كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي
لما [كان] (^١) أكثر المنازعات في الديون والبياعات ذكر ما هو قاطعها بعدها، وهو القضاء والقاضي يحتاج إلى خصال حميدة حتى يصلح بها للقضاء، فهذا الكتاب لبيانها.
ثم تركيب (الأدب) يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدب، بسكون الدال، وهو أن تجمع الناس إلى طعامك وتدعوهم إليه، والمأدبة: اسم للطعام، والأدب: هو الداعي إليه، وسمى الأدب أدبا؛ لأنه يؤدب الناس إلى المحامد، أي: يدعوهم إليها (^٢).
وعن أبي يزيد: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، والمراد من أدب القاضي هنا: هو الخصال المدعو إليها.
والقضاء الحكم، وأصله: (قضاي) لأنه من (قضيت) إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، كَرِداء، أصله: (رداي).
والقضاء يجيء لمعان؛ قال ابن قتيبة: يجيء لمعان مختلفة كلها تعود إلى معنى واحد، أصله: الختم والفراغ عن الأمر، وبه تجري ألفاظ القرآن.
وفي الشرع: المراد به الإلزام، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وسمى حكمًا؛ لما فيه من منع الظالم عن المظلوم، ومنه الحكمة، والحكمة، ويقال: أحكمت السفيه: إذا أخذت على يده ومنعته.
ثم القضاء بالحق من أشرف العبادات، وأقوى الفرائض بعد الإيمان.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٣/¬٩)، ورد المحتار على الدر المختار (٥/ ٣٥٢).
[ ٦ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الزاد: القضاء فريضة محكمة، وشريعة متبعة، وعبادة شريفة؛ لأجل ذلك أثبت الله تعالى لآدم الخلافة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُ﴾ [البقرة: ٣٠]، ولداود بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾ [المائدة: ٤٩] الآيات.
ثم القضاء مشروع بالكتاب كما ذكرنا، وبالسنة لما روي أنه ﵇ قال: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» (^١)، وقال ﵇: «السَّابِقُونَ إِلى ظِلِّ الله تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ: الذينَ إِذَا أَعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوه، وإِذَا سُلُوا بَذَلُوا، وإِذَا حَكَمُوا للمُسْلِمِيْن حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ» (^٢)، وقال ﵇: «إِذَا جَلَسَ الحَاكِمُ للحُكُمْ بَعَث الله تَعَالى مَلَكَيْن يُسدِدَانِهِ ويُوفقَانِه، فإِنْ عَدَلَ أقاما، وإن جَارَ عَرجًا وتَرَكَاه» (^٣)، وروي أنه ﵇ بعث عليًا قاضيًا إلى اليمن، فقال: يا رسول الله، بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء، قال علي: فضرب رسول الله ﷺ في صدري، وقال: «اللَّهُم اهدِهِ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ»، فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين (^٤)، وأنه ﵇ بعث معاذًا إلى اليمن قال: كَيْفَ تَقْضِي؟ قال: أقضي بكتاب الله الحديث (^٥).
وبالإجماع (^٦)، وهو ظاهر.
وبالمعقول، وهو أن في القضاء الأمر بالمعروف، ودفع الظلم عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٠٨ رقم ٧٣٥٢)، ومسلم (٣/ ١٣٤٢ رقم ١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٦٧) رقم (٢٤٤٢٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ١٨٦) من حديث عائشة ﵂. قال أبو نعيم: هذا حديث غريب تفرد به ابن لهيعة عن خالد.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٨٨ رقم ٢٠٦٦١) من حديث ابن عباس ﵄. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥٢٩)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤٤٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠١) رقم (٣٥٨٢، والنسائي في الكبرى (٧/ ٤٢١) رقم ٨٣٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٤ رقم ٢٣١٠)، والحاكم (٣/ ١٣٥ رقم ٤٦٥٨). قال النسائي: أبو البختري لم يسمع من علي شيئًا، وصححه الحاكم.
(٥) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠٣ رقم ٣٥٩٢)، والترمذي (٣/¬٩) رقم (١٣٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٣٠ رقم ٢٢٠٦٠) قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل.
(٦) انظر: الإقناع في مسائل الإجماع لابن قطان (٢/ ٢٩٧٠).
[ ٦ / ٣٦٤ ]
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ القَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي المُوَلَّى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ، وَيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ حُكْمَ القَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ، وَمَا يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ القَضَاءِ.
وَالفَاسِقُ أَهْلُ لِلْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ قُلِّدَ يَصِحُّ،
المظلوم، ودفع التهارج، وقطع المنازعات وفصل الخصومات، والكل حسن عقلا، وهو فرض كفاية بالإجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه ووجب عليه بالإجماع.
قوله: (حتى يجتمع في المولى) على اسم المفعول من التولية، ولم يقل المتولي؛ ليكون فيه دلالة على تولية غيره إياه بدون طلبه، وهو الأولى للقاضي، على ما يجيء.
(يُسْتَقَى) أي: يستفاد ويؤخذ، استعار الاستقاء للاستفادة؛ لأن في الاستقاء فائدة للمستقي، ولا يلزم من هذا بناء القوي على الضعيف؛ لما أن القضاء أقوى من الشهادة؛ لأن هذا بيان حكم المرجع، أي: مرجعهما واحد، وهو الولاية؛ إذ الولاية تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، والشهادة والقضاء كذلك، فكان مرجعهما إلى أصل واحد (^١).
[قوله] (^٢) (وما يشترط لأهلية الشهادة) من الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة يشترط لأهلية القضاء لما أن حكم القضاء مبني على حكم الشهادة؛ لأن أصل الولاية يثبت بأهل الشهادة، وكمال الولاية بالقضاء، وكمال الشيء لا يكون بدون أصله، ولأن الشهادة توجد بدون وصف القضاء، ولا يوجد القضاء بدون وصف الشهادة، فمن هذا الوجه ولاية القضاء كالفرع لولاية الشهادة (^٣).
قوله: (حتى لو قلد) أي: الفاسق (يصح) أي: تقليده ابتداء (^٤)، وقال
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٥٢، ٢٥٣)، البناية شرح الهداية (٤/¬٩، ٥).
(٢) بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٥٢)، والبناية شرح الهداية (٦/¬٩).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٩/ ٨٠)، وبدائع الصنائع (٣/¬٧).
[ ٦ / ٣٦٥ ]
إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ كَمَا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ القَاضِي شَهَادَتَهُ، وَلَوْ قَبِلَ جَازَ عِنْدَنَا.
وَلَوْ كَانَ القَاضِي عَدْلًا فَفَسَقَ بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْعَزِلُ … … .
الشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣): لا يصح تقليده، وبه قال بعض مشايخنا، وقال أصبغ المالكي (^٤): يصح، ولكن يجب عزله.
وفي وسيط الغزالي (^٥) اجتماع هذه الشرائط من الاجتهاد والعدالة وغيرهما متعذر في عصرنا؛ لخلو العصر عن المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلا فاسقا.
قوله: (إلا أنه) أي: الفاسق (ينبغي ألا يقلد)؛ لأنه لا يؤمن عليه؛ لقلة مبالاته بواسطة فسقه (كما في حكم الشهادة) فإن الأولى للقاضي ألا يقضي بشهادته، ولو قضى نفذ عندنا (^٦).
قوله: (بأخذ الرشوة)، في الصحاح (^٧): الرشوة: معروفة، وضم الراء لغة فيه، وهي مأخوذة من الرشاء، بالمد، فإن نازح الماء من البئر لا يتوصل إليه إلا به، فكذا الإنسان إلى مقصود الحرام لا يتوصل إلا بها.
والرشوة على أربعة أوجه:
منها ما هو حرام للآخذ والمعطي، وهو الرشوة في تقليد القضاء، فإنه لا يصير قاضيًا بالرشوة بالإجماع (^٨)، سواء كان قضاؤه بحق أو بغير حق.
ومنها ما يأخذه القاضي على القضاء، وهو حرام من الجانبين أيضًا، ولا ينفذ، قضاه بحق أو بغير حق.
ومنها ما دفعها لخوف على نفسه أو ماله، فهذه حرام على الآخذ لا الدافع.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين (١١/ ٩٦).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/¬١٦)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ٨٧).
(٣) انظر: المغني (١٠/¬٣٧)، والشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٨٧).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/¬١٦)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ٨٧).
(٥) انظر: الوسيط في المذهب للغزالي (٧/ ٢٩١).
(٦) انظر: بدائع الصنائع (٣/¬٧)، والعناية شرح الهداية (٧/ ٢٥٤).
(٧) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٣٥٧).
(٨) انظر: الإقناع لابن المنذر (٢/ ٥١٤)، مراتب الإجماع (١/¬٥٠).
[ ٦ / ٣٦٦ ]
وَيَسْتَحِقُّ العَزْلَ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ (•) وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الفَاسِقُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَهُ، وَعَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏ فِي النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ ﵏: إِذَا قُلْدَ الفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحٌ، وَلَوْ قُلْدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالفِسْقِ، لِأَنَّ المُقَلِّدَ اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا.
ومنها لو دفعها ليستوي أمره عند السلطان، حل الدفع ولا يحل الأخذ، فلو أراد الآخذ أن يحل يستأجر الدافع الآخذ يومًا إلى الليل بما يريد أن يدفع إليه، فإنه يجوز هذه الإجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في غيره. كذا في فتاوى قاضي خان (^١) وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٢).
قوله: (ويستحق العزل) عن العلامة الكردري: يعني يحسن عزله، وقال الشافعي (^٣) ومالك (^٤) وأحمد (^٥): ينعزل ولا يصح قضاؤه بعد ذلك، كما لا تقبل شهادته، وفي النوادر عن علمائنا الثلاثة: لا يصح قضاؤه، كمذهب الشافعي، وينعزل بالفسق إذا كان عدلا وقت التقليد.
(وعن بعض مشايخنا: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح) إلى قوله: (وينعزل بالفسق).
فإن قيل: البقاء أسهل من الابتداء، وكم من شيء لا يثبت ابتداء ويثبت بقاء، كالنكاح لا يثبت بدون الشهود ويبقى بموت الشهود، أما ما يثبت ابتداءً فيثبت بقاءً، وهاهنا يثبت ابتداءً ولا يثبت بقاء.
قلنا: هذا من باب تعليق القضاء والإمارة بالشرط؛ لما ذكر في الكتاب.
(أنه اعتمد عدالته) إلى آخره، فحينئذ يكون تقليده معلقًا بالعدالة ومقيدًا بها، فصار كما لو قال: إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها، أو
_________________
(١) (•) الراجح: هو ظاهر المذهب.
(٢) انظر: فتاو قاضي خان (٢/ ٢٤٣).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ١٤٨ - ١٥٠).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٣٣٥)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٨٦).
(٥) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٣)، الذخيرة (١٠/¬١٦).
(٦) انظر: المغني (١٠/ ٩١)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٢٩٧).
[ ٦ / ٣٦٧ ]
وَهَلْ يَصْلُحُ الفَاسِقُ مُفْتِيًّا؟
قال: إذا أتَيْتُ مكة فأنت أمير الموسم، وكذا يجوز إضافتهما إلى وقت كما لو قال: جعلتك قاضيًا أو واليًا رأس الشهر.
والأصل في ذلك أنه ﵇ بعث جيشًا، وأمر عليه زيد بن حارثة ثم قال:
«إِنْ قُتِلَ زَيْدُ فَجَعْفَرٌ أَمِيرُكُمْ، وإِنْ قُتِلَ جَعْفَرُ فَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ أَمِيرُكُمْ» (^١) وكذا يجوز تعليق عزل القضاء بالشرط. ذكره في شرح أدب القاضي (^٢).
في الذخيرة (^٣): الإمام إذا كان عدلا، وكذا الأمير، ثم فسقا - لم يخرجا عن الإمامة، والإمارة، والقاضي يخرج بالفسق.
والفرق على قول هؤلاء المشايخ: أن مبنى الإمارة والإمامة على الغلبة والقهر، ولهذا تقلد بعض الصحابة الأعمال ممن غلب وجار، وأما مبنى القضاء على العدالة والأمانة، فإذا بطلت العدالة والأمانة يبطل القضاء ضرورة، وقد يثبت الشيء ابتداء أو لا يثبت بقاء، فإن العبد المأذون إذا أبق صار محجورًا، ولو أُذن حال إباقه يصح على رواية هذا الكتاب على ما يجيء، وقال قاضي خان: إذن الآبق في التجارة (^٤) إنما يصح إذا أُذن له بالتجارة ممن في يده.
قوله: (يصلح) أي: الفاسق (مفتيًا)؟ قيل: لا يصح؛ لأن مبناه على الأمانة والاحتراز عن الخيانة، وبه قال الشافعي (^٥) [ومالك] (^٦) وأحمد (^٧).
قوله: «مَنْ قلّد إنسانًا» الحديث (^٨)، قيل: هذا حديث خارج عن المدونات. أجيب: هذا طعن بلا دليل، وقد ثبت بنقل العدل (^٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ١٤٣) رقم (٤٢٦١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ١٤٩).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٥/¬٨).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٦٠)، وروضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٩٩).
(٦) الذخيرة (١٠/¬١٩).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٣)، والإنصاف للمرداوي (١١/ ١٨٧).
(٨) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٤٧) من حديث ابن عباس ﵄. وضعفه العقيلي، وضعفه أيضًا ابن حجر في الدارية (٢/ ١٦٥).
(٩) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٥٨).
[ ٦ / ٣٦٨ ]
قِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ، وَقِيلَ: يَصْلُحُ (•)، لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ كُلَّ الجَهْدِ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ حَذَارِ النِّسْبَةِ إِلَى الخَطَرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالصَّحِيحُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ شَرْطُ الأَوْلَوِيَّةِ.
فَأَمَّا تَقْلِيدُ الجَاهِلِ فَصَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ يَقُولُ: …
قوله: (وأما الثاني) أي: اشتراط الاجتهاد بقوله: (ويكون من أهلية الاجتهاد).
والاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، والمراد به العالم بالأحكام.
وفي المجتبي: نص محمد في الجامع: شرط القضاء أن يكون القاضي مجتهدًا، وذكر الخصاف: يجوز أن يكون غير مجتهد، فتقليد الجاهل صحيح عندنا خلافًا للشافعي (^١)، ولكن ينبغي أن يقضي بقول الأفقه في المجتهدات، ويقضي بفتوى الأفقه.
قوله: (خلافًا للشافعي) (^٢) وبقوله قال مالك (^٣) وأحمد (^٤).
(هو يقول) أي: الشافعي يقول إنه مأمور بالقضاء بالحق، ولا أمر بلا قدرة، ولا قدرة بلا علم، وقد روي أنه ﵇ قَالَ: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّار، وقَاضِ في الجَنَّة، أمَّا اللَّذَانِ في النَّارِ: الجَاهِلُ، والعَالِمُ الجَائِر، وأمّا الذي في الجنة: فالعالمُ العَادِلُ» رواه أبو داود (^٥).
ولنا: أن المقصود من القضاء، وهو إيصال الحق إلى مستحقه، يحصل بفتوى غيره، والحديث محمول على الجاهل الذي يعمل بجهله ولا يرجع إلى الغير، ولأن هذا الحديث يدل على عظم جنايته، إلا أنه لا يصير قاضيًا، ولهذا سماه قاضيًا، وكذا المفتي عندهم ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد، وعندنا أيضًا.
_________________
(١) (•) الراجح قول المانعين.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٦٠)، روضة الطالبين (١١/ ٩٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٦٠).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/¬٢٠)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ٨٩).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٣)، المغني (١٠/¬٣٨).
(٦) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٩ رقم ٣٥٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩٧ رقم ٥٨٩١) والحاكم (٤/ ٩٠ رقم ٤٠١٢) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. =
[ ٦ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما لو أفتى فقيه لم يبلغ درجة الاجتهاد فيما يروى عن أصحابنا، يُفتي بالرواية الظاهرة، ولا يُخالفهم برأيه وإن كان مُجتهدا، ولو كانت مُختلفة بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه، يُفتي بقولهما وإن خالفاه، فإن كان اختلاف عصر أو أحد المتأخرين بقولهما، كالمزارعة، يُفتي بقولهما، وفيما سواه يتخيّر المفتي ويعمل بالاجتهاد، وقال ابن المُبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة.
وقال رضي الدين النيسابوري: لو كان المفتي مُجتهدا يُفتي برأيه كائنا ما كان، ولا يفتي بقول من يُقلّده لا مُحالة إلا في موضع الضّرورة، وعليه الأكثرون، وإن وجد لها رواية نادرة؛ فإن وافق قول أصحابنا، أخذ بها، وإن لم يجد واتفق بها المتأخرون، أخذ به، وإلا يُفتي بما هو الأصوب عنده، وإن كان المفتي مُقلّدا غير مُجتهد، يفتي بقول من هو أفقه عنده، وإن كان في مِصر آخر.
وفي الكافي: ينبغي أن يكون المفتي عفيفًا صالحًا عاقلًا فهمًا، عالمًا بالسّنة والآثار ووجوه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام، فمن لم يكن بهذه الصفة لا يُفتي إلا بشيء سمعه، يقول: قال أبو حنيفة كذا.
وفي بعض الجوامع: من عرف الأقاويل ولم يعرف الحجج لا يحل له أن يفتي فيما اختلف فيه، ولا يقطع بأحد الأقاويل فيفتي به، ولو لم يوجد في البلد مثله، وفيه حافظ للفقه إن كان مأمونًا ثقة عليه لا فيما يحكيه حكى الأقاويل للمستفتي، فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه أصوبهم، على ما روي عن أبي حنيفة.
وفي الجامع الصغير: لو انتقل من مذهب إلى مذهب لاجتهاد وبرهان فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير، فبلا اجتهاد وبرهان بالطريق الأولى، وبه قال الشافعي (^١).
وقال الإمام العياضي: العبرة لمن يعتقده المستفتي، فكل ما اعتقده من مذهب حل له الأخذ به ديانة ولم يحل بخلافه.
_________________
(١) = قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٦٠).
[ ٦ / ٣٧٠ ]
إِنَّ الْأَمْرَ بِالقَضَاءِ يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا قُدْرَةَ دُونَ العِلْمِ. وَلَنَا: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِفَتْوَى غَيْرِهِ، وَمَقْصُودُ القَضَاءِ يَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ إِيصَالُ الحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ الأَقْدَرُ وَالأَوْلَى لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا، وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ».
وَفِي حَدِّ الاجْتِهَادِ كَلَامٌ عُرِفَ فِي أُصُولِ الفِقْهِ. وَحَاصِلُهُ: أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ
وفي جامع شمس الأئمة: ولا بأس بمباشرة ما يعتقد جوازه وإن كان فيه اختلاف العلماء، فلا يكون ذلك تركا للاحتياط.
وذكر الرازي في أصول الفقه: فأما ما يؤخذ من كلام في كتاب معروف تداولته الأيدي يجوز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلان كذا وإن لم يسمعه من أحد، نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف في أصناف العلوم؛ لأنه بمنزلة الخبر المتواتر، ومثله يستغني عن الإسناد. كذا في المجتبي
وفي المحيط (^١): وعن الحسن بن زياد الجاهل بالعلم إذا استفتى فقيها فأفتاه بقول يأخذ به ولا يسعه أن يتعدّى إلى غيره، ولو كان في المصر فقيهان سيان في الفتوى فاختلفا يأخذ بقول أيهما يقع في قلبه أنه أصوبهما، وإن كانوا ثلاثة في مصر واتفق اثنان بقول يأخذ بقولهما، ولا يسعه أن يأخذ بقول الثالث، وإن اختلفوا ولم يتفق اثنان منهم اجتهد هو رأيه فأيهم أصوب عنده عمل به.
قوله: (صاحب حديث له معرفة بالفقه أو صاحب فقه له معرفة بالحديث) (^٢)، والفرق بين القولين أن في الأول منسوب إلى علم الحديث؛ لزيادة علمه ودرسه فيه، ولكن له فقه أيضًا، وفي الثاني منسوب إلى الفقه لزيادة درسه فيه؛ لكن له علم الحديث أيضًا، ولم يدخل الواو في قوله: له معرفة بالفقه؛ لأن ذلك خبر بعد خبر.
قوله: (وفي حد الاجتهاد كلام) أي: اختلاف كثير عرف في أصول الفقه.
وفي الكافي: وأصح ما قيل في حد المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه، وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وأن يكون
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/¬١١).
(٢) انظر المتن ص ٣٧٤.
[ ٦ / ٣٧١ ]
حَدِيثٍ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الآثَارِ، أَوْ صَاحِبَ فِقْهِ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيثِ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالقِيَاسِ فِي المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ بِهَا عَادَاتِ النَّاسِ، لِأَنَّ مِنْ الأَحْكَامِ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهَا.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي القَضَاءِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَقَلَّدُوهُ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةٌ، وَلِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ.
عالمًا بالقياس ومصيبًا فيه، وعالمًا بعرف الناس على ما بيّن في أصول الفقه (^١).
قوله: (وما يبتني عليها) أي على عادات الناس؛ لأن العرف قد يغلب على القياس، كما في الاستصناع جوّز بخلاف القياس. ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (^٢).
في الصحاح (^٣): القريحة أول ما يستنبط من البئر، ومنه قولهم: لفلان قريحة جيدة، يريد استنباط العلم بجودة الطبع.
قوله: (لأنه فرض كفاية)، فإن قيل: قوله: فرض كفاية يوجب أن الدخول فيه مستحب، كما في صلاة الجنازة وغيرها.
قلنا: نعم لكن فيه خطر عظيم وأمر مخوف لا يسلم في بحره كل سابح، فبالنظر إلى كونه فرض كفاية يستحب، وبالنظر إلى كونه متضمنا أمرًا مخوفًا يكره، فقلنا بعدم البأس.
قوله: «فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكّين»، وفي رواية: «ذُبح بسكين» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (^٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٣/¬٧).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ١٨٩).
(٣) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح اللغة (١/ ٣٩٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٨) رقم (٣٥٧١)، والترمذي (٣/¬٧ رقم ١٣٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩٨ رقم ٥٨٩٢)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٤ رقم ٢٣٠٨)، والحاكم (٤/ ٩١ رقم ٧٠١٨) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (^١): وجه التشبيه أن السكين مؤثرة في الظاهر والباطن جميعًا، والذبح بغير السكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، فإنه يؤثر في الباطن والقضاء لا يؤثر في الظاهر فإنه في ظاهره جاه، وفي باطنه هلاك.
وعن الإمام الحلواني: لا ينبغي أن يزدري اللفظ أحد كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي.
روي أن قاضيًا ازدراه، وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعا في مجلسه بمن يسوي شعره، فجعل الحلاق يحلق بعض الشعر من تحت ذقنه إذ عطس فأصابه الموسى فألقى رأسه بين يديه.
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (^٢): وكان في بني إسرائيل من فرغ نفسه للعبادة ستين سنة فإنه يرجى له النبوة، فإذا اشتغل بالقضاء أويس له من النبوة.
وروى أن عثمان لما استقضى ابن عمر امتنع منه، ولما دعي أبو قلابة للقضاء هرب حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها، فهرب حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت القاضي إلا كسابح في بحر فكم يسبح حتى يغرق.
وعن أبي هريرة يقول: والله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرار أعظم من هضبات حُسمى.
والهضبات: التلال، وحسمى: اسم موضع.
وإن قيل في تأويله: أن المراد: القاضي الجائر؛ لكن بظاهره يتناول الكل، وفائدته التحذير.
وقد تحرز أبو حنيفة (^٣) عن تقلده بعدما ضرب مرارًا وحبس لأجله، وقال: البحر عميق والسفينة وثيق والملاح عالم، فقال أبو حنيفة: كأني بك قاضيًا.
_________________
(١) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ١٤٦).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ١٤٦، ١٤٧).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ٦٨، ٦٩)، وبدائع الصنائع (٧/¬٤).
[ ٦ / ٣٧٣ ]
قَالَ: (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخَافُ العَجْزَ عَنْهُ، وَلَا يَأْمَن عَلَى نَفْسِهِ الحَيْفَ فيهِ) كَيْ لَا يَصِيرَ شَرْطًا لِمُبَاشَرَتِهِ القَبِيحَ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ فِيهِ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ جُعِلَ عَلَى القَضَاءِ فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينِ» وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إِقَامَةِ العَدْلِ، وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ، فَلَعَلَّهُ يُخْطِئُ ظَنُّهُ وَلَا يُوَفَّقُ لَهُ أَوْ لَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الإِعَانَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُوَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّقَلُّدُ صِيَانَةٌ لِحُقُوقِ العِبَادِ، وَإِخْلَاءَ لِلْعَالَمِ عَنْ الفَسَادِ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ الوِلَايَةَ وَلَا يَسْأَلَهَا) لِقَوْلِهِ ﵊:
وكذا دعي محمد إلى القضاء فأبى حتى قيد وحبس حتى اضطر فتقلد، وعن الشافعي أنه عرض عليه كتاب الرشيد فلم يجبه وامتنع عنه، وأوصى في مرضه للمزني ألا يتولى القضاء، وعن بعض أصحابه إن كان خامل الذكر يستحب له الطلب لنشر العلم، أما إذا أمكن نشر العلم بدونه لا يستحب.
وقال الفقهاء (^١): لا يستحب مطلقا، وهو قول مالك (^٢) وأحمد (^٣)، وكرهوا الدخول فيه مختارًا كما ذكرنا.
قوله: (طمعًا في إقامة العدل) في الحديث: «عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»، والامتناع عزيمة؛ لأنه مأمور بالقضاء بالحق، وربما يظن في الابتداء أنه يقضي بالحق ثم لا يقدر عليه في الانتهاء، ولأنه لا يمكنه القضاء إلا بإعانة غيره، ولعل غيره لا يعينه (^٤).
قوله: (يفترض عليه التقلد) بلا خلاف بين الفقهاء، كصلاة الجنازة إذا تعين واحد لإقامتها يفترض (^٥).
قوله: (وينبغي ألا يطلب الولاية) أي: بقلبه (ولا يسألها) أي: بلسانه، ولا
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين (١١/ ٩٣).
(٢) انظر: الذخيرة (٨/¬١٠)، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ٩٠).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢١)، والمغني (١/¬٣٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/¬١٢، ١٣)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٤٠٥).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٤/¬٧).
[ ٦ / ٣٧٤ ]
«مَنْ طَلَبَ القَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ يُسَدِّدُهُ» وَلِأَنَّ مَنْ طَلَبَهُ يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَحْرُمُ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ فَيُلْهَمُ.
(ثُمَّ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْ السُّلْطَانِ الجَائِرِ كَمَا يَجُوزُ مِنْ العَادِلِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃
خلاف فيه في غير المعين، أما إذا لم يتعيّن ألا يطلب الولاية، ولكن هو أصلح من غيره - نص بعض أصحاب الشافعي (^١) إن كان خامل الذكر ولو ولي القضاء لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، أو لم يكن له كفاية ولو ولي لصار مكفيا من بيت المال - يستحب الطلب، وبه قال أحمد (^٢)، وقال القفال (^٣): لا يستحب الطلب بحال؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة قال ﵇: «لا تَسْأَلِ الإمارَة فَإِنَّكَ إِنْ أعْطَيتَها عن مسألة وكلْتَ إِليها، وإِنْ أَعْطَيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسأَلَةٍ أَعْنْتَ عَلَيْهَا» (^٤).
قوله: («وَكِلَ») بالتخفيف، الحديث رواية أنس، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وذكر الصدر الشهيد (^٥): وإنما فوض إلى نفسه لا من سأل القضاء فقد اعتمد ذكاءه وورعه فصار معجبًا، فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق، بخلاف من أكره عليه فقد اعتصم بحبل الله وتوكل على الله تعالى، فيلهم الرشد ويوفق للصواب.
قوله: (يجوز التقلد من السلطان الجائر) ولا خلاف فيه، أما الإسلام شرط في السلطان عند الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم، وذكر في الملتقط ليس بشرط حتى قال: بلاد الإسلام التي في أيدي الكَفَرة لا شك أنها بلاد الإسلام لا بلاد الحرب؛ لأنها غير متصلة ببلاد الحرب ولم يظهروا فيها حكم الكفر؛ بل القضاة مسلمون والملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة مسلمون، وإن كان عن غير ضرورة فكذلك أيضًا وهم فسّاق، وكل مصر فيه وال من جهتهم تجوز فيه إقامة
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٦/¬١٠، ١١)، وروضة الطالبين (١١/ ٩٣).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢١)، والمغني (١٠/¬٣٤).
(٣) انظر: روضة الطالبين (١١/ ٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ١٤٧ رقم ٦٧٢٢)، ومسلم (٣/ ١٢٧٣ رقم ١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁.
(٥) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ١٥٤).
[ ٦ / ٣٧٥ ]
تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَالحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٌّ ﵁ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعِينَ تَقَلَّدُوهُ مِنْ الحَجَّاجِ وَكَانَ جَائِرًا، إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ القَضَاءِ بِحَقِّ، لِأَنَّ المَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّقَلُّدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ يُمْكِنُهُ.
الجمعة والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاة وتزويج الأيامى لاستيلاء المسلم عليه، أما طاعته للكفرة فذاك موادعة ومخادعة، وأما بلاد عليها ولاة الكفار فيجوز للمسلمين إقامة الجمعة والأعياد، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليًا مسلمًا منهم ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢].
ولكن ذكر في القنية البلاد التي غلب عليها التَّتَرة الملعونة كخوارزم وخراسان وما وراء النهر وغيرها صارت دار الحرب في الظاهر؛ لأنهم أَجْرَوْا أحكامهم فيها حتى لو استولى الزوج على امرأته بعد ردتها يملكها الزوج فتبقى في يده بحكم الرق.
قوله: (في نوبته) أي نوبة عليّ، وقيد به احترازًا عن مذهب الروافض، فإنهم يقولون: الحق مع عليّ في جميع نوب الخلفاء: في نوبة أبي بكر وعمر وعثمان، ومع أولاده بعد علي، وعند أهل السنة معاوية كان باغيًا في نوبة علي وبعده إلى زمان ترك أمير المؤمنين حسين الخلافة إليه، وانعقد الإجماع على خلافه معاوية بعده، وهذا البحث مذكور في علم أصول الدين (^١).
قوله: (وهو) أي: الحجاج (كان جائرًا) فقد قال الحسن فيه: لو جاء كل أمة بخبيثاتها وجئنا به لغلبناهم، وظلمه مشهور.
(لأن المقصود) وهو دفع الظلم (لا يحصل بالتقلد).
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (^٢): روى عن الحكم بن عمرو الغفاري أنه أتاه كتاب معاوية، وكان فيه أن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء، فصعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين وقد أمرني أن اصطفي له الصفراء والبيضاء، وقد سبق كتاب الله
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني (٨/¬٦)، والعناية شرح الهداية (٧/ ٢٦٣).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ١٣١، ١٣٢).
[ ٦ / ٣٧٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ قُلِّدَ القَضَاءَ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ دِيوَانُ القَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ) وَهُوَ الخَرَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَغَيْرُهَا، لِأَنَّهَا وُضِعَتْ فِيهَا لِتَكُونَ حُجَّةٌ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَتُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ القَضَاءِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ البَيَاضُ مِنْ بَيْتِ المَالِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ مِنْ مَالِ الخُصُومِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا فِي يَدِهِ لِعَمَلِهِ وَقَدْ انْتَقَلَ إِلَى المُوَلَّى، وَكَذَا إِذَا كَانَ مِنْ مَالِ القَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ تَدَيُّنَا لَا تَمَوُّلًا، وَيَبْعَثُ أَمِينَيْنِ لِيَقْبِضَاهَا
كتاب معاوية إليّ، وإني قاسم لكم ما أفاء الله عليكم، ألا فليقم كل واحد وليأخذ حقه، ثم قال: اللهم اقبضني إليك، فما عاش بعد ذلك إلا قليلا.
في المغرب: السجل: كتاب حكمي (^١).
(وغيرها) أي: غير السجلات من المحاضر والصكوك، وكتاب نصيب الأوصياء، وتقدير النفقات.
(ثم إن كان البياض) أي: القراطيس التي كتب فيها السجلات وغيرها (من بيت المال فظاهر) أي: يجبر المعزول على دفعه؛ لأن ذلك إنما كان في يده لعمله، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك في يده.
(هو الصحيح) احترز به عما قال بعض المشايخ: إذا كان البياض من ماله أو مال الخصم لا يجبر على الدفع؛ لأنه ملكه أو وهب له، وفي الصحيح يجبر؛ لأنه ما اتخذه للتمول؛ بل للتدين، وكذا الخصوم تركوا ذلك في يده لعمله، وقد تحول العمل إلى غيره.
وفي المحيط (^٢)، وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٣): للسلطان أن يعزل القاضي بريبة أو بغير ريبة؛ أما بريبة فلا شك، وأما بغير ريبة؛ لما روي عن أبي حنيفة أن القاضي على القضاء لا يُترك إلا حولًا؛ لأنه متى اشتغل بالقضاء أكثر من سنة ينسى العلم، فيقول له السطان: لا فساد فيك، ولكن أخشى عليك
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢١٩)، وفيه: (السجل) كتاب الحكم، وقد سجل عليه القاضي.
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/¬١٧).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ٢٥٨).
[ ٦ / ٣٧٧ ]
بِحَضْرَةِ المَعْزُولِ أَوْ أَمِينِهِ وَيَسْأَلَانِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنهَا فِي خَرِيطَةٍ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى المُوَلَّى، وَهَذَا السُّؤَالُ لِكَشْفِ الحَالِ لَا لِلْإِلْزَامِ.
أن تنسى العلم، فعد وادرس العلم ثم عد إلينا حتى نقلّدك.
وقال الشافعي (^١): يجوز العزل بخلل إذا غلب على ظن السلطان خلله، وبه قال أحمد (^٢)، وقال مالك (^٣): يعزل بشكوى أحد، أما بغير خلل - عنه: لا يجوز عزله، ولو عزله لا ينعزل، فإن كان صالح آخر أفضل منه جاز عزله، وإن كان دونه أو مثله فإن كان لتسكين الفتنة أو مصلحة أخرى جاز عزله، وبه قال الغزالي.
وأما القضاة والولاة لا ينعزلون بموت السلطان ولا بعزل السلطان بلا خلاف، ولو عزل القاضي نفسه ينعزل، فإذا عزل وقلد آخر، فيبعث القاضي الجديد اثنين من ثقاته والواحد يكفي، والاثنان أحوط فيقبضان من المعزول ديوانه، ثم إذا قبض الديوان فنسخ السجلات يجمعان في خريطة، ونسخ الأوصياء في خريطة، وكل نوع في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت تحت يد المعزول، فلا يشتبه عليه شيء من ذلك متى احتاج إليه، فأما المقلد الجديد فيشتبه عليه لو لم يجمعا كل نوع في خريطة، ويسألانه عن المحبوسين وعن أسباب حبسهم.
قوله: (وهذا السؤال) أي: سؤال أحوال الديوان والمحبوسين وسبب الحبس (لكشف الحال لا للإلزام) لأن قول المعزول ليس بحجة لإلحاقه بالعزل بواحد من الرعايا، ومتى قبضا ذلك يختمان ذلك؛ احترازا عن الزيادة والنقصان، وهذا ينبغي أن يكون في حق كل قاض، كذا في المحيط (^٤) وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٥).
قيل: والسؤال بمعنى الاستعلاء يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (عن)، وهاهنا قال: (يسألانه شيئًا فشيئًا) بدون (عن).
أجيب: أن انتصاب (شيئًا) بعامل مضمر يدل عليه قوله: يسألانه، تقديره:
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٨٥)، وروضة الطالبين (١١/ ١٢٦).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٩١)، والشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٨٤).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٢٧)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ١١٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٦٤).
(٥) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ٢٦١).
[ ٦ / ٣٧٨ ]
[وَظَائِفُ القَاضِي]
قَالَ: (وَيَنْظُرُ فِي حَالِ المَحْبُوسِينَ) لِأَنَّهُ نُصْبَ نَاظِرًا (فَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقِّ أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ مُلْزِمٌ (وَمَنْ أَنْكَرَ: لَمْ يُقْبَل قَوْلُ المَعْزُولِ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ بِالعَزْلِ التَحَقَ بِالرَّعَايَا، وَشَهَادَةُ الفَرْدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِتَخْلِيَتِهِ حَتَّى يُنَادَى عَلَيْهِ وَيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ القَاضِي المَعْزُولِ حَقٌّ ظَاهِرٌ، فَلَا يُعَجِّلُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الغَيْرِ.
يسألانه عن أحوال السجلات وكيفياتها، أي: يسألان شيئًا وهما عنها (^١).
وَظَائِفُ القَاضِي
قوله: (وينظر) أي: القاضي الحادث (في حال المحبسين) وفي أكثر النسخ: (المحبوسين).
قوله: (لم يقبل قول المعزول إلا يبينة) وبه قال الشافعي (^٢) ومالك (^٣)، وقال أحمد (^٤): يقبل قوله بعد العزل كما قبل العزل؛ لأنه أمين الشرع، وعند مالك: لا يقبل قوله قبل العزل إلا بحجة أيضًا.
قوله: (حتى ينادى عليه) وصفته: أن يأمر كل يوم إذا جلس مناديًا ينادي في محلته: من كان يطلب فلان بن فلان المحبوس الفلاني بحق فليحضر، ينادي كذلك أيامًا، فإذا حضر وادّعى عليه وهو على جحوده ابتدأ الحكم بينهم، ولا يقبل قول المعزول، وإن لم يحضر خصم أخذ منه كفيلا بنفسه، ولعله محبوس بحق غائب، وقد قامت عليه أمارة، وهو حبس القاضي المعزول، بخلاف فصل قيمة الميراث عند أبي حنيفة، حيث لا يأخذ الكفيل هناك عند أبي حنيفة، على ما يجيء؛ لأن في مسألة الميراث الحق ظاهر لهذا الوارث، وفي ثبوت حق الآخر شك، فلا يجوز تأخيره لموهوم، أما هاهنا الحق ثابت؛ لحمل فعل القاضي على الصلاح، ولكنه مجهول، فلا يكون أخذ الكفالة لموهوم.
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية.
(٢) انظر: الأم (٦/¬٢٣٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٨٨).
(٣) انظر: المدونة (٤/¬١٤)، الذخيرة (١٠/ ١٣١).
(٤) انظر: المغني (١٠/ ٥٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤١٧).
[ ٦ / ٣٧٩ ]
(وَيَنْظُرُ فِي الوَدَائِعِ، وَارْتِفَاعِ الوُقُوفِ، فَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى مَا تَقُومُ بِهِ البَيِّنَةُ أَوْ يَعْتَرِفُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ المَعْزُولِ) لِمَا بَيَّنَّا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَنَّ المَعْزُولَ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ اليَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي، فَيَصِحُ إِقْرَارُ القَاضِي كَأَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي الحَالِ، إِلَّا إِذَا بَدَأَ بِالإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ القَاضِي فَيُسَلِّمُ مَا فِي يَدِهِ إِلَى المُقَرِّ لَهُ الأَوَّلِ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَيُسَلَّمُ إِلَى المُقَرِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ القَاضِي.
وقيل: أخذ الكفيل هاهنا على الخلاف أيضًا.
وفي المحيط (^١): الصحيح أن أخذ الكفيل هاهنا بالاتفاق.
قوله: (كأنه في يده) أي: كان المال المقرّ به في يد القاضي المعزول (في الحال) ولو كان في يد المعزول عينًا كان تقبل إقراره بما في يده، فكذا يقبل إقراره بما في يد مودعه؛ لأن يد المودع كيد المودع (إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره) ثم أقر بتسلم المعزول إليه، والقاضي المعزول يقول: هو لغيره.
(فيسلم) أي: صاحب اليد إليه (لسبق حقه) أي: حق المقر له الأول، ثم يضمن قيمته للمعزول بإقراره الثاني، ثم يسلم القاضي المعزول القيمة إلى من أقر له المعزول.
قال الصدر الشهيد (^٢): حاصل ذلك أن المسألة على أربعة أوجه:
إما أن أقر صاحب اليد أنه دفعه إلى المعزول، وقال: إنه لفلان.
أو قال: دفعه إلي ولا أدري: لمن هو؟ وأنكر ما قاله القاضي المعزول. أو قال: دفعه إلى المعزول وهو لفلان آخر.
ففي الوجه الأول والثاني يقبل قول المعزول، ويكون المال للمقر له؛ لأن المال وصل إلى يده من جهة المعزول، وكان المال في يد المعزول معنى، وإذا أقرّ من في يده المال يُقبل قوله، فكذا هذا.
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٦٤).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ٢٧٧).
[ ٦ / ٣٨٠ ]
قَالَ: (وَيَجْلِسُ لِلْحُكْمِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي المَسْجِدِ) كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الغُرَبَاءِ وَبَعْضِ المُقِيمِينَ، وَالمَسْجِدُ الجَامِعُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ.
وفي الوجه الثالث: القول لصاحب اليد، ولا يجب عليه شيء بقول المعزول؛ لالتحاقه بسائر الرعايا.
وفي الوجه الرابع: المسألة على وجهين:
إما أن بدا صاحب اليد بالدفع من المعزول، أو بدا الآخر.
فإن قال: لفلان غير الذي أقرّ له المعزول، ثم قال: دفعه المعزول، ففي الوجه الأول: القول للمعزول، ويؤمر بالدفع إلى من أقرّ له المعزول؛ لأنه لما بدأ بالدفع من المعزول فقد أقر باليد له، فصار كأن المال في يده، ثم أقر أنه لفلان، فلا يصح إقراره.
وفي الوجه الثاني: يؤمر بالدفع إلى من أقرّ له، ويضمن مثله أو قيمته للمعزول، ثم يسلمه المعزول إلى من أقرّ له.
قوله: (لأنه أشهر) أي: المسجد الجامع أشهر المواضع.
قال فخر الإسلام: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، ولو كان في طرف البلدة يختار مسجدًا في وسط البلدة؛ كيلا يلحق الناس مشقة الذهاب إلى طرف البلد، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر.
وفي المبسوط (^١): أحبُّ إليَّ أن يقضي حيث تقام جماعة الناس، يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات؛ لأن ذلك يكون عن التهمة أبعد، وبه قال مالك (^٢).
وذكر الصدر الشهيد (^٣) قول مالك على التفصيل بأن قال: إن كان في المسجد فتقدم إليه الخصمان لا بأس به، وإن تعمّد القضاء فيه يكره، ولكن في المشهور من كتبهم: أنه لا يكره وإن تعمّد القضاء في المسجد؛ لما أنه ﵇
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٢).
(٢) انظر: المدونة (٤/¬١٣).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (١/ ٢٩٧).
[ ٦ / ٣٨١ ]
وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي المَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْضُرُهُ المُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّص، وَالحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالحُكْمِ». «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ الخُصُومَةَ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَكَذَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي المَسَاجِدِ لِفَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَلِأَنَّ القَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ.
وَنَجَاسَةُ المُشْرِكِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي ظَاهِرِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ، وَالحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا فَيَخْرُجُ القَاضِي إِلَيْهَا، أَوْ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، أَوْ يَبْعَثُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتْ الخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةٌ.
كان يحكم في مُعتَكَفِه، وكذا الخلفاء الراشدون، والسلف من الصحابة والتابعين في المساجد، وبه قال أحمد (^١) أيضًا.
وفي المبسوط (^٢): ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة؛ لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال، وقلبه مشغولًا بما هو فيه من المشي والسير، ولا يتفرغ للنظر في الحُجَج، ولأنه نوع من الاستخفاف ظاهرا وباطنا.
ولا بأس بأن يتكئ ويقضي؛ لأن التكأة نوع جلسة، كالتربع وغيره، وطباع الناس في الجلوس مختلفة.
وينبغي ألا يقضي وهو غضبان، أو فرحان في غاية الفرح، أو جائع أو عطشان، ولا مهموم، ولا في حالة غلبة النعاس، ولا في حر وبرد مزعج مؤلم، ولا حاقن، فالحاصل أنه لا يقضي في حال شغل قلبه بشيء من ذلك بلا خلاف.
أصله قوله ﵇: «لا يَقْضِي القَاضِي وهوَ غَضْبَانُ» (^٣) معلول؛ لشغل القلب.
قوله: (تهمة) أي: تهمة الرشوة أو الظلم، وقد روي أن عثمان ما يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة.
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٨)، والمغني (١٠/¬٤١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥ رقم ٧١٥٨)، ومسلم (٣/ ١٣٤٢ رقم ١٧١٧) من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
قَالَ: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ القَضَاءِ بِمُهَادَاتِهِ) لِأَنَّ الأَوَّلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالثَّانِيَ: لَيْسَ لِلْقَضَاءِ، بَلْ جَرَى عَلَى العَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَصِيرُ آكِلًا بِقَضَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ لِلْقَرِيبِ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَكَذَا إِذَا زَادَ المُهْدِي عَلَى المُعْتَادِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ، لِأَنَّهُ لِأَجْلِ القَضَاءِ فَيَتَحَامَاهُ.
ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء ويشاورهم؛ لما روي أن الخلفاء الراشدين كانوا يُحضرون عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأبو بكر يُحضر عمر وعثمان وعليا أيضًا، حتى قال أحمد: يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، ويشاورهم فيما يشكل عليه.
قوله: (فيتحاماه) أي: يتحرز، ولا خلاف لأهل العلم فيه.
وفي المبسوط (^١): الهدية في الشرع مندوب، قال ﵇: «نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ إِذَا دَخَلَتْ الْبَابَ ضَحِكَتْ الْأَسْكُفَّةُ» (^٢) وقال ﵇: «الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٣)، أي: غَشَّه، والوعد يوقظ الغيظ في الصدر، وقال ﵇: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (^٤) ولكن هذا في حق من لم يتعيّن لعمل من أعمال المسلمين، فأما من يتعين لذلك، كالقاضي والوالي، فعليه التحرز عن قبول الهدية، خصوصًا ممن كان لا يهدي قبل ذلك؛ إذ هو نوع من الرشوة والسحتُ.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٢).
(٢) أخرجه الطبراني (٣/ ١٣٣، رقم ٢٩٠٣) من حديث الحسين بن علي ﵄. قال الهيثمي: فيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٤/ ١٤٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٤/¬٩، رقم ٢١٣٠)، وأحمد (٢/ ٤٠٥، رقم ٩٢٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وأبو معشر اسمه نجيح مولى بني هاشم وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)، وأبو يعلى في المسند (٩/¬١١ رقم ٦١٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٦٩) رقم (١٢٢٩٧) عن أبي هريرة ﵁. قال العراقي: البخاري في كتاب الأدب المفرد، والبيهقي من حديث أبي هريرة بسند جيد. تخريج أحاديث الإحياء (١٤٥٣)، وقال ابن حجر: رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى بإسناد حسن. بلوغ المرام (٩٤٢).
[ ٦ / ٣٨٣ ]
(وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً)، لِأَنَّ الخَاصَّةَ لِأَجْلِ القَضَاءِ فَيُتَّهَمُ بالإِجَابَةِ، بِخِلَافِ العَامَّةِ، … …
واستعمل عمر أبا هريرة فَقَدِمَ بمال، فقال: من أين لك؟ قال: تلاحقت الهدايا، فقال: أي عدوُّ الله، هلا قعدت في بيتك فَتَنظُرَ: أَيُهدى إليك أم لا! فأخذ ذلك منه، فجعله في بيت المال.
وحديث ابن اللُّتْبِيَّةِ الأزدية على الصدقة معروف متفق عليه (^١).
إلا ممن عادته؛ لأن تعليل النبي ﵇ دليل على أن تحريم الهدية التي سببها الولاية، ولهذا لو زاد المهدي على المعتاد، أو كانت له خصومة يكره بالإجماع، إلا عند الشافعي (^٢) إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز أخذها منه - كان حرامًا كالرشوة، وعندنا: كان مكروها.
قال فخر الإسلام: لو زاد مال المهدي قبل القضاء فزاد في الهدية بعده لا بأس به، ولكن الأولى ألا يقبل.
ثم إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز الأخذ منه - اختلف المشايخ فيه:
قيل: يضعها في بيت المال، كما روينا من حديث عمر، وبه قال الشافعي في وجه، وعامة المشايخ قال: يردها على أربابها إن عرف المهدي، وبه قال الشافعي في وجه آخر، أشار محمد في السير الكبير: وإن لم يعرف أو كان المهدي بعيدًا حتى تعذّر الرد عليه - حكمها حكم اللقطة، يضعها في بيت المال؛ لأنه أخذها لعمله، وفي عمله نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين.
قوله: (بخلاف العامة) فإن القاضي لا يكون مقصودا، ولأنه ﵇ كان يقضي بين الناس ويجيب الدعوة، وكان يقول: «مَنْ لَمْ يَجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبا القَاسِمِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/¬٢٨ رقم ٦٩٧٩)، ومسلم (٣/ ١٤٦٣ رقم ١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٢) انظر: الأم (٦/ ٢٣٢)، والحاوي الكبير (١٦/ ٢٨٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨١).
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الجَوَابِ: قَرِيبُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةٌ كَالهَدِيَّةِ (•)، وَالخَاصَّةُ مَا لَوْ عَلِمَ المُضِيفُ أَنَّ القَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا. قَالَ: (وَيَشْهَدُ الجِنَازَةَ وَيَعُودُ المَرِيضَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، قَالَ ﵊: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقِ» …
قوله: (لا يحضرها) أي: الدعوة (لا يتخذها) أي: الدعوة، وإن كان يتخذها وإن لم يحضرها فهي عامة، هذا اختيار شمس الأئمة السرخسي (^١).
قال القدوري وأبو علي النسفي: دعوة العامة عرس وختان، وما سوى ذلك خاصة.
وقيل: في الحد الفاصل إن جاوز العشرة فهي عامة.
قال أبو اليسر في مبسوطه يجيب دعوة العامة إلا أن يكون المضيف خصمًا، فينبغي ألا يجيب، وكذا في العبادة؛ لأن ذلك يؤدي إلى إيذاء الخصم الآخر إلى التهمة.
قوله: (ويدخل في هذا الجواب) وهو ألا يدخل الخاصة (قريبه، وهو قولهما) ذكره الطحاوي (^٢)، وعند محمد يجيب الخاصة في القريب، وذكر الخصاف: يجيب دعوة الخاص لقريبه بلا خلاف؛ لأن إجابته دعوته صلة الرحم.
قال شيخ الإسلام: بين قبول الهدية في القريب وبين الدعوة ما الفرق؟ فإنه قال: يقبل الهدية مطلقًا، ولم يفصل بين جري العادة وغيره، وفي الدعوة فصل بين العامة والخاصة كما ذكر في المتن.
قالوا: ما ذكر في الضيافة محمول على ما إذا كان ذا رحم محرم لم يجر بينهما الدعوة والمهاداة [وصلة القرابة، وأحدث بعد القضاء، فإذا كانت الحالة هذه فهو كالأجنبي، وما ذكر في الهدية: (ويقبل من ذي رحم محرم) على أنه
_________________
(١) (•) الراجح: قول محمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨١).
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٨/¬١٦).
[ ٦ / ٣٨٥ ]
وَعَدَّ مِنهَا هَذَيْنِ.
(وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَ الخَصْمَيْنِ دُونَ خَصْمِهِ)
كان جرى بينهما المهاداة] (^١) وصلة القرابة قبل القضاء، فإذا أهدى بعد القضاء لا بأس بقبوله، وعند الشافعي (^٢) يحضر الولائم بغير الخصم، وبه قال أحمد (^٣)، وقال مالك (^٤): لا يحضر الخاصة، ويحضر العامة إن شاء، وتركها أفضل إن كانت وليمة النكاح، ولغير النكاح كره، ذكره في الجواهر (^٥).
وفي الحلية (^٦): اختلف أصحابنا فيمن ولي أمرًا من أمور المسلمين، كالقضاة والأئمة في حضور الولائم على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كغيرهم، والثاني: أنه سقط فرض الإجابة، والثالث: إن كان مرتزقا لم يحضر، وإلا يحضر.
قوله: (وعد منها) أي: من الستة (هذين) وحق المسلم لا يسقط بتقلد، ولأن هذا اعتاده وبالتقلد لا يمنع، لكنه لا يطيل مكثه في ذلك المجلس.
وفي تنبيه الغافلين: روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي ﵊ أنه قال: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتّ خِصال واجبة، إن تَرَكَ شَيئًا منها فَقَدْ تَرَكَ حقًا واجِبًا عَلَيْهِ، إِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبه، وإِذَا مَرضَ أن يعوده، وإذا مَاتَ أن يحضره، وإذا لقيه أن يُسلّمَ عليهِ، وإِذَا اسْتَنصَحَه أن ينصَحَهُ، وإِذَا عَطَس أن يُشمِّتَهُ» (^٧).
قوله: (ولا يضيف أحد الخصمين) لما روي عن علي أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم، قال: تَحَوَّلْ عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُضيفوا أحدًا إلا ومَعَه خَصْمُهُ».
وفي قوله: (أحد الخصمين) إشارة إلى أنه لو أضافهما لا بأس به،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: الأم (٦/ ٢٢٠)، ونهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٤٧٠).
(٣) انظر: المغني (١٠/ ٧٠)، والشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٠٥).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٨١)، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠١٢).
(٥) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠١٢).
(٦) حلية العلماء (٣/ ١١٦٣، ١١٦٤).
(٧) تنبيه الغافلين بأحاديث سيد المرسلين للسمرقندي (١/ ٣٨٤ برقم ٥٧٨).
[ ٦ / ٣٨٦ ]
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةٌ. قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الجُلُوسِ وَالإِقْبَالِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي المَجْلِسِ وَالإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ» (وَلَا يُسَارَّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّةً) لِلتَّهْمَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَكْسَرَةً لِقَلْبِ الآخَرِ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ (وَلَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهُ يَجْتَرِئُ عَلَى خَصْمِهِ
وبه صرح في المبسوط (^١)؛ لما روينا من حديث عليّ، ولا خلاف فيه.
(لأن فيه تهمة) أي: تهمة الميل.
قوله: («وَإِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ») الحديث، وروت أم سلمة أنه ﵇ قال: «مَنْ ابتلي بالقَضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِين فَلَيَعْدُلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحظِهِ وإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعْن صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ ما لا يَرْفَعُه عَلَى الآخرِ» رواه ابن أبي شيبة في كتاب قضاة البصرة (^٢).
وكتب عمر إلى أبي موسى: وسو بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك (^٣).
والمستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما بين يديه.
عن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت: أن عبد الله بن الزبير خاصمه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص، وهو على السرير، قد أجلس عمرو بن الزبير على السرير، فلما جاء عبد الله بن الزبير وسع له سعيد من شقه الآخر، فقال: هنا، فقال عبد الله: الأرض الأرض «قضى رسول الله - أو قال: سنة رسول الله - أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي». رواه أبو داود (^٤)
ولا يجلس أحدهما على يساره والآخر عن يمينه؛ لأن لليمين فضلا على
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٧٥، ٧٦).
(٢) أخرجه أبو يعلى في المسند (١٠/ ٢٦٤ رقم ٥٨٦٧). قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير باختصار، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٤/ ١٩٧).
(٣) انظر: ترتيب الأمالي الخميسية للشجري (٢/ ٣٢٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠٢ رقم ٣٥٨٨) من حديث عبد الله بن الزبير ﵁.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليسار، ألا ترى أن يمين النبي ﵇ لأبي بكر ويساره لعمر وكان ذلك لإظهار فضل أبي بكر.
وفي المغني والنوازل والفتوى الكبرى: خاصم السلطان مع رجل فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه؛ ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، ويجلس خصم السلطان فيه ويقعد هو على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلا أحدهما.
وهذه المسألة تدل على أن القاضي يصلح قاضيًا على السلطان الذي قلده، والدليل عليه قصة عليّ عند شريح، فإن شريحًا قام عن مجلسه وأجلس عليا مجلسه.
قال المرغيناني (^١): ينبغي للقاضي أن يسوي بينهما في المجلس، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي، ولا يتربعان ولا يُقعيان، ولو فعلا ذلك منعهما القاضي تعظيمًا للحكم، كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيمًا للمعلم، وينبغي أن يكون جلوسهما بين يديه بمقدار ذراعين أو نحو ذلك بحيث يسمع كلامهما من غير أن يرفعا أصواتهما.
وينبغي للقاضي أن يسند ظهره إلى المحراب، وهذا رسم زماننا، أما في زمن الخصاف وغيره يجلس القاضي مستقبل القبلة، وهو مستحب عند الأئمة الثلاثة (^٢)، ورسم زماننا أحسن؛ لأنه موافق لفعله ﵇، ويقف أعوان القاضي بين يديه؛ ليكون أهيب في أعين الناظرين.
وفي المبسوط (^٣): كل ما يمكن فيه مراعاة التسوية فعليه أن يسوي بينهما؛ لما روي أنه ﵇ كان يسوي في القسم بين نسائه ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا فِيمَا أَمْلِكُ»، الحديث (^٤).
_________________
(١) انظر: بداية المبتدئ (١/ ١٤٩).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٦٠)، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١١٤)، والحاوي الكبير (١٦/¬٣٤)، وروضة الطالبين (١١/ ١٣٨)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٣٤)، والمغني (١٠/¬٤٢)
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٧٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٤٢) رقم (٢١٣٤)، والترمذي (٢/ ٤٣٧) رقم (١١٤٠)، والنسائي (٧/ ٦٣ =
[ ٦ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا حضرا فالقاضي بالخيار؛ إن شاء ابتدأهما فقال: مالكما؟ وإن شاء تركهما حتى يبتدئا بالمنطق، وبعض القضاة يختار السكوت حتى يبتدئا؛ لأن في ابتداء القاضي تهييجا للخصومة، فالقاضي لرفعه ودفعه.
وقلنا: الرأي في ذلك للقاضي؛ إذ حشمة مجلس القضاء قد يمنعهما عن الكلام ما لم يبتدئ القاضي فلا يكون تهييجا للخصومة، ولكن لا يكلمهما بشيء آخر سوى ما تقدما بين يديه، مع أن السلام سنة، فإذا تكلم المُدَّعي أسكت الآخر، واستمع من المدعي حتى يفهم حجته؛ لأن في تكلمهما معًا لا يفهم كلام واحد، ولأن في تكلمهما شغب، وبه تنتقص حشمة مجلس القضاء، ويستنطق الآخر وإن لم يسأل المدعي ذلك.
واختار بعض القضاة أنه لا يستنطقه إلا بعد سؤال المدعي؛ لكن يتفكر بعد الدعوى في دعواه، فإن لم تكن صحيحة يقول له: قم صحح دعواك؛ إذ الدعوى الفاسدة لا تستحق الجواب، ولو صحح دعواه قبله يقول له: أخبرني ما أصنع، فإن قال: أريد جوابه فسأله عن ذلك - حينئذ يستنطق الآخر، والأصح عندنا أن يستنطق الآخر وإن لم يلتمس المُدَّعي؛ لأن المدعي ما أحضر خصمه إلا لذلك، فلا يحتاج إلى التماس آخر.
ولا ينبغي للقاضي أن يُلقن لأحدهما حجته، وينبغي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة؛ لأن اختلاط النساء بالرجال مكروه، وهذا إذا كانت الخصومة بين النساء والرجال فلا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال، واختار محمد أن يقدم الناس على منازلهم الأول بالأول، ويضع على ذلك أمينا من قبله ليعرف السابق، وينبغي أن يبتكر الأمين على باب القاضي ليعلم منازل الناس، وينبغي أن يكون أمينا لا يطمع ولا يرتشي؛ لأن ذلك من عمل القضاء، فكما لا يطمع هو فيما يقضي فكذا أمينه، ولو أشكل السابق منهم يقرع
_________________
(١) = رقم ٣٩٤٣)، وابن ماجه (١/ ٦٣٣ رقم ١٩٧١)، والحاكم (٢/ ١٨٧ رقم ٢٧٦١) عن عائشة ﵂. قال الترمذي: المرسل أصح، وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: وأعله النسائي، والترمذي، والدارقطني بالإرسال، وقال أبو زرعة لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله. تلخيص الحبير (٣/ ٢٩٥)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٤٨١).
[ ٦ / ٣٨٩ ]
(وَلَا يُمَازِحُهُمْ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بِمَهَابَةِ القَضَاءِ.
بينهم، كما في السفر مع النساء، وعندنا يجوز أن يقدم الغرباء.
وذكر الصدر الشهيد (^١) وصاحب المغني والمحيط (^٢): وينبغي إذا جلس القاضي للحكم أن يقوم بين يديه رجل يمنع الناس عن التقدم إليه يقال له: الجلواز، وصاحب المجلس، وينبغي أن يكون مع الجلواز سوط، وينبغي أن يكون أمينا.
والجلواز: من الجلوزة، وهي المنع.
وعن ابن عمر أنه كان إذا سافر استصحب رجلًا به سوء الأدب، فقيل له في ذلك، فقال: أما علمت أن الشر بالشر يدفع، ولا خلاف في جميع ما ذكرنا.
قوله: (ولا يمازحهم) أي: لا يمازح معهما (ولا واحدًا منهم) ولا غيرهما (لأنه) أي: المزاح مع أحد يذهب بمهابة القضاء ولهذا قيل: ينبغي أن يكون عبوسًا متواضعًا في أفعاله.
وفي جواهر المالكي (^٣): ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن يكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلتزم التواضع في غير وهن ولا ضعف ولا ترك شيء من الحق، وينبغي أن يتخذ كاتبًا أمينا عارفًا بما يكتبه القضاة من المحاضر والسجلات والأحكام؛ لما روى أنه ﵇ اسْتَكْتَب زيدًا وغيره (^٤)، ولأن الحاكم تكثر أشغاله.
وفي المحيط (^٥): ينبغي أن يتخذ كاتبًا عفيفًا صالحًا مسلمًا حرا عدلًا أمينًا، ويقعده حيث يرى ما يكتب ويكتب خصومه كل منهما، وشهادة شهودهما في صحيفة، وهي المحضر، ولا خلاف فيه، وعن الشافعي (^٦) في وجه: إسلام الكاتب ليس بشرط.
_________________
(١) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٧٩، ٨٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني (٨/¬٣٠).
(٣) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠١٢).
(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٧١) رقم (٤٦٧٩) من حديث زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.
(٥) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/¬٢٢).
(٦) انظر: الأم (٦/ ٢٢٧)، والحاوي الكبير (١٦/ ١٩٩).
[ ٦ / ٣٩٠ ]
قَالَ: (وَيُكْرَهُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ لَهُ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لِأَحَدِ الخَصْمَيْنِ فَيُكْرَهُ كَتَلْقِينِ الخَصْمِ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ (•) فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَحْصُرُ لِمَهَابَةِ المَجْلِسِ، فَكَانَ تَلْقِينُهُ إِحْيَاءً لِلْحَقِّ.
قوله: (تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) أي: يكره أن يقول القاضي للشاهد شيئًا يستفيد الشاهد به علمًا؛ بل يدع الشاهد حتى يشهد بما عنده، ولا خلاف للأئمة الثلاثة (^١) إلا عن الشافعي (^٢) في وجه كما قال أبو يوسف.
والخلاف فيمن استولته الحيرة أو الهيبة، وترك شرطًا من شرائط الشهادة، فيعينه القاضي بقوله: أتشهد بكذا وكذا، ولا يقول له: اشهد بكذا، أما إذا كان في موضع التهمة بأن ادعى المُدّعِي ألفًا وخمسمائة والمدعى عليه ينكر الخمسمائة وشهد الشاهد بالألف، فالقاضي يقول: يحتمل أنه أبرأ الخمسمائة، واستفاد الشاهد علما بذلك، ووفقه في شهادته كما وفق القاضي، فهذا لا يجوز بالاتفاق، كما في تلقين أحد الخصمين.
قوله: (واستحسنه أبو يوسف في غير موضع التهمة)، وقد بينا موضع التهمة.
وفي المبسوط (^٣): ما قالا عزيمةٌ؛ لأن القاضي منهي عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل، وما يكون فيه إعانة لأحد الخصمين إما صورة أو معنى، وتلقين الشاهد لا يخلو من ذلك، ومذهب أبي يوسف رخصه، فإنه لما ابتلي بالقضاء شاهد من التحير عند أداء الشهادة، فإن لمجلس القاضي هيبة وللقاضي حشمة، ومن لم يقتدر على التكلم في مثل هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يُعنه القاضي على ذلك، فيكون ذلك من باب التعاون على أداء الشهادة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهودَ فَإِنَّ الله تعالى يُحْيِي بِهِمِ الحُقُوق» (^٤)، وهذا القدر من التلقين يرجع إلى إكرامه.
_________________
(١) (•) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٧٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٨١)، الأم (٦/ ٢٣٢)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٧٨)، الكافي فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٣٥)، المغني (١٠٧٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٧٨).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٧).
(٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٦٤)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ١٦١ رقم ١٩٩)، =
[ ٦ / ٣٩١ ]
بِمَنْزِلَةِ الإِشْخَاصِ وَالتَّكْفِيلِ.
قوله: (بمنزلة الإشخاص)، وهو إرسال شخص ليحضر خصمه، يقال: شخص من بلد إلى بلد شخوصا، أي: ذهب من حد (منع) وأشخصه غيره.
فتأخر دليل أبي يوسف، وتسميته بالاستحسان دليل على أن مختار المصنف قول أبي يوسف.
وفي المحيط (^١): ولو رأى القاضي التفريق في الشهود في موضع التهمة جاز له التفريق بينهما.
وذكر الخصاف: ولا ينبغي للشاهد أن يبتدأ بالشهادة حتى يقول القاضي: بم تشهد؟
وقال الطحاوي (^٢): لا بأس به.
وفي فتاوى قاضي خان (^٣): لا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه، بل يفوض ذلك إلى غيره، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٤)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «ما عَدْلَ وال اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ».
وشرط شريح على عمر حين ولاه ألا أبيع، ولا أشتري، ولا أرتشي (^٥)، ولا أقضي حين أكون غضبان.
وعن ابن الماجشون المالكي (^٦): وينبغي أن يتنزه عن طلب الحوائج والعواري من الماعون والدابة وما أشبه ذلك، وعن محمد: لا بأس بأن يبيع ويشتري في غير مجلس القضاء، وعن أحمد (^٧): يستحب أن يوكل من لا يعرف
_________________
(١) = وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٧٥ رقم ١٢٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال العقيلي: حديث غير محفوظ، ولا أصل له، وضعفه ابن الجوزي، وضعفه أيضًا ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦١٩).
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٦٣).
(٣) شرح مختصر الطحاوي (٨/¬٣٤).
(٤) فتاوى قاضي خان (٢/ ٢٨٩).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٨٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١١٩)، الأم (٦/ ٢٢٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٤٧٠)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٠٤).
(٦) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٧) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠١٢).
(٨) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٠٤).
[ ٦ / ٣٩٢ ]