قَالَ: (المُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الخُصُومَةِ إِذَا تَرَكَهَا، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الخُصُومَةِ)
كِتَابُ الدَّعْوَى
أعقبها على كتاب الوكالة؛ لما أن الوكالة بالخصومة مُفْضٍ إلى المنازعة إلى الدعوى، فكان كالسبب، والمُسبب يعقب السبب.
فالدعوى لغةً: اسم للادعاء، الذي هو مصدر ادَّعَى زيد على عمرو مالا، وأَلِفُها للتأنيث، فلا تنون، وجمعها دَعَاوَى، بفتح الواو لا غير، كفتوى وفتاوى.
وقيل: الدعوى لغةً: قول يُقصد (^١) به إيجاب حق على الغير.
وذكر شيخ الإسلام والمحبوبي: الدعوى لغةً: إضافة الشيء إلى نفسه بأن قال: (لي)، ومنه دعوة الرد (^٢).
وشرعًا: إضافة الشيء إلى نفسه في حالة المنازعة.
وفي الكافي: المصدر: الادعاء، (افْتِعال) من دعا، والدَّعْوَى: اسم له، ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَلَهُمْ فِيهَا سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] دعاؤهم، فمعناها الدعاء، والدعوة بالفتح: المَدْعاة، وهي المَأدبة، وبالكسر: في النسب.
والمدعي عرفًا: من يقصد إيجاب الحق على غيره ولا حجة له؛ إذ بعد إقامة الحجة فيسميه القاضي محقا لا مدعيًا، ولهذا يقال: مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، ولا يقال لنبينا ﵊ مدعي النبوة؛ لأنه قد أثبتها بالمعجزات.
والمال المدعى، و(المُدَّعى به) خطأ.
فركنها: إضافة الشيء إلى نفسه.
_________________
(١) في الأصل: (يصدق)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (الود)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٤٩ ]
ومَعْرِفَةُ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ المَشَايِخِ ﵏ فِيهِ، فَمِنهَا مَا قَالَ فِي الكِتَابِ: وَهُوَ حَدٌ عَامٌ صَحِيحٌ. وَقِيلَ: المُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَالخَارِجِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي اليَدِ، وَقِيلَ: المُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ.
وشرط جوازها: مجلس القضاء، فالدعوى في غير مجلس القضاء لا تصح، حتى لا تستحق على المدعى عليه الجواب.
وحكمها: وجوب الجواب على المدعى عليه.
وسببها: ما هو سبب للمعاملات من تعلق بقاء المقدور.
وفي المبسوط، والتحفة، وجامع المحبوبي: سبب فسادها شيئان: جهالة المدعى، وكونها لا تكون ملزما لجواب الخصم.
قوله: (ومعرفة الفرق بينهما) أي: بين المدعي والمدعى عليه (من أهم) إلى آخره، وذلك لأن الإنسان قد يكون مدعيًا صورةً، ومع ذلك القول قوله مع يمينه، كما في المودع إذا ادعى رد الوديعة، على ما ذكر في الكتاب.
قوله: (واختلفت عبارات المشايخ فيه) أي: في الفرق بينهما.
قيل: المدعي من يشتمل كلامه على الإثبات، ولا يصير خصمًا بالتكلم في النفي، فإن الخارج لو قال لذي اليد: (هذا الشيء ليس لك) لا يكون خصمًا ومدعيًا ما لم يقل: (هو لي) والمدعى عليه من يشتمل كلامه على النفي، فيكتفى به منه، فإن ذا اليد لو قال: (ليس هذا لك) كان خصمًا بهذا القدر، وقوله: (وهو لي) فضل من الكلام غير محتاج [إليه] (^١).
وقيل: من ادعى باطنًا ليزيل [به] (^٢) ظاهرًا [فهو المدعي، ومن ادعى ظاهرًا] (^٣) وقرار الشيء على هيئته فهو المدعى عليه.
وقيل: المدعي من شهد في يد غيره لنفسه، والمدعى عليه [من شهد] (^٤)
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٥٠ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الأَصْلِ: المُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ المُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالتَّرْجِيحِ بِالفِقْهِ عِنْدَ الحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏: لِأَنَّ الاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَإِنَّ المُودَعَ إِذَا قَالَ: رَدَدْتِ الوَدِيعَةَ فَالقَوْلُ لَهُ مَعَ اليَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةٌ، لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ.
بما في يده لنفسه، [ولو شهد بما في يد غيره لغيره فهو شاهد] (^١) ولو شهد بما في يده لغيره فهو مقر. كذا في المبسوط، وشرح الطحاوي.
وقيل: المدعي من يلتمس غير الظاهر؛ إذ الظاهر أن الأملاك في يد الملاك، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، كما إذا ادعى دينا بوجه من الوجوه على آخر، فأنكره، فالمدعي [يدعي] (^٢) شَغْلَ ذمتِهِ بحقه، والمدعى عليه هو المنكر يتمسك بالأصل، وهو براءة ذمته، فلو أقر بالدين وقال: قضيته إياه كان هو المدعي؛ لأن القضاء يعترض على الوجوب، فكان أمرًا عارضًا، وكذا لو ادعى الإبراء أو التأجيل فهو المدعي؛ لدعواه العارض بعد الاشتغال.
(وقال محمد في الأصل: المدعى عليه هو المنكر) والآخر هو المدعي (وهذا صحيح، ولكن الشأن في معرفتِهِ) أي: في معرفة المنكر (والترجيح بالفقه) أي: بالمعنى دون الظاهر.
قوله: (لأنه ينكر) أي: المودع بدعوى الرد ينكر (الضمان) أي: لوجوب الضمان (معنى) لأنه يتمسك بالأصل؛ إذ الأصل في الذمم البراءة، ويحلفه القاضي أنه لا يلزمه رد ولا ضمان، ولا يحلفه على أنه رده؛ لأن اليمين أبدًا تكون على النفي.
فإن قيل: المودع بدعوى الرد يتمسك بما ليس بثابت، وهو الرد؛ إذ الرد لم يكن ثابتًا، والمودع يتمسك بما هو ثابت، وهو عدم الرد، فإنه كان ثابتًا، فينبغي أن يكون الأمر على العكس.
قلنا: المودع يدعي براءة ذمته عن الضمان معنى، وهو أصل، والمودع يدعي الشغل، ولم يكن ثابتًا، ولهذا تقبل بينته [إذا أقامها] (^٣)، اعتبارًا للصورة، ويجبر على الخصومة، ويحلف؛ اعتبارا للمعنى.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٥١ ]
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الإِلْزَامُ بِوَاسِطَةِ إِقَامَةِ الحُجَّةِ، وَالإِلْزَامُ فِي المَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إِحْضَارَهَا لِيُشِيرَ إِلَيْهَا بِالدَّعْوَى، وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ
فإن قيل: يشكل هذا بما إذا ادعى المديون دفع الدين إلى وكيل رب الدين، ثم حضر رب الدين وأنكر الوكالة - فالقول له، على ما مر في باب الوكالة، مع أن المديون يدعي البراءة.
قلنا: المديون يدعي البراءة هاهنا بعد الشغل، فكان الشغل أصلا، والبراءة عارضًا، أما في رد الوديعة فالبراءة أصل والشغل عارض، كما ذكرنا، فكان القول له.
قوله: (حتى يذكر شيئًا معلومًا)، اعلم أن الدعوى نوعان: صحيحة وفاسدة، والفاسد ما لا تتعلق به الأحكام ببيانها، وفساد الدعوى إما ألا تكون ملزمة شيئًا على الخصم، أو يكون المدعى مجهولا في نفسه، ولا نعلم فيه خلافا إلا في الوصية، فإن الأئمة الثلاثة يُجَوِّزون دعوى المجهول في الوصية، فإن ادعى حقا من وصية أو إقرار، فإنهما يصحان بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء بالمجهول بلا خلاف، ولا يُشترط لسماع الدعوى المخالطة والمعاملة، ولا فرق فيه بين طبقات الناس.
وعن مالك: لا تُسمع دعوى الدنيء على الشريف إذا لم يُعرف بينهما سبب.
وفي الذخيرة: فإن كان المدعى مكيلًا لا بد من ذكر جنسه بأنه حنطة أو شعير، ويذكر مع ذلك نوعه: أنها سَقِيَّة أو برية أو ربيعية، ويذكر مع ذلك صفتها، كالحنطة البيضاء والحمراء، ويذكر أنها جيدة أو رديئة، ويذكر قدرها بالكيل بأنها كذا قفيزا، بقفيز كذا؛ لأن القُفْزان تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب؛ لأن أحكام الدين تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم يحتاج إلى بيان مكان الإيفاء؛ ليقع التحرز عن الاختلاف، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وإن كان من ثمن بيع يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولا يشترط بيان مكان الإيفاء.
قوله: (وكذا في الشهادة) أي: يكلف المدعى عليه بإحضار المدعي ليشير إليه
[ ٦ / ٧٥٢ ]
وَالِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ الإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ، وَذَلِكَ بِالإِشَارَةِ فِي المَنْقُولِ، لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وُجُوبُ الحُضُورِ، وَعَلَى هَذَا القُضَاةُ مِنْ آخِرِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَوُجُوبُ الجَوَابِ إِذَا حَضَرَ لِيُفِيدَ حُضُورُهُ وَلُزُومُ إِحْضَارِ العَيْنِ المُدَّعَاةِ لِمَا قُلْنَا وَاليَمِينِ إِذَا أَنْكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا لِيَصِيرَ المُدَّعَى مَعْلُومًا) لِأَنَّ العَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالوَصْفِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ.
عند أداء الشهادة، والإشارة أبلغ في التعريف لعدم بقاء الاحتمال، حتى قالوا في المنقولات التي يتعذر نقلها، كالرحى ونحوه: حضر الحاكم عندها أو بعث أمينًا.
وفي المجتبى: قال الإسبيجابي في مسألة سرقة البقرة: لو اختلفا في لونها تقبل الشهادة عنده خلافًا لهما، وهذه المسألة تدل على أن إحضار المنقول ليس بشرط لصحة الدعوى؛ إذ لو شرط لأحضرت ولما وقع الاختلاف عند المشاهدة، ثم قال: والناس عنها غافلون.
(ويتعلق بالدعوى) أي: بالدعوى الصحيحة بمجردها (وجوب الحضور) أي: حضور المدعى عليه، والمطالبة بالجواب (وعلى هذا القضاة) أي: على وجوب الحضور بمجرد الدعوى الصحيحة (من آخرهم) أي: بأجمعهم، يعني الفقهاء والمجتهدين، وذلك ثابت أيضًا بالنص، قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ألحق الوعيد بمن امتنع عن الحضور بعد ما طولب، فدل أن الحضور يستحق عليه.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (كُلِّفَ إحضارها ليشير إليها) (^١).
(فإن لم تكن حاضرة) بأن كانت هالكة (ذكر) أي: المدعي (قيمتها) أي: قيمة العين (لأن العين لا تعرف بالوصف) إذ ربما توجد أعيان كثيرة بذلك الوصف، فلا يكون المدعى معلوما به.
والقيمة تعرف به أي: بالوصف، فإنه إذا قال مثلا: قيمته عشرة دراهم من الفضة الجديدة، أو كذا دينارًا من الذهب الركني تصير قيمته معلومة بهذا الوصف، كذا قيل.
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٥٢.
[ ٦ / ٧٥٣ ]
وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ العَيْنِ.
وَقَالَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ القِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ فَيُصَارُ إِلَى التَّجْدِيدِ، فَإِنَّ العَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ،
وفي النهاية: والقيمة شيء، يُعرف العين بذلك الشيء.
وقال قاضي خان وصاحب الذخيرة: لو كان العين غائبا، وادعى أنه في يد المدعى عليه فأنكر، إن بين المدعي قيمته وصفته تسمع دعواه وتقبل بينته، وإن لم يبين القيمة وقال: غصب مني عين كذا، ولا أدري أنه هالك أو قائم، ولا أدري كم كانت قيمته؟ ذكر في عامة الكتب أنه تسمع دعواه؛ لأن الإنسان ربما لا يعرف قيمة ماله، فلو كلف بيان القيمة لتضرر به، وقيل: لا بد من بيان قيمته.
وقال فخر الإسلام: إذا كانت المسألة مختلفًا فيها ينبغي للقاضي أن يكلف المدعي بيان القيمة، فإذا كلفه ولم يبين سمع دعواه، وعند الأئمة الثلاثة ذكر [المثل] (^١) أو القيمة في التالفة آكد.
قوله: (وقد تعذر مشاهدة العين) يعني لما تعذر المشاهدة أقيم الوصف والقيمة في الغائب مقام المشاهدة. إليه أشار في المبسوط (^٢).
قوله: (حدده) أي: ذكر حده يقول: تحددت الدار أحده حدًا، والتحديد مثله والعقار بالفتح الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار.
كذا في الصحاح (^٣).
(وذكر) أي: المدعي (أنه) أي: العقار.
(وأنه) أي: المدعي (يطالبه) المدعى عليه بالمدعى.
(التعذر النقل) أي: نقل العقار، ولا يمكن أن يحضر القاضي على العقار؛ لأنه حينئذ يعجز عن إقامة حقوق الناس؛ لكثرة الدعاوى في العقار (أو العقار يعرف به) أي: بالتحديد.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٣).
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٢/ ٧٥٤).
[ ٦ / ٧٥٤ ]
وَيَذْكُرُ الحُدُودَ الأَرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الجَدِّ، لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الأَكْثَرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ، لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِهِ المُدَّعَى، وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي العَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ المُدَّعِي وَتَصْدِيقِ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، بَلْ لَا تَثْبُتُ اليَدُ فِيهِ إِلَّا بِالبَيِّنَةِ، أَوْ عِلْمِ القَاضِي، هُوَ الصَّحِيحُ، … .
قوله: (ولو كان الرجل مشهورًا) كأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وابن أبي ليلى وأبي حفص الكبير البخاري (يكتفي بذكره) أي: بذكر الرجل بدون نسبته.
قوله: (خلافًا لزفر) فإنه يقول: التعريف لم يتم بدون ذكره.
وقوله: (لوجود الأكثر) دليلنا؛ إذ إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع.
ثم مقدار الطول يعرف بالحدين، ومقدار العرض بذكر أحد الحدين، وقد تكون الأرض مثلثة، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (لأنه يختلف به أي: بالغلط المدعى، ولا كذلك بتركها) ونظيرها إذا ادعى شراء شيء بثمن منقود، فإن الشهادة تقبل عليه، وإن سكتوا عن جنس الثمن، ولو ذكروا ذلك واختلفوا لم تقبل كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (يشترط في الشهادة) حتى لو ذكروا ثلاثة من الحدود في الشهادة قبلت شهادتهم عندنا، خلافًا لزفر؛ لما مر.
قوله: (لا تثبت اليد فيه) أي: في العقار (إلا بالبينة أو علم القاضي) أما في المنقول يثبت بالإقرار.
ذكر في الفتاوى الصغرى: لو ادعى المنقول فأقر المدعى عليه أنه في يده يقبل إقراره، وفي العقار لا يقبل حتى يقيم البينة، ولو أنكر اليد ولا بينة للمدعي على اليد يحلفه، وبإحداث اليد لا يكون صاحب اليد، حتى لو غصب أرضًا وزرع فيها فادعى رجل أنها أرضي وغصبها مني وزرعها، فلو أثبت
[ ٦ / ٧٥٥ ]
نَفْيًا لِتُهْمَةِ المُوَاضَعَةِ، إِذْ العَقَارُ عَسَاهُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ المَنْقُولِ، لِأَنَّ اليَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ» لِأَنَّ المُطَالَبَةَ حَقَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونَا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الاحْتِمَالُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي المَنْقُولِ: يَجِبُّ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٌّ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ، فَلْمْ يَبْقَ إِلَّا المُطَالَبَةُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالوَصْفِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ
الغصب وإحداث يده يكون هو ذا اليد، والذي زرعه خارج، والحكم بينهما معلوم. ذكره في عامة الفتاوى.
ولأصحاب الشافعي في إثبات اليد بالبينة قولان الأصح ألا يثبت بالبينة.
قوله: (نفيًا لِتُهَمَة المواضعة) أي: يحتمل أنهما تواضعا على أن يصدق المدعى عليه المدعي بأن العقار في يد المدعي؛ ليحكم القاضي باليد للمدعي؛ حتى يتصرف المدعي فيه، وهو في الواقع في يد الثالث - كان ذلك قضاء بالتصرف في مال الغير، ويؤدي ذلك إلى نقض القضاء عند ظهوره أنه في يد الثالث.
(لأن المطالبة حقه) أي: حق المدعي (فلا بد من طلبه) حتى يجب على القاضي إعانته.
وقوله: (وعن هذا قالوا) إلى آخره، إشارة إلى قوله: (يحتمل أن يكون مرهونا أو محبوسًا).
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى أن المطالبة حقه، فلا بد من طلبه.
(لا بد من تعريفه بالوصف) أي: من تعريف ما في الذمة بالوصف، مثل أن يقول: كذا درهما أو دينارًا، فبعد ذلك إن كان مضروبا يذكر نوعه كبخاري (^١) الضرب، أو النيسابوري الضرب وينبغي أن يذكر صفته أنه جيد أو وسط أو رديء، وإنما يحتاج إلى ذكر الصفة إذا كان في البلد نقود مختلفة، أما إذا كان نقدًا واحدا فلا يحتاج.
_________________
(١) في الأصل: (يحالف)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٥٦ ]
به. قال: (وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى، سَأَلَ القَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ (فَإِنِ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا) لِأَنَّ الإِقْرَارَ مُوجِبُ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ.
ولو كان في البلد نقود مختلفة والكل في الرواج سواء، ولا فضل للبعض على البعض يجوز البيع، ويعطي المشتري البائع أي نقد شاء، إلا أن في الدعوى لا بد من تعيين أحدهما، وإن كان أزوج يصير ذلك كالملفوظ في البيع والدعوى، فلا حاجة إلى البيان.
وإن كانت الدعوى بسبب القرض أو الاستهلاك فلا بد من بيان الصفة على كل حال، وإن [كان] (^١) المدعى دراهم مضروبة، والغش فيها غالب؛ إن كان يتعامل بها وزنًا يذكر [نوعها، ومقدار] (^٢) وزنا، وصفتها، وإن كان يتعامل عددًا يذكر عددها.
ولو ادعى الحنطة أو الشعير بالأمناء، وبين أوصافها قيل: لا تصح هذه الدعوى، وقيل: تصح، وفي الذرة والماش يعتبر العرف.
ولو ادعى الدقيق بالقفيز لا يصح لانكباسه بالكيس، ولا بد لصحة الدعوى من ذكر الوزن، ولا بد أيضًا أن يذكر دقيق حنطة يابسة أو مغسولة، ويذكر مع ذلك أنه جيد أو وسط أو رديء الكل من الذخيرة.
قوله: (قَضِيَ عَلَيْهِ) أي: على المدعى عليه (بها) أي: بالدعوى، ولفظ القضاء هاهنا مجاز؛ للزومه بإقراره، ولا حاجة إلى القضاء.
وقد ذكر في الإيضاح في هذه الصورة: وإطلاق لفظ الحكم على الإقرار توسع في الكلام؛ لأن الإقرار حجة بنفسه؛ لأن الحجة ما يلزم الإنسان موجبهَا، وللإنسان ولاية كاملة على نفسه، فكان إقراره حجة لا تتوقف على القضاء، فكان الحكم من القاضي إلزامًا للخروج عن موجب إقراره، بخلاف البينة، فإن الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب، وبالقضاء يصير حجة ويسقط احتمال الكذب، فتبين أن عمل القضاء في حق البينة أن يُصيِّرها حجة، والإقرار حجة بنفسه، فيلزمه الخروج عن موجبه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٥٧ ]
(وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: «لَكَ يَمِينُهُ» سَأَلَ وَرَتَّبَ اليَمِينَ عَلَى فَقْدِ البَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيُمْكِنَهُ الاسْتِحْلَافُ. قَالَ: (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُضِيَ بِهَا) لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ عَنْهَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ لِأَنَّ اليَمِينَ حَقَّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إِلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ.
الخطاب في قوله ﵇: «ألك بينة؟» (^١) للمدعي من الحضرمي والكندي في حديثهما.
(فلا بد من السؤال) على البينة (ليمكنه الاستحلاف).
(فإن أحضرها) أي: البينة (قضي بها) أي: بالبينة (لانتفاء التهمة عنها) أي: عن الدعوى؛ لرجحان جانب الصدق فيها؛ لأن خبر المدعي لما عارضه خبر المدعى عليه ظهر رجحان جانب الصدق في خبر المدعي بالبينة، ويترجح جانب الصدق في خبر المدعي لا في خبر المدعى عليه بالنص المذكور، على خلاف القياس.
(لما روينا) وهو قوله ﵊: «أَلَك بَيِّنَةٌ».
قوله: (لا بد من طلبه أي: طلب الاستحلاف.
كيف أضيف إليه) أي: إلى المدعي (بحرف اللام) في قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُه»، واللام مقتضية للاختصاص.
والفقه فيه: أن المدعي يزعم أنه أَتْوَى حقه بإنكاره، فشرع الاستحلاف، حتى لو كان الأمر كما زعم يكون إتواءً بمقابلة إتواء، فاليمين الفاجرة تَدَعُ الديار بَلاقِع (^٢)، وإلا ينال المدعى عليه الثواب بذكر اسم الله تعالى على سبيل التعظيم صادقًا، ولا يتضرر بوجه، وكان في شرعية اليمين إظهار صدق المدعى عليه بوجه، فكان فيها حقه أيضًا. إليه أشار في المبسوط.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٢٣) رقم (١٣٩) من حديث وائل بن حجر ﵄.
(٢) البلاقع: الأراضي المُقفِرة. القاموس المحيط (١/ ٧٠٥).
[ ٦ / ٧٥٨ ]