قَالَ: (وَمَنْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلَانَةٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ قَالَ: أَوْصَى لَهُ فُلَانٌ، أَوْ
وقلنا: (في) للظرف حقيقة، والدراهم لا تكون ظرفًا، واستعماله في غير الظرف مجاز، والمجاز قد يكون بمعنى (مع) كما ذكر، وقد يكون بمعنى (على) قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل، وليس أحدهما من الآخر، فيلزمه خمسة، فتأول كلامه ولغي آخره، وهو قوله: في خمسة، أما إذا قال: أردت مع خمسة تلزمه العشرة بلا خلاف؛ لتعين أحد المجازين بالنية، وبه قال الشافعي وأحمد، ولم يذكر في الكتاب ولا في المبسوط أنه لو أراد نفي معنى على ما حكمه عندنا، ولكن ذكر في الذخيرة: يلزمه عشرة، كما لو نوى الضرب، وبه قال الشافعي ومالك.
قوله: (لزمه تسعة عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية، وأحمد في وجه. وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه العشرة، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية، وأحمد في وجه. وقال زفر: يلزمه ثمانية، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في وجه، ومالك في رواية. في قوله: مائتين درهم إلى عشرة، وقد مرَّت المسائل والدلائل في الطلاق.
فَصْلٌ: [وَمَنْ قَالَ لِحَمْلِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ]
لما تغيرت مسائل الحمل ذكرها بفصل على حدة، إلا أنه ألحق مسائل الخيار بها اتباعًا للمبسوط، ولو أقر لحمل بمال وبين سببًا صالحًا صح الإقرار،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٨٩٩ ]
مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ، فَالإِقْرَارُ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبٍ صَالِحٍ لِثُبُوتِ المِلْكِ لَهُ ثُمَّ إِذَا جَاءَتْ حَيًّا بِهِ فِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَقْتَ الإِقْرَارِ لَزِمَهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَيِّتًا فَالمَالُ لِلْمُوصِي وَالمُوَرِّثِ حَتَّى يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ إِقْرَارُ فِي الحَقِيقَةِ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الجَنِينِ بَعْدَ الوِلَادَةِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ (وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ حَيَّيْنِ: فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: بَاعَنِي، أَوْ أَقْرَضَنِي: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ مُسْتَحِيلًا.
قَالَ: (وَإِنْ أُبْهِمَ الإِقْرَارُ، لَمْ يَصِحَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُ) (*)
وإلا لا، ولا نعلم فيه خلافًا.
ثم إذا جاء من وقت الإقرار في مدة نعلم أنه كان قائما وقت الإقرار؛ كان المقر به له وذلك بطريقين: أحدهما حقيقي، بأن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار، والثاني حكمي، بأن وضعته لأكثر من ستة أشهر؛ لكن المرأة تعتد فتثبت نسبته لأقل من سنتين، ولو لم تكن معتدة وجاءت به لأكثر من ستة أشهر لم تستحق شيئًا.
قوله: (فالمال بينهما) أي: إن كانا ذكرين أو أنثيين، وإن كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى ففي الوصية بينهما نصفين، وفي الميراث ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وإن كان الولد ميتًا فالمال للموصي وللمورث يقسم بين ورثته، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: يبطل إقراره لعدم مستحقه.
قوله: (لأنه بين مستحيلا) إذ البيع والإقراض لا يتصور حقيقة من الجنين، وهو ظاهر، وكذا حكمًا؛ لأنه لا ولاية لأحدٍ على الجنين، حتى يصير تصرفه كتصرفه، فصار كلامه لغوا، فلا يلزمه شيء.
فإن قيل: بيان السبب يكون رجوعًا عن الإقرار حينئذ، والرجوع عن الإقرار لا يصح وإن كان موصولًا.
قلنا: بل هو بيان سبب محتمل، ولا رجوع؛ إذ قد يشتبه على الجاهل فيظن أن الولاية تثبت على الجنين، كالولد المنفصل ويبين سببه على ظنه، فكان كلامه بيانًا لا رجوعًا، فيقبل. كذا في المبسوط (^١).
_________________
(١) (*) الرجح: قول أبي يوسف.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩٧).
[ ٦ / ٩٠٠ ]
لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِنْ الحُجَجِ، فَيَجِبُ إِعْمَالُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ بِالحَمْلِ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِحِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الإِقْرَارَ مُطْلَقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا: حُمِلَ إقْرَارُ العَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ وَأَحَدِ المُتَفَاوِضِينَ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ كَمَا إِذَا صَرَّحَ بِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ، أَوْ حَمْلِ شَاةٍ لِرَجُلٍ، صَحَّ إِقْرَارُهُ وَلَزِمَهُ) لِأَنَّ لَهُ وَجْهَا صَحِيحًا، وَهُوَ الوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
قوله: (وإن أبهم الإقرار) أي: لم يبين السبب (لم يصح عند أبي يوسف) وقيل: أبو حنيفة معه، وبه قال الشافعي في قول. وقال محمد: يصح، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد ومالك؛ لأن هذا إقرار صدر من أهله، فيجب إعماله فيحمل على السبب الصالح؛ تصحيحًا لكلام العاقل، وإعمالا للإقرار الذي هو من الحجج.
ولأبي يوسف وجهان:
أحدهما: أن الإقرار المطلق ينصرف إلى الإقرار بسبب التجارة، فصار كأنه فسره به، كما (حمل إقرار العبد المأذون وأحد المتفاوضين عليه) أي: على الإقرار بسبب التجارة، ولا يحمل إقرارهما على دين المهر وأرش الجناية حتى لا يؤاخذ العبد في حال رقه، ولا يؤاخذ الشريك الآخر أبدًا. كذا في المبسوط. والثاني: ما ذكره في الذخيرة، وهو أن إقراره احتمل الجواز والفساد كما قاله محمد، إلا أن حمله على الجواز متعذر؛ لأن الجواز له وجهان: الوصية والميراث، والجمع بينهما متعذر، وليس أحدهما أولى من الآخر فيحكم بالفساد؛ كمن اشترى عبدًا بألف درهم وقبضه قبل نقد الثمن، ثم باعه المشتري بعبد آخر من البائع بألف وخمسمائة وقيمتهما على السواء؛ كان البيع في المشترى فاسدًا، وإن احتمل الجواز؛ لأن للجواز جهتين بأن يصرف إليه مثل الثمن أو أكثر، والجمع بينهما متعذر، وليس أحدهما أولى من الآخر، فتعذر الحمل على الجواز، فحكم بالفساد.
قوله: (لأن له) أي: لهذا الإقرار (وجهًا صحيحًا) بأن أوصى رجل بالحمل لآخر ومات، فأقر وارثه بأن هذا الحمل لفلان، ولا وجه لتصحيح غيره، فتعين طريق التصحيح فيصح. وقال الشافعي: إن أطلق لا يصح في قول. نقله المزني
[ ٦ / ٩٠١ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الخِيَارَ لِلْفَسْحِ، وَالإِخْبَارُ لَا يَحْتَمِلُهُ (وَلَزِمَهُ المَالُ) لِوُجُودِ الصِّيغَةِ المُلْزِمَةِ، وَلَمْ تَنْعَدِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ البَاطِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.