قَالَ: (إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ الحُكْمِ بِهَا سَقَطَتْ) لِأَنَّ الحَقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالقَضَاءِ، وَالقَاضِي لَا يَقْضِي بِكَلَامِ مُتَنَاقِضِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا شَيْئًا لَا عَلَى المُدَّعِي وَلَا عَلَى المَشْهُودِ عَلَيْهِ (فَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يُفْسَخُ الحُكْمُ) لِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِمْ يُنَاقِضُ أَوَّلَهُ فَلَا يُنْقَضُ الحُكْمُ بِالتَّنَاقُضِ، وَلِأَنَّهُ كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ
كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ
عقب الرجوع عن الشهادة؛ إذ الرجوع يقتضي سبق الشهادة، وله مناسبة خاصة بشهادة الزور؛ إذ الرجوع عن الشهادة من أسباب شهادة الزور.
ثم الرجوع ركن، وهو قول الشاهد: شهدت بزور، وهو أن يكون عند القاضي أي قاضٍ كان، فيختص بمجلس القاضي على ما يجيء.
قوله: (سقطت) أي: الشهادة، فلم يقض القاضي بها، ولا خلاف فيه (^١).
قوله: (لأن آخر كلامهم يناقض أوله) فلا يبطل حكم القاضي بالمتناقض، ولأنه لو اعتبر رجوعه في إبطال القضاء أدى إبطاله إلى ما لا يتناهى؛ لأنه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع، فيجب إعادة القضاء الأول. كذا في المبسوط (^٢).
وفي المغني: كان أبو حنيفة أولا يقول فيما رجع بعد القضاء: ينظر إلى حال الراجع؛ إن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة صح رجوعه في حقه نفسه وفي حق غيره، حتى وجب عليه التعزير، وينقض القضاء، ويرد المال على المشهود عليه، وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة أو دونه - يجب عليه التعزير، ولا ينقض القضاء، ولا يجب الضمان عليه، وهو قول أستاذه حماد، ثم رجع عن هذا، وقال: لا يصح
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٧٨)، البناية شرح الهداية (٢٠٠٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٧٨).
[ ٦ / ٦١١ ]
فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ مِثْلُ الأَوَّلِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَوَّلُ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ (وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ) لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا يَصِحُ الرُّجُوعُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ المَجْلِسِ، وَهُوَ مَجْلِسُ القَاضِي، أَيَّ قَاضِ كَانَ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ عَلَى حَسَبِ الجِنَايَةِ، فَالسِّرُّ بالسِّرِّ، وَالإِعْلَانُ بِالإِعْلَانِ. وَإِذَا لَمْ يَصِحَ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَاضِي، فَلَوْ ادَّعَى المَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا لَا يَحْلِفَانِ، وَكَذَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا، حَتَّى لَوْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا … … … ..
رجوعه في حق غيره على كل حال، ولا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة (^١).
قوله: (فالسر بالسر والإعلان بالإعلان) وهكذا جاء لفظ الحديث.
فإن قيل: ينبغي ألا يكون الرجوع مختصا بمجلس القاضي؛ لأنه إقرار بضمان مال المشهود عليه على نفسه بسبب الإتلاف بالشهادة الكاذبة، والإقرار لا يختص بمجلس القاضي.
قلنا: ما كان شرطًا في الابتداء يكون شرطًا في البقاء، كالمبيع، فإن وجوده شرط لابتداء البيع فكذا بقاؤه شرط لصحة الفسخ، فكذا الشهادة، فمجلس القاضي شرط لابتدائها فكذا شرط لفسخها، وهو الرجوع، ولا يلزم عليه رأس مال السلم، فإن إحضاره شرط في ابتداء العقد، وليس بشرط في فسخ السلم؛ لأنا نقول: إحضاره شرط للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، وذلك المعنى لا يوجد في الفسخ (^٢).
قوله: (رجوعًا باطلا) إذ الرجوع في غير مجلس القاضي باطل لما ذكرنا، والاستحلاف وسماع البينة بعد صحة الدعوى، والدعوى باطل؛ لما ذكرنا.
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٥)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢٠٦)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٥)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٨٠)، فتح القدير (٧/ ٤٨١).
[ ٦ / ٦١٢ ]
وَضَمَّنَهُ المَالَ تُقْبَلُ، لِأَنَّ السَّبَبَ صَحِيحٌ.
(وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَالٍ، فَحَكَمَ الحَاكِمُ بِهِ، ثُمَّ رَجَعَا، ضَمِنَا المَالَ لِلمَشْهُودَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ التَّسْبِيبَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي سَبَّبَ الضَّمَانَ كَحَافِرِ البِئْرِ وَقَدْ سَبَّبَا لِلْإِخْلَافِ تَعَدِّيا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَضْمَنَانِ، لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلتَّسْبِيبِ عِنْدَ وُجُودِ المُبَاشَرَةِ. قُلْنَا: تَعَذَّرَ إِيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى المُبَاشِرِ وَهُوَ القَاضِي، لِأَنَّهُ كَالمَلْجَةِ إِلَى القَضَاءِ، وَفِي إِيجَابِهِ صَرْفُ النَّاسِ عَنْ تَقَلُّدِهِ، وَتَعَدُّرُ اسْتِيفَائِهِ مِنْ المُدَّعِي، لِأَنَّ الحُكْمَ مَاضِ فَاعْتُبِرَ التَّسْبِيبُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنَانِ إِذَا قَبَضَ المُدَّعِي المَالَ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ الإِثْلَافَ بِهِ يَتَحَقَّقُ، وَلِأَنَّهُ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ أَخْذِ العَيْنِ وَإِلْزَامِ الدَّيْنِ. قَالَ: (فَإِنْ رَجَعَ
قوله: (ضمنا المال) وبه قال مالك (^١) وأحمد (^٢) والشافعي (^٣) في القول الأصح، وقال الشافعي [في قول] (^٤): لا يضمنان.
قوله: (كالمُلجأ) ولم يقل إنه ملجأ حقيقة؛ إذ لو كان ملجأ حقيقة على الحكم بعد الشهادة لوجب القصاص على الشاهدين في الشهادة بالقتل العمد إذا ظهر كذبه، كما في المكره، كما هو مذهب الشافعي (^٥)، وليس كذلك، وهذا لأن الملجأ حقيقة من يخاف العقوبة الدنياوية، والقاضي إنما يخاف عقوبة الآخرة، ولا يصير به ملجأ؛ لأن كل أحد يقيم الطاعة خوفًا من العقوبة على تركها في الآخرة، ولا يصير به مُكرها، ولكن لا يجب الضمان على القاضي؛ لأنه غير مُتَعَدِّ في القضاء؛ بل هو مباشر لما هو فرض عليه ظاهرا ويأثم بتركه، فتعين الشاهد؛ لأنه متعد في الشهادة، فوجب الضمان عليه جبرًا لنقصان حق المدعى عليه، كالحافر على قارعة الطريق. كذا في المبسوط (^٦).
قوله: (لأن الإتلاف به) أي: بقبض المدّعِي مال المدعى عليه، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بعد العين والدين، وهذا اختيار شمس الأئمة (^٧).
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٩)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٧٠).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٢)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٣).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٥٨)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٥).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: الأم (٧/ ٥٧)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٦).
(٦) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٧٩).
(٧) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٧٩).
[ ٦ / ٦١٣ ]
أَحَدُهُمَا ضَمِنَ النِّصْفَ وَالأَصْلُ أَنَّ المُعْتَبَرَ فِي هَذَا بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ، لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ، وَقَدْ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ نِصْفُ الحَقِّ وَإِنْ شَهِدَ بِالمَالِ ثَلَاثَةٌ فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) …
وفرق شيخ الإسلام بين العين والدين فقال: إن كان المشهود به عينًا يضمن للمشهود عليه قبض المُدّعي العين أولًا، وإن كان المشهود به دينا يضمنه إذا استوفاه المُدعِي من المُدعَى عليه؛ لأن ما يجب عليهما ضمان إتلاف، وضمان الإتلاف مقيد بالمثل، فمتى كان المشهود به عينًا فالشاهد (^١) أزاله عن ملكه باتصال القضاء، ألا ترى أن تصرف المُدّعى عليه بعد القضاء فيه لا ينفذ، فحينئذ بأخذ الضمان عن الشاهد لا تنتفي المماثلة.
فأما إذا كان المشهود به دينا فالشاهد ما أزال عن ملكه شيئًا قبل الاستيفاء؛ بل أوجبا عليه دينا بغير حق، فلو استؤفينا الضمان من الشهود قبل أن يستوفي المشهود له ذلك من المدعى عليه تنتفي به المماثلة؛ لأن المستوفى عين، والعين خير من الدين، وتعتبر قيمة العين يوم القضاء؛ لأن الإتلاف بالقضاء. كذا في الذخيرة (^٢).
قوله: (وإن شهد ثلاثة ورجع واحد فلا ضمان عليه)، وبه قال الشافعي (^٣) في قول، ومالك (^٤) في رواية، وقال أحمد (^٥): يغرم ثلث الحق، وبه قال الشافعي (^٦) في قول آخر، ومالك (^٧) في رواية؛ لأن المال تلف بشهادتهم، فيكون الضمان عليهم، كما في الغصب.
وقلنا: الاعتبار لبقاء من بقي لا لرجوع من رجع؛ لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة شاهدين؛ لأن الزيادة عليهما في هذا الباب فضل في حق القضاء، إلا أن الشهود إذا كانوا أكثر من اثنين يضاف القضاء ووجوب الحق
_________________
(١) في الأصل: (فالشاهدان)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٤٠).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٩)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٨/ ٣٣١).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٩)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٧١).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٥)، المغني (١٠/ ٢٢٤).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٤).
(٧) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٩)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٧١).
[ ٦ / ٦١٤ ]
لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ بَقِيَ بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الحَقِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ بَاقٍ بِالحُجَّةِ، وَالمُتْلِفُ مَتَى اسْتَحَقَّ سَقَطَ الضَّمَانُ فَأَوْلَى أَنْ يَمْتَنِعَ فَإِنْ رَجَعَ الآخَرُ ضَمِنَ الرَّاجِعَانِ نِصْفَ الحَقِّ لِأَنَّ بِبَقَاءِ أَحَدِهِمْ يَبْقَى نِصْفُ الحَقِّ (وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَرَجَعَتْ امْرَأَةٌ ضَمِنَتْ رُبُعَ الحَقِّ لِبَقَاءِ ثَلَاثَةِ الأَرْبَاعِ بِبَقَاءِ مَنْ بَقِيَ وَإِنْ رَجَعَتَا ضَمِنَنَا نِصْفَ الحَقِّ) لِأَنَّ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ بَقِيَ نِصْفُ الحَقِّ وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ ثَمَانٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الحَقِّ …
إلى الكل؛ لضرورة المزاحمة؛ لاستواء حالهم، فإذا رجع واحد منهم زالت المزاحمة لزوال الاستواء، وظهر أن القضاء كان مضافًا إلى شهادة المثنى. كذا في الذخيرة (^١).
وهذا معنى قوله: (وهذا لأن الاستحقاق باق بالحجة) أي: استحقاق المشهود به للمُدّعِي باقٍ بالحُجّة، وهي شهادة الاثنين.
(وَالْمُتْلِفُ متى استحق سقط الضمان) أي: عن المتلف (فأولى أن يمتنع)؛ لأن المنع أسهل من الرفع.
صورته: إذا أتلف إنسان مال زيد مثلا، فقضى القاضي لزيد على المتلف بالضمان، ثم استحق ذلك العين المُتلف عمرو، وأخذ الضمان، أو وهبه سقط الضمان الثابت لزيد عليه بخلاف الغصب؛ لأن الإتلاف حصل من الكل.
قوله: (فإن رجع آخر من الثلاثة يضمن الراجعان نصف الحق)، فإن قيل: ينبغي أن يضمن الراجع الثاني فقط؛ لأن التلف أضيف إليه.
قلنا: التلف مضاف إلى المجموع، إلا أن برجوع الأول لم يظهر أثره لمانع، وهو بقاء من بقي، فإذا رجع الثاني ظهر أن التلف بهما.
وفي شرح الأقطع: وهذا كما يلزم جميع الشهود إذا رجعوا وهم ثلاثة، ولا يقول واحد: لو رجعت وحدي لم يلزمني شيء؛ لأني كنت ثالثهم، فيجب أن يلزمني عند رجوع غيري؛ بل يجب الضمان على الكل، فكذا هنا (^٢).
قوله: (فلا ضمان عليهن) أي: على ثمان نسوة، وبه قال مالك (^٣)
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٤١، ٥٤٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٨٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢٠٥).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢١٨).
[ ٦ / ٦١٥ ]
(فَإِنْ رَجَعَتْ أُخْرَى كَانَ عَلَيْهِنَّ رُبْعُ الحَقِّ) لِأَنَّهُ بَقِيَ النِّصْفُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ، وَالرُّبْعُ بِشَهَادَةِ البَاقِيَةِ، فَبَقِيَ ثَلَاثَةُ الأَرْبَاعِ (وَإِنْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَالنِّسَاءُ، فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسُ الحَقِّ، وَعَلَى النِّسْوَةِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسْوَةِ النِّصْفُ) (*) لِأَنَّهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ يَقُمْنَ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ إِلَّا بِانْضِمَامِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، «قَالَ ﵊ فِي نُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ عُدِلَتْ شَهَادَةُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ».
والشافعي (^١) في قول، وقال أحمد (^٢): يجب عليهن أربعة أسداس الضمان، وبه قال الشافعي في الأصح؛ لما ذكرنا في ثلاثة شهود، فإن كل امرأتين مقام رجل فيكون عشر نسوة مع رجل كسنة رجال، فيقسم الضمان عليهن أسداسًا.
(فإن رجعت أخرى كان عليهن) أي: على تسع نسوة (ربع الحق) وبه قال مالك (^٣) والشافعي (^٤) في قول.
قوله: (وإن رجع الرجل مع النساء جميعًا فعلى الرجل سدس الحق، وخمسة أسداسه على النسوة عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي (^٥) ومالك (^٦) وأحمد (^٧)، وعندهما على الرجل نصف الحق، وعليهن نصفه، وبه قال أبو العباس من أصحاب الشافعي (^٨).
قوله: (لا تقبل شهادتهن بدون رجل) فكان الثابت بشهادتهن نصف المال، وبشهادة الرجل نصف المال (^٩).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٥).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٥)، المغني (١٠/ ٢٢٥).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢١٨).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٥).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٥).
(٧) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٩)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٧٠).
(٨) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٥)، المغني (١٠/ ٢٢٥).
(٩) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٥).
(١٠) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٨٨٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ٣٠٥).
[ ٦ / ٦١٦ ]
فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ سِتَّةُ رِجَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا (وَإِنْ رَجَعَ النِّسْوَةُ العَشَرَةُ دُونَ الرَّجُلِ كَانَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الحَقِّ عَلَى القَوْلَيْنِ) لِمَا قُلْنَا (وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا: فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا دُونَ المَرْأَةِ) لِأَنَّ الوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِشَاهِدَةٍ، بَلْ هِيَ بَعْضُ الشَّاهِدِ فَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ الحُكْمُ.
قوله: (فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال)، في المبسوط (^١): ودليل صحة هذا الكلام أن حكم الشهادة كحكم الميراث، وفي الميراث عند كثرة البنات مع الابن تجعل كل بنتين كابن، ولم تجعل هناك حالة الاختلاط كحالة انفراد البنات، فعند الانفراد لا يزاد لهن على الثلثين، ثم عند الاختلاط يجعل كل ابنتين كابن واحد، فكذلك في الشهادة، وهذا لأن النقصان عن أدنى العدد في الشهادة يمنع القضاء، فأما الزيادة على النصاب فمعتبرة في أن القضاء يكون بشهادة الكل، فبكثرة النساء عند وجود الرجل يزداد النصاب، ويكون القضاء بشهادة الكل على أن كل امرأتين كرجل واحد، فعند الرجوع كذلك يُقضى بالضمان.
قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (أن المعتبر في هذا بقاء من بقي) وبه قال مالك (^٢) والشافعي (^٣) في قول، وقال أحمد (^٤) والشافعي (^٥) في قول: على الراجع بقسطه.
قوله: (فلا يضاف إليه) أي: إلى بعض الشاهد (الحكم القاضي) لأنه شرط العلة، وبشطر العلة لا يثبت شيء، بخلاف ما لو شهد رجلان وامرأتان ثم رجعوا، فالضمان أثلاثا؛ لأن المرأتين قامتا مقام رجل، فكأنه شهد ثلاثة رجال.
وفي المبسوط (^٦): لو شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع رجل وامرأة -
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٨٨).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٢٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٧١).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٣، ٦٤).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٩٥)، المغني (١٠/ ٢٢٥).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٣، ٦٤).
(٦) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٨٨).
[ ٦ / ٦١٧ ]
قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى امْرَأَةٍ بِالنِّكَاحِ بِمِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا، ثُمَّ رَجَعَا فَلَا
ضمن الرجل نصف المال؛ لأن الحُجّة بقيت في نصف المال، ثم هذا النصف على الرجل خاصة عندهما؛ لما بينا أن عندهما نصف المال يثبت بشهادة الرجل، ونصفه بشهادة النساء، وقد بقي من النساء من يثبت نصف الحق، وينبغي في قياس قول أبي حنيفة أن يكون النصف أثلاثا بين الرجل والمرأة؛ لأن القضاء هاهنا بشهادة الكل، وبه قال الشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣)، ولو رجعوا جميعًا فعلى الرجل النصف، وعلى النسوة النصف عندهما، وعند أبي حنيفة على الرجل خمسا المال، وعلى النساء ثلاثة أخماسه، وبه قال الشافعي (^٤) ومالك (^٥) وأحمد (^٦).
قوله: (وكذا إذا شهدا بأقل من مهر مثلها) أي: لا ضمان عليهما عندنا، وعند الشافعي (^٧) ومالك (^٨) وأحمد (^٩) يضمنان لها ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر المثل؛ لأن منافع البضع متقوّم عند دخوله في ملك الزوج بالإجماع، وكذا عند الخروج عندي، ومن ضرورة تقومه في حالة الدخول تقومه عند الخروج؛ لأن الخارج عين الداخل، وقيمته مهر المثل، فقد نقصا عن حقها، وعندنا لا تقوم له عند الإتلاف؛ لأن التقوم يتحقق عند الإحراز، [والإحراز] (^١٠) لا يمكن في الأعراض، وكذلك سائر المنافع، وقد بيّن في الأصول.
فأما عند الدخول في ملك الزوج المتقوّم هو المملوك دون الملك؛ لإظهار خطر المحل؛ حتى يكون مصونا عن الابتذال (^١١).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٩)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢١٢).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢١٧، ٢١٨).
(٣) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٣، ١٢٤).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٩)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢١٢).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢١٧، ٢١٨).
(٦) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٣، ١٢٤).
(٧) انظر: الأم (٧/ ٥٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠١).
(٨) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١١)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٥).
(٩) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٣)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٥).
(١٠) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(١١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٨٧)، (٤٨٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢٠٦، ٢٠٧).
[ ٦ / ٦١٨ ]
ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّ مَنَافِعَ البُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ الإِثْلَافِ، لِأَنَّ التَّضْمِينَ يَسْتَدْعِي المُمَاثَلَةَ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنَّمَا تُضْمَنُ وَتُتَقَوَّمُ بِالتَّمَلُّكِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُتَقَوَّمَةٌ ضَرُورَةَ المِلْكِ إِبَانَةٌ لِخَطَرِ المَحَلِّ (وَكَذَا إِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِتَزَوُّجِ امْرَأَةٍ بِمِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ إِتْلَافُ بِعِوَضٍ لِمَا أَنَّ البُضْعَ مُتَقَوَّمٌ حَالَ الدُّخُولِ فِي المِلْكِ وَالإِتْلَافُ بِعِوَضٍ كَلَا إِخْلَافٍ، وَهَذَا لِأَنَّ مَبْنَى الضَّمَانِ عَلَى المُمَاثَلَةِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الإِتْلَافِ بِعِوَضٍ وَبَيْنَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ شَهِدَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ
فإن قيل: ينبغي أن يضمنا ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر المثل كما قال الشافعي (^١) في هذه الصورة؛ لأنهما أتلفا منافع بضعها من حيث الحكم، وإتلاف منافع البضع حقيقة بغير عوض موجب للضمان، كما قالوا في المجنون إذا أكره امرأة وزني بها يجب مهر المثل، فكذا في الإتلاف الحكمي.
قلنا: القياس ألا يضمن منافع البضع في الإتلاف الحقيقي؛ لعدم إحرازها، إلا أن الشرع ورد في فصل المجنون بالإتلاف بالضمان بخلاف القياس؛ تعظيمًا لأمر البضع، فيقتصر عليه، ولا يمكن الإلحاق دلالة؛ لعدم المماثلة من كل وجه. إليه أشار في الذخيرة (^٢).
قوله: (لأنه إتلاف بعوض؛ لما أن البضع متقوم حال الدخول في الملك)، يعني وإن كان أتلفا مال الزوج في مقدار مهر المثل فقد عوضاه منافع البضع بمقابلة ذلك، وهي متقوّمة عند الدخول، فلا يضمنان، كما لو شهدا بشراء شيء بمثل قيمته ثم رجعا.
وفي الذخيرة (^٣): ومنافع البضع تعتبر مالا عند الدخول في الملك، فصلحت عِوَضًا، ولهذا يجوز للأب أن يزوج ابنه الصغير بمهر المثل من مال الصغير، والأب لا يملك إزالة ملك الصغير إلا بعوض، ولا يملك الأب خلع المرأة الصغيرة بمالها وإن كان المسمى مثل مهر المثل.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦١)، نهاية المحتاج في شرح المنهاج (٨/ ٣٢٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٤٣، ٥٤٤).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٤٣).
[ ٦ / ٦١٩ ]
المِثْلِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا الزِّيَادَةَ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِثْلِ القِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْلَافٍ مَعْنَى.
نَظَرًا إِلَى العِوَضِ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ القِيمَةِ ضَمِنَا النُّقْصَانَ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا هَذَا الجُزْءَ بِلَا عِوَضِ.
قوله: (لأنهما أتلفاها) أي: الزيادة على الزوج المنكر (^١).
قوله: (لم يضمنا) هذا إذا كان المُدّعِي هو المشتري، ولو كان المدعي هو البائع بأن ادعى رجل على أنه باع عبده منه بألف درهم، والمشتري ينكر، وقيمة العبد خمسمائة، وشهدا بذلك ثم رجعا يضمنان خمسمائة للمشتري.
ولو كان المشتري يدعي البيع بخمسمائة درهم والعبد يساوي ألف درهم، فشهدا للمشتري ثم رجعا يضمنان للبائع خمسمائة. ذكره في شرح الطحاوي (^٢).
وكان قوله: (ضمنا النقصان) أي: للبائع، إن كان المدعي هو المشتري (لأنهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض).
وفي الذخيرة (^٣): هذا إذا شهدا بالبيع ولم يشهدا بنقد الثمن، فأما إذا شهدا بهما ثم رجعا فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يشهدا عليه بشهادة واحدة، بأن شهدا بأنه باع منه بألف وأوفاه الثمن، فالقاضي يقضي بقيمة المبيع للبائع ولا يقضي بالثمن.
وثانيهما: أن يشهدا عليهما بشهادتين مختلفتين، بأن شهدا على البيع أولًا، ثم شهدا بإيفاء الثمن للبائع، والفرق بينهما أنهما لما شهدا بهما بشهادة واحدة فالمقضي به المبيع دون الثمن؛ لأنه لا يمكن للقاضي القضاء بإيجاب الثمن؛ لأنه لا يقارن القضاء بالثمن ما يوجب سقوطه، وهو القضاء بالإيفاء، ولهذا لو شهدا بالبيع والإقالة معًا فإنه لا يقضي بالبيع؛ لأنه قارن القضاء بالبيع ما يوجب
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٢٠٧)، فتح القدير (٧/ ٤٨٨).
(٢) شرح مختصر الطحاوي (٨/ ١٥٨، ١٥٩).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٦١، ٥٦٢).
[ ٦ / ٦٢٠ ]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ البَيْعُ بَاتًّا أَوْ فِيهِ خِيَارُ البَائِعِ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ البَيْعُ السَّابِقُ
انفساخه، وهو القضاء بالإقالة، كذا هنا؛ فلذا ضمنا قيمة المبيع دون الثمن؛ لأن المبيع هو المقضي به، وزوال المبيع بلا عوض.
أما لو شهدا بالبيع والإيفاء بالشهادتين فالثمن يقضى به؛ لأن القضاء بالثمن ممكن؛ لأنه لم يقارنه ما يوجب سقوطه؛ لأن حال ما شهدا بالبيع لم يشهد بالإيفاء، وإذا كان الثمن مقضيا به، فإذا رجعا ضمنا الثمن ولم يضمنا قيمة المبيع، وإن صار المبيع مقضيا به في هذه الحالة مع الثمن؛ لأن إزالة المبيع حصلت بعوض، فلا يضمنان قيمته.
قوله: (ولا فرق بين أن يكون البيع باتا، أو فيه خيار للبائع) جواب سؤال ذكره في المبسوط (^١).
فإن قيل: البيع بشرط خيار البائع لا يزيل ملكه عن المبيع، وقد كان متمكنا من دفع الضرر عن نفسه بفسخ البيع في المدة، فإذا لم يفعل كان راضيا بهذا البيع، فينبغي ألا يضمن الشاهدان شيئًا.
قلنا: زوال الملك، وإن كان يتأخر إلى سقوط الخيار، فالسبب هو البيع المشهود، ولهذا استحق المشترى بزوائده، فكان الإتلاف حاصلا بشهادتهم، والبائع كان منكرًا لأصل البيع، فمع إنكاره لا يمكن أن يتصرف بحكم الخيار؛ لأنه إذا تصرف بحكم الخيار يصير مقرا بالبيع، ويظهر كذبه عند الناس، والعاقل يتحرز عن مثله، فلهذا لا يعتبر تمكنه من الفسخ في إسقاط الضمان عن الشهود، حتى لو أوجب البيع في مدة الخيار لم يضمن له الشهود شيئًا؛ لأنه صار مقرا بالبيع مزيلًا ملكه باختياره.
وكذا لو كان شرط الخيار للمشتري وهو منكر للشراء، وفي قيمة العبد نقصان عن الثمن، فإن سكت المشتري حتى مضت المدة ضمن له الشهود النقصان عند الرجوع، وإن اختار البيع في المدة لم يضمن الشهود شيئًا؛ لما بينا في جانب البيع.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٩٣).
[ ٦ / ٦٢١ ]
فَيُضَافُ الحُكْمُ عِنْدَ سُقُوطِ الخِيَارِ إِلَيْهِ فَيُضَافُ التَّلَفُ إِلَيْهِمْ (وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا نِصْفَ المَهْرِ) لِأَنَّهُمَا أَكَّدَا ضَمَانًا عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ الزَّوْجِ أَوْ ارْتَدَّتْ سَقَطَ المَهْرُ أَصْلًا، وَلِأَنَّ الفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَعْنَى الفَسْخِ فَيُوجِبُ سُقُوطَ جَمِيعِ المَهْرِ كَمَا مَرَّ فِي
قوله: (ضمنا نصف المهر)، وبه قال أحمد (^١)، ومالك (^٢) في رواية ابن القاسم، والشافعي في رواية الربيع (^٣) عنه، وقال الشافعي في رواية المزني (^٤) عنه: يضمن مهر المثل؛ لأن البضع عنده متقوّم دخولا وخروجًا، وقال مالك في رواية أشهب (^٥) عنه: لا ضمان على الشهود؛ لأن منافع البضع عند الخروج والدخول ليس بمال، ولو كان فعاد كل المبدل، وهو البضع، إليه كما كان، فصار بمنزلة فسخ البيع قبل القبض، فيوجب سقوطه بغير شيء.
وقلنا: إنهما أكدا ضمانًا على شرف السقوط، وهو نصف المهر، وعلى المؤكد ما على الموجب، ألا ترى أن المُحرم لو أخذ صيدًا في الحرم، فجاء رجل فذبحه في يده يجب الجزاء على المُحرم، ويرجع به على الذابح؛ لأنه أكد الجزاء عليه، وكان على شرف السقوط بأن يخلي سبيله، وقد بين ضعف هذا الوجه في الأصول، واختار فخر الإسلام بأن الضمان إنما يجب على الشهود؛ لأنهم لما ألزموه على الزوج صاروا كأنهم أخذوه من يد الزوج ودفعوه إليها، فصار كالغصب.
قوله: (في معنى الفسخ) لعود المبدل، وهو البضع إليها كما كان، فصار بمنزلة الفسخ قبل قبض المبيع، وإنما قيل: في معنى الفسخ، ولم يقل: هو فسخ؛ لأن النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ؛ لكن لما عاد قبل الدخول المبدل إليها كما كان صار بمنزلة الفسخ، فيكون وجوب نصف المهر ابتداء بشهادتهما، وإنما قال: النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ؛ لأنه قبل اللزوم يقبله، كما لو نكح الصغيرة أخوه، فلها خيار الفسخ بالبلوغ؛ لما أن النكاح لم يقع لازما.
وإنما قيد قبل الدخول لأنه لو طلقها بعد الدخول لم يجب شيء عليهما
_________________
(١) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٣)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٥).
(٢) انظر: المدونة (٤/ ٥٤٠)، الذخيرة (١٠/ ٣٠٧).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٣)، حلية العلماء (٣/ ١٢١١).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٣)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٠).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٨)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٤).
[ ٦ / ٦٢٢ ]
النِّكَاحِ، ثُمَّ يَجِبُ نِصْفُ المَهْرِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ المُتْعَةِ فَكَانَ وَاجِبًا بِشَهَادَتِهِمَا قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ) لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مَالِيَّةَ العَبْدِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَالوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، لِأَنَّ العِتْقَ لَا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِمَا بِهَذَا الضَّمَانِ فَلَا يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ
بالرجوع عندنا ومالك (^١) وأحمد (^٢)، وعند الشافعي (^٣) يجب مهر المثل عليهما، والمسألة مشهورة.
وفي الكافي: لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا بعد موته غرما لورثته نصف المهر، ولم يرث؛ لأنا حكمنا بالبينونة قبل الموت.
ولو شهدا بعد موت الزوج أنه طلقها قبل الدخول في حياته ثم رجعا لم يضمنا للورثة؛ لأن الشهادة وقعت لهم، وضمنا للمرأة نصف المهر والميراث؛ لأن الميراث كان مؤكدًا ظاهرًا بالموت بحيث لا يسقط بالمُسقط، وكذلك الميراث كان واجبًا لها بموت الزوج، [فهما] (^٤) بهذه الشهادة أبطلا عليها نصفًا مؤكدًا من المهر، وإرثًا ثانيًا بالظاهر، فيضمنان لها ذلك، وبه قال مالك (^٥).
قوله: (ضمنا قيمته) أي: قيمة العبد، ولا خلاف فيه، موسرين كانا أو معسرين؛ لأنه ضمان إتلاف.
(لأن العتق [لا يتحول] (^٦) إليهما) أي: الشاهدين (بهذا الضمان) لأنه مما لا يحتمل الفسخ (فلا يتحول الولاء) ضرورة؛ لأن الولاء لمن أعتق، ولا يمتنع وجوب الضمان بثبوت الولاء للمعتق؛ لأن الولاء ليس بمال متقوّم، بل هو كالنسب، فلا يكون عوضًا عما أتلفا (^٧).
فإن قيل: ينبغي ألا يكون الولاء للمولى؛ لأنه ينكر العتق.
قلنا: صار مكذبًا شرعًا بالقضاء؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالعتق تبعه الولاء.
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/ ٥٤٠)، الذخيرة (١٠/ ٣٠٧).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٢٢٣)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦١)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٣٠٠).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٨)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٤).
(٦) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٧) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٩١)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢٠٩).
[ ٦ / ٦٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط (^١) والمغني: لو شهدا أنه دبره، فقضى بذلك ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير؛ لأن ملك المالية للمولى ينتقص بالتدبير، فيضمنان النقصان، ولو شهدا بالكتابة فقضى بذلك، ثم رجعا ضمن قيمة العبد، والفرق بينهما أنهما حالا بين المولى ومدبره [ولكن] (^٢) انتقصت مالية العبد بالتدبير، فضمنا النقصان.
ثم الشاهدان يبيعان المكاتب ببدل الكتابة على نجومهما؛ لأنهما قاما مقام المولى في ذلك حتى ضمنا قيمته، وبه قال مالك (^٣)، وهكذا قال في المدبّر، وقال أحمد (^٤) في المكاتب: يرجع بالنقصان، ولا يعتق المكاتب حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه إليهما فالولاء للذي كاتبه؛ لأنهما قاما مقامه في قبض بدل الكتابة، فإذا أداه إليهما كان كأنه أداه إلى المولى.
ولو عجز ورد إلى الرق كان لمولاه؛ لأن رقبته لم تصر مملوكة لهما؛ لأن المكاتب لا يقبل النقل، فرجوعهما غير صحيح في حقه، ويرد المولى ما أخذ منهما إليهما؛ لأن الحيلولة قد زالت، وعند مالك (^٥) بيع (^٦) لهما إن لم يستوفيا من نجومه.
ولو شهدا بإقرار المولى أن أمته أم ولده، والمولى ينكر، فقضى بذلك ثم رجعا؛ فإن لم يكن معها ولد ضمنا نقصان قيمتها، وبه قال أحمد (^٧)، وقال مالك (^٨): ضمنا قيمتها للمولى، وفيه تفريعات كثيرة. ذكره في المحيط (^٩)، وشرح الطحاوي (^١٠).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٩/¬١٧).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٧).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، المغني (١٠/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٧).
(٦) في الأصل: (تبعا) والمثبت من النسخة الثانية.
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، المغني (١٠/ ٢٢٤).
(٨) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣١٤)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٨).
(٩) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٥٤).
(١٠) انظر: شرح مختصر الطحاوي (٨/ ١٧١).
[ ٦ / ٦٢٤ ]
(وَإِنْ شَهِدُوا بِقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ القَتْلِ، ضَمِنُوا الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنهُمْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اللهِ: يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لِوُجُودِ القَتْلِ مِنهُمْ تَسْبِيبًا فَأَشْبَهَ المُكْرِهَ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الوَلِيَّ يُعَانُ وَالمُكْرِهَ يُمْنَعُ. وَلَنَا: أَنَّ القَتْلَ مُبَاشَرَةً لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا تَسْبِيبًا، لِأَنَّ التَّسْبِيبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَهَاهُنَا لَا يُفْضِي، لِأَنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ، بِخِلَافِ
قوله: (ضمنوا الدية)، وبه قال ابن القاسم المالكي (^١)، (وقال الشافعي (^٢): يقتص منهم)، وبه قال أحمد (^٣) وأشهب المالكي (^٤) إن قالا: تعمدنا الكذب ليقتل، وإن قالا: أخطأنا تجب الدية بالاتفاق.
قوله: (والمكره يمنع) بنصب الراء، على صيغة اسم المفعول؛ لأن الشاهد بمنزلة المكره، بكسر الراء، والولي بمنزلة المكره، وحاصله أن الإكراه أقل إفضاء إلى القتل، فكان قاصرًا؛ لأن المكره ممنوع عن القتل شرعًا، ومع ذلك يقتل المكره، فأولى أن يجب هنا؛ لكمال الشهادة إلى الإفضاء إلى القتل؛ لأن القتل يباح للولي (^٥).
قوله: (ولنا أن القتل مباشرةً لم يوجد)، وانتصاب (مباشرةً) على التمييز، (وكذا تسبيبا؛ لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبًا).
(ولا يفضي؛ لأن العفو مندوب) من الولي، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وفي المبسوط (^٦): الشاهد لم يكن مباشرًا لا حقيقةً ولا حكمًا ولا معنى؛ أما حقيقةً فظاهر، وأما حكمًا؛ لأن الولي طائع مختار في القتل، فيقطع النسبة، ولا معنى؛ لعدم الإلجاء، فإن القاضي إذا لم يحكم يخاف العقوبة في الآخرة، ولا يصير ملجأ به كما ذكرنا مرةً، فلا يصير به مكرها، فكان الشهادة تسبيبًا، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، ويعتبر في القصاص المساواة.
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٩).
(٢) انظر: الأم (٧/ ٥٧)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٦).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٤)، المغني (١٠/ ٢٢٠، ٢٢١).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٩).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٤٩٢٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ٣٢٠).
(٦) المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٨١).
[ ٦ / ٦٢٥ ]
المُكْرَهِ، لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ حَيَاتَهُ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ مِمَّا يَقْطَعُ النِّسْبَةَ، … …
وفي الأسرار: من مشايخنا من قال في تعليل المسألة بأن الشهود مسببون، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، وهو ضعيف؛ لأن المذهب عند الشافعي (^١) أن المسبب والمباشر واحد، ألا ترى أنه يلزمه الكفارة، إلا أن حافر البئر بمنزلة القاتل بسوط صغير؛ لأن الحفر لا يعد للقتل وضعًا، كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين، فأما الشهادة فطريق مسلوك لأخذ ما يثبت بالشهادة، فكان كالضرب بما يقصد به القتل.
وقلنا: لما ثبت من مذهبنا أن الولي لا يقتل، وقد باشر القتل مختارًا لا بإلزام الشهود، فإنه إن شاء عفا، ثم لم يلزم القصاص؛ للشبهة، فالشهود الذين يصيرون بالشهادة متلفين حكمًا أولى؛ لأن الضمان بالقتل الذي باشره الولي لا بالقضاء وحده.
وفي الكافي: وقوله في الهداية: (ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد) إلى قوله: (لأنه يؤثر حياته ظاهرًا) مشكل؛ لأن الأمر على القلب، فالظاهر أن الولي يقدم على القتل لكونه مباحًا، وبه يدرك ثأره والظاهر أن المكره لا يقبل؛ لأنه لا يباح له قتله، ويحتمل أن يرتدع المكره عنه، أو يلحقه الغوث.
أجيب عنه بأنه إنما قال الشيخ ظاهرًا بالنظر إلى حال المسلم المتدين؛ لأنه لا يلحقه بعفوه ضرر بنفسه وماله، ويحصل له الأجر الكثير، فأما المكره يختار حياته بأدنى رخصة في الشرع، ويرجحه على حياة غيره غالبًا، واحتمال الغوث نادر، وعلى تقدير لحوق الغوث لم يبق الإكراه، وكلامنا في المكره (^٢).
قوله: (ولأن الفعل الاختياري) أي: القتل الصادر من الولي باختياره الصحيح، من غير إجبار (مما يقطع به النسبة) بخلاف المكره، فإن له اختيارًا فاسدًا، وللمكره اختيار صحيح، والفاسد في مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم، فصار المُكرَه كالآلة للمكره، فلذلك انتقل فعله إلى المكره، فأضيف فعله إلى
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٦، ٢٥٧)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٥٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٩١، ٤٩٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢١٠، ٢١١).
[ ٦ / ٦٢٦ ]
ثُمَّ لَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقِصَاصِ، بِخِلَافِ المَالِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَالبَاقِي يُعْرَفُ فِي المُخْتَلِفِ.
المكره على أنه لم يقطع النسبة بالكلية (فلا أقل بأن يورث الشبهة) وهي مانعة للقود.
(بخلاف المال) أي: الدية (والباقي) أي: باقي المسألة وتفريعاته (يعرف في المختلف).
فإنه قال في المبسوط (^١): ولو رجعا يكون عليهما الدية؛ لأن كل واحد مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي معهما، أو جاء المشهود بقتله حيًّا - فولى المقتول بالخيار بين تضمين الشاهدين، وبين تضمين القاتل؛ لأن القاتل متلف حقيقةً، والشهود حكمًا، والإتلاف الحكمي في وجوب الضمان كالإتلاف الحقيقي، فكان له الخيار.
ثم إن ضمن الولي لم يرجع على الشاهدين، وبه قال مالك (^٢) في رواية؛ لأنه ضمن بفعله باختياره.
وإن ضمن الشهود لم يرجعوا على الولي أيضًا عند أبي حنيفة، وعندهما: يرجعون، وبه قال مالك (^٣)؛ لأنهم ضمنوا بشهادتهم، وقد كانوا عاملين فيه للولي، فيرجعون عليه، كما لو شهدوا بالقتل الخطأ أو بالمال.
ولا يقال: هناك قد ملكا المقبوض وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص لا يملك بالضمان، والمشهود به هو القصاص.
لأنا نقول: إنهما لم يملكا، فقد قاما مقام من ضمنها في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرًا، فغصبه آخر، ثم ضَمَّن المالك الغاصب الأول، فإنه يرجع بالضمان على الثاني، وإن لم يملك المدبر بالضمان، ولكنه قام مقام من ضمنه، وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة، حتى ملكه ولي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٨١، ١٨٢).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٢، ١٠٦٣).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦٢).
[ ٦ / ٦٢٧ ]
قَالَ: (وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الفَرْعِ ضَمِنُوا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ صَدَرَتْ
القصاص، وله بدل متقوّم محتمل للتمليك، فيكون السبب معتبرًا، على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل كاليمين على مس السماء.
وكذا شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للمولى القيمة كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة، ولم يملكوا رقبة المكاتب، ولكن المكاتب لما كان مملوكًا انعقد السبب في حقهم على أن يكون عاملًا في بدله، وهو بدل الكتابة، فيملكون بدل الكتابة بذلك، وإن لم يملكوا رقبة المكاتب، فهذا مثله.
وأبو حنيفة يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود به حكمًا، والمتلف لا يرجع بما ضمن بسببه على غيره، كالولي، وهذا لأنهم لو لم يكونوا متلفين لما ضمنوا مع وجود المباشر، كالحافر مع الدافع، وهاهنا ضمنوا، عرفنا أنهم جناة متلفون حكمًا، وإن كان تمام الإتلاف عند استيفاء الولي، فإن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقرر لجنايتهم، ومن ضمن شيئًا بجناية نفسه لا يرجع على غيره. أما في الخطأ إنما يرجع؛ لأنه ملك المقبوض، وهو الدية، بالضمان، وقد أتلفه المستوفي بصرفه إلى خاصته، وهذا سبب آخر موجب للضمان عليه للشاهد، وكذلك في المال.
وقولهما: ينعقد السبب موجبًا له الملك أن يعمل في بدله.
قلنا: هذا أن لو كان في الأصل توهم الملك بالضمان، وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال، فلا ينعقد السبب باعتبار الحلف، ثم لو كان القصاص ملكًا لهما لم يضمنه المتلف عليهما، كما لو شهدا على الولي بالعفو، وقيل: أخر من عليه القصاص فليس لمن له القصاص قبله الضمان، وانعقاد السبب لا يكون أقوى من ثبوت حقيقة الملك، وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة، فإن هناك لو كان ملكًا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكما باعتبار انعقاد السبب، فيكون له أن يرجع لذلك. الكل من المبسوط (^١).
قوله: (وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا) ولا نعلم فيه خلافًا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٨٢، ١٨٣).
[ ٦ / ٦٢٨ ]
مِنْهُمْ، فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إِلَيْهِمْ (وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الأَصْلِ وَقَالُوا: لَمْ نُشْهِدْ شُهُودَ الفَرْعِ عَلَى شَهَادَتِنَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا السَّبَبَ وَهُوَ الإِشْهَادُ، فَلَا يَبْطُلُ القَضَاءُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ فَصَارَ كَرُجُوعِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ القَضَاءِ (وَإِنْ قَالُوا: أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا، ضَمِنُوا وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) (*) لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ، لِأَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بِمَا يُعَايِنُ
قوله: (فلا ضمان عليهم) أي: على شهود الأصل باتفاق الأئمة الأربعة، وعن أحمد (١) في وجه: يضمنون كالمزكين.
قوله: (لأنه خبر محتمل) أي: لأن إنكارهم الإشهاد خبر محتمل للصدق والكذب، فلا يبطل القضاء، كما لو شهد الأصل بنفسه، وقضى القاضي بشهادته ثم رجع، وإن قالوا: أشهدناهم وغلطنا ضمنوا.
وفي المبسوط (٢): وكذلك لو قالوا: أشهدناهم على شهادتنا ولكن رجعنا عن ذلك؛ فعندهما لا يضمن الأصول أصلا، وعند محمد يضمنون؛ لما ذكرنا أن الفرعين قاما مقام الأصلين في نقل شهادتهما إلى مجلس القاضي، فأما القضاء يحصل بشهادة الأصلين؛ فلهذا اعتبرنا عدالتهما، فصار كأنهما حضرا بأنفسهما وشهدا ثم رجعا، وبه قال أحمد (٣)، وقالا: القاضي يحكم بما عاين من الحجّةِ، وهي شهادة الفروع والموجود من الأصول شهادة في غير مجلس القاضي، وهي غير حجة فلا يكون سببًا للإتلاف، فلا يلزم الأصول الضمان وإن رجعا؛ لأن الشهادة تختص بمجلس القاضي، كالرجوع، والرجوع في غير مجلس القاضي لا يوجب الضمان، فكذا الشهادة في غير مجلس القاضي، وقد بينا أن الفروع لم يكونوا نائبين؛ لعدم ولاية الأصول بعد الإشهاد منعهم عن الشهادة.
(*) الراجح: قول الشيخين.
(١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٢١).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٢).
[ ٦ / ٦٢٩ ]
مِنْ الحُجَّةِ وَهِيَ شَهَادَتُهُمْ وَلَهُ: أَنَّ الفُرُوعَ نَقَلُوا شَهَادَةَ الأُصُولِ فَصَارَ كَأَنَّهُمْ حَضَرُوا (وَلَوْ رَجَعَ الأُصُولُ وَالفُرُوعُ جَمِيعًا يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَهُمَا عَلَى الفُرُوعِ لَا غَيْرُ) لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الأُصُولَ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الفُرُوعَ، لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَا، وَبِشَهَادَةِ الأُصُولِ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَالجِهَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّضْمِينِ (وَإِنْ قَالَ شُهُودُ الفَرْعِ: كَذَبَ شُهُودُ
قوله: (والجهتان متغايرتان)؛ لأن شهادة الأصول على أصل الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول (فلا يجمع بينهما في التضمين).
وفي المبسوط (^١): ولا يقال بأن الأصلين يضمنان النصف، والفرعين النصف الآخر، فيجعل الكل في حكم شهادة واحدة؛ لأنه لا تجانس بين شهادتي الفريقين؛ لما ذكرنا أن شهادة الأصول على أصل الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول، وإذا لم يكن التجانس بين الشهادتين فلا يجعل كشهادة واحدة، فيجعل كل فريق كالمنفرد، فيُخيّر في التضمين، كالغاصب وغاصب الغاصب.
أما هاهنا لو ضمن كل واحد من الفريقين لا يرجع على الآخر عند محمد، بخلاف غاصب الغاصب إذا ضمن الغاصب يرجع على غاصبه؛ لأن كل واحد من الفريقين هاهنا مؤاخذ بقوله، فلا يرجع على غيره، وهذا لأن نقل شهادة الأصول إلى مجلس القاضي سبب التلف، ونقل شهادتهما ثبت لهما بإشهادهم، فإنه لولا إشهاد الأصول لما تمكن الفروع من النقل، ولولا نقل الفروع لم يثبت التلف، فكان فعل كل واحد من الفريقين في حق المشهود عليه سبب ضمانه على سبيل المباشرة.
أما في حق الفروع فظاهر، وكذا في حق الأصول؛ لأن أداء الفروع منقول إليهم؛ لأن الفروع مضطرون من جهة الأصول إلى الأداء بعد الإشهاد، حتى لو امتنعوا من الأداء أثموا، ولهذا قضاء القاضي منقول إلى الشهود؛ لأنه مضطر
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٢١).
[ ٦ / ٦٣٠ ]
الأَصْلِ، أَوْ غَلِطُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَا أُمْضِيَ مِنْ القَضَاءِ لَا يُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ، إِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالرُّجُوعِ.
قَالَ: (وَإِنْ رَجَعَ المُزَكَّوْنَ عَنْ التَّزْكِيَةِ ضَمِنُوا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا
إلى القضاء بعد الشهادة، فلما كان كذلك كان كل فريق مؤاخذا بفعله، فلا يرجع على غيره، إليه أشار في المبسوط (^١).
قوله: (وإذا رجع المزكون) إلى آخره، وفي المبسوط (^٢): شهدوا على الزنا، وزكاها المزكون، ثم تبين أنهم عبيد أو مجوس، فإن ثبت المزكون على التزكية، وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، أما على الشهود؛ لأنه لم يتبيّن كذبهم، وأما على المزكّين؛ فلأنهم اعتمدوا على ما سمعوا من إسلامهم وحريتهم، وإنما زكوهم بقول الناس، فلم يتبين كذبهم فيما أخبروا عن قول الناس.
وقال أحمد (^٣): على المزكين الضمان؛ لأنهم شهدوا بالزور، وشهادتهم أفضت إلى التلف، ولا ضمان على الشهود؛ لأنهم يقولون: شهدنا بحق، ولا على القاضي؛ لأنه ملجأ في الحكم، وأما إذا رجع المزكون عن التزكية فعليهم الضمان عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد (^٤) ومالك (^٥)، وعندهما الدية في بيت المال في الوجهين؛ لأن المزكّين ما أثبتوا سبب الإتلاف، وسبب الإتلاف وما تعرضوا له، وإنما أثنوا على الشهود خيرًا، فكانوا في المعنى كشهود الإحصان.
وأبو حنيفة يقول: إنهم أثبتوا سبب الإتلاف وهو الشهادة، والشهادة إنما كانت موجبة بالتزكية، فكانت التزكية كعلة العلة بخلاف شهود الإحصان، فإن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٢١).
(٢) المبسوط للسرخسي (٩/ ٥٩، ٦٠).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٩).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٩، ١٣٠).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٤)، مواهب الجليل (٦/ ٢٠٢).
[ ٦ / ٦٣١ ]
يَضْمَنُونَ) (*) لِأَنَّهُمْ أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا فَصَارُوا كَشُهُودِ الإِحْصَانِ. وَلَهُ: أَنَّ التَّزْكِيَةَ، إِعْمَالُ لِلشَّهَادَةِ، إِذْ القَاضِي لَا يَعْمَلُ بِهَا إِلَّا بِالتَّزْكِيَةِ، فَصَارَتْ بِمَعْنَى عِلَّةِ العِلَّةِ، بِخِلَافِ شُهُودِ الإِحْصَانِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَحْضُ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِاليَمِينِ وَشَاهِدَانِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعُوا: فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ اليَمِينِ … .
الشهادة على الزنا بدون الإحصان موجبة للعقوبة، وشهود الإحصان ما جعلوا ما ليس بموجب موجبًا، ولكن الإحصان إذا ثبت كان معرفًا لحكم الزنا، فثبت أنه علامة لا شرط، فلم يتعلق به وجوب ولا وجود.
ولو رجع شهود الإحصان لم يضمنوا عندنا والشافعي (^١) في قول ومالك (^٢) في رواية، سواء رجعوا مع الشهود أو وحدهم، وقال زفر والشافعي في قول ومالك (^٣) في رواية وأحمد (^٤): يضمنون؛ لأن الزنا موجب للرجم بقولهم، فيكون في معنى العلة.
وقلنا: الإحصان في معنى العلامة؛ لأن حكم الشرط أن يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط، والزنا إذا وجد لم يتوقف حكمه على إحصان يحدث بعده، فإنه إذا زنى ثم أحصن لا يرجم، ولكن الإحصان إذا ثبت كان معرفًا لحكم الزنا، والحكم لا يضاف إلى المظهر كما ذكرنا.
وفي المبسوط (^٥): وكيف يكون الإحصان موجبًا للزنا ومؤثرًا، فإن ثبوت الخصال الحميدة مانعة عن الزنا، ومثبت ما يوجب المنع عن الشيء لا يكون كمثبت من يوجب وجود ذلك الشيء؛ إذ هما على طرفي نقيض؟ فلما لم توجب هذه الخصال الزنا لم توجب الرجم أيضًا؛ لأن ذلك حكم الزنا.
قوله: (فالضمان) أي: ضمان قيمة العبد أو ضمان نصف المهر؛ لأن وضع المسألة فيهما على ما ذكر في الكتاب.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٣/ ٢٣٧)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٠، ٦١).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦١).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٦١).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، المغني (١٠/ ٢٢٩).
(٦) المبسوط للسرخسي (٩/ ٦٠).
[ ٦ / ٦٣٢ ]
خَاصَّةٌ) لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ، وَالتَّلَفُ يُضَافُ إِلَى مُثْبِتِي السَّبَبِ دُونَ الشَّرْطِ المَحْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ اليَمِينِ دُونَ شُهُودِ الشَّرْطِ، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِيهِ، وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ يَمِينُ العِتَاقِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وقوله: (خاصة) احتراز عن قول زفر، فإن الضمان عنده على الجميع، قال: لأن التلف حصل بشهادة الفريقين جميعًا، وقلنا: شهود اليمين أثبتوا العلة الموجبة للعتق، وهي قوله: أنت حر، وشهود الدخول أثبتوا شرط العتق، وهو الدخول، والشرط لا يعارض العلة في إضافة الحكم؛ لأن إضافة الحكم إلى العلة حقيقة، وإضافته إلى الشرط مجازية، كما في الحافر مع الدافع، فإن الحكم يضاف إلى الدافع دون الحافر. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (اختلف المشايخ فيه)، في المبسوط (^٢): ظن بعض مشايخنا أن شهود الشرط يضمنون بالرجوع فيما إذا كانت اليمين ثابتة بإقرار المولى، وقالوا: لأن العلة لا تصلح لإضافة الحكم؛ لأنها ليست بتعد، فيكون الحكم مضافًا إلى الشرط؛ إذ الشرط يخلف العلة، كما في حفر البئر، وهو غلط؛ بل الصحيح من المذهب أن شهود الشرط لا يضمنون، نص عيه في الزيادات؛ لأن قوله: (أنت حر) مباشرة للإتلاف، وعند وجود المباشر يضاف الحكم إليه لا إلى الشرط، سواء كان الشرط بطريق التعدي أو لا، بخلاف مسألة الحفر، فالعلة هناك ثقل الماشي، وليس ذلك من مباشرة الإتلاف في شيء، فلهذا يجعل الإتلاف مضافًا إلى الشرط.
وفي الكافي: وإلى الأول مال فخر الإسلام، ولو شهدا بالتفويض، وآخران بأنها طلقت أو أعتق فالتفويض كالشرط (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/¬١٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/¬١٧).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٢١٥)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١٣٨٧).
[ ٦ / ٦٣٣ ]
﷽