كِتَابُ الْإِكْرَاهِ
قيل: عقب الولاء بالإكراه لمناسبة أن الإكراه لا يؤثر في سببه وهو العتق، أو لأنه لما عقب ولاء العتاقة بالموالاة لقوته شرع في الإكراه؛ لمناسبة بينهما، وهو أن الموالاة عقد يغير حال المخاطب من الحرمة إلى الحل، والإكراه يغير حال المخاطب وهو المكره من حرمة المباشرة إلى حلها في عامة المواضع.
ثم المراد من بيان الإكراه والغصب والجنايات بيان أحكامها إذا وقعت، ومحاسن حكم الإكراه ظاهرة؛ إذ فيه تبين غاية رأفة الله تعالى على عباده، حيث لا يؤاخذه بسبب الإكراه الصادر من غيره، ولهذا جعل مباشرة ما أكره عليه من الحل الأصلي في بعض المواضع حتى يأثم بتركه وإن كانت من المحظورات.
ثم الإكراه لغة: مصدر أكرهه، إذا حمله على أمر يكرهه ولا يريده، والكره بالفتح اسم صفة.
وشرعا: اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه ثم يفسد به اختياره إن كان ملجئا، وإلا لا يفسد فلا تزول به أهلية المكره ولا يسقط عنه الخطاب؛ لما أنه مبتلى، ألا ترى أنه متردد بين فرض وحظر وإباحة ورخصة، ويأثم مرة ويجبر أخرى، والابتلاء يحقق الخطاب، كذا في المبسوط.
وفي الإيضاح: هو فعل يؤخذ من المكره فيحدث في المحل معنى يصير به مدفوعا إلى الفعل الذي طلب منه.
وفي الوافي: هو عبارة عن تهديد القادر غيره على ما هدده بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضا.
[ ٧ / ٤٥٣ ]
قَالَ: (الإِكْرَاهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِذَا حَصَلَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إِيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًا) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ: اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ المَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا خَافَ المُكْرَهُ تَحْقِيقَ مَا تَوَعَدَ بِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ القَادِرِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ القُدْرَةِ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ السُّلْطَانِ، لِمَا أَنَّ المَنَعَةَ لَهُ، وَالقُدْرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ المَنَعَةِ.
فَقَدْ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَلَمْ تَكُنْ
وشرطه: قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا، والذي قال أبو حنيفة: إنه لا يتحقق إلا من السلطان؛ لأن القدرة له لمنعته فقد قالوا إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وشرطه: خوف المكره أيضًا كما ذكر في المتن.
قيل: قد ابتلي محمد بتصنيف هذا الكتاب، فإن ابن سماعة حكى أنه لما صنف هذا الكتاب سعى بعض حساده عند الخليفة، وقال: إنه صنف كتابا وسماك لصًا، فاغتاظ الخليفة وأمر بإحضاره، فأتاه الشخص وأنا معه، فأدخله على الوزير أولا في حجرته فعاتبه الوزير في ذلك وأنكر محمد أصلا.
فلما علمت السبب أسرعت الرجوع إلى بيت محمد وتسورت على حائط بعض الجيران؛ لأنهم كانوا سمروا على بابه، فدخلت داره ففتشت حتى وجدت كتاب الإكراه، فألقيته في جب الدار؛ لأن الشُّرَطَ أحاطوا بالدار قبل خروجي منها فلم يُمْكِنِّي أن أخرج، فاختفيت في موضع حتى دخلوا وحملوا كتبه إلى دار الخليفة بأمر الوزير، ففتشوه ولم يجدوا شيئًا مما ذكره الساعي، فندم الخليفة واعتذر إليه ورده بجميل، فلما كان بعد أيام أراد محمد أن يعيد تصنيف الكتاب فلم يجبه خاطره إلى مراده، فجعل يتأسف على ما فاته من هذا الكتاب، ثم أمر بعض وكلائه أن يأتي بعامل ينقي البئر؛ لأن ماءها قد تغير، فلما نزل العامل في البئر وجد الكتاب على آجُرَّةٍ أو حَجَرٍ نَتَأَ من طَيِّ البئر فسر محمد بذلك، وكان يخفي الكتاب زمانًا ثم أظهره بعد، فَعُدَّ هذا من مناقب محمد.
قوله: (توعد به) أي: خوفه، كذا في الديوان.
[ ٧ / ٤٥٤ ]
القُدْرَةُ فِي زَمَنِهِ إِلَّا لِلسُّلْطَانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ، ثُمَّ كَمَا تُشْتَرَطُ قُدْرَةُ المُكْرِهِ لِتَحَقَّقِ الإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ خَوْفُ المُكْرَهِ وُقُوعَ مَا يُهَدَّدُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَصِيرَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنْ الفِعْلِ.
قَالَ: (وَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ، أَوْ يُؤَاجِرَ دَاره: فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِالقَتْلِ، أَوْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، أَوْ بِالحَبْسِ فَبَاعَ، أَوْ اشْتَرَى، فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى البَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَرَجَعَ بِالمَبِيعِ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ العُقُودِ التَّرَاضِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَالإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ يُعْدِمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ، أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ، أَوْ قَيْدِ يَوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى العَادَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِكْرَاهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ
قوله: (بالحبس) أي: بالحبس المديد، فإن حكم الحبس بيوم سيجيء، فباع واشترى فهو بالخيار.
اعلم أن تصرفات المكره كلها قولًا منعقدة عندنا، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة، إلا أن ما يحتمل الفسخ منه كالبيع والإجارة تفسخ، وما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح والتدبير والاستيلاد والنذر فهو لازم عندنا خلافا للأئمة الثلاثة.
قوله: (صاحب منصب) أي: ذا جاه يعلم أنه يستضر به كالقاضي وعظيم البلد، فإن مطلق القيد والحبس إكراه في حقه، حتى لو توعد به الاستخفاف، وهو رجل وجيه كان ذلك إكراها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وقال في رواية: الوعيد ليس بإكراه.
وعن شريح: القيد والوعيد إكراه، والضرب والشتم يختلف باختلاف أحوال الناس.
وفي المبسوط: والحد في الحبس الذي هو إكراه ما يجيء الاغتمام البين به، وفي الضرب ما يجد به الألم الشديد، ولكن ذلك على قدر ما يرى الحاكم
[ ٧ / ٤٥٥ ]
أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَكَذَا الإِقْرَارُ حُجَّةٌ لِتَرَجُّحِ جَنَبَةِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَنَبَةِ الكَذِبِ، وَعِنْدَ الإِكْرَاءِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكْذِبُ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، ثُمَّ إِذَا بَاعَ مُكْرَهَا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ بِهِ المِلْكُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِجَازَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ جَازَ، وَالمَوْقُوفُ قَبْلَ الإِجَازَةِ لَا يُفِيدُ المِلْكَ، وَلَنَا: أَنَّ رُكْنَ البَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ، وَالفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، …
إذا رفع ذلك إليه فما رأى أنه إكراه أبطل إقراره به؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
وفي الذخيرة: ضرب سوط وحبس يوم، حتى لو ضربه سوطا أو حبسه يوما يكون مكرها قياسا.
وفي الاستحسان لا يكون، ويكون الإقرار طائعا، إذ الإنسان لا يلتزم ضرر ألف درهم بحبس يوم أو قيد يوم، فيرجح جانب الطواعية في هذه الصورة. قال محمد: وليس في ذلك تقدير، بل ذلك على حسب ما يرى الإمام؛ لأن أحوال الناس في ذلك متفاوتة، فالشرفاء والأجلة من العلماء والكبراء يستنكفون عن ضرب سوط وحبس يوم أكثر مما يستنكف غيرهم عن ضرب أسواط.
ولهذا قال بعض مشايخنا: ما ذكر من الجواب في أوساط الناس وفي حق السوقة حتى لو كان من أشراف الناس لو عرك أذنه في مجلس السلطان يكون مكرها.
قوله: (وعند زفر لا يثبت) أي: الملك لأنه موقوف، وبيع الموقوف قبل الإجارة لا يفيد الملك كما لو باع بشرط الخيار وسلم إلى المشتري فإنه لا يمكنه القبض فكذا هاهنا، وكذا عند الأئمة الثلاثة، إلا أن عندهم لا يكون موقوفا بل باطلا.
قوله: (إلا أنه لو أجاز جاز) أي: البيع عند زفر أيضًا، وعند الأئمة الثلاثة لا؛ لأن البيع الباطل لا يتوقف عندهم على الإجازة.
قوله: (كسائر الشروط المفسدة) يعني الرضا شرط بالنص لصحة البيع، وقد
[ ٧ / ٤٥٦ ]
فَيَثْبُتُ المِلْكُ عِنْدَ القَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، جَازَ، وَيَلْزَمُهُ القِيمَةُ … …
فات فكان انعدامه كانعدام المساواة في الأموال الربوية التي هي شرط جواز العقد، ويثبت الملك للمشتري بالقبض وهذا مثله.
فإن قيل: لو كان بمنزلة البيع الفاسد ينبغي أن لا يعود جائزا في الأحوال كلها، كما لو باع درهما بدرهمين وأشباهه، وهذا البيع يعود جائزا في أي وقت أجازه فكان نظير الموقوف لا نظير الفاسد.
قلنا: بيع المكره يشبه الموقوف من حيث إنه صدر بدون رضا المالك، ويشبه الفاسد من حيث عدم شرط جوازه، فلشبهه بالموقوف يعود جائزا في أي وقت أجازه، ومن حيث إنه يشبه الفاسد يفيد الملك بعد القبض عملا بالشبهين.
وإنما عملنا على هذا الوجه لأنا متى أظهرنا شبه الموقوف في حق المالك، ولم يوجب الملك بعد القبض لا يبقى لشبهه الفاسد عمل فيتعطل شبه الفاسد.
فإن قيل: بيع المكره دون البيع بشرط الخيار، إذ البائع هناك رضي بسببه دون وصفه وهو اللزوم، وهنا البائع غير راض بأصل السبب.
قلنا: البائع بشرط الخيار غير راض بالسبب في الحال؛ لأنه علقه بالشرط، والمعلق بالشرط معدوم قبله فلا يتم رضاه قبل الشرط فكان أضعف من بيع المكره؛ لأن المكره راض بالبيع لدفع الشر به عن نفسه، غير راض بحكم السبب، وهذا لأنه عرف الشرين واختار أهونهما فكان قاصدا مختارا لا لعينه بل لدفع الشر عن نفسه.
قوله: (تصرفًا [لا يمكن]) (^١) نقضه كالتدبير والاستيلاد (جاز) أي: تصرف المشتري، وكذا الحكم في الهبة (فيلزمه القيمة) أي يلزم المشتري القيمة.
وفي الذخيرة: المالك بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته يوم سلمه إلى المشتري والموهوب له، وإن شاء ضَمَّن المشتري والموهوب له.
وفي المبسوط والكافي: البيع بشرط الخيار يمنع ابتداء الحكم، فلا يمكن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٥٧ ]
كَمَا فِي سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، وَبِإِجَازَةِ المَالِكِ يَرْتَفِعُ المُفْسِدُ وَهُوَ الإِكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ البَائِعِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَرْضَ البَائِعُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، لِأَنَّ الفَسَادَ فِيهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ العَبْدِ وَحَقَّهُ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ، أَمَّا هَاهُنَا الرَّدُّ لِحَقِّ العَبْدِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الأَوَّلِ لِحَقِّ الثَّانِي.
قَالَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَمَنْ جَعَلَ البَيْعَ الجَائِزَ المُعْتَادَ بَيْعًا فَاسِدًا
القول بإثبات الملك فيه، وهذا العقد وقع مطلقا، وقضية مطلق العقد أن يثبت الملك إلا أنه لما كان فاسدا توقف على القبض.
وقوله: (فإنه ينفذ بالإجازة) قلنا: نفاذه باعتبار شرط المفسد، وهو عدم الرضا بسبب الإكراه، فإذا ارتفع بوجود الرضى نفذ العقد، ألا ترى أنه لو أجاز بيعا باشره غيره ينفذ؟ فإذا أجاز بيعا باشره بنفسه أولى، إلا أنه لا يقطع به حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي، ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البيوع الفاسدة فإنه لو اشترى شراء فاسدا بأجل أو خيار مجهول وباع من آخر لم يكن للبائع الأول حق النقض؛ لأن وجوب النقض ثُمَّ لِحَقِّ الشرع فإذا اشتراه غيره تعلق به حق المشتري، فقد اجتمع حَقَّانِ: حقُّ الشرع وحقُّ العبد، فقدم حق العبد لحاجته وغنى الشرع.
فأما هاهنا فالرد لحق العبد وقد استويا فيه فلا يبطل حق الأول لحَقِّ الثاني.
وفي الذخيرة: البيع حصل بتسليط البائع الأول في البياعات الفاسدة، وهاهنا ما حصل بتسليط المكره.
قوله: (ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعًا فاسدًا) إلى آخره أراد به بيع الوفاء صورته أن يقول البائع للمشتري: بعت هذا منك بما لك عليَّ من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي.
من المشايخ من جعله فاسدًا باعتبار شرط الفسخ في البيع يجعله كبيع المكره فيملكه إذا اتصل به القبض، وينقض بيع المشتري من غيره؛ لأن الفساد باعتبار فوت الرضا فصار كبيع المكره، وهكذا اتفق مشايخ زماننا وعليه الفتوى.
[ ٧ / ٤٥٨ ]
يَجْعَلُهُ كَبَيْعِ المُكْرَهِ، حَتَّى يَنْقَضِ بَيْعُ المُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الفَسَادَ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رَهْنًا لِقَصْدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالهَازِلِ، وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ ﵏: جَعَلُوهُ بَيْتًا جَائِزًا مُفِيدًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا
(ومنهم) أي: من المشايخ (من جعله) أي: بيع الوفاء (رهنا) كالقاضي الإمام السيد الشجاع السمرقندي، والقاضي عَلِيّ السعدي، والقاضي الإمام الحسن الماتريدي، وشيخ الإسلام عطاء بن حمزة وغيرهم باعتبار أن عرض العاقدين الرهن والاستيثاق بالدين، ولهذا يقول البائع لكل من تلقاه: قد رهنت ملكي عند فلان، والمشتري يقول: قد ارتهنت ملك فلان.
والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ كالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة والحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، فحينئذ لا يملكه ولا يباح الانتفاع به إلا بإذن المالك، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه، والدين ساقط بهلاكه في يده، وفيه وفاء بالدين اعتبارًا بالهازل، وثم إذا تواضعا بأصله ثم اتفقا على البناء فإن البيع منعقد؛ لأن الهازل مختار راض بالمباشرة للسبب، لكنه غير راض ولا مختار لحكمه فكان كخيار الشرط مؤبدا، فالعقد فاسد غير موجب للملك، ومشايخ سمرقند جعلوه بيعًا جائزا.
قال الإمام نجم الدين النسفي: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا، كان عليه بعض السلف؛ لأنهما تلفظا بلفظ البيع، والعبرة للملفوظ دون المقصود، كمن تزوج امرأة بقصد أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد، يعني لم يكن متعة، كذا في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِي.
وذكر في فتاوى قاضي خان، والإمام ظهير الدين: والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن كان ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا وتلفظا البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك أي فاسد وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزم الوفاء بالميعاد؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل هذا الميعاد لازما لحاجة الناس.
قوله: (مفيدًا لبعض الأحكام) وهو الانتفاع، دون البعض وهو البيع.
[ ٧ / ٤٥٩ ]
هُوَ المُعْتَادُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ طَوْعًا: فَقَدْ أَجَازَ البَيْعَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ كَمَا فِي البَيْعِ المَوْقُوفِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ طَائِعًا، بِأَنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى البَيْعِ لَا عَلَى الدَّفْعِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الهِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ وَدَفَعَ حَيْثُ يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ المُكْرِهِ الاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ فِي الهِبَةِ بِالدَّفْعِ وَفِي البَيْعِ بِالعَقْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، فَدَخَلَ الدَّفْعُ فِي الإِكْرَاءِ عَلَى الهِبَةِ دُونَ البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ) لِفَسَادِ العَقْدِ.
قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ المَبِيعُ فِي يَدِ المُشْتَرِي، وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَةٍ: ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) مَعْنَاهُ: وَالبَائِعُ مُكْرَهُ حُكُم، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ (وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ
قوله: (حيث تكون الهبة باطلا) أي: فاسدًا فإنه ذكر في المبسوط: ثم بسبب الإكراه تفسد الهبة، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناءً على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض، فإذا أعتقها أو دبرها أو استولدها نفذ؛ لأنه في ملكه، وعليه ضمان قيمتها.
قوله: (لأن مقصود الإكراه) وفي بعض النسخ: (مقصود المكره) وهو الأصح ما يتعلق به الاستحقاق ليتضرر به المكره لا صورة العقد.
والأصل في البيع أن يتعلق الاستحقاق به من غير قبض، فلم يكن الإكراه على البيع إكراها على الإقباض، فكان الدفع عن اختيار منه، وهذا دليل الإجازة.
أما الهبة في أصل الوضع فلا يتعلق به الاستحقاق من غير قبض، فكان الإكراه على الهبة إكراها على الدفع، نظرًا إلى مقصود المكره، وهو حمله على شيء يتعلق به الاستحقاق، وإزالة الملك ليتضرر به، كذا في الإيضاح.
قوله: (فإن قبضه) أي الثمن (مكرها).
(وعليه رده) أي: رد الثمن، (إن كان قائما في يده) لأن الثمن أمانة عند المكره؛ لأنه أخذه بإذن المشتري، والقبض متى كان بإذن المالك إنما يجب الضمان إذا قبضه للتملك، وهو لم يقبضه للتملك؛ لأنه كان مُكْرَها على قبضه، فكان أمانة. (لأنه) أي: المبيع مقبوض بحكم العقد الفاسد، فكان مضمونًا عليه بالقيمة.
[ ٧ / ٤٦٠ ]
المُكْرَهُ إِنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الإِخْلَاقِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ البَائِعِ إِلَى المُشْتَرِي فَيُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ كَالغَاصِبِ وَغَاصِبِ الغَاصِبِ، فَلَوْ ضَمِنَ المُكْرَهُ: رَجَعَ عَلَى المُشْتَرِي بِالقِيمَةِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ البَائِعِ، وَإِنْ ضَمِنَ المُشْتَرِي نَفَذَ كُلُّ شِرَاءٍ كَانَ بَعْدَ شِرَائِهِ لَوْ تَنَاسَخَتْهُ العُقُودُ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ، وَلَا يَنْفُذُ مَا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ،
قوله: (وللمُكْرَهِ) بفتح الراء (أن يضمن المُكْرِه) بكسر الراء.
(لأنه) أي: المكره (آلة له) أي: للمكره (فيما يرجع [إلى] (^١) الإتلاف)، وإن لم يصلح آلة له من حيث إنه كلام؛ لأن المتكلم بلسان الغير لا يصح.
(فكأنه) أي المكره (دفع مال البائع) بأداء الضمان؛ لأن المضمون يصير ملكا للضامن وقت سبب الضمان.
(وإن ضمن المشتري) أي: من الغاصب، وفي الكافي: فإن ضمن أحد المشتريين.
(وقد تناسخته العقود) أي: تداولته نفذ كل شراء كان بعد شرائه.
(ولا ينفذ ما كان قبله) أي: قبل شراء المشتري، أو قبل الضمان فعاد الكل جائزا؛ لأن إجازته إسقاط منه لِحَقِّهِ في استرداد المبيع، فأما المبيع من كل مشتر إنما كان في ملكه لنفسه، ولكن يوقف نفوذه على سقوط حق المكره في الفسخ، والإجازة سقط حقه فنفذ البيوع.
وبخلاف ما لو أجاز المالك في بيع الفضولي واحدًا من الأشربة، بحيث يجوز ما أجازه خاصة؛ لأنه باع كل واحد منهم ملك غيره، وقد صار لواحد منهم ملك بات بالإجازة فأبطل الملك الموقوف لغيره، وهنا كل واحد باع ملك نفسه إذ بيع المكره يفيد الملك عند القبض، والمانع من نفوذ الكل حق استرداد المالك، فإذا سقط حقه نفذ الكل، إليه أشار في المبسوط.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٦١ ]
لأَنَّ الِاسْتِنَادَ إِلَى وَقْتِ قَبْضِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَجَازَ المَالِكُ المُكْرَهَ عَقْدًا مِنهَا حَيْثُ يَجُوزُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَهُوَ المَانِعُ فَعَادَ الكُلُّ إِلَى الجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ: [الْإِكْرَاهُ الوَاقِعُ في حُقُوقِ الله]
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، إِنْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ … .
فَصْلٌ
لما ذكر حكم الإكراه في حقوق العباد شرع في بيان حكمه في حقوق الله ﵎، وقَدَّمَ حقوق العباد لما أن حق العبد مُقدَّم لحاجته.
قوله: (بضرب أو قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ له) أراد بالضرب الضرب الخفيف الذي لا يخاف منه تلف نفس أو تلف عضو.
وفي المبسوط: كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس أو عضو في أكثر الرأي لا يحل له؛ لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة لا طريق إلى معرفته حقيقة.
وقد قال بعض العلماء في ذلك: أدنى الحد أربعين، حتى لو تهدد بأقل من أربعين منها لم يحل الإقدام على ذلك؛ لأن ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرًا لا متلفًا.
ولكنا نقول: نصيب المقدار بالرأي لا يكون، ولا نص في التقدير هاهنا، وأحوال الناس مختلفة بدهم الضرب (^١)، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه، فإن وقع غالب رأيه أنه متلف نفسًا أو عضوا يحل له الإقدام وإلا لا.
وفي الذخيرة: ولو هدد بضرب سوط أو سوطين فهو لا يعتبر، إلا أن يقول: لأضربنك على عينيك أو على المذاكير (^٢).
_________________
(١) هكذا في الأصل، وفي المبسوط: (وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب، وخلافه).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٤/¬٤٩).
[ ٧ / ٤٦٢ ]
إِلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ مِنهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ) وَكَذَا عَلَى هَذَا الدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ، لِأَنَّ تَنَاوُلَ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ إِنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي المَخْمَصَةِ، لِقِيَامِ المُحَرَّمِ فِيمَا وَرَاءَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَّا إِذَا خَافَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى العُضْوِ، حَتَّى لَوْ خِيفَ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا تُوعَدَ بِهِ، فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى أَوْقَعُوا بِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ آثِمٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أُبِيحَ كَانَ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ مُعَاوِنًا لِغَيْرِهِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ فَيَأْثَمُ كَمَا فِي حَالَةِ المَخْمَصَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، إِذْ الحُرْمَةُ قَائِمَةٌ فَكَانَ آخِذًا بِالعَزِيمَةِ. قُلْنَا: حَالَةُ الاضْطِرَارِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالنَّص، وَهُوَ تَكَلَّمُ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الدُّنْيَا، فَلَا مُحَرَّمَ، فَكَانَ إِبَاحَةً لَا رُخْصَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ
قوله: (إنما يباح عند الضرورة) فإنه تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة﴾ [المائدة: ٣] وبإجماع العلماء الضرورة كما تتحقق بالمخمصة تتحقق بالإكراه.
قوله: (فهو آثم) أي: في ظاهر الرواية، وكذا هذا فيمن أصابته مخمصة، وبه قال الشافعي في الأصح، ومالك وأحمد في رواية.
قوله: وعن أبي أنه لا يحنث، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية.
وكذا الخلاف فيمن أصابته مخمصة، وهذا الخلاف فيما إذا علم أنه يسعه تناول هذه الأشياء في هذه الحالة، أما إذا لم يعلم نرجو أن لا يأثم؛ لأنه قصد به التحرز عن ارتكاب المُحَرَّم بزعمه، ذكره في الذخيرة.
ويجيء في المتن: ثم الأصل عند أبي يوسف أن الإثم ينتفي عن المضطر، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةِ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] وهذا لأن الحرمة لصفة أنها ميتة أو خمر، وبالضرورة لا يزول ذلك، فإذا امتنع كان امتناعه من تناول الحرام فلا يأثم؛ لأنه تمسك بالعزيمة.
[ ٧ / ٤٦٣ ]
إِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا عَلِمَ بِالإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الحُرْمَةِ خَفَاءً فَيُعْذَرُ بِالجَهْلِ فِيهِ كَالجَهْلِ بِالخِطَابِ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الحَرْبِ ..
قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ -، أَوْ سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَيْدٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ ضَرْبٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِكْرَاهَا حَتَّى يُكْرَهَ بِأَمْرٍ يَخَافُ مِنهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِإِكْرَاهِ فِي شُرْبِ الخَمْرِ لِمَا مَرَّ، فَفِي الكُفْرِ - وَحُرْمَتُهُ أَشَدُّ - أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ:
وجه ظاهر الرواية: حرمة هذه الأشياء مقيدة بحالة الاختيار، فلا تثبت حالة الضرورة، وذلك لأنه تعالى قال ﴿فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] فقد استثنى حالة الضرورة عن التحريم، والاستثناء من التحريم إباحة، ويجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى، وقد كان مباحًا قبل التحريم، فبقي على ما كان في حالة الضرورة، فتثبت الإباحة حالة الضرورة.
فالامتناع من تناوله كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى مات فيأثم؛ لأنه ألقى نفسه في التهلكة.
وأما صفة الميتة والخمرية توجب الحرمة؛ لمعنى الرفق بالمتناول، وهو أن يمنعه من استعمال عقله بشرب الخمر ويصده عن ذلك.
وكذا في الميتة والخنزير؛ لما عرف أن للغذاء أثرًا في الحلق، وتعدي صفة الذميمة والرفق هاهنا في الإباحة؛ لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل، وفي الامتناع عن التناول إتلاف الكل، فتثبت الإباحة لهذا المعنى.
وكذا لو أوعده بقطع عضوه؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها، كذا في المبسوط.
قوله: (أحرى وأولى) أي: أولى أن لا يكون إكراها، وأما ما روى ابن مسعود أنه قال: " ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط عند ذي سلطان إلا كنت متكلما "به" فإنما هو منه على طريق بيان الرخصة فيما فيه الألم الشديد، وإن كان سوطين، فإما أن يقال: إن السوطين اللذين لا يخاف منهما الثلاث موجب الرخصة في إجراء كلمة الكفر، فلا يظن ذلك بعبد الله، وإنما يحمل منه على سبيل المثل؛ لبيان الرخصة عند خوف التلف.
[ ٧ / ٤٦٤ ]
(وَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَمَرُوهُ بِهِ وَيُوَرِّي، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ حَيْثُ ابْتُلِيَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَكَ؟ قَالَ مُطْمَئِنَّا بِالإِيمَانِ، فَقَالَ ﵊: فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآية.
وَلِأَنَّ بِهَذَا الإِظْهَارِ لَا يَفُوتُ الإِيمَانُ حَقِيقَةً لِقِيَامِ التَّصْدِيقِ، وَفِي الامْتِنَاعِ فَوْتُ النَّفْسِ حَقِيقَةٌ فَيَسَعُهُ المَيْلُ إِلَيْهِ. قَالَ: (فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُظْهِرُ الكُفْرَ: كَانَ مَأْجُورًا) لِأَنَّ «خُبَيْبًا ﵁ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صُلِبَ وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ
وقيل: السوطان في حقه كان يخاف منه التلف؛ لضعف بنيته، وقد كان بهذه الصفة وهو مشهور، كذا في المبسوط.
قوله: (يوري) التورية: أن يظهر خلاف ما يضمره.
وفي الحديث أنه ﵊ كان إذا أراد السفر وَرَّى بغيره (^١).
وفي الصحاح: يقال وريت الخبر إذا سترته وأظهرت غيره.
وقوله ﵊: «إنْ عادُوا فَعُدْ» (^٢) أي: إن عادوا إلى الإكراه فَعُدْ إلى طمأنينة القلب لا إلى إجراء كلمة الكفر، إذ لا يجوز منه ﵊ الأمر بإجراء كلمة الكفر، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وما قيل: فعد إلى ما كان منك من النيل مني، وذكر آلهتهم بخير فغلط؛ لما ذكرنا أنه لا يجوز له الأمر بالتكلم بكلمة الكفر.
قوله: (لِأَنَّ خُبَيْبًا) إلى آخره، وقصته أن المشركين أخذوه وباعوه من أهل مكة، فجعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير ويسب محمدًا، وهو يسب آلهتهم ويذكر محمدًا بخير حتى قتلوه، فقال ﵊: «هُوَ رفيقي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/¬٤٨ رقم ٢٩٤٧)، ومسلم (٤/ ٢١٢٨ رقم ٢٧٦٩) من كعب بن مالك حديث ﵁.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٨ رقم ٣٣٦٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠٨ رقم ١٧٣٥٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٤٦٥ ]
الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ فِي مِثْلِهِ هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ» وَلِأَنَّ الحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَالامْتِنَاعُ لِإِعْزَازِ الدِّينِ عَزِيمَةٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِلِاسْتِثْنَاءِ.
قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ، بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ: وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الغَيْرِ يُسْتَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي حَالَةِ المَخْمَصَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ وَلِصَاحِبِ المَالِ أَنْ يُضَمِّنَ المُكْرِهَ) لِأَنَّ المُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ، … … … ..
فِي الجَنَّةِ» (^١) كذا في شرح الأقطع.
ويعرف بهذا أن المثل المذكور في الكتاب بقوله: (وقال في مثله) صلة أو عبارة عن الذات.
قوله: (بخلاف ما تقدم) إشارة إلى مسألة الإكراه بأكل الميتة وشرب الخمر.
فإن قيل: كما استثنى حالة الضرورة في الميتة استثنى في إجراء كلمة الكفر حالة الإكراه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فينبغي أن يكون الإجراء مباحًا أيضًا.
قلنا: الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ استثناء من الغضب، فينتفي الغضب، ولا يلزم من انتفائه انتفاء الحرمة، فكان رخصة.
وفي الكشاف: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] شرط مبتدأ وحذف جوابه؛ لأن جواب ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ دال عليه كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره ﴿وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وفي التيسير: الآية على التقديم والتأخير، تقديره الكافرون بالله؛ لأن ﴿مَنْ﴾ هنا للجمع؛ لأنه جنس فيحصل للجمع بعد إيمانهم به، الشارحون لقبول الكفر واعتقاده صدورًا ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلا من أكره على الكفر، فإنه لا يستحق غضب الله والعذاب العظيم.
قوله: (فيما يصلح آلة له) هذا احتراز عن الأكل والوطء، فإن المكره لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ٦٧) رقم (٣٠٤٥) من أبي هريرة حديث ﵁
[ ٧ / ٤٦٦ ]
وَالإِتْلَافُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِقَتْلِهِ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ: لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، وَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ آثِمًا) لِأَنَّ قَتْلَ المُسْلِمِ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةٍ مَا فَكَذَا بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ.
قَالَ: (وَالقِصَاصُ عَلَى المُكْرِهِ إِنْ كَانَ القَتْلُ عَمْدًا) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي
يصلح آلة فيهما، إذ الأكل بفم الغير والتكلم بلسان الغير لا يتصور.
قوله: (والإتلاف من هذا القبيل) أي: من قبيل أن يصلح آلة، بأن يأخذه ويلقيه على مال الغير فيتلفه.
قوله: (لأن قتل المسلم لا يستباح لضرورة ما) إذ دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه في ذلك سواء، فسقط حق المكره في حق تناول دم المكره عليه؛ للتعارض، بخلاف ما إذا صبر على إتلاف مال الغير، فإن دليل الرخصة قائمة، وحرمة النفس فوق حرمة المال، فاستقام أن يجعل وقاية له، ولكن أخذ مال الغير وإتلافه ظلم، وعصمة صاحبه باقية فيه، فبقي حرامًا في نفسه؛ لبقاء دليله فيكون رخصة، إذ الرخصة ما يستباح مع قيام المحرم، فإذا صبر حتى قتل فقد بذل نفسه لدفع الظلم، ولإقامة حق محترم، فصار مثابًا شهيدًا، ولو أكره بالضرب والحبس لا يسعه ذلك؛ لأنه لا يوجب الإلجاء.
قوله: (والقصاص على المُكره) بكسر الراء أي: الأمر إن كان عمدًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، وبه قال الشافعي في قول.
وفي النهاية: سواء كان الأمر عاقلا بالغا، أو معتوها، أو غير بالغ، فالقود على الأمر، كذا في المبسوط في باب تعدي العاقل من الإكراه، وأورد سؤالا فقال: فإن قيل: لو كان المكره بمنزلة الآلة للمباشر في القتل، والمكره المأمور آلة له، لوجب أن لا يجب القصاص على الأمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها؛ لا انتقال فعل المكره إليه، لا يكون أقوى من مباشرته بنفسه، وفيما باشر الصبي العمد لا يجب القصاص على الأمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها لا انتقال فعل المكره إليه لا يكون أقوى من مباشرته بنفسه وفيما باشر الصبي العمد لا يجب القصاص عليه.
وقد ذكر في المبسوط: أن القصاص يجب على الصبي إذا أمر غيره بالقتل،
[ ٧ / ٤٦٧ ]
حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى المُكْرَهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ
كما نقلنا من المبسوط.
قلنا: لما انتقل فعل المأمور إلى الأمر انتقل مع وصفه من العقل والبلوغ، فصار ذلك بمنزلة جناية الأمر بيد المأمور في أحكام القتل، فكذلك لم يعتبر عقل الأمر وبلوغه، بخلاف ما لو باشر بنفسه؛ لأنه لا واسطة هنا، فلا يوجد وصف العقل والبلوغ، إليه أشار في المبسوط.
قال شيخي العلامة مولانا علاء الدين عبد العزيز ﵀: ما نقله صاحب النهاية عن المبسوط سهو، فإنه ذكر في هذا الباب: إذا عرفنا هذا فنقول: سواء كان المكره عاقلا بالغا أو معتوها أو غلامًا غير بالغ، فالقود على المكره؛ لأن المكره صار كالآلة، والعقل والبلوغ غير معتبر في حق الآلة، وإنما المعتبر تحقق الإلجاء، فعلم أن قوله: سواء كان المكره بالغا أو معتوها بفتح الراء لا بكسرها، والدليل الذي ذكره يتأدى عليه، فتوهمه الشارح بكسر الراء، وذلك غير سديد.
يؤيده ما قال أبو اليسر في مبسوطه: ولو كان المكره صبيا أو مجنونا لا يجب القصاص على أحد؛ لأن القاتل في الحقيقة هذا الصبي، والمجنون وهو ليس بأهل لوجوب العقوبة عليه.
وذكر الحلواني في مبسوطه: ولو كان المأمور مختلط العقل أو صبيا، يجب القصاص على المكره الأمر؛ لأن فعل القاتل ينتقل إليه، فيكون الصبي والبالغ في حقه سواء، فعلم بهذا أن إيجاب القصاص على الصبي الأمر سهو، وما ذكره من الفرق بين المباشر والآمر غير مسلم؛ لأن المنتقل الفعل، ووصفه من العمد والخطأ لا وصف القائل من العقل والبلوغ، ألا ترى أن المأمور لو كان صبيا أو معتوها لا ينتقل وصف الصبا والعته إليه حتى لا يجب القصاص على المكره احتيالا للدرء في القصاص.
قوله: (وإليه أشار في المبسوط) سهو أيضًا؛ لأنه ذكر فيه عقيب تلك المسألة وإن كان الأمر غير بالغ، لكنه مطاع يتحقق منه الإكراه، أو كان مختلط العقل ولكنه يتحقق منه الإكراه، فإن الفعل يصير منسوبًا إليه، ويكون ذلك بمنزلة
[ ٧ / ٤٦٨ ]
عَلَيْهِمَا (*). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا لِزُفَرَ: أَنَّ الفِعْلَ مِنْ المُكْرَةِ حَقِيقَةً وَحِسًّا، وَقَرَّرَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الإِثْمُ، بِخِلَافِ الإِكْرَاهِ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ الغَيْرِ، لِأَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ وَهُوَ الإِثْمُ فَأُضِيفَ إِلَى غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَمَسَّكُ الشَّافِعِيُّ فِي جَانِبِ المُكْرَهِ، وَيُوجِبُهُ عَلَى المُكْرِهِ أَيْضًا لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ إِلَى القَتْلِ مِنْهُ، وَلِلتَّسْبِيبِ فِي هَذَا حُكْمُ المُبَاشَرَةِ عِنْدَهُ كَمَا فِي شُهُودِ القِصَاصِ،
جناته بده في أحكام القتل، فالضميران يرجعان إلى الأمر الذي هو الصبي والمعتوه، فظن أن الضمير في (بده) يرجع إلى المأمور، حيث قال فصار ذلك بمنزلة جناية الأمر بيد المأمور، وهو سهو بدليل ما ذكرنا بل معناه ويكون ذلك بمنزلة جنايته بنفسه.
قوله: (وقال الشافعي: يجب عليهما) وبه قال مالك، وأحمد، وزفر في رواية.
وعن زفر: أنه يجب على المكره المأمور فقط.
(لِزُفَرَ أَنَّ الفِعْلَ مِنْ المكره حقيقة)، وهو ظاهر وعيان، فمن أنكر الحس لا يعبأ به، وكذا شرعا فإنه قرر عليه حكمه وهو الإثم بالإجماع، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير كما ذكره في الكتاب، فإذا وجد الفعل منه حقيقة وحسا وشرعًا يكون القصاص عليه، إذ القصاص يجب على القاتل.
(وبهذا يتمسك الشافعي) في وجوب القصاص (على المكره).
(منه) أي: من المكره الأمر حيث أحدث فيه معنى كان حاملا له على القتل.
(وللتسبيب في هذا) أي: في وجوب القصاص (حكم المباشرة عنده) أي عند الشافعي (كما في شهود القصاص) يعني لو شهدوا بالقتل العمد حتى اقتص القاتل، ثم رجع الشهود، أو جاء المشهود بقتله حيًّا، يقتل الشهود عند الشافعي.
وهذا لأن حكمة وجوب القصاص الزجر والردع، والقتل غالبا يقع بإكراه
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ٤٦٩ ]
وَلِأَبِي يُوسُفَ، أَنَّ القَتْلَ بَقِيَ مَقْصُورًا عَلَى المُكْرَهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى التَّأْثِيمِ، وَأُضِيفَ إِلَى المُكْرِهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى الحَمْلِ، فَدَخَلَتْ الشَّبْهَةُ فِي كُلِّ جَانِبِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى القَتْلِ بِطَبْعِهِ إِيثَارًا لِحَيَاتِهِ، فَيَصِيرُ آلَةٌ لِلْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، بِأَنْ يُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَلَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ فِي الجِنَايَةِ عَلَى دِينِهِ فَيَبْقَى الفِعْلُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الإِثْمِ كَمَا نَقُولُ فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الإِعْتَاقِ، … … … ..
من المتغلبة والأكابر، فلم يوجب القصاص لانسد بابه في موضع تكون الحاجة إلى إيجابه ألزم.
قوله: (نظرا إلى التأثيم) فإن المكره القاتل يأثم بالإجماع.
قوله: (نظرا إلى الحمل) أي: حمل المكره عليه، وصار مدفوعا إلى القتل، ولأن المكره قاتل حقيقة لا حكما والمكره بالعكس، فتمكنت الشبهة في الجانبين فلا يجب القصاص.
قوله: (محمول على القتل بطبعه)؛ لأنه جبل على حب حياة نفسه وإيثارها على حياة غيره، فيفسد اختياره، فيلحق بالآلة التي لا اختيار لها، وينسب الفعل إلى من أفسد اختياره وحمله على هذا الفعل كالسيف يقطع بطبعه، والفعل منسوب إلى الضارب، فيكون المكرَهُ آلة كالسيف فيما يصلح آلة له وهو القتل، فلا يكون على المكره قصاص ولا دية ولا كفارة.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] فقد نسب الذبح إلى اللعين، وما كان يباشره صورة ولكنه يأمر به، وأمره الإكراه، ولا يصلح آلة في الجناية على دينه؛ لأن القتل من حيث إنه موجب المأثم جناية على دين القاتل؛ لأنه إنما أكرهه ليجني عليه دينه، فلو أضيف إليه لصار جناية على دين المكره، وفيه بطلان الإكراه، فبقي العقل من حيث كونه جناية على دينه مقصورًا على المكره، ومن حيث الإتلاف منقولًا إلى المكره؛ لأنه يصلح آلة له كما في الإكراه على الإعتاق ينتقل الفعل إلى المُكره من حيث الإتلاف، حتى يجب الضمان على المُكرِه، ومن حيث الإعتاق بقي مقصورًا على المُكرَه حتى يكون الولاء له، وصار كإكراه المجوسي على ذبح شاة الغير، فإنه يصير آلة من حيث الإتلاف، ولم يصر آلة من حيث الزكاة حتى لا يحل تناوله.
[ ٧ / ٤٧٠ ]
وَفِي إِكْرَاهِ المَجُوسِيِّ عَلَى ذَبْحِ شَاةِ الغَيْرِ يَنْتَقِلُ الفِعْلُ إِلَى المُكْرَهِ فِي الإِثْلَافِ دُونَ الزَّكَاةِ حَتَّى يَحْرُمَ كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ، فَفَعَلَ: وَقَعَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ بِقِيمَةِ العَبْدِ) لِأَنَّهُ صَلَحَ آلَةٌ لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الإِتْلَافُ فَيُضَافُ إِلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مُوسِرًا
قوله: (في الكتاب وصار كإكراه المجوسي) من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول؛ لأن المجوسي مُكرَه، وقد صرح به في الإيضاح، وهو كما لو أكره مجوسيا على ذبح شاة الغير.
فإن قيل: لو كان المأمور محمولًا على القتل بطبعه لإيثار حياته، ينبغي أن يسقط القصاص عمن أصابته مخمصة (^١)، وقتل إنسانًا وأكل من لحمه حتى بقي حيا؛ لأنه مضطر في دفع الهلاك عن نفسه بقتل الغير كالمكره وحيث يجب القصاص فما الفرق؟
قلنا: هذا الذي تشبث به زفر، وإنما أسقطنا القصاص عن المُكْرَهِ؛ لأنه مُلْجَأً من جهة الغير، وصار آلة له، فأما المضطر غير مُلْجَأَ إلى القتل من جهة غيره حتى صار بمنزلة الآلة، ولهذا يجب الضمان عليه في المال، فعلم أن حكم الفعل مقصور عليه في المخمصة.
قوله: (خلافا للشافعي) وبه قال مالك، وأحمد، وقد مر في فصل طلاق المُكره والسكران.
وفي فتاوى قاضي خان: أُكرِهَ بِوَعِيدٍ لقتل على الطلاق والعتاق فلم يفعل حتى قُتِلَ لا يأثم، كما لو أكرِهَ على إتلاف مال نفسه فلم يُتلف كان شهيدًا، فكذا في الامتناع عن إبطال ملك النكاح.
(فله أن يضمنه) أي: فلِلمُكْرَةِ المأمور أن يَضْمَنَ الأمر موسرًا كان أو مُعسِرًا؛ لأن وجوب الضمان باعتبار مباشرة، الإتلاف، فيكون ضمان جبران، فلا يختلف باليسار والإعسار.
_________________
(١) في الأصل: (محضة)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٧١ ]
كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَلَا سِعَايَةَ عَلَى العَبْدِ، لِأَنَّ السِّعَايَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلتَّخْرِيجِ إِلَى الحُرِّيَّةِ أَوْ لِتَعَلَّقِ حَقِّ الغَيْرِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ المُكْرَهُ عَلَى العَبْدِ بِالضَّمَانِ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذْ بِإِتْلَافِهِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ المَرْأَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي العَقْدِ مُسَمًّى: يَرْجِعُ عَلَى المُكْرَةِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ المُتْعَةِ) لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِأَنْ جَاءَتْ الفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ إِتْلَافًا لِلْمَالِ مِنْ هَذَا الوَجْهِ فَيُضَافُ إِلَى المُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِثْلَافٌ. بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَ بِهَا،
قوله: (لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية) كما هو مذهب أبي حنيفة، فإن المستسعى كالمكاتب عنده، أو لتعلق حق الغير كما هو مذهبهما؛ لأن السعاية عندهما لتعلق حق غير المعتق بالعبد، وهاهنا لو وجبت لوجبت لتعلق حق المعتق؛ لأنه لا حَقَّ هنا لغير المعتق، ولا نظير له في الشرع.
(التعلق حق الغير) إشارة إلى عتق المريض عبده، وعتق الراهن عبده المرهون، فإنه تجب السعاية على العبد فيهما إن كان معسرًا؛ لتعلق حق الغير به وفي الذخيرة: مسألة الإعتاق والطلاق على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقول المكره خطر ببالي الإخبار بالحرية فيما مضى كاذبًا، وقد أردت ذلك لا الإنشاء بعتق العبد قضاءً لا ديانةً، ولا يضمن المكره شيئًا؛ لأنه عدل عما أكرهه وعتق العبد بإقراره طائعا.
والثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار كاذبًا، وتركت ذلك وأردت عتقا مستقبلا كما طلب مني، فعتق العبد حينئذ قضاء وديانة، وهو ظاهر، ويكون المكره ضامنا؛ لعدم عدوله عما أكرهه.
والثالث: أن يقول لم يخطر ببالي شيء، وقد أتيت بما طلب مني.
فالجواب فيه كالجواب في الوجه الثاني، والجواب في الإكراه على الطلاق، وقد سمى لها مهرًا قبل الدخول، كالجواب في الإكراه على عتق العبد في الوقوع ورجوع الزوج على المكره، إلا في الطلاق الرجوع بنصف المهر، وفي الإعتاق بقيمة العبد.
قوله: (بخلاف ما إذا دخل بها) حيث لا يضمن المكره على الطلاق شيئًا،
[ ٧ / ٤٧٢ ]
لِأَنَّ المَهْرَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ.
(وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ، فَفَعَلَ الوَكِيلُ، جَازَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ مُؤَكِّرٌ فِي فَسَادِ العَقْدِ، وَالوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ،
كما في الرجوع عن الشهادة بالطلاق بعد الدخول، وبه قال مالك، وأحمد.
وعند الشافعي: يضمن مهر المثل كما في الشهادة؛ لأن ملك البضع مضمون بمهر المثل عند الإتلاف عنده، كما هو مضمون به عند دخوله في ملك النكاح.
وجوابه مذكور في الأصول.
وفي الكافي: أكرهه على إعتاق نصف عبده فأعتق كله، فهو مختار ولا شيء على المكره عند أبي حنيفة؛ لأن الإعتاق يتجزأ عنده.
وعندهما: يضمن المكره قيمة العبد؛ لأنه لا يتجزأ عندهما.
فالإكراه على إعتاق النصف إكراه على إعتاق الكل، ولو أكره أن يعتق كله فأعتق نصفه يضمن نصف قيمته عنده؛ لأنه أتى ببعض ما أكره عليه، فكان حكم الإكراه ثابتًا فيما أتى به.
وعندهما: يضمن الكل لأن إعتاق النصف إعتاق الكل.
قوله: (جاز استحسانًا) أي: يقع الطلاق والعتاق بفعل الوكيل.
وفي القياس: لا يقع، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن القياس أن لا تصح الوكالة بالإكراه؛ لأن الأصل أن كل عقد يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه، وما لا فلا؛ لأنهما يبغيان الرضى، والوكالة تبطل بالهزل فكذا مع الإكراه.
قوله: (والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة) لأنها من الإسقاطات، إذ الموكل يسقط حقه بالتفويض إليه، فإذا لم تبطل الوكالة نفذ تصرف الوكيل، ثم يرجع المُكرَهُ على المُكرِهِ بقيمة العبد وبنصف المهر استحسانًا.
والقياس: أن لا يرجع عليه؛ لأن الإكراه وقع على التوكيل، وزوال الملك لا يثبت، إذ الوكيل قد يفعل وقد لا يفعل، فلا يضاف الإتلاف عليه، كما لو شهدا بوكالة فلان بعتق عبده فأعتقه الوكيل ثم رجعا، فإنهما لا يضمنان فكذا هاهنا.
[ ٧ / ٤٧٣ ]
وَيَرْجِعُ عَلَى المُكْرِهِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ المُكْرِهِ زَوَالُ مِلْكِهِ إِذَا بَاشَرَ الوَكِيلُ، وَالنَّذْرُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الإِكْرَاهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الفَسْخَ، وَلَا رُجُوعَ عَلَى المُكْرِهِ بِمَا لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِيهَا، وَكَذَا اليَمِينُ،
وجه الاستحسان: أن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، فكان الزوال مقصودًا؛ فيضمن، ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه لم يوجد منه الإكراه.
قوله: (والنذر لا يعمل فيه الإكراه) حتى لو أكرهه بوعيد تلف على أن يوجب على نفسه صدقةً أو صلاةً أو صومًا أو حجا أو شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى فنذر لزمه المنذور، وكذا لو أكرهه على اليمين بشيء من ذلك أو بغيره فحلف صح يمينه عندنا، خلافًا للأئمة الثلاثة.
(لأنه) أي: النذر لا يحتمل الفسخ؛ لأنه يمين لقوله ﵊ «النَّذْرُ يَمين» (^١)، واليمين لا يحتمل الفسخ، فلا يؤثر فيه الإكراه من حيث منع الصحة كالعتاق؛ لما أن أثر الكره في فوات الرضا وأثره في عدم اللزوم، فما لا يتأتى فيه الفسخ لا يتأتى فيه أكثر الإكراه، فلا يؤثر فيه الإكراه.
والأصل فيه حديث حذيفة أن المشركين لما أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله ﷺ في غزوة فحلف مُكرَهًا، ثم أخبر به رسول الله ﷺ، فقال ﵊: «أُوفِ لَهُمْ بِعَهْدِهم ونحنُ نَستعين باللهِ تَعَالَى» (^٢) وقد بينا أن اليمين والطلاق والعتاق سواء في أن الهزل لا يؤثر والجد فيه سواء، وهذا لأن فيه منع نفسه عن شيء أو إيجاب شيء على نفسه بحق الله تعالى، فيكون في معنى الطلاق والعتاق الذي تضمن تحريم الفرج حقا الله تعالى، فيستوي فيه الكره والطوع.
والنذر بمنزلة اليمين لما روينا، ولا يرجع على المكره بما يلزمه من ذلك؛ لأنه أوجب عليه حكما يطالب به في الآخرة، ولا يظهر أثره في الدنيا من حيث الإلزام، فلو أوجبنا عليه الضمان لأخذه الحاكم وحبسه فيه، فيكون زائدا على
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٨ رقم ١٧٣٧٨) من حديث عقبة بن عامر ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤١ رقم ١٧٨٧).
[ ٧ / ٤٧٤ ]
وَالظَّهَارُ لَا يَعْمَلُ فِيهِمَا الإِكْرَاهُ لِعَدَمِ احْتِمَالِهِمَا الفَسْخَ، وَكَذَا الرَّجْعَةُ وَالإِيلَاءُ وَالفَيْءُ فِيهِ بِاللِّسَانِ، لِأَنَّهَا تَصِحٌ مَعَ الهَزْلِ، وَالخُلْعُ مِنْ جَانِبِهِ طَلَاقُ، أَوْ يَمِينٌ، لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ، فَلَوْ كَانَ
ما أوجبه، وهذا لا يجوز، كذا في المبسوط.
قوله: (والظهار) يعني لو أكرهه أن يظاهر من امرأته كان مُظاهِرًا، ولا يقربها حتى يُكَفِّر؛ لأن الظهار من أسباب التحريم كالطلاق، فيستوي فيه الجد والهزل والإكراه والطوع، خلافا للأئمة الثلاثة.
(وكذا الرجعة لأنه استدامة للنكاح، فكانت ملحقة به.
(وكذا الإيلاء) لأنه يمين في المال، والإكراه لا يمنع كل واحد منهما.
(وكذا الفيء منه أي: في الإيلاء باللسان؛ لأنه كالرجعة في الاستدامة (لأنها) أي: الرجعة والإيلاء والفيء يصح مع الهزل) فلا يؤثر فيها الإكراه.
والخلع من جانبه) أي: من جانب الزوج (طلاق أو يمين) فلا يؤثر فيه الهزل، فالإكراه يمنع وقوع الطلاق بغير بذل، فكذا بالجعل.
(فلو كان) أي: الزوج مُكرَها على الخلع والمرأة غير مكرهة لزمها البدل؛ لأنها التزمته طائعة بإزاء ما سلم لها من البينونة.
وفي المبسوط: لو أكرهه على أن يُكَفِّرَ ظهاره أو غيره ففعل لم يرجع بذلك على المكره؛ لأنه أمره بالخروج عن عهده ما لزمه حبسه، وما أتلف عليه شيئًا بغير حق، ولو أكرهه على عتق عبد بعينه عن ظهاره ففعل عتق، وعلى المكرهِ قيمة؛ لأنه صار متلفًا عليه مالية العبد إذ لم يكن عتق هذا العبد المعين مستحقا عليه، بل المستحق ما وجب في ذمته يؤمر بالخروج عنه فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك في حق العين كالمعدوم فيلزمه قيمته، ولا يجزئه عتقه عن كفارته؛ لأنه في معنى العتق بعوض.
ولو قال: أنا أُبْرِيه من القيمة حتى يجزئني من الكفارة لم يجز ذلك؛ لأن العتق نفذ غير مجزئ عن الكفارة، والموجود بعده إبراء عن الدين، وبالإبراء لا
[ ٧ / ٤٧٥ ]
هُوَ مُكْرَهًا عَلَى الخُلْعِ دُونَهَا لَزِمَهَا البَدَلُ لِرِضَاهَا بِالِالْتِزَامِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الزِّنَا، وَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يُكْرِهَهُ السُّلْطَانُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَلْزَمُهُ الحَدُّ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الحُدُودِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرِّدَّةِ: لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ مِنهُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالاعْتِقَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنَّا بِالإِيمَانِ لَا يَكْفُرُ، وَفِي اعْتِقَادِهِ الكُفْرَ شَكٍّ فَلَا تَثْبُتُ البَيْنُونَةُ بِالشَّكَ، فَإِنْ قَالَتْ المَرْأَةُ قَدْ بِنْتُ مِنْكَ، وَقَالَ هُوَ: قَدْ أَظْهَرْتُ ذَلِكَ وَقَلْبِي مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعِ لِلْفُرْقَةِ، وَهِيَ بِتَبَدُّلِ الاعْتِقَادِ وَمَعَ الإِكْرَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّبَدُّلِ، فَكَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، بِخِلَافِ الإِكْرَاهِ عَلَى الإِسْلَامِ، حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ … … … … .
تتأدى الكفارة، ولو قال: أريد به كفارة الظهار، ولم أعتقه لإكراهه، يجزئه عن الكفارة ولم يرجع على المُكرِه بشيء؛ لأنه أقر أنه أعتقه طائعا.
قوله: (إلا أن يكرهه السلطان) أي: حينئذ لا حدَّ على المكره، وقد مرت المسألة مع فروعها في كتاب الحدود.
قوله: (لأن الردة تتعلق بالاعتقاد) ألا ترى أنه لو نوى أن يَكْفُرَ يصير كافرًا وإن لم يتكلم بالكفر، والإكراه دليل عدم تغيير الاعتقاد، فلم يحكم بالردة، فلم تبن امرأته منه، وهذا معنى قوله: (وفي اعتقاده الكفر شك) فلا تثبت البينونة بالشك، يعني الردة تعتمد محض الاعتقاد، وقد وقع الشك في اعتقاده الكفر، فلا تثبت الردة بالشك احتياطا.
قوله: (استحسانا) قيد به؛ لأن في القياس القول قولها حتى يفرق بينهما؛ لأن كلمة الكفر سبب لحصول البينونة كلفظ الطلاق، فيستوي فيه الطائع والمكره.
وجه الاستحسان: أن اللفظ غير موضوع للفرقة، بل تقع الفرقة بتغيير الاعتقاد، والإكراه دليل على عدم تغير الاعتقاد، فكان الزوج منكرًا للفرقة، كذا في الإيضاح.
قوله: (لما احتمل واحتمل) يعني لو أكره الكافر على الإسلام يحكم
[ ٧ / ٤٧٦ ]
رَجَّحْنَا الإِسْلَامَ فِي الحَالَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَهَذَا بَيَانُ الحُكْمِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ: لَمْ يُقْتَلْ لِتَمَكَّنِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَتْلِ. وَلَوْ قَالَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى إِجْرَاءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ، أَخْبَرْتُ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ، … ..
بإسلامه؛ لأنه وجد أحد الركنين، وفي الركن الثاني احتمال أي: احتمل الاعتقاد واحتمل عدم الاعتقاد.
(رجحنا الإسلام في الحالين) أي: في حالة إجراء كلمة الكفر بالإكراه وحالة الإكراه بالإسلام احتياطا؛ (لأن الإسلام يعلو ولا يعلى).
(وهذا) أي الحكم بالإسلام (بيان الحكم) أما ديانة إذا لم يعتقد فليس بمسلم.
قوله: (لتمكن الشبهة) لاحتمال عدم الردة؛ لأن الردة تحصل بتبدل الاعتقاد، وهو محتمل أي الشبهة (دارئة للقتل).
قوله: (أخبرت عن أمر ماض) يعني خطر ببالي بقولي: كفرت بالله، أن أخبر عن أمر ماض كذبًا، ولم أكن فعلت ذلك فيما مضى، بانت منه امرأته حكما لا ديانة.
وفي المبسوط والذخيرة: هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يقول: قد خطر ببالي أن أقول لهم: قد كفرت بالله، وأريد الخبر عما مضى كذبًا، بانت امرأته حكمًا؛ لأنه أقر أنه أتى بغير ما أكره، إذ هو أكره على إنشاء الكفر، وهو قد أتى بالإقرار به، وكان طائعا في هذا الإقرار، ومن أقر بالكفر طائعا بانت منه امرأته قضاء لا ديانة.
والثاني: أن يقول: خطر ببالي الإخبار عن الكفر بالماضي والكذب، ولكن لم أرد ذلك بل أردت كفرًا مستقبلا جوابا لكلامهم، وهذا كافر تبين امرأته قضاءً وديانةً؛ لأنه لما خطر بباله قد تمكن من الخروج عما ابتلي به بأن ينوي ذلك، والضرورة تنعدم بهذا التمكن، فلم يفعل ذلك، وإنشاء الكفر كان بمنزلة إجراء كلمة الكفر طائعا؛ فيحكم بكفره قضاءً وديانةً.
والثالث: أن يقول: لم يخطر ببالي شيء، ولكن كفرت بالله كفرًا مستقبلا،
[ ٧ / ٤٧٧ ]
وَلَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، بَانَتْ مِنْهُ حُكْمًا لَا دِيَانَةً. لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَائِعٌ بِإِثْيَانِ مَا لَمْ يُكْرَهُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ هَذَا الطَّائِعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ قَالَ أَرَدْت مَا طُلِبَ مِنِّي وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي الخَبَرُ عَمَّا مَضَى: بَانَتْ دِيَانَةٌ وَقَضَاءَ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ مُبْتَدِى بِالكُفْرِ هَازِلٌ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ لِنَفْسِهِ مَخْلَصًا غَيْرَهُ.
وَعَلَى هَذَا: إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ لِلصَّلِيبِ، وَسَبِّ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ ﵊ فَفَعَلَ، وَقَالَ: نَوَيْت بِهِ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُحَمَّدًا آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ ﵊: بَانَتْ مِنْهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةٌ، وَلَوْ صَلَّى لِلصَّلِيبِ، وَسَبَّ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ
وقلبي مطمئن، لم تَبن امرأته منه استحسانا؛ لأنه لما لم يخطر بباله سوى ما أكره، فقد فعل ما فعل مُضطرًا مكرهًا، وهو مرخص في ذلك إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان.
قوله: (وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب) معناه أن يسجد له، أو أكره على سَبِّ محمد ﵊.
وهذه المسألة على ثلاثة أوجه أيضًا: ففي الوجهين لا يكفر قضاء وديانة إذا لم يظهر به، وفي وجه واحد يكفر مطلقًا، فإنه إذا لم يخطر بباله شيء لم تبن منه امرأته، وإن خطر بباله أن يصلي لله، وقد صلى الله لا للصليب، وهو الوجه الثاني لا يكفر أيضًا قضاء وديانة.
فإذا نوى أن يصلي الله وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل للقبلة ينبغي أن يقصد ذلك؛ لأن الصلاة غير مستقبل القبلة تجوز عند الضرورة، والأعمال بالنيات، فإن ترك هذا بعد ما خطر بباله وصلى للصليب كما أكره عليه كفر قضاء وديانة، وهو الوجه الثالث، وبانت منه امرأته؛ لأنه أمكنه دفع ما أكره عن نفسه؛ فإذا لم يفعل كان مختارًا للكفر.
وفي المبسوط: هذه المسألة تدل على السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر.
قوله: (وسب محمد ﵊ على ثلاثة أوجه، ويعلم بهذا أن
[ ٧ / ٤٧٨ ]
﵊ وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَبُّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﵊: بَانَتْ مِنهُ دِيَانَةً وَقَضَاءَ لِمَا مَرَّ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَى»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (بانت منه قضاء لا ديانة) فأما إذا أظهر نيته وقال: نويت به الصلاة الله ومحمد آخر غير النبي؛ لأن القاضي لا يقبل نيته، وقد أتى بغير ما أمر به، فكان طائعًا ظاهرًا، ونيته باطنة فيقبل ديانة.
قوله: (لما أقر) (^١) إشارة إلى قوله: (لأنه يبتدئ بالكفر هازلا به، حيث علم لنفسه مخلصًا غيره) (^٢)؛ لأنه لما خطر بباله شتم محمد النصراني فقد وجد مخرجًا عما ابتلي به، ثم لما ترك ما خطر بباله وشتم محمدًا النبي ﵊ فقد كفر؛ لأنه غير مضطر في موافقة المكره وشتم محمد بلا اضطرار كفر.
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية: (أقر)، وتقدم في المتن: (لما مر).
(٢) انظر المتن ص ٤٧٨.
[ ٧ / ٤٧٩ ]