قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إِلَّا حَمْلَهَا: صَحَّتْ الهِبَةُ، وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ)؛ لِأَنَّ
الهبة قد تقع لازمة كهبة القريب وبالعوض، وقد يترتب الملك عليها بلا فصل؛ كما لو كانت الهبة في يد الموهوب له، فلم يكن عدم اللزوم وعدم الترتب من لوازمه ضرورة، على أن المستحيل الجمع بين المتناقضين في حالة واحدة، فأما إذا جعلناها هبة ابتداء وبيعا انتهاء فلا، بخلاف بيع العبد من نفسه فإنه يجعل إعتاقا؛ لأن العبد لا يملك غيره مالا فكيف يملك نفسه مالا.
فَصْلٌ
لما ذكر مسائل الهبة ألحقها بمسائل فيها بغير الهبة من استثناء وتعليق وغيرها. قوله: (إلا حملها صحت الهبة) في الأم والولد. (وبطل الاستثناء)، اعلم أن استثناء ما في البطن على ثلاثة أقسام، قسم يجوز التصرف ويبطل الاستثناء؛ كالهبة، والنكاح، والخلع، والصلح عن عدم العمد؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في المحل الذي يعمل فيه العقد، فإذا لم يصح عقد الهبة على ما في البطن لكونه وصفًا - على ما مر في البيوع - لم يكن محلا للاستثناء، وكان هذا شرطا فاسدًا.
والهبة ونحوها لا تبطل بالشروط الفاسدة، فيبطل الشرط ويصح العقد؛ لأن الملك في الهبة تعلق بفعل حسي وهو القبض، والفعل الحسي لا يبطل بالشروط الفاسدة، وإنما الشرط الفاسد يؤثر في العقود الشرعية؛ لأن الحسيات إذا وجدت لا مردّ لها فلا يمكن أن يجعل عدمًا. يؤيده ما روي أنه عليه الصلاة السلام أجاز العُمْرَى، وأبطل شرط
[ ٧ / ٢٠٩ ]
الاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا فِي مَحَلٌ يَعْمَلُ فِيهِ العَقْدُ، وَالهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الحَمْلِ، لِكَوْنِهِ وَصْفًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي البُيُوعِ، فَانْقَلَبَ شَرْحًا فَاسِدًا، وَالهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ
المعمر (^١).
وفي قسم: لا يجوز أصل التصرف به؛ كالبيع والإجارة، والرهن؛ لأن هذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة على ما عرف فكذا باستثناء الحمل يجوز التصرف والاستثناء جميعًا كالوصية؛ لأن إفراد الحمل بالوصية جائز فكذا استثناؤه.
فإن قيل: ينبغي أن لا يفسد الرهن بالشرط كالهبة لتوقف عقد الرهن على القبض وهو فعل حسي.
قلنا: القبض في باب الرهن حكم للرهن؛ لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وحكم العقد يضاف إلى العقد، والشرط الفاسد يؤثر في العقد، أما في الهبة الحكم هو الملك والملك يثبت بالقبض فكان للقبض حكم رهن الغلة، والفساد لا يؤثر في الركن فلغى الشرط، كذا في الإيضاح.
وكأنه أراد بالركن غير العقد كما في أركان العبادات، كذا قيل وفيه نوع تأمل.
قوله: (على ما بيناه في البيوع) أي: في الفصل المتصل بأول كتاب البيوع.
(فانقلبت)، أي: الاستثناء شرطًا فاسدًا لما أن الجارية يتناول الحمل تبعًا لكونه جزءًا منها، فلما استثناه كان الاستثناء مخالفًا لمقتضى العقد وهو معنى الشرط الفاسد فيفسد.
فإن قيل: اللبن والصوف على ظهر الغنم كالجزء له؛ كالحمل، وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، مع أمره بحلب اللبن، وجز الصوف،
_________________
(١) لعله يريد ما أخرجه مسلم (٣/ ١٢٤٥) رقم (١٦٢٥) عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّما رجل أُعمِرَ رَجُلًا عُمرَى لَهُ ولِعَقِبِهِ، فقال: قد أعطَيْتُكَها وعَقِبَكَ ما بقي مِنْكُمْ أحدٌ، فإنها لِمَنْ أُعْطِيَها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث».
[ ٧ / ٢١٠ ]
الفَاسِدَةِ، وَهَذَا هُوَ الحُكْمُ فِي النِّكَاحِ وَالخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِهَا.
(وَلَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا: جَازَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الجَنِينُ عَلَى مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ الاسْتِثْنَاءَ، (وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا: لَمْ يَجُزْ)؛ لِأَنَّ الحَمْلَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ شَبِيهَ الاسْتِثْنَاءِ، … … ..
وقبض ذلك يجوز استحسانًا، وفي الحمل لا يجوز ما وجه الفرق؟
أما إذا لم يأمره بالجز والحَلْب لا يجوز عندنا، وعند الشافعي، وأحمد لا يجوز في الوجهين أيضًا كما في الحمل.
قلنا: من أصحابنا من قال: إن أمره في الحمل بقبضه بعد الولادة فقبض ينبغي أن يجوز استحسانا كما في الصوف واللبن، والأصح أنه لا يجوز في الحمل أصلا؛ لأن ما في البطن ليس بمال أصلا ولا يعلم وجوده حقيقة، ولأن إخراج الولد ليس في وسعه فلا يمكن أن يجعل نائبًا في ذلك عن الواهب بخلاف الجزاز والحلب، كذا في المبسوط (^١).
وعند أحمد وأبي ثور صح استثناء الحمل فتصح الهبة في الأم دون الولد؛ لأنه تبرع بالأم دون الولد فأشبه العتق وبه يقول في العتق والولد المنفصل.
وقلنا: الحمل كالجزء منها فكيف تصح الهبة فيه بدون الأم، والعتق ممنوع والمنفصل محل للهبة؟
قوله: (لم يجز)، أي: الهبة والفرق أن التدبير لا يزيل ملك المدبر، والموهوب متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فصار كهبة المشاع فيما يقسم، أو كهبة شيء هو مشغول بملك الواهب فلم يجز، فأما الإعتاق يزيل ملكه، فإذا وهب الأم بعد إعتاق الجنين فالموهوب غير متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فصار كما لو وهب أرضًا وفيها ابن الواهب واقف، وسلمها إلى الموهوب له فإن الهبة تتم كذا هذا، كذا في المبسوطين (^٢).
قوله: (فلم يكن شبيه الاستثناء)، أي: فصل التدبير، هذا لنفي شبهة ترد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٣).
[ ٧ / ٢١١ ]
وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الهِبَةِ فِيهِ لِمَكَانِ التَّدْبِيرِ، فَبَقِيَ هِبَةُ المُشَاعِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهَا، أَوْ أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ،
عليه بأن يقال: لما لم يدخل الجنين بالتدبير في الهبة كان بمنزلة الاستثناء، وفي الاستثناء تصح الهبة وبطل الاستثناء، وقد روي في رواية: أن هبة الأم تجوز بعد تدبير ولدها، ذكره في المبسوط.
فأجاب عنه بقوله: (ولم يكن شبيه الاستثناء) الحقيقي، وهو الاستثناء اللفظي فإن فيه يبطل الاستثناء ويدخل الجنين في الهبة، أما ههنا بقي الجنين على ملك الواهب، وذلك مانع هبة الأم لما ذكرنا أنه هبة مشاع يحتمل القسمة، أو هبة مشغول بملك الواهب، وشبه الإعتاق بالاستثناء من حيث إن الهبة تصح في الأم لعدم المانع.
فإن قيل: في فصل التدبير ينبغي أن تصح الهبة في الأم لأنه مشاع لا يحتمل القسمة؛ لأن المعنى عدم احتمال القسمة، هو أنه لو قسمه حقيقة يهلك.
قلنا: عرضية الانفصال في الحمل في ثاني الحال ثابتة فأنزل منفصلا في الحال، مع أن الجنين لم يخرج عن ملك الواهب فكان في حكم مشاع يحتمل القسمة؛ كما في هبة الجوالق وفيه طعام الواهب حيث لا تصح الهبة؛ لأن المشغول بملك الواهب كمشاع يحتمل القسمة، كذا قيل وفيه نوع تأمل.
ثم جعل في الإيضاح مسألة هبة الجارية بعد التدبير شبيه الاستثناء، وهبتها بعد الإعتاق غير شبيه الاستثناء على عكس ما ذكر في الكتاب.
قيل: في جوابه مراد صاحب الإيضاح بالاستثناء الاستثناء الحقيقي، ولكن لم تصح الهبة بذلك الاستثناء لمكان الشيوع، وهذا متحقق في مسألة التدبير لبقاء الملك في المدبر، وفي مسألة الإعتاق لم يكن معنى الاستثناء الذي يورث الشيوع فصح.
ومراد المصنف بقوله: (فأشبه الاستثناء في مسألة الإعتاق) الاستثناء المذكور آنفا وهو استثناء الحمل فتصح الهبة.
[ ٧ / ٢١٢ ]
أَوْ وَهَبَ لَه دَارًا، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنهَا، أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنهَا، فَالهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ). لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرُوطَ تُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فَكَانَتْ فَاسِدَةٌ، وَالهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِهَا، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ العُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ المُعْمِرِ» بِخِلَافِ البَيْعِ «لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ وَشَرْطِ» وَلِأَنَّ الشَّرْطَ الفَاسِدَ فِي مَعْنَى الرِّبَا، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي المُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ لَكَ، أَوْ أَنْتَ مِنهَا بَرِيءٌ، أَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ النِّصْفَ فَلَكَ نِصْفُهُ، أَوْ أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ النِّصْفِ البَاقِي: فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ الإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهِ، إِسْقَاطٌ مِنْ وَجْهِ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ إِبْرَاءُ،
قوله: (فالهبة جائزة والشرط باطل)، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وعن أحمد وأبي ثور في صحة الهبة بالشرط الفاسد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
ثم قوله: (أو يعوضه شيئًا منها)، متصل بقوله (أو تصدق بدار)؛ لأنه لو وصل بقوله (أو وهب دارًا) كان هبة بشرط العوض، والهبة بشرط العوض صحيح، والشرط صحيح حتى تكون هبة وبيعًا انتهاءً وقد مر، وإنما لا يصح اشتراط العوض في الصدقة لا في الهبة، اللهم إلا إن أراد بقوله: (أو يعوضه شيئًا) هو أن يرد بعض الدار الموهوبة على الواهب بطريق العوض لكل الدار، فيصح صرف قوله: (أو يعوضه) حينئذ إلى قوله (أو وهب دارا) إلا أنه يلزم التكرار بلا فائدة.
قوله: (وهبة الدين عمن عليه إبراء)، وبه قال الشافعي (^١)، وهل يفتقر الإبراء إلى القبول عنده؟ فيه وجهان في وجه يفتقر، قيل: هذا يستقيم على قول زفر؛ فإنه قال: تتم هبة الدين بلا قبول كالإبراء، فسوى بينهما.
أما عندنا: الهبة لا تتم بدون القبول، وفيه معنى التمليك، ولهذا يرتد بالرد، والإبراء يتم من غير قبول، هكذا ذكره في المبسوط (^٢).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٥٥٢)، والبيان للعمراني (١٣/ ٤٣٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨٤).
[ ٧ / ٢١٣ ]
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ تَمْلِيكًا، وَوَصْفٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ إِسْقَاطًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَبُولِ.
وَالتَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ يَخْتَصُّ بِالإِسْقَاطَاتِ المَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا.
ولكن ذكر في المغني أن هبة الدين لا تتوقف على القبول في حق المديون، أما هبة الدين للكفيل تمليك فيتوقف على القبول وفيه: أن هبة دين الصرف والمسلم فيه وإبراؤه يتوقف على القبول، وفي سائر الديون لا يتوقف الإبراء باتفاق الروايات.
وفي الهبة روايتان، قيل في الفرق بينهما، أن إبراء بدل الصرف والمسلم فيه يوجب انفساخ العقد؛ لأنه يوجب فوات القبض المستحق بالعقد فلم ينفرد أحد العاقدين به فيتوقف على قبول الآخر، بخلاف الإبراء عن سائر الديون؛ لأنه ليس فيه معنى فسخ عقد ثابت، وإنما فيه معنى التمليك من وجه، ومعنى الإسقاط من وجه كما ذكر في الكتاب، فلا يتوقف على القبول، كذا في الذخيرة.
قوله: (وهذا لأنه)، أي: الدين مال من وجه حتى تجب فيه الزكاة، ويصح البيع بالدين، (ووصف) في الحال حتى لا يحنث لو حلف أن لا مال له.
وقوله: (ولهذا يرتد بالرد) أي: أنه تمليك.
وقوله: (ولا يتوقف على القبول) أمارة الإسقاط.
قال الحلواني: اختلف أصحابنا الأعمش، والإسكاف في توقيت الرد بمجلس الإبراء والهبة، ولكن الرواية عن السلف المجلس وغير المجلس في الرد سواء، وإنما اختلفوا لحرف ذكره محمد، وهو أن الموهوب له لو قال مكانه: لا أقبلها كان دينًا على حالها، ذكر مكانه، فقال أحدهما: هذا توقيت بالمجلس، وقال الآخر: ليس بتوقيت كما ذكره التمرتاشي.
قوله: (المحضة التي يحلف بها كالطلاق)؛ لأن التعليق بالشرط كالعفو عن القصاص والإقرار بالمال، ثم إبراء الدين وإن كان إسقاطا من وجه ولكن ليس من جنس ما يحلف بها فلا يصح تعليقه بالشرط، بخلاف ما لو قال: أنت بريء
[ ٧ / ٢١٤ ]
قَالَ: (وَالعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) لِمَا رَوَيْنَا. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ عُمُرَهُ. وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ: فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْط
من النصف على أن تؤدي إليَّ النصف الآن؛ لأن ذلك ليس بتعليق بل هو تقييد ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر على أن تؤدي إليَّ ألف درهم فقبل فإنه لا يعتق قبل الأداء، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي (^١).
ثم يحتاج ههنا إلى بيان الإسقاطات المحض التي لا يحلف بها، والتي يحلف بها، وإلى بيان ما يصح تعليقه، والذي لا يصح تعليقه، وإلى بيان ما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل، وما لا يصح، وإلى بيان ما يبطل بالشرط الفاسد، وما لا يبطل.
قال أبو الفضل ﵀: جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط، ويبطل بالشرط الفاسد ثلاثة عشر: البيع، والقسمة، والإجارة، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن الدين، والحجر على المأذون، وعزل الوكيل - في رواية شرح الطحاوي -، وتعليق إيجاب الاعتكاف بالشرط، والمزارعة، والمعاملة، والإقرار، والوقف - في رواية -.
وما لا يبطل بالشروط الفاسدة ستة وعشرون: الطلاق، والخلع بمال، وبغير مال، والقضاء، والإمارة، والرهن، والقرض، والهبة، والصدقة، والوصاية، والشركة، والمضاربة، والتحكيم عند محمد، والكفالة، والحوالة، والإقالة، والنسب، وإذن العبد في التجارة، ودعوة الولد، والصلح عن دم العمد والجراحة التي فيها القصاص حالًا أو مؤجلا، وجناية الغصب، والوديعة، والعارية إذا ضمنها رجل وشرط فيها كفالة أو حوالة، وعقد الذمة، وتعليق الرد بالعيب بالشرط، وتعليق الرد بخيار الشرط، وعزل القاضي، والنكاح لا يصح تعليقه بالشرط ولا إضافته، ولكن لا يبطل بالشروط الفاسدة ويبطل الشرط، وكذا الحجر على المأذون لا يبطل الحجر، وكذا الهبة،
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٥/ ١٠٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (١٠/ ٢١٣).
[ ٧ / ٢١٥ ]
لِمَا رَوَيْنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَائِزَةٌ) (*)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «دَارِي لَكَ» تَمْلِيكَ. وَقَوْلُهُ:
والصدقة، والكتابة بشرط متعارف وغير متعارف تصح ويبطل الشرط، هذه الجملة في بيوع العدة.
وذكر في إجازتها جملة ما تصح إضافته إلى زمان في المستقبل أربعة عشر: الإجارة وفسخها، والمعاملة، والمضاربة، والوكالة، والكفالة، والإيصاء، والقضاء، والإمارة، والطلاق، والعتاق، والوقف.
وما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل: البيع، وإجازة البيع، والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن مال، والإبراء عن الدين.
قوله: (لما روينا)، وهو قوله ﵊ أجاز العُمْرَى وبطل شرط المعمر (^١)، وقوله ﵊: «من أعمرَ عُمرَى فَهِيَ لِلْمُعمَرِ لَهُ ولورثَتِهِ من بَعدِهِ» (^٢)، وبقولنا قال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤)، وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وروي ذلك عن علي، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري (^٥).
وقال مالك (^٦)، والليث، والشافعي في القديم (^٧): العُمرى تمليك المنافع
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) لعله يريد ما أخرجه مسلم (٣/ ١٢٤٥) رقم (١٦٢٥) عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّما رجل أُعمِرَ رَجُلًا عُمرَى لَهُ ولِعَقِبِهِ، فقال: قد أعطَيْتُكَها وعَقِبَكَ ما بقي منكم أحدٌ، فإنها لِمَنْ أَعْطِيَها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث».
(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٤٦ رقم ١٦٢٥) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنهُ مَنْ أعمرَ عُمرى فهي للذي أُعمِرَها حيا وميتا، ولعقبه».
(٤) انظر: الأم للشافعي (٤/ ٦٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٥٣٩).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٦٨)، والإنصاف للمرداوي (٧/ ١٣٤).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٦٨).
(٧) انظر: القوانين الفقهية لابن جَنِّي (ص ٢٤٥)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٧/ ١١١).
(٨) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٥٤٠)، والبيان للعمراني (٨/ ١٣٩).
[ ٧ / ٢١٦ ]
رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ كَالْعُمْرَى وَلَهُمَا: أَنَّهُ ﵊ أَجَازَ العُمْرَى وَرَدَّ الرُّقْبَى وَلِأَنَّ مَعْنَى الرُّقْبَى عِنْدَهُمَا: إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهُوَ لَكَ، وَاللَّفْظُ مِنْ المُرَاقَبَةِ كَأَنَّهُ يُرَاقِبُ مَوْتَهُ، وَهَذَا تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالخَطَرِ فَبَطَلَ. وَإِذَا لَمْ تَصِحٌ تَكُونُ عَارِيَّةٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِطْلَاقَ الانْتِفَاعِ بِهِ.
لا تمليك العين، ويكون للمُعْمَرِ السكنى، فإذا مات عادت إلى المُعْمِرِ، وإن قال له: ولعقبه، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر؛ لأن هذا التصرف إلى المنافع؛ لأن تمليك الرقبة لا يتأقت.
وعن ابن الإعرابي: لم يختلف العرب في العُمرَى، والرقبى، والاحتيال، والمنحة، والعرية، والعارية والسكنى أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له، وبكل إجماع أهل المدينة على ذلك.
ولنا ما روى جابر أنه عليه الصلاة السلام قال: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تُفسدوها فإنّه من أعمَرَ عُمرَى فَهِيَ لِلَّذِي أعْمَرَها حيا وميتا لعَقِبِهِ»، رواه مسلم (^١)، وفي لفظة: قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له. متفق عليه (^٢)، ورواه ابن ماجه عن ابن عمر (^٣).
وقد روى مالك حديث العُمرى في الموطأ (^٤)، وهو صحيح، رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وما نقل من إجماع أهل المدينة غير صحيح لاختلاف كثير من الصحابة، وقول ابن الأعرابي أنها عند العرب تمليك المنافع لا تضر إذا تكفلها (^٥) الشارع إلى تمليك الرقبة كما في الصلاة والزكاة.
قوله: (ومعناه أن يجعل) (^٦) إلى آخره، هذا في بعض النسخ، وقيل: صورة
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٤٦ رقم ١٦٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٦٥ رقم ٢٦٢٥)، ومسلم (٣/ ١٢٤٦ رقم ١٦٢٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٦ رقم ٢٣٨٢) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رقبى، فمَنْ أرقب شيئًا فهو له حياته ومماتَهُ» قال: والرُّقبى: أن يقول هو للآخر: مني ومنك موتا.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٤/ ١٠٩٣ رقم ٢٧٩٦).
(٥) وفي النسخة الثاني: (نقلها).
(٦) انظر المتن ص ٢١٥.
[ ٧ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العُمرى أن يقول: أعمَرْتُكَ داري هذه، أو هي لكَ عُمْري، أو ما عشت، أو مدة حياتِكَ، أو ما حَبِيتَ، فإذا مِتَّ فهي رَدُّ عليَّ، أو نحو هذا، سُمِّيت عُمْرَى لتقييدها بالمُعْمر.
والرُّقْبَى أن يقول: أرقبتك هذه الدار وهي لك حياتك، على أنك إن متَّ قبلي عادت إليَّ، وإن من قبلك فهي لك ولِعَقِبِكَ، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا، سميت رقبى لأن كل واحد يرقب موت صاحبه.
وكذا لو قال: داري لك رقبى، أو حبيس، تفسيره أن يقول: هو حبيس عندي، فإن مت فهي لك.
ثم الرقبى باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد، وبه قال مالك؛ لما روي أنه ﵊ أجاز العُمرى وأبطل الرقبى (^١).
وقال أبو يوسف: جائزة، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لما روي أنه ﵊ قال: «العُمرى جائزة لأهْلِها، والرُّقبى جائزة لأهلها»، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (^٢).
ولأن قوله: داري لك، تمليك صحيح، وقوله: رُقبى، أو حبيس، شرط فاسد؛ لأنه شرط رد الملك عليه بعد الموت؛ لأن معناه ملكتك داري فهي هذه وهي محبوسة عندي لك، فإن متُّ فهي لك، أو أراقب موتك ليعود إلي فيكون بمنزلة العُمْرَى.
وحاصل اختلافهم راجع إلى تفسير الرُّقْبَى مع اتفاقهم أنها من المراقبة، فحمل أبو يوسف هذا اللفظ على أنه تمليك للحال، والرجوع إلى الواهب منتظر فيكون كالعُمْرَى.
_________________
(١) قال النووي: قال أحمد: هذا حديث لا نعرفه. المجموع (١٥/ ٣٩٦)، وقال العمراني: وما رووه غير معروف. البيان (٨/ ١٤١)، وقال ابن قدامة: وحديثهم لا نعرفه. المغني (٦/ ٧٠).
(٢) أخرجه أبو ادود (٣/ ٢٩٥ رقم ٣٥٥٨)، والترمذي (٣/¬٢٧) رقم (١٣٥١)، والنسائي (٦/ ٢٧٤ رقم ٣٧٣٩)، وابن حبان (٢٢/ ٥٣١ رقم ٥١٢٩)، وأحمد (٣/ ٣٠٣ رقم ١٤٢٩٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٧ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقالا: المراقبة في نفس التمليك؛ لأن معناه: لآخرنا موتا، وكان هذا تعليق التمليك بالخطر وهو موت المُمَلكِ قبله وذا باطل.
وفي الأسرار: حمل أبو يوسف حديث بطلان الرقبي على أنه ﵊ سئل عن الرقبة التي بمعنى المراقبة، يعني راقب موتي، إن متُ قبلك فهي لك، فعلى هذا الوجه لا يصح بالاتفاق، وعلى الوجه الأولى كالعُمرى فيصح بالاتفاق (^١).
وقال ابن قدامة في المغني: حديثهم أنه ﵊ أجاز العُمرى وأبطل الرقبى لا نعرفه (^٢).
قلنا: هذا لا يوجب الطعن؛ فإن الثقات مثل مالك، وأبو حنيفة تمسكوا به.
وفي المبسوط: حديثه مروي عن ابن الزبير (^٣)، عن جابر، وحديثهما مروي عن الشعبي، عن شريح، والحديثان صحيحان، فلا بد من التوفيق بينهما، فنقول:
الرقبى قد يكون بمعنى الإرقاب، وقد يكون بمعنى الرقب، فحيث قال: أجاز الرقبي كان بمعنى الإرقاب، بأن يقول: رقبة داري لك، وحيث قال: رُدَّ الرقبى، كان من الترقب، وهو أن يقول: أرقب موتك وتراقب موتي، فإن مت فهي لي، وإن مِتَّ فهي لي، فيكون هذا تعليق التمليك بالخطر وهو موت المُمَلك قبله، وذلك باطل.
ثم لما احتمل المعنيان، والملك لذي اليد فيها ثابت بيقين فلا يزيله بالشك.
والجواب عن قوله: داري لك تمليك، وذلك إنما يصح إذا لم يفسر هذه الإضافة بشيء، أما إذا فسره بقوله: رقبى، أو: حبس، تبين أنه ليس بتمليك،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١٠/ ٢١٦).
(٢) المغني (٦/ ٧٠).
(٣) هكذا في الأصول الخطية: (ابن الزبير)، وهو خطأ، والصواب (عن أبي الزبير) كما هو في مصادر التخريج، وهو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
[ ٧ / ٢١٩ ]