(كِتَابُ الْإِجَارَاتِ)
لما فرغ من تمليك العين بغير عوض شرع في تمليك المنفعة بعوض، وقدم الهبة على الإجارة لأنها تمليك العين، والعين مقدم على المنفعة، ولأن فيها عدم العوض، والعدم مقدم على الوجود، ووصله بفصل الصدقة.
ثم من محاسن الإجارة دفع الحاجات بقليل من الأبدال، ولهذا قيل: إن الفقير ينتفع بفلوسه من الاستحمام مثل انتفاع غني يصرف الألوف لاستحمامه.
ثم الإجارة لغة: فعالة من الأجر، اسم للأجرة، وهو العوض، قال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وسمي الثواب أجرًا لأنه تعالى يعوض العبد به.
وقد آجره إذا أعطاه أجرته، من باب: طَلَبَ وضَرَبَ، فهو آجر، وذاك مأجور.
وفي العين، والأساس: آجرت مملوكي، وآجرني داره فاستأجرتها، أو آجره إيجارًا فهو مؤجر، ولا تقل: مؤاجر فإنه خطأ وقبيح.
أما الخطأ فظاهر، وهو أنه مهموز أفعل.
وأما قوله: مؤاجر، معتل فاعل، والقبح أنه استعمل في موضع قبيح.
ثم قال: وليس آجر هذا: فاعل، ولكن: أفعل، وإنما الذي هو فاعل قولك: آجر الأجير مؤاجرة، كقولك: شاهره وعارضه (^١).
فالحاصل أنك إذا قلت: آجره الدار، أو المملوك فهو من (أفعل) لا غير، وإذا قلت: أجر الأجير كان مؤجرًا، وأما اسم الفاعل فمن نحو: آجره الدار
_________________
(١) انظر: العين للخليل بن أحمد (٦/ ١٧٣)، وأساس البلاغة للزمخشري (١/¬٢١).
[ ٧ / ٢٢٢ ]
(الإِجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى المَنَافِعِ بِعِوَضٍ) لِأَنَّ الإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ المَنَافِعِ، وَالقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ المَنْفَعَةُ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إِلَى مَا سَيُوجَدُ لَا يَصِحُّ، إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّتِهَا الآثَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»
مؤجر، والأجر في معناه غلط محض، واسم المفعول من: أجره الدار مؤجر لا مؤاجر، ومن أجر الأجير: مؤجر ومؤاجر؛ لأنه يحتمل أن يكون قوله: آجر الأجير من أفعل، أو من فاعل، هذا حاصل ما ذكره في المغرب (^١).
والإجارة في اللغة كذا يعني يستعملونه في بيع المنفعة، وفي الشرع: بيع منفعة معلومة بأجر معلوم.
قوله: (وقد شهدت بصحتها الآثار)، أي: ثبتت شرعيتها بالآثار، والكتاب أيضًا، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وقال تعالى في قصة موسى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وشريعة من قبلنا لازم علينا ما لم يقم دليل انتساخه.
قوله: (وهو)، أي: الأثر، أو الآثار، أو ذكره بالنظر إلى الخبر: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ» (^٢)، فالأمر بإعطاء الأجر دليل صحة العقد.
وفي المبسوط: بعث النبي ﵊ والناس يباشرونه فأقرهم على ذلك وبين أحكامه (^٣).
والسنة في الباب كثيرة، وأجمع أهل كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما حكي عن عبد الرحمن الأصم أنه قال: لا يجوز وذلك لأنه غرر، يعني بعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق.
وركنها: الإيجاب والقبول بالألفاظ الموضوعة لعقد الإجارة، وتنعقد
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٥/ ٧٤).
[ ٧ / ٢٢٣ ]
وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» …
بلفظين يعبر بهما عن الماضي، نحو أن يقول أحدهما: آجرت، ويقول الآخر: قبلت.
ولا ينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل نحو أن يقول: أجرني، فيقول الآخر: آجرتُ، اعتبار البيع المنفعة ببيع العين.
وتنعقد بلفظ الإعارة، حتى لو قال: أعرتك هذه الدار شهرًا بكذا، أو قال: كل شهر بكذا، أو هذا الشهر بكذا تنعقد، وكذا لو قال: وهبتك منافع هذه الدار شهرًا بكذا، أو ملكتك منافعها بكذا يجوز.
وينعقد بالتعاطي فإن محمدًا ذكر في إجارات الأصل: استأجر قدورًا بغير أعيانها لا يجوز؛ لتفاوت القدور من حيث الصغر، والكبر، فإن جاء بقدور وقبلها منه على الكراء الأول جاز، وتكون هذه إجارة مبتدأ بالتعاطي.
وقال شيخ الإسلام: لا تنعقد بلفظ البيع، وينبغي أن يجوز استعارة لفظ البيع، إن أضيف إلى الدار فهو صالح لتمليك عينها، فلا يجوز أن يجعل مجازا عن غيره، وإن أضيف إلى المنفعة والمنفعة معدومة، والمعدوم لا يصلح لإضافة العقد.
وقيل: على هذا ينبغي أن لا تنعقد بلفظ الهبة والتمليك، وبالإجماع تنعقد بهما.
وفي العيون: لو باشر العقد على العين بلفظ الإجارة، أو باشر على المنفعة بلفظ الإجارة يجوز؛ لأن لفظ الإجارة لا يختص بتمليك الأعيان، وكل لفظ لا يختص بتمليك الأعيان ملحق بلفظ الإجارة، وكل لفظ يختص بتمليك الأعيان لا يلحق بالإجارة، والبيع يختص بتمليك الأعيان فلا يلحق بالإجارة، والعارية والهبة والتمليك لا تختص بتمليك الأعيان فتلحق بالإجارة؛ لأن الإجارة على خلاف القياس؛ لأنها ترد على المعدوم، والمعدوم لا يصلح للعقد، إلا أن الشرع ورد بجوازها إذا باشر العقد بلفظ الإجارة فينعقد به وبما هو ملحق به،
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ المَنْفَعَةِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ المَنْفَعَةِ فِي
فبقي لفظ البيع على أصل القياس (^١)، وعند الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣) في وجه ينعقد بلفظ البيع لجواز استعارة السبب للمسبب، وعن أحمد لا ينعقد بلفظ البيع كقولنا (^٤).
قوله: (وتنعقد ساعة فساعة) إلى آخره، اعلم أن محل العقد المنافع، وهو قول مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر أهل العلم، وقال بعض أصحاب الشافعي: محل العقد العين؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها، فيقول: أجرتك داري.
وقلنا: المعقود عليه هو المستوفى بالعقد وذلك المنافع لا الأعيان؛ لأن الأجر في مقابلة المنفعة دون العين، وإضافة العقد إلى العين لأنها محل المنفعة، ولهذا قال أصحابنا: ينعقد ساعة فساعة في حق المحل على حسب حدوث المنافع، والعين جعلت خلفًا بالعقد حال وجود المنفعة.
وهذا كالسلم فإنه مقام الذمة التي هي محل للمسلم فيه مقام المعقود عليه في حق جوار السلم.
وعند الأئمة الثلاثة تجعل المنافع المعدومة كالموجودة حكمت ضرورة تصحيح العقد.
وفي الإيضاح، والأسرار: ينبني على هذا الأصل مسائل الشافعي، منها: أن الأجرة تملك بنفس العقد عنده، ويستوفي للحال لأنه أعطى للمنافع المعدومة حكم الوجود فصارت بمنزلة بيع عين موجود، وذلك يوجب الثمن حالا.
ومنها: ما لو آجر داره فلم يسلمها مدة لم يجبر على التسليم في باقي المدة، كما لو اشترى شيئين صفقة ولم يسلمها حتى هلك أحدهما.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٧/ ٣٩٣).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٢٩٥)، والمجموع للنووي (١٥/¬٧).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (٢/ ١٦٩)، والإنصاف للمرداوي (٦/¬٤).
(٤) المصادر السابقة.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
حَقُّ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَيْهَا لِيَرْتَبِطَ الإِيجَابُ بِالقَبُولِ، ثُمَّ عَمَلُهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ المَنْفَعَةِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا حَالَ وُجُودِ المَنْفَعَةِ.
(وَلَا تَصِحُ حَتَّى تَكُونَ المَنَافِعُ مَعْلُومَةً، وَالأجْرَةُ مَعْلُومَةً) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي بَدَلِهِ تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالمُثَمَّنِ فِي
ومنها: إذا مات أحد المتعاقدين لم يبطل العقد عنده وورث المنافع.
ومنها: لو مات الموصى له بسكنى الدار ورث عنده السكني.
ومنها: ما لو آجر عبده، ثم أعتقه بقي العقد؛ لأن منافعه صارت في حكم المملوك للمستأجر.
ومنها: ما لو أجر الوصي اليتيم سنة ثم بلغ لم يملك نقض العقد، كما لو باع ماله.
ومنها: ما أجاز (^١) سكنى داره بسكنى دار أخرى يجوز عنده كبيع الدار بالدار.
وما قلنا أولى مما قال؛ لأن الدار خلف في حق إضافة العقد بلا خلاف.
ثم بعد ذلك يتأخر عمل اللفظ إلى حين وجود المنفعة، وحكم العقد يقبل الفصل من العقد كما في البيع بخيار الشرط، فكان ما قلنا تغيير أمر شرعي بدليل شرعي؛ فإن إقامة السبب مقام المسبب أصل في الشرع كإقامة السفر مقام المشقة والبلوغ مقام كمال العقل وهلم جرا من النظائر، وفيما ذكره قلب الحقيقة، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ولا تصح) أي، العقد (حتى تكون المنافع معلومة) إلى آخره، هذا شروع في بيان شروط عقد الإجارة، وشرط كون المنفعة والأجرة معلومة بلا خلاف.
وقوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵇: «مَنِ استأجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أجره» (^٢)، فعبارته تدل على اشتراط إعلام الأجرة، وبدلالته على اشتراط إعلام
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية: (ومنها: ما آجر)، ولعل صوابها: ومنها ما لو آجر.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
البَيْعِ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي البَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةٌ فِي الإِجَارَةِ)؛ لِأَنَّ الأُجْرَةَ ثَمَنُ المَنْفَعَةِ، فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ المَبِيعِ.
وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالأَعْيَانِ.
فَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَنْفِي صَلَاحِيَّةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ (وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ
المنافع؛ لأن اشتراط إعلامها لقطع المنازعة، والمنفعة يشاركها في هذا المعنى، بل هي الأصل في العقد فجهالتها أولى أن تكون مانعة للصحة.
قوله: (كالأعيان)، أي: الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال؛ كالحيوانات والعدديات المتفاوتة فإنها لا تصلح ثمنًا أصلا لما ذكرنا في البيوع أن الأصول ثلاثة: ثمن محض: كالدراهم، ومبيع محض: كالأعيان التي ليست من ذوات الأمثال، وما كان بينهما كالمكيلات والموزونات.
ثم الأعيان إنما تصلح أجرة إذا كانت معينة، أما إذا كانت دينا لا تصلح أجرة لأن الحيوان لا يثبت في الذمة بدلا عما هو مال، كذا في المغني.
قوله: (وهذا اللفظ)، أي: قوله (ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع) إلى آخره.
(لا ينفي صلاحية غيره)، أي: غير الثمن، (لأنه)، أي: الأجرة على تأويل الأجر عوض مالي فيعتمد وجود المال، والأعيان مال، وبه قالت الأئمة الثلاثة حتى قالوا: يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار؛ لأن السكنى يجوز أن تكون ثمنًا فيجوز أن تكون أجرة، وتجيء هذه المسألة.
وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف في الذمة؛ لأن المنفعة غير موجودة في الحال فيلزم بيع الكالئ بالكالئ.
وقلنا: إنه عوض يجوز في البيع فيجوز في الإجارة؛ كالذهب والفضة.
ثم الأجرة إن كانت من النقود يشترط بيان جنسها وحقيقتها بأنها جيدة، أو وسط، أو رديء، وإن كانت مكيلا أو موزونًا أو عدديًا متقاربا يشترط فيها بيان القدر والصفة، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء إذا كان له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، خلافًا لباقي العلماء.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
مَعْلُومَةٌ بِالمُدَّةِ كَاسْتِنْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى وَالأَرْضِينَ لِلزِّرَاعَةِ، فَيَصِحُ العَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَي مُدَّةٍ كَانَتْ؛ لِأَنَّ المُدَّةَ إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَ قَدْرُ المَنْفَعَةِ فِيهَا مَعْلُومًا إِذَا كَانَتْ المَنْفَعَةُ لَا تَتَفَاوَتُ. وَقَوْلُهُ: «أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ» إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ طَالَتْ المُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً، وَلِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا عَسَى، … … .
وإن كان عرضًا أو ثوبًا يشترط فيه شرائط السلم؛ لأن وجوبه في الذمة عرف بالشرع، والشرع ورد بطريق السلم، وفي هذا كله إذا كانت الأجرة عينًا فإعلامه بالإشارة لأنها أبلغ أسباب التعريف، وإن كانت الأجرة حيوانا لا يجوز إلا إذا كان عينًا لعدم ثبوت الحيوان في الذمة بدلا عما هو مال.
قوله: (أي مدة كانت)، وبه قال كافة أهل العلم، إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه، فمنهم من قال له قولان أحدهما: كقول سائر [أهل] (^١) العلم، وهو الصحيح، والثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن جوازه للحاجة، ولا حاجة في أكثر من السنة.
ومنهم من قال قول ثالث: إنها لا تجوز أكثر من ثلاث سنين؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر.
وقلنا: هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم دليل على نسخه، ولأن ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها؛ كالبيع، والنكاح والمساقاة، والتقدير لسنة، أو ثلاث سنين تحكم لا دليل عليه.
قوله: (إذا كانت المنفعة لا تتفاوت)، وبهذا يحترز عن استئجار الأرض للزراعة إلى مدة معلومة حيث لا يصح، حتى يسمي ما يزرع فيها على ما يجيء.
قوله: (طالت المدة أو قصرت)، إلى قوله: (لتحقق الحاجة إليها عسى)، وفي الذخيرة: لو وقتا مدة الإجارة وقتًا لا يعيش إليها أحدهما قيل: لا يصح، وبه أفتى القاضي أبو عاصم العامري؛ لأن الغالب كالمتيقن في حق الأحكام، فكانت الإجارة مؤبدة، والتأبيد يبطل الإجارة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
إِلَّا أَنَّ فِي الأَوْقَافِ لَا تَجُوزُ الإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ كَيْ لَا يَدَّعِيَ المُسْتَأْجِرُ مِلْكَهَا وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ المُخْتَارُ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةٌ بِنَفْسِهِ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى صَبْغِ ثَوْبِهِ، أَوْ خِيَاطَتِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا، أَوْ يَرْكَبَهَا مَسَافَةٌ سَمَّاهَا)؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَيَّنَ الثَّوْبَ وَلَوْنَ الصَّبْغِ وَقَدْرَهُ وَجِنْسَ الخِيَاطَةِ وَالقَدْرَ المَحْمُولَ وَجِنْسَهُ وَالمَسَافَةَ. صَارَتْ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةٌ فَيَصِحُ العَقْدُ، وَرُبَّمَا يُقَالُ: الإِجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى العَمَلِ كَاسْتِنْجَارِ القَصَّارِ وَالخَيَّاطِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ مَعْلُومًا وَذَلِكَ فِي الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ، وَقَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى المَنْفَعَةِ …
وقال الخصاف: يجوز؛ لأن العبرة للفظ، وأنه يقتضي التوقيت، ولا عبرة بموت أحدهما قبل انتهاء المدة؛ لأن ذلك عسى يوجد، وعسى لا يوجد، كما لو زوج امرأة إلى مائة سنة فإنه توقيت لا تأبيد حتى يكون منعه، وإن كانت المدة لا يعيش إليها غالبًا وجعل نكاحًا مؤقتًا اعتبارًا للفظ.
قوله: (هو المختار)، تكلموا في إجارة الأوقاف أكثر من ثلاث سنين، قال مشايخ بلخ: لا يجوز، وقال غيرهم: يجوز، وبه قال أكثر أهل العلم، ولكن يرفع إلى الحاكم حتى يبطله، وبه أفتى الفقيه أبو الليث، كذا في التتمة.
والحيلة في الجواز أكثر من ثلاث سنين أن يرفع إلى حاكم حتى يجوزه، كذا في جامع أبي اليسر.
وكان الصدر الشهيد يفتي بالجواز في ثلاث سنين في الضياع، إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز (^١) فيما زاد على سنة.
وفي شرح حيل الخصاف: قال بعض مشايخنا: الحيلة لجواز إجارة الطويلة على الأوقاف أن يعقدوا عقودًا متفرقة على الأوقاف، كل عقد إلى سنة فيكتب في الصك كذلك، فيكون العقد الأول لازما، والثاني غير لازم؛ لأنه مضاف، كذا في الذخيرة.
قوله: (تصير معلومة)، أي: المنافع معلومة بنفس عقد الإجارة.
_________________
(١) وقع تكرار في الأصل.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
كَمَا فِي أَجِيرِ الوَحْدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الوَقْتِ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالإِشَارَةِ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَنْقُلَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إِلَى مَوْضِعِ مَعْلُومٍ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا آرَاهَ مَا يَنْقُلُهُ وَالمَوْضِعَ الَّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهِ كَانَتْ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُ العَقْدُ.