَى المِلْكِ المُطْلَقِ، لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، حَتَّى لَا يَصِحُ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِ ذِي الْيَدِ وَيَصِحُ دَعْوَى الفِعْلِ.
(وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: سَرَقَ مِنِّي، وَقَالَ صَاحِبُ اليَدِ: أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ، وَأَقَامَ البَيِّنَةَ، لَمْ تَنْدَفِعُ الخُصُومَةٌ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ اسْتِحْسَانُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَنْدَفِعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الفِعْلَ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: غُصِبَ مِنِّي عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ ذِكْرَ الفِعْلِ يَسْتَدْعِي الفَاعِلَ لَا مَحَالَةَ، وَالظَّاهِرُ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي يَدِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ دَرْءًا لِلْحَدِّ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ وَإِقَامَةٌ لِحِسْبَةِ السِّرِّ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: سَرَقْتِ، بِخِلَافِ الغَصْبِ، لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْ كَشْفِهِ (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: ابْتَعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ، وَقَالَ صَاحِبُ اليَدِ: أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ ذَلِكَ، أُسْقِطَتْ الخُصُومَةُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا عَلَى أَنَّ أَصْلَ المِلْكِ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ وُصُولُهَا إِلَى يَدِ ذِي اليَدِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُهُ يَدَ خُصُومَةٍ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا
قوله: (والمدعي هو الذي أضر بنفسه جواب عن قول محمد، وهو قوله: لو اندفعت لتضرر به المدعي أو أضره شهوده) أي: شهود المدعى عليه، وهو ذو اليد.
(وإن قال: ابتعته) أي: وإن قال ذو اليد: اشتريته (من الغائب).
قوله: (لم يدع الفعل عليه) أي: على ذي اليد؛ بل هذا دعوى الفعل على مجهول، وهي باطلة، فالتحقت بالعدم، فبقي دعوى الملك المطلق، كما في قوله: (غُصِبَ مني).
(إلا إنه) أي: المدعي (لم يعينه) أي: لم يعين ذلك اليد (درءا للحد) فصار كما لو عينه، ولو عينه لم يندفع. كذا هذا.
[ ٦ / ٨١٩ ]
وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ كَوْنَهُ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.