قَالَ: (وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالدُّيُونِ) قَالَ ﵊: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وَلِأَنَّهُ التَزَمَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَتَصِحٌ كَالكَفَالَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالدُّيُونِ، لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، وَالتَّحْوِيلُ فِي الدَّيْنِ لَا فِي العَيْنِ.
كِتَابُ الْحَوَالَةِ
المناسبة بين الحوالة والكفالة ظاهرة؛ لما في كل منهما التزام ما على الأصيل؛ ولهذا يجوز استعارة أحدهما للآخر، وأخر الحوالة لتضمنها براءة الأصيل، والبراءة تقفو الالتزام، فكذلك ما تضمنها.
الحوالة لغة: النقل، وهي اسم من الإحالة.
وفي المغرب (^١): أصل تركيب الحوالة يدل على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محل إلى محل، يقال: أحلت زيدًا بماله على رجل فاحتال؛ أي: قبل فأنا محيل، وزيد محال ومحتال، والمال محال به، والرجل محال عليه ومحتال عليه وتقدير المحتال في الفاعل: (مُحْتَوِل) بكسر الواو، وفي المفعول: بالفتح، وقولهم للمُحتال: المُحتال له لغو؛ لأنه لا حاجة إلى هذه الصلة، ويقال للمحتال: حويل.
وهي في الشريعة: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه (^٢)، وهي جائزة بالديون، قال ﵇: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، متفق عليه (^٣).
[عن أبي هريرة أنه قال ﵇: «مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ، وَإِذَا اتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى
_________________
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (١/ ١٣٤).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦١)، العناية شرح الهداية (٧/ ٢٣٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤ رقم ٢٢٨٧) ومسلم (٣/ ١١٩٧ رقم ١٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
قَالَ: (وَتَصِحُّ الحَوَالَةُ بِرِضَا المُحِيلِ وَالمُحْتَالِ وَالمُحْتَالِ عَلَيْهِ) أَمَّا المُحْتَالُ: فَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقَّهُ
مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»] (^١)، ويُروى: «إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (^٢) وهو معنى اللفظ الأول.
وفي الصحاح (^٣): يقال: اتبع فلان لفلان إذا أحيل له عليه.
والرواية المشهورة: «وإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ» بالواو، ويروى: «فإذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ» بالفاء، فعلى التقدير الأول، وهو معنى قوله: «مَطْلُ الغَنَى ظُلم» جملتان لا تعلق للثانية بالأولى، كقوله ﵊: «العَارَيَةُ مَرْدُودةٌ، والزَّعِيمُ غارم» (^٤)، وعلى الثاني يجوز أن يكون في الترتيب إذا كان مطل الغني ظلما من الغني، فإذا أحيل بدينه عليه؛ فإنه يحترز عن الظلم ولا يمطل، ثم الأمر في قوله: «فَلْيَتبع» أو «فَلْيَحتل» أمر استحباب عند أكثر أهل العلم، وعند أحمد للوجوب.
وأجمع (^٥) أهل العلم على جواز الحوالة، ولأنه التزام ما يقدر على تسليمه، فيصح دفعًا للحاجة.
وخصت بالديون؛ لأنها تبنى عن النقل والنقل في الدين لا في العين؛ لأن هذا نقل شرعي والدين وصف شرعي يظهر أثره عند المطالبة، فجاز أن يؤثر النقل الشرعي في الثابت شرعًا، وأما العين فحسي، فلا ينتقل بالنقل الشرعي؛ بل يحتاج إلى النقل الحسي (^٦).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٣ رقم ٩٩٧٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٤٥ رقم ١١٧٢٢).
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للفارابي (٣/ ١١٩٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦) رقم (٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي وصححه ابن حبان فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
(٥) انظر: الإقناع لابن المنذر (٢/ ٥٥٧)، ومراتب الإجماع لابن حزم (ص ٦٢).
(٦) انظر: ينظر العناية شرح الهداية (٧/ ٢٣٩)، فتح القدير للكمال بن الهمام (٧/ ٢٣٩).
[ ٦ / ٣٤٨ ]
وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهَا وَالدِّمَمُ مُتَفَاوِتَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ، وَأَمَّا المُحْتَالُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَلَا لُزُومَ بِدُونِ التِزَامِهِ، وَأَمَّا المُحِيلُ: فَالحَوَالَةُ تَصِحُ بِدُونِ رِضَاهُ: ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ، لِأَنَّ التِزَامَ الدَّيْنِ مِنْ المُحْتَالِ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ.
قوله: (وهو الذي) أي: الدين الذي (ينتقل بها) فلا بد من رضاه، ولا خلاف في اشتراط رضاه لأهل العلم، وأما المحتال عليه فرضاه شرط عندنا (^١)، وبه قال الشافعي (^٢) في وجه، وقيل: إنه منصوص في الأم، وأصحهما عنده أنه لا حاجة إلى رضاه إذا كان عليه دين للمحيل، وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤)؛ لأنه محل التصرف فلا يشترط رضاه، كما لو باع عبدًا لا يشترط رضا العبد، ولأن الحق للمحيل عليه فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره، كما لو وكل في الاستيفاء، أما اذا لم يكن للمحيل عليه دين فيشترط رضاه بالإجماع؛ لأنه التزام حق عليه، فلا يصح بدون قبوله (^٥).
قوله: (وأما المحيل) أي: المديون (فلا يشترط رضاه عندنا) لأنه التزام دين من المحتال عليه إلى آخر ما ذكر في المتن (ذكره في الزيادات).
وفي الأوضح: لعل موضوع المذكور هاهنا إذا كان للمحيل على المحتال عليه دين بقدر ما يقبل الحوالة، فإن قبول الحوالة حينئذ يكون إسقاطا؛ لمطالبة المحيل عن نفسه، فلا يصح إلا برضاه. كذا في الخبازية.
وقالت الأئمة الثلاثة: شرط؛ لأن له إبقاء الحق من حيث شاء، فلا تعين عليه بعض الجهات قهرًا، وما نقل ابن قدامة الحنبلي في المغني (^٦): أن رضا
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (٦/¬١٦)، درر الحكام شرع غرر الأحكام لملا خسرو (٢/ ٣٠٨).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٦/ ٤١٨)، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (٤/ ٢٢٨).
(٣) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (٤/ ٨٣)، والذخيرة للقرافي (٩/ ٢٣٤).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (٢/ ١٢٥)، والشرح الكبير على متن المقنع لشمس الدن ابن قدامة (٥/ ٦١).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبايرتي (٧/ ٢٣٩)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٨٦).
(٦) المغني لابن قدامة (٤/ ٣٩٠).
[ ٦ / ٣٤٩ ]
قَالَ: (وَإِذَا تَمَّتْ الحَوَالَةُ بَرِئَ المُحِيلُ مِنْ الدَّيْنِ بِالقَبُولِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَبْرَأُ
المحيل شرط بلا خلاف فليس بصحيح؛ إذ عندنا ليس بشرط لصحتها، ولو اشترط رضا المحيل إنما يشترط لفائدة الرجوع عليه بأمره.
قوله: (وإذا تمت الحوالة) هذا بيان حكمها، برئت ذمة المحيل عند عامة الفقهاء (^١)، وعن الحسن أنه لا يرى الحوالة براءة إلا أن ينويه، وقال زفر: لا يبرأ، وقال ابن أبي ليلى: الكفالة توجب براءة الأصيل أيضًا على ضد قول زفر، ثم اختلف مشايخنا في ذمة المحيل: من الدين أم من المطالبة دون الدين؟
قيل: عن المطالبة دون الدين، استدل بما ذكر محمد أن المحتال له لو أبرأ المحتال عليه يصح ولا يرتد برده، كإبراء الكفيل، فلو انتقل أصل الدين إلى ذمته وجب أن يرتد برده، كما لو أبرأ المحيل قبل الحوالة، والأصل في الكفالة؛ لأن الإبراء حينئذ تمليك الدين ممن عليه الدين، والتمليك يرتد بالرد، وبما ذكر أن المحيل، وهو المديون، إذا نقد مال المحتال له يجبر المحتال له على القبول، فلو انتقل أصل الدين بالحوالة يكون المحيل متبرعا في نقده كأجنبي، والأجنبي إذا تبرع بقضاء الدين لا يجبر رب الدين على القبول.
وبما ذكر أن المحتال إذا وكل المحيل بقبض مال الحوالة عن المحتال عليه - لا يصح، فلو انتقل الدين بالحوالة يصير المحيل أجنبيا، وتوكيل الأجنبي بقبض الدين صحيح، وبما ذكر أن المحتال إذا أبرأ المحتال عليه يرجع بذلك على المحيل، ولو وهب من المحتال عليه يرجع بذلك على المحيل كما في الكفيل، ولو كان الدين يتحول إلى ذمته كان الإبراء والهبة في حقه.
وقيل: الحوالة توجب براءة ذمة المحيل من الدين والمطالبة جميعًا، واستدل بما ذكر محمد أن المحتال له إذا وهب الدين من المحيل، أو أبرأه من الدين بعد الحوالة - لا تصح هبته وإبراؤه، ولو بقي الدين في ذمته وجب أن تصح ولو أبرأ المحتال عليه من الدين أو وهبه يصح، وهذا يقتضي التحويل.
_________________
(١) انظر: المدونة للإمام مالك (٤/ ١٢٧)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير (٣/ ٣٢٦)، والأم للإمام الشافعي (٣/ ٢٣٣)، والحاوي الكبير (٦/ ٤٢٠)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٥)، والشرح الكبير على متن المقنع (٥/ ٥٥).
[ ٦ / ٣٥٠ ]
اعْتِبَارًا بِالكَفَالَةِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ تَوَثُّقِ، وَلَنَا: أَنَّ الحَوَالَةَ لِلنَّقْلِ لُغَةً، وَمِنهُ حَوَالَةُ الغِرَاسِ، وَالدَّيْنُ مَتَى انْتَقَلَ عَنْ الذِّمَّةِ لَا يَبْقَى فِيهَا.
قال مشايخنا: هو الصحيح؛ لأنه تصرف في التحويل، وذكر شيخ الإسلام هذا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد؛ فقال أبو يوسف: يوجب تحويل الدين والمطالبة، وعند محمد يوجب تحويل المطالبة لا الدين.
وفائدة الخلاف في مسألتين:
إحداهما: أن الراهن إذا أحال المرتهن بعد الرهن بالدين على غيره، هل يسترد الرهن؟
عند أبي يوسف: يسترد، كما لو أبرأه، وعند محمد (^١): لا يسترد، كما لو أجل الدين بعد الرهن.
والثانية: إذا أبرأ الطالب المحيل بعد الحوالة - لا يصح عند أبي يوسف؛ لأنه برئ بالحوالة، وعند محمد: يصح، ويبرأ المحيل؛ لأن أصل الدين باق في ذمته بعد الحوالة، وتحول المطالبة لا غير. كذا ذكر المحبوبي والتمرتاشي.
وفي الذخيرة (^٢) بعد ذكر هذا الاختلاف قال: وبعض مشايخنا أنكر هذا الخلاف، وقال: لم ينقل عن محمد نص بنقل المطالبة دون الدين، إلا أن محمدًا ذكر أحكامًا متشابهة، واعتبر الحوالة في بعضها تأجيلا، وجعل للمحول بها المطالبة دون الدين، واعتبرها في بعض الأحكام إبراء، وجعل بها المطالبة والدين؛ إذ الحوالة منبئة عن النقل، وقد أضيفت إلى الدين، واعتبار المعنى يوجب تحويل المطالبة؛ لأن الحوالة تأجيل معنى؛ ألا ترى أنه إذا مات المحتال عليه مفلسا يعود إلى ذمة المحيل، وهذا هو معنى التأجيل، فاعتبر الحقيقة في الأحكام، واعتبر المعنى في بعض الأحكام.
قوله: (إذْ كل واحدٍ منهما) أي: من الحوالة والكفالة (عقد توثق) بحق المطالبة، وذلك في أن يزداد له المطالبة.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٧١).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٧/ ٤١١).
[ ٦ / ٣٥١ ]
أَمَّا الكَفَالَةُ: فَلِلضَّمِّ وَالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وِفَاقِ المَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّوَثُّقِ بِاخْتِيَارِ الأَمْلَأَ وَالأَحْسَنِ فِي القَضَاءِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى القَبُولِ إِذَا نَقَدَ المُحِيلُ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ عَوْدُ المُطَالَبَةِ إِلَيْهِ بِالتَّوَى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا.
قَالَ: (وَلَا يَرْجِعُ المُحْتَالُ عَلَى المُحِيلِ إِلَّا أَنْ يَتَوَى حَقَّهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَرْجِعُ وَإِنْ تَوِيَ،
وقلنا: الحوالة للنقل لغة، والكفالة للضم لغة، واختصاص كل باسم لاختصاصه بموجب هو معنى ذلك الاسم، كالصرف لبيع الأثمان؛ لأن فيه صرف ما في يد كل واحد إلى صاحبه بالقبض، والسلم لبيع الآجل بالعاجل؛ إذ فيه تعجيل أحد البدلين في المجلس، فكذا هاهنا التحويل يوجب النقل لغة، والكفالة توجب الضم، والتحويل يوجب البراءة، والكفالة توجب ضم الذمة إلى الذمة لا البراءة، فتثبت أحكام العقود على وفاق معنى اللفظ. كذا في المبسوط (^١) والإيضاح.
ولا يقال: الحوالة بغير أمر المحيل تصح، ولا يتحقق النقل فيه.
لأنا نقول: معنى النقل يتحقق فيه بعد أداء المحتال عليه، حتى لا يبقى على المحيل شيء، أو هو حوالة مجازًا، كما أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة مجازا.
قوله: (والتوثق) إلى آخره: جواب عن قول زفر؛ يعني: التوثق (باختيار الأملأ) والمليء: المقتدر (والأحسن في القضاء) بأن يعطي بأجود ولا يماطل.
وقوله: (وإنما يجبر): جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أن في الحوالة لو كان نقل الدين لما أجبر الطالب المحيل؛ لأنه متبرع في أدائه، كما استدل به بعض المشايخ على عدم تحويل الدين فيها على قول محمد، فقال في جوابه: إنما يجبر بكذا (^٢).
قوله: (وقال الشافعي (^٣): لا يرجع وإن توي) بموت أو بإفلاس أو بغير
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٠، ١٦٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٨٨)، وفتح القدير (٧/ ٢٤٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٣/ ٢٣٣)، وعمدة المفتين (٤/ ٢٣٢).
[ ٦ / ٣٥٢ ]
لِأَنَّ البَرَاءَةَ حَصَلَتْ مُطْلَقَةً فَلَا تَعُودُ إِلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ. وَلَنَا: أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِسَلَامَةِ حَقِّهِ لَهُ، إِذْ هُوَ المَقْصُودُ، أَوْ تَنْفَسِخُ الحَوَالَةُ لِفَوَاتِهِ،
ذلك، وبه قال أحمد (^١) والليث وأبو عبيد وابن المنذر، وعن أحمد (^٢): إذا [كان] (^٣) المحال عليه مفلسا، ولم يعلم الطالب بذلك - فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال مالك (^٤)؛ لأن الإفلاس في المحال عليه عيب، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع.
قوله: (لأن البراءة) أي: للمحيل (حصلت) بالحوالة من الدين؛ لنقله إلى ذمة المحال عليه فلا يعود كما لو أبرأه من الدين.
يُؤيده ما روي عن ابن المسيب أن له كان على علي دين فأحاله به على آخر، فمات المحتال عليه، فقال ابن المسيب: اخترت عليًّا، فقال: أبعدك الله، فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع.
(ولنا أنها) أي: البراءة مقيدة بشرط السلامة معنى، وإن كانت مطلقة لفظًا بدلالة الحال؛ لأن المقصود من شرع الحوالة: التوصل إلى استيفاء الحق من المحل الثاني لا نفس الوجوب؛ لأن الذمم لا تختلف في الوجوب، وإنما تختلف في حق الإيفاء، فصارت السلامة من المحيل الثاني كالمشروط في العقد الأول؛ لما أنها المطلوب، فإذا لم يحصل المشروط عاد حقه في الأصل كما كان (^٥).
يؤيده ما روي عن عثمان مرفوعًا وموقوفًا في المحتال عليه إذا مات مفلسا قال: يعود الدين إلى ذمة المحيل، وقال: لا توى على مال امرئ مسلم.
قوله: (أو تنفسخ الحوالة لفواته) أي: لفوات المقصود، وهو وصول الحق
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٥)، والمغني (٤/ ٣٩٣).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٥)، والمغني (٤/ ٣٩٣).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: المدونة (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، وبداية المجتهد (٤/ ٨٤).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٤)، وفتح القدير (٧/ ٢٤٤).
[ ٦ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الطالب، أو البراءة حصلت بطريق الانتقال، فإذا لم يسلم له انتقل إليه؛ لأنه عقد توثق فيليق بحالة إحكام الحق لا إبطاله، فصار كوصف السلامة في المبيع، بأن اشترى شيئًا بالدين وهلك قبل القبض فإن حقه يعود في الدين كما كان، فكذا هنا.
والجامع أنها سبب يحتمل الفسخ، حتى لو تراضيا على فسخ الحوالة انفسخت، كما أن ذلك السبب يحتمل الفسخ.
فإن قيل: الطالب مخيَّر بين قبول الحوالة وبين عدم قبوله، فإذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه ولا يعود إلى محل آخر، كالغاصب مع غاصب الغاصب إذا اختار المالك تضمين أحدهما ثم توي ما عليه لا يرجع على الآخر بشيء.
وكالمولى إذا أعتق عبده المديون فاختار الغرماء استسعاء العبد ثم توي ذلك عليه لم يرجعوا على المولى بشيءٍ من الضمان؛ لما قلنا: ما في ذمة المحتال عليه ليس بعوض عما في ذمة المحيل؛ لأن تبديل الدين بالدين لا يجوز؛ بل ما في ذمة المحتال عليه خلف عما في ذمة المحيل.
كما في حوالة الغراس المكان الثاني خلف المكان الأول، والثابت في المكان الثاني عين ما كان في المكان الأول، فإذا كان الطريق هكذا كان رضا الطالب بهذه الخلافة على قصد التوثق بحقه، فيكون رضاه بشرط السلامة له ما في ذمة المحال، فإذا لم يسلم له فقد انعدم رضاه، فيعود المال إلى المحل الأول.
كما لو اشترى عينا به فهلك المبيع قبل القبض؛ فالمحل الذي هو خلف عن ذمة المحيل ليس في يد الطالب، فلم يصر قابضًا لحقه، وما لم يصر قابضًا لم يكن في ضمانه، بخلاف الغاصب مع الغاصب (^١)، والمولى مع العبد؛ فإن إحدى الذمتين هناك ليس بخلف عن الأخرى؛ بل المالك مخير ابتداء، فإذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه. إليه أشار في المبسوط (^٢).
[وأما حديث علي لا يدل على عدم العود، بل هو ساكت، وحديث عثمان
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، ولعلها: (الغاصب مع غاصب الغاصب) لأن في المبسوط: (كالغاصب الأول مع الثاني).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٤٧).
[ ٦ / ٣٥٤ ]
لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْفَسْخِ فَصَارَ كَوَصْفِ السَّلَامَةِ فِي المَبِيعِ. قَالَ: (وَالتَّوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَجْحَدَ الحَوَالَةَ وَيَحْلِفَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَمُوتَ مُفْلِسًا) لِأَنَّ العَجْزَ عَنْ الوُصُولِ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا وَهُوَ التَّوَى فِي الحَقِيقَةِ (وَقَالَا: هَذَانِ الوَجْهَانِ. وَوَجْهٌ ثَالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الحَاكِمُ بِإِفْلَاسِهِ حَالَ حَيَاتِهِ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ بِحُكْمِ القَاضِي عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، لِأَنَّ مَالَ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحٌ.
صريح فيعمل به، إذ لا معارضة حينئذ بينهما؛ إذ قوله: أبعدك الله لا يدل على الرجوع إلا على عدمه] (^١).
قوله: (ولا بينة له) أي: للطالب (عليه) أي: على المحتال بقبول الحوالة. وقال التمرتاشي: لا بينة للطالب ولا للمحيل.
(أو يموت مفلسا) أي: المحتال عليه يموت ولم يترك مالا ولا دينا ولا كفيلا، ولو قال الطالب: مات مفلسا، وقال المحيل بخلافه، فقال في الشافي والمبسوط (^٢): القول للطالب مع اليمين على العلم؛ لأنه متمسك بالأصل وهو العسرة، ولأنه بالحوالة لم يدخل في ملك المحتال عليه مال، ولو كان حيًّا فزعم أنه مفلس؛ فالقول قوله فكذلك بعد موته.
وفي شرح الناصح: القول للمحيل مع اليمين على العلم؛ لإنكاره عود الدين.
قوله: (خلافًا لأبي يوسف ومحمد فإنه يتحقق بحكم القاضي عندهما، وبه قالت الأئمة (^٣) الثلاثة، حتى يعتبر في حق إخراجه من السجن، فكذا في حق غيره لأن مال الله غاد ورائح). هذا دليل أبي حنيفة.
في المبسوط (^٤): قد يصبح الرجل فقيرًا ويمسي غنيا، بإن مات قريب له وترك مالا كثيرًا ميراثا له ولا يعلم به.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٤٦).
(٣) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤١٩)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ١٢٧)، المغني (١٠/¬٤٢)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٠٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٤٨).
[ ٦ / ٣٥٥ ]
قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُحْتَالُ عَلَيْهِ المُحِيلَ بِمِثْلِ مَالِ الحَوَالَةِ، فَقَالَ المُحِيلُ: أَحَلْتُ بِدَيْنٍ لِي عَلَيْكَ لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلا بحُجَّةٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ الدَّيْنِ) لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ قَضَاءُ دَيْنِهِ بِأَمْرِهِ، إِلَّا أَنَّ المُحِيلَ يَدَّعِي عَلَيْهِ دَيْنًا وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، وَلَا تَكُونُ الحَوَالَةُ إِقْرَارًا مِنْهُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِدُونِهِ.
وفي الطلبة: يقال: أفلس، أي: صار ذا فلس بعد أن كان دراهم ودينارًا (^١)، فاستعمل مكان افتقر، وفلسه القاضي، أي: قضى بإفلاسه حين ظهر له حاله.
يقال: راح وغدا، أي: جاء غدوة وذهب رواحًا؛ أي: بعد الزوال.
قوله: (لم يقبل قوله) أي: قول المحيل (وكان عليه) أي: على المحيل (مثل الدين) الذي أداه المحتال عليه إلى الطالب.
ولا يقال: قبول الحوالة من المحتال عليه إقرار بالدين عليه.
لأنا نقول: ليس من ضرورة قبول الحوالة الإقرار بالدين؛ لأن الحوالة قد تكون مقيدة بما عليه، وقد تكون مطلقة، وحقيقة الحوالة هي المطلقة، أما المقيدة من وجه توكيل بالأداء والقبض، فلما لم توجد دلالة الإقرار من المحتال عليه بوجوب المال، وهو منكر لوجوبه فكان القول له. كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (قضاء دينه) أي: دين المحيل (بأمره) أي: بأمر المحيل (إلا أن المحيل يدعي دينا عليه) أي: على المحتال عليه (^٣).
قوله: (أن المحتال) أي: الطالب (يَدَّعي عليه) أي: على المحيل (دينا، وهو ينكر) فالقول له لأن الفراغ أصل في الذمم والمحيل متمسك بالأصل، والطالب يدعي العارض، فكان اعتبار الأصل أولى (^٤)، وبه قال الشافعي (^٥) في
_________________
(١) كذا بالأصول الخطية، وفي العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٦): (يُقَالُ أَفْلَسَ الرَّجُلُ إِذَا صَارَ ذَا فَلْسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٥٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٩٠)، وفتح القدير (٧/ ٢٤٦).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٥٣)، وفتح القدير (٧/ ٢٤٦).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٢٦)، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب (٢/ ٢٣٤).
[ ٦ / ٣٥٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُحِيلُ المُحْتَالَ بِمَا أَحَالَهُ بِهِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَحَلْتُكَ لِتَقْبِضَهُ لِي، وَقَالَ المُحْتَالُ: لَا بَلْ أَحَلْتَنِي بِدَيْنٍ كَانَ لِي عَلَيْكَ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُحِيلِ) لِأَنَّ المُحْتَالَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَلَفْظَةُ الحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الوَكَالَةِ فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وجه، وقال في وجه القول للطالب؛ لأن الحوالة تكون في الدين ظاهرا، وما قاله المحيل وكالة، فكان خلاف ظاهر الحوالة، وبه قال أحمد (^١).
وقوله: (ولفظة الحوالة مستعملة) إلى آخره جواب مقدر (^٢)، وهو أن يقال: ينبغي أن يكون القول للطالب؛ لأن المحيل لما قال: أحلتك، فقد أقرّ بالحوالة؛ إذ الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، فقال في جوابه: نعم كذلك، إلا أن الحوالة تستعمل في الكفالة مجازًا؛ لأن في الكفالة نقل التصرف من الموكل إلى الوكيل؛ ولهذا قال محمد (^٣): إذا صار مال المضاربة دينًا على الناس، ولم يكن فيه ربح، وامتنع المضارب عن التقاضي يقال له: أحل رب المال على الغرماء؛ أي: وكله، ويستعمل في نقل الديون، فلم يكن حجّة للمحتال على أن المحيل صار معترفًا بالدين؛ بل لما كان محتملا؛ كان القول قول من اتهمه مع يمينه، وقيل: المجاز لا يعارض الحقيقة، فاحتمال المجاز لا يخرجه عن إرادة الحقيقة.
أجيب: هذا مجاز متعارف، فيمكن أن يخرجه عن إرادة الحقيقة، ولو لم يخرجه كان محتملا فلا يدل على الإقرار.
قال شمس الأئمة (^٤): وتحتمل المسألة معنى آخر، وهو أن المحتال له إذا استوفى الألف وقد كان المحيل باع متاعًا من المحتال عليه بهذا الألف، فيقول المحتال له: كان المتاع ملكي، وكنت وكيلًا في بيعه من جهتي، والمقبوض مالي، ويقول المحيل: كان المتاع ملكي، وإنما بعته لنفسي؛ فالقول للمحيل حينئذ؛ لأن أصل المنازعة بينهما وقع في ذلك المتاع، واليد كان للمحيل، ثم كل متصرف عامل لنفسه حتى يقوم الدليل على كونه عاملا لغيره، والثمن إنما
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٦)، المغني (٤/ ٣٩٨).
(٢) كذا بالأصول الخطية، ولعل صوابها: (جواب سؤال مقدر).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢٢/ ٧٠).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٥٧).
[ ٦ / ٣٥٧ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَحَالَ بِهَا عَلَيْهِ آخَرَ فَهُوَ جَائِرٌ، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى القَضَاءِ، فَإِنْ هَلَكَتْ بَرِئَ) لِتَقَيُّدِهَا بِهَا، …
وجب بالبيع، والمحيل هو الذي باشره، فيكون الثمن واجبًا في الظاهر؛ فلذلك كان القول قوله.
قوله: (لأنه أقدر على القضاء) أي: المودع، وهو المحتال عليه أقدر على قضاء مال الحوالة من الوديعة؛ لأن الأداء هاهنا يتحقق من عين مال المحيل، أما إذا كان المحتال به دينًا فلا يمكن الأداء من حق المحيل، فلما جازت الحوالة في الدين - ففي العين أجوز؛ لأن القضاء منه أيسر لهذا، أو لأن الوديعة حاصلة معينة لا تحتاج إلى الكسب، وأما الدين فيحتاج فيه إلى الكسب، فلما جاز في الدين مع تعسره - ففي العين أجوز؛ لتيسر الأداء منها بلا كسب (^١).
قوله: (فإن هلكت) أي: ألف الوديعة (برئ) أي: المودع، وهو المحتال عليه أيضًا (لتقيدها) أي: لتقيد الحوالة (بها) أي: بألف الوديعة، فيبطل بهلاكها، كالزكاة المتعلقة بنصاب معين تسقط بهلاك ذلك النصاب المعين، بخلاف ما إذا كانت الحوالة مقيدة بالمال المغصوب المعين، حيث لا تبطل بهلاكه؛ بل تبقى الحوالة متعلقة بمثله أو بقيمته؛ لفوات المغصوب إلى خُلفٍ، وهو المثل أو القيمة؛ إذ هلاك المغصوب في يد الغاصب يوجب المثل أو القيمة، فصار كلا فوات، أو لقيام المحتال في أخذ المثل أو القيمة مقام المحيل، أما هلاك الوديعة يبطل حق المحيل؛ لأن هلاكها لا يوجب شيئًا (^٢).
وفي الكافي: الأصل أن الحوالة نوعان:
مقيدة بدين على المحتال عليه، أو بعين في يده بغصب أو وديعة، أو غير ذلك.
ومطلقة، وهو ألا يقيدها المحيل بالدين الذي على المحتال عليه، ولا بالعين الذي في يده، أو يحيله على رجل ليس عليه دين ولا في يده عين، فالحوالة المقيدة - كما تبطل بموت المحتال عليه مفلسا - تبطل بفوات ما قيد به
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٨)، وفتح القدير (٧/ ٢٤٧).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٨)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٩١).
[ ٦ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحوالة، إذا كان الفوات لا إلى خُلف، فلا تبطل الحوالة؛ لأن الحوالة إلى خلف بلا فوات.
فالحوالة المقيدة على نوعين:
مقيدة بدين على المحتال عليه، ومقيدة بعين.
والمطلقة على نوعين أيضًا: إما مطلقة مؤجلة، وحالة.
فالحالة: أن يحيل الطالب على رجل بألف، ويكون الألف المحتال على المحتال عليه حالة إذا كانت على المحيل حالة؛ لأن الحوالة لتحويل الدين فيتحول بالصفة التي على الأصيل.
والمطلقة المؤجلة: له على رجل ألف إلى سنة [فأحال الطالب عليه إلى سنة، فالحوالة جائزة، والمال على المحتال عليه إلى سنة] (^١) لأنه قبل ذلك.
ولو حصلت الحوالة مبهمة؛ أي: لم يذكر: حالة أو مؤجلة - فلم يذكرها محمد (^٢) في الأصل، قالوا: وينبغي أن تثبت مؤجلة كما في الكفالة؛ لأنه تحمل ما على الأصيل بأي صفة كان، فلو مات المحيل لم يحل المال على المحتال عليه؛ لأن حلول الأجل في حق الأصيل لاستغنائه عن الأجل بموته، وهذا يتأتى في حق المحتال عليه؛ لأنه حيٌّ محتاج إلى الأجل، ولو حلَّ عليه إنما يحل بناء على الأصيل، فلا وجه إليه؛ لأن الأصيل برئ عن الدين والتحق بالأجانب.
ولو مات المحتال عليه قبل الأجل، والمحيل حي؛ حل المال على المحتال عليه؛ لاستغنائه عن الأجل بموته، فإن لم يكن له وفاء رجع الطالب على المحيل إلى أجله؛ لأن الأجل سقط حكمًا للحوالة، وقد انقضت الحوالة بموت المحتال عليه مفلسًا، فينتقض ما في ضمنها، وهو سقوط الأجل، كما لو باع المديون بدين مؤجل عبدًا من الطالب، ثم استحق العبد عاد الأجل؛ لأن سقوطه كان بحكم البيع، كذا هاهنا. كذا في الذخيرة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٧٠).
[ ٦ / ٣٥٩ ]
فَإِنَّهُ مَا التَزَمَ الأَدَاءَ إِلَّا مِنهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةٌ بِالمَغْصُوبِ، لِأَنَّ الفَوَاتَ إِلَى خُلْفٍ كَلَا فَوَاتَ، وَقَدْ تَكُونُ الحَوَالَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ أَيْضًا، وَحُكْمُ المُقَيَّدَةِ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ أَنْ لَا يَمْلِكَ المُحِيلُ مُطَالَبَةَ المُحْتَالِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِ المُحِيلِ،
قوله: (وحكم المقيدة) أي: الحوالة المقيّدة (في هذه الجملة) وهي ما ذكرنا أن تقيده بالدين أو العين والعين وديعة أو غضبًا هو (ألا يملك المحيل مطالبة المحتال عليه) بذلك العين أو الدين الذي قيدت به الحوالة فيه؛ لأن الحوالة إذا قيدت بها تعلق حق الطالب به، وهو حق استيفاء دينه منها، وأخذ المحيل يبطل هذا الحق فلا يملك أخذه كالراهن؛ فإنه لا يملك مطالبة الرهن لتعلق حق المرتهن به، وليس للمحتال عليه أن يدفعها إلى المحيل أيضًا؛ لتعلق حق الطالب، فإن دفع ضمنه الطالب؛ لأنه استهلك ما تعلق به حق المحتال، كالمرتهن يضمن مستهلك الرهن.
ولو مات المحيل وعليه ديون قبل أن يقبض المحتال دين الحوالة؛ فالدين الذي على المحتال عليه للمحيل بين غرماء المحيل، والمحتال أسوة للغرماء فيه، وكذا بالعين الذي قيدت الحوالة لا يختص الطالب بها استحسانًا. والقياس: أن يختص بهما كما في الرهن.
(تعلق به حق)، وهو قول زفر؛ ولهذا لم يملك المطالبة بالإبراء والهبة.
ولنا: أن الدين في ذمة المحتال عليه على ملك المحيل قبل قبض المحتال؛ لأنه لو صار ملكًا له لكان تمليك الدين من غير من عليه الدين؛ ولهذا لو بطل دين المحتال بالإبراء كان المحيل أحق به، وإذا بقي على ملك المحيل صار بين غرمائه بالحصص، وما يختص المحتال به؛ لأن الاختصاص بملك رقبة أو يد، والدين على الغير لا يقبل التمليك بوجه.
بخلاف الرهن؛ لأن المرتهن ملكه يدًا؛ لأنه بقبضه صار مستوفيا من وجه، فكان أخص به من سائر الغرماء إذا قسم الدين بين غرماء المحيل لا يرجع المحتال بحصة الغرماء على المحتال عليه؛ لأن الحوالة كانت مقيدة بدين كان عليه، وقد استحقّ ذلك، فتبطل الحوالة بفواته (^١).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٨٧)، العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٩، ٢٤٨).
[ ٦ / ٣٦٠ ]
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ لَبَطَلَتِ الحَوَالَةُ وَهِيَ حَقُّ المُحْتَالِ. بِخِلَافِ المُطْلَقَةِ: لِأَنَّهُ لَا تَعَلَّقَ لِحَقِّهِ بِهِ بَلْ بِذِمَّتِهِ، … … … … ..
قوله: (وهذا) إشارة إلى قوله: أن لا يملك المحتال مطالبة المحتال عليه؛ لأنه لو بقي واحد منه البطلت الحوالة (^١).
قوله: (لو بقيت له) أي: للمحيل (مطالبته) أي: بذلك الدين أو العين (فيأخذ منه) أي: من المحتال عليه (لبطلت).
(وهي) أي: الحوالة، على تأويل عقد الحوالة، وفي بعض النسخ: (فهي) أي: الحوالة المقيدة، وهو الأصح (حق المحتال) أي: الطالب.
(بخلاف المطلقة) أي: الحوالة المطلقة (لأنه) الضمير للشأن؛ أي: لأن الشأن والأمر: أن (لا تعلق لحقه) أي: لحق المحتال له (به) أي: بذلك الدين أو العين (بل بذمته) أي: بذمة المحتال عليه، وفي الذمة سعة، فيجب عليه أداء دين المحيل من مال نفسه، وللمحيل أن يأخذ دينه ووديعته وغصبه منه، ولا تبطل الحوالة بأخذه، حتى لو مات المحيل قسم دينه ووديعته وغصبه الذي قبل المحتال عليه بين غرمائه دون المحتال له؛ لأنه بالحوالة صار غريم المحتال عليه، ولم يبق غريم المحيل.
بخلاف الحوالة المقيدة؛ لأن هناك لو لم يشارك ابتداء يشارك انتهاء؛ لأن الحوالة تبطل بفوات العبد، فيعود الدين على المحيل، فيصير غريم المحيل انتهاء، فلو أدَّى المحتال عليه في الحوالة المطلقة الدين من مال نفسه؛ يرجع على المحيل ويصير غريمًا للمحيل، فيخاصم غرماءه فيما أخذوا منه.
وفي الحوالة المقيدة لو أبرأ المحتال له المحتال عليه عن دين الحوالة رجع المحيل بدينه على المحتال عليه؛ لأن دينه بعد الحوالة باق على ملكه، وإنما لم يملك قبضه؛ لتعلق حق المحتال عليه، فإذا زال حقه بالإبراء فله الرجوع به، ولو وهب المحتال له للمحتال عليه، أو مات المحتال له وورثه المحتال لا يرجع المحيل على المحتال عليه بدينه؛ لأن المحتال عليه ملك الدين بالهبة والإرث؛ لأنهما من أسباب المُلك، بخلاف الإبراء، إلا أنه إسقاط لا تمليك، فلم يملك المحتال عليه ما في ذمته بالإبراء؛ لأنه ملك دين الحوالة بالهبة
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٩)، البناية شرح الهداية (٨/ ٤٩٢).
[ ٦ / ٣٦١ ]
فَلَا تَبْطُلُ الحَوَالَةُ بِأَخْذِ مَا عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ السَّفَائِجُ وَهِيَ: قَرْضُ اسْتَفَادَ بِهِ المُقْرِضُ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ) وَهَذَا نَوْعُ نَفْعِ اسْتُفِيدَ بِهِ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا».
والإرث كما في الأداء، وبالإبراء لا يملك شيئًا. كذا في الذخيرة (^١)، والكافي.
قوله: (بأخذ ما عليه) أي: من الدين والغصب، (أو عنده) أي: يأخذ عينه الذي عنده من الوديعة، ويحتمل أن يراد بما عليه الدين خاصة، وبقوله: عنده؛ أي: عنده من العين سواء كانت وديعة وغضبًا (^٢).
قوله: (ويكره السفاتج) إلى آخره، وفي المغرب (^٣): السُّفتجة، بضم السين وفتح الفاء: واحدة السفاتج، وهو تعريب (سفته): شيء محكم، وسُمِّيَ هذا الفرض به؛ لإحكام أمره.
وصورته: أن يدفع إلى تاجر عشرة قرضًا؛ ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر؛ ليستفيد به سقوط خطر الطريق.
وفي المبسوط (^٤): فإن لم تكن المنفعة مشروطة فلا بأس به، حتى لو قضاه أجود مما قبضه لا بأس به، إذا لم يكن مشروطًا فيه ولا عرف ظاهر فيه؛ لأنه في معنى الحوالة؛ لأنه أحال الخطر المتوقع على المستقرض، قالوا: إنما يحل ذلك عند عدم الشرط، إذا لم يكن فيه عُرف ظاهر، فأما إذا كان يعرف أنه فعل ذلك لأجل القرض.
والذي حكي عن أبي حنيفة أنه لم يقعد في ظل جدار غريمه فلا أصل له؛ لأن ذلك لا يكون انتفاعًا بملكه، كيف ولم يكن مشروطًا ولا مطلوبًا، وإنما أورد هذه المسألة في هذا الموضع؛ لأنها معاملة في الديون، كالكفالة والحوالة، فإنها معاملة في الديون أيضًا.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٦/ ٢٤٦).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٤٩)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٩٢).
(٣) أخرجه الحارث بن أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (١/ ٥٠٠ رقم ٤٣٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) المبسوط للسرخسي (١٤/¬٣٧).
[ ٦ / ٣٦٢ ]
﷽