قَالَ: (الْأَسْبَابُ المُوجِبَةُ لِلْحَجْرِ
كِتَابُ الْحَجْرِ
أَوْرَدَ الحَجْرَ بعد الإكراه؛ لما أن فيهما سلب الاختيار، إلا أن الإكراه أقوى؛ لأن فيه سلبَهُ عَمَّنْ له اختيار صحيح وولاية كاملة، بخلاف الحجر فكان أحق بالتقديم (^١).
ومحاسن الحجر: النظرُ والشفقة على المحجور، وقد يكون النظر والشفقة لغيره، ودفع الأذى عنه كما في حجر المديون والسفيه على قولهما، وحجر المريض عن التصرف في كل ماله، وحجر الراهن عن التصرف في الرهن، وحجر العبد لِحَقِّ المولى.
ثُمَّ الحَجْرُ لغةً: المنع، مصدر حَجَرَ عليه، ومنه سُمِّيَ الحَطِيمُ حِجْرًا؛ لأنه مُنِعَ من الكعبة، وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لأنه يمنعه عن القبائح، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] أي: لذي عقل، وسُمِّيَ الحرامُ حِجْرًا؛ لأنه ممنوع، قال تعالى: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أي: حرامًا مُحَرَّمًا.
وشرعًا: منع مخصوص، وهو المنع من التصرف قولا لشخص مخصوص، وهو المستحق للحجر بأي سبب.
والحجر مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] الآية.
قوله: (وأسباب الموجب الحجر) (^٢) إلى آخره، اعلم أن الله تعالى خَلَقَ
_________________
(١) في الأصل: (التقدير)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية (وأسباب الموجبة الحجر)، وتقدم في المتن: (الأسباب الموجبة للحجر).
[ ٧ / ٤٨٠ ]
ثَلَاثَةٌ: الصِّغَرُ، وَالرِّقُ، وَالجُنُونُ، فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الصَّغِيرِ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا تَصَرُّفُ العَبْدِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَصَرُّفُ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ بِحَالٍ). أَمَّا الصَّغِيرُ: فَلِنُقْصَانِ عَقْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ إِذْنَ الوَلِيِّ آيَةُ أَهْلِيَّتِهِ، وَالرِّقُ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ مَنَافِعُ عَبْدِهِ. وَلَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ المَوْلَى بِالإِذْنِ رَضِيَ بِفَوَاتِ حَقِّهِ، وَالجُنُونُ لَا تُجَامِعُهُ الأَهْلِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ، أَمَّا الْعَبْدُ: فَأَهْلُ فِي نَفْسِهِ وَالصَّبِيُّ تُرْتَقَبُ أَهْلِيَّتُهُ فَلِهَذَا وَقَعَ الفَرْقُ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْقِلُ البَيْعَ وَيَقْصِدُهُ: فَالوَلِيُّ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَجَازَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ) لِأَنَّ التَّوَقُفَ فِي العَبْدِ لِحَقِّ المَوْلَى فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ، وَفِي الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ
الورَى ومَيَّزَ بينهم في الحجر، وجعل بعضهم ذَوِي النُّهَى، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وجعل بعضهم مُبتلى ببعض أسباب الردى، كالمجنون الذي هو عديم العقل والمعتوه الذي هو ناقص العقل، والصبي، والرقيق؛ لأنه عجز حكمي، فأثبت الحجر على هؤلاء نظرًا فكان مصادر هذه الأسامي سببًا للحجر، وهذه الثلاثة سبب للحجر بإجماع العلماء، وفي أن السفه والفلس سبب الحجر اختلاف كما يجيء.
وحكي عن أبي حنيفة أنه ألحق بهذه الثلاثة ثلاثة أُخَرَ وهي: المفتي الماجن، والمتطبب الجاهل والمكاري المفلس.
قوله: (تصرف المجنون المغلوب) وهو الذي لا يفيق زمانًا (بحال) أي: في كل الأحوال أي: لا ينعقد أصلا؛ لأنه عديم العقل؛ ويحترز به المجنون الذي يعقل البيع ويقصده، فإن تصرفه كتصرف الصبي العاقل على ما يجيء فيتوقف إلى إجازة الولي.
قوله: (ترتيب (^١) أهليته) بضم التاء على بناء المفعول، ورفع أهليته أي: تنتظر أهليته.
قوله: (ومن باع من هؤلاء شيئًا) وفي بعض النسخ: (أو اشترى أيضًا) كما
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية: وتقدم في المتن (تُرْتَقَبُ)، وهو أشبه.
[ ٧ / ٤٨١ ]
نَظَرًا لَهُمَا، فَيَتَحَرَّى مَصْلَحَتَهُمَا فِيهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْقِلَا البَيْعَ لِيُوجَدَ رُكْنُ العَقْدِ فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِجَازَةِ، وَالمَجْنُونُ قَدْ يَعْقِلُ البَيْعَ وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَبِّحُ المَصْلَحَةَ عَلَى المَفْسَدَةِ وَهُوَ المَعْتُوهُ الَّذِي يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الوَكَالَةِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّوَقَّفُ عِنْدَكُمْ فِي البَيْعِ أَمَّا الشَّرَاءُ فَالْأَصْلُ فِيهِ النَّفَاذُ عَلَى المُبَاشِرِ.
قُلْنَا: نَعَمْ إِذَا وَجَدَ نَفَاذَا عَلَيْهِ كَمَا فِي شِرَاءِ الفُضُولِيّ، وَهَاهُنَا لَمْ نَجِدْ نَفَاذَا لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ، أَوْ لِضَرَرِ المَوْلَى فَوَقَفْنَاهُ. قَالَ: (وَهَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةُ تُوجِبُ الحَجْرَ فِي الأَقْوَالِ دُونَ الأَفْعَالِ) لِأَنَّهُ لَا مَرَدَّ لَهَا لِوُجُودِهَا حِسًّا وَمُشَاهَدَةً، بِخِلَافِ الأَقْوَالِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا مَوْجُودَةٌ بِالشَّرْعِ وَالقَصْدُ مِنْ شَرْطِهِ
ذكر القدوري، لكن أكثر نسخ الهداية بدون (أو اشترى)، والمراد الصبي، والعبد، والمجنون الذي يجن ويفيق.
(وهو يعقل البيع) أو يعلم أن الشراء جالب للملك، والبيع سالب له (ويقصده) أي: يقصد البيع؛ لإفادة هذا الحكم الذي ذكرنا بكون الشراء جالبًا والبيع سالبًا، وهذا احتراز عن بيع الهازل، فإن بيعه ليس لإفادة هذا الحكم، فالولي وهو الأب أو الجد أو وصيهما أو غيرهما من العصبات أو القاضي، فهذا التصرف ينعقد عندنا، وينفذ بإجازة الولي، خلافا للأئمة الثلاثة فإنه لا ينعقد عندهم، وكذا الخلاف إذا توكل بالبيع والشراء غيره، فباع واشترى يجوز عندنا خلافًا لهم، وقد مر في الوكالة.
قوله: (فَيَتَحَرَّى) أي: يطلب الولي مصلحتهما، (لأنه [لا] (^١) مرد لها) أي: للأفعال؛ لأن الإتلاف بعد حصوله لا يمكن أن يجعل كلا إتلاف، فإنه لو قطع أو قتل أو أراق شيئًا لا يمكن أن يجعل القطع والقتل والإراقة كالعدم؛ لأنه يلزم أن لا يكون المقتول مقتولًا وهو دخول في السفسطائية وإنكار الحقائق بخلاف الأقوال.
(لأَنَّ اعتبارها) أي: اعتبار الأقوال (موجودة) بالنصب على الحال.
وقوله: (بالشرع) خَبَرُ (لِأَنَّ) يعني اعتبار أقوال هؤلاء بالشرع، والشرع لم
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٨٢ ]
(إِلَّا إِذَا كَانَ فِعْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) فَيُجْعَلُ عَدَمُ القَصْدِ فِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ.
قَالَ: (وَالصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ لَا تَصِحُ عُقُودُهُمَا وَلَا إقْرَارُهُمَا) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُمَا وَلَا عِتَاقُهُمَا) لِقَوْلِهِ ﵊: كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالمَعْتُوهِ وَالإِعْتَاقُ يَتَمَهَّضُ مَضَرَّةً، وَلَا وُقُوفَ لِلصَّبِيِّ عَلَى المَصْلَحَةِ فِي الطَّلَاقِ بِحَالٍ لِعَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَلَا وُقُوفَ لِلْوَلِيِّ عَلَى عَدَمِ التَّوَافُقِ عَلَى اعْتِبَارِ بُلُوغِهِ حَدَّ الشَّهْوَةِ، فَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى إِجَازَتِهِ
يجعل أقوالهم فيما يتردد بين النفع والضرر معتبرة في حق النفاذ، وهذا لأن الأقوال إما إنشاءات أو إخبارات، فأما الإنشاءات كالتطليق، والإعتاق، والبيع، والهبة، ونحوها، لا تؤثر في المحل حسا، وإنما صار المحل محرمًا ومحررا ومملوكًا بالشرع، وأما الإخبارات كالأقارير، والشهادات، فموجبِيَّتها عرفت شرعًا؛ لأنها دلالات عن المخبر عنه فيجوز أن لا تقع دلالة لاحتماله الصدق والكذب بذاتها؛ لأن القصد شرط اعتبار القول؛ إذ الكلام المعتبر ما يكون موجودًا بصورته ومعناه.
ومعنى الكلام لا يوجد بالقصد، وهو يكون بالعقل، ولا عقل للصبي والمجنون، فلا يكون لهما قصدًا، أما اعتبار الفعل فلا يتوقف على القصد، كالنائم إذا انقلب على مال إنسان وأتلفه يضمن وإن عدم القصد.
وقوله: (إلا إذا كان استثناء من قوله (دون الأفعال) أي: إلا إذا كان ذلك الفعل مما يتعلق به حكم يسقط بالشبهات كالحدود، والقصاص، فحينئذ يجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون حتى لا يجب عليهما الحد بالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والقصاص بالقتل، أما في حق العبد فللزوم الضرر في حق المولى من غير اختياره فلذا يتوقف على إجازته.
قوله: (لا تصح عقودهما) أي: لا تنفذ عندنا، ولكن تنعقد موقوفًا على إجازة الولي خلافًا للأئمة الثلاثة على ما مر.
قوله: (لا يتوقفان) (^١) أي: الطلاق والعتاق على إجازته) أي: إجازة الولي
_________________
(١) انظر المتن ص ٤٨٢.
[ ٧ / ٤٨٣ ]
وَلَا يَنْفُذَانِ بِمُبَاشَرَتِهِ، بِخِلَافِ سَائِرِ العُقُودِ. قَالَ: (وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ) إحْيَاءً لِحَقِّ المُتْلَفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَوْنَ الإِتْلَافِ مُوجِبًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَصْدِ، كَالَّذِي يَتْلَفُ بِالْقِلَابِ النَّائِمِ عَلَيْهِ وَالحَائِطِ المَائِلِ بَعْدَ الإِشْهَادِ، بِخِلَافِ القَوْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ: (فَأَمَّا العَبْدُ: فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِقِيَامِ أَهْلِيَّتِهِ (غَيْرُ نَافِذٍ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ) رِعَايَةً لِجَانِبِهِ، لِأَنَّ نَفَاذَهُ لَا يَعْرَى عَنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَوْ كَسْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِتْلَافُ مَالِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ: لَزِمَهُ بَعْدَ الحُرِّيَّةِ لِوُجُودِ الأَهْلِيَّةِ، وَزَوَالِ المَانِعِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي الحَالِ لِقِيَامِ المَانِعِ وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٌ أَوْ قِصَاصِ: لَزِمَهُ فِي الحَالِ) لِأَنَّهُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ،
(ولا ينفذان (^١) بمباشرته) أي: بمباشرة الولي.
وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (بخلاف الأقوال) إلى قوله: (والقصد من شرطه) (^٢).
قوله: (فإقراره) أي: إقرار العبد (نافذ في حق نفسه) حتى يؤاخذ به بعد العتق.
قوله: (وكل ذلك) من تعلق الدين برقبته أو كسبه (إتلاف مال المولى) وإقرار الإنسان لا يقبل على غيره إلا لولاية، ولا ولاية للعبد على المولى، إما يؤخذ به بعد الحرية؛ لتحقق الأهلية بالعقل، والبلوغ، وانتفاء المانع، ولم يلزمه في الحال؛ لتحقق المانع.
قوله: (لزمه) أي: في الحال (لأنه) أي: العبد (مبقى على أصل الحرية في حق الدم) والحياة؛ لأنهما من خواص الإنسانية، وليس هو بمملوك من حيث إنه آدمي، بل كان مملوكا من حيث إنه مال، ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بهما، وإذا بقي على أصل الحرية فيهما نفذ إقراره فيهما؛ لأنه أقر بما هو حقه،
_________________
(١) في الأصل: (ينعقدان)، والمثبت من النسخة الثاني، وهو الموافق لما سبق في المتن.
(٢) انظر المتن ص ٤٨٣.
[ ٧ / ٤٨٤ ]
حَتَّى لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ المَوْلَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ (وَيَنْفُذُ طَلَاقُهُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَمْلِكُ العَبْدُ وَالمُكَاتَبُ شَيْئًا إِلَّا الطَّلَاقَ» وَلِأَنَّهُ عَارِفٌ بِوَجْهِ المَصْلَحَةِ فِيهِ فَكَانَ أَهْلًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ مِلْكِ المَوْلَى وَلَا تَفْوِيتُ مَنَافِعِهِ فَيَنْفُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.