الشَّفْعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشَّفْعِ، وَهُوَ الضَّمُّ، سُمِّيَتْ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمِّ المُشْتَرَاةِ إلَى عَقَارِ الشَّفِيعِ.
كِتَابُ الشَّفْعَةِ
مناسبة الشفعة الغصب من حيث إن كل واحد يملك مال الغير بغير رضاه، إلا أن الغصب عدوان والشفعة مشروعة، فكان حقها التقديم لكن معرفة [أحكام] (^١) الغصب [أحوج] (^٢) لكثرة وقوعه، خصوصًا في هذا الزمان، ولكثرة سبب الغصب من الاستحقاق في البياعات والشركات والمزارعات وغيرها، وللشفعة سبب واحد وهو اتصال ملك العقار عندنا.
ثم من محاسن الشفعة دفع ضرر الجوار وهو مادة المضار، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ في الإسلام» (^٣) وأكمل (^٤) الضرر في صحبة الأضداد، فالصحبة بالجار أو الشريك المضر أعظم عقوبة وقد جاء في تفسير ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] أي: ألزمنه صحبة الأضداد.
ثم الشفعة لغة: مأخوذة من الشفع لغة كما ذكر في المتن.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤ رقم ٢٣٤١)، وأحمد (١/ ٣١٣) رقم (٢٨٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال البوصيري: هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم …، وله شاهد من حديث أبي صرمة. مصباح الزجاجة (٨٢٨).
(٤) في الأصل: (والحمل)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشرعًا: تملك البقعة بما قام على المشتري بالشركة والجوار، فكان فيها معنى اللغة، وسببها الاتصال، وشرطها معاوضة مال بمال.
وقال الخصاف: الشفعة تجب بالبيع، ثم تجب بالطلب، فيه إشارة إلى أن سببها كلاهما على التعاقب، وأنه غير صحيح؛ لأن الشفعة لما وجبت بالبيع لا يتصور وجوبها ثانيًا.
وقال شيخ الإسلام: الاتصال مع البيع علة لها؛ لأن حق الشفعة لا يثبت إلا بهما، ولا يجوز أن يقال بأن الشراء شرط، والاتصال سبب؛ لأن الشفيع لو سلم الشفعة قبل البيع لا يصح مع وجود الاتصال، فلو كان الاتصال سببا ينبغي أن يصح التسليم؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الوجوب.
فشرطها: أن يكون المحل عقارًا سفلا كان أو علوا، إذ الشفعة لا تثبت في المنقولات قصدًا، بل تثبت تبعًا للعقار، ومن شرطها أن يكون طلب الشفيع، وأن يكون العقد عقد معاوضة.
وركنها: أخذ الشفيع المشتراة بشرائطها.
وحكمها: جواز طلب الشفعة، وثبوت الملك بالقضاء أو بالرضا، إليه أشار في المبسوط، والذخيرة، والتحفة وغيرها.
وهي مشروعة بالسنة المشهورة.
وفي المبسوط: زعم بعض أصحابنا أن القياس يأبى جواز الشفعة؛ لأنه يملك على المشتري ملكه الصحيح بغير رضاه، فإنه من نوع الأكل بالباطل، قال ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مُسلِمٍ إلا بطيبة نفسِهِ» (^١)، ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه، ويلحق الضرر بغيره، وليس لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر بغيره، ولكنا تركنا القياس بالآثار المشهورة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢ رقم ٢٠٧١٤)، والدارقطني (٣/ ٤٢٤ رقم ٢٨٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٠٠ رقم ١١٨٧٧) من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه ﵁. وضعفه ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/ ١١٣)، والبوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة " (٢٩٠١).
[ ٧ / ٦٤٧ ]
قَالَ: (الشَّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ المَبِيعِ، ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ، ثُمَّ لِلْجَارِ) أَفَادَ هَذَا اللَّفْظُ ثُبُوتَ حَقِّ الشَّفْعَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَفَادَ التَّرْتِيبَ،
والأصح أنها أصل في الشرع، فلا يجوز أن يقال: إنها مستحسنة عن القياس، بل هي ثابتة على موافقة القياس، وأجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ريعه إلا الأصم، وابن علية فإنهما قالا: لا تثبت الشفعة بحال؛ لما ذكرنا من وجه القياس.
قوله: (الشفعة واجبة) أي: ثابتة عند تحقق سببها لا أن يكون المراد بها لزوم الإثم عند تركها بالإجماع.
والخلطة بالضم: الشركة، والخليط: الشريك، يقال: خالطه أي: شاركه.
قوله: (وأفاد الترتيب)، في الذخيرة صورته منزل بين اثنين وسكة غير نافذة، فباع أحد الشريكين نصيبه، فالشريك في المنزل أحق بالشفعة؛ فإن سلم فأهل السكة أحق إن سلموا، فالجار الملاصق وهو الذي على ظهر هذا المنزل وباب داره في سكة أخرى.
ومسألة الجار على وجهين:
إما أن تكون الدار المشتراة في سكة نافذة، وفي هذا الوجه الشركة للملاصق.
وإما أن يكون في سكة غير نافذة، وفي هذا الوجه جميع أهل السكة شفعاء الملازق، والمقابل في ذلك على السواء.
وقد قيل: الشفعة على أربع مراتب، ويظهر ذلك في مسألتين:
إحديهما: بيت في دار في سكة غير نافذة والبيت لاثنين، والدار لقوم، فباع أحدهما نصيبه من البيت فالشفعة أولًا للشريك في البيت، فإن سلّم فلشريك الدار، فإن سلّم فلأهل السكة، فإن سلموا فالجار الملاصق، وهو الذي على ظهر المنزل وبابه في سكة أخرى.
[ ٧ / ٦٤٨ ]
أَمَّا الثُّبُوتُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ» وَلِقَوْلِهِ ﵊: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالأَرْضِ، يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَلِقَوْلِهِ ﵊: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَقَبُهُ؟ قَالَ شُفْعَتُهُ وَيُرْوَى الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ».
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شُفْعَةَ بِالجِوَارِ لِقَوْلِهِ ﵊: الشَّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمُ، فَإِذَا وَقَعَتْ الحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطَّرِيقُ فَلَا شُفْعَةَ وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ المَالِ عَلَى الغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ
والثانية: دار بين اثنين في سكة غير نافذة، فالشفعة أولًا للشريك في الدار، فإن سلّم فللشريك في الحائط المشترك بين الدارين، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق.
قوله: (وقال الشافعي: لا شفعة بالجوار)، وكذا بالشركة في الحقوق كالطريق والشرب؛ لأن ذلك كالجوار، وكذا فيما لا يحتمل القسمة كالنهر والبئر، وبه قال مالك وأحمد، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي.
وعندنا، والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة: تثبت له الشفعة بعد الشريك في المبيع، أو في حقه.
وفي شرح الوجيز: عن ابن سريج تخريج لمذهب أبي حنيفة ﵀ قال القاضي الروياني، بعض أصحابي يفتي به، وهو الاختيار للشافعي.
الحديث المذكور في المتن رواه أبو داود، وهذا الحديث [يقتضي] (^١) أن جنس الشفعة فيما لم يقسم إذ الألف واللام للجنس؛ لعدم المعهود، والدليل عليه أنه قال في رواية: «إنما الشفعة فيما لم يقسم»، وإنما كلمة الحصر.
ويدل عليه أيضًا (فإذا صرفت الطرق) أي: حصل لكل قسم طريق على حدة (فلا شفعة).
(لما فيه) أي: في حق الشفعة (تَمَلُّكُ المال على الغير بغير رضاه) وذا لا
_________________
(١) بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٤٩ ]
الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ القِسْمَةِ تَلْزَمُهُ فِي الأَصْلِ
يجوز لقوله ﷺ «لا يَحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» (^١)، إلا أن القياس ترك بالسنة، وهي فيما لم يقسم.
(وهذا) أي: الجار (ليس في معناه)؛ لأن حق الأخذ ثُمَّ ثبت لدفع مؤنة القسمة، إذ لو لم يأخذ يطالبه المشتري بالقسمة، فيلحقه مؤنة القسمة، وهذا لا يوجد في حق الجار.
لنا ما روينا: «جارُ الدّارِ أحقُّ بالدار» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (^٢).
وقوله: «الجار أحق بسَقَبِه»، ويروى بالصاد، رواه البخاري، وأبو داود (^٣)، وروى الترمذي عن جابر أنه ﷺ قال: «الجار أحق بسَقَبِهِ (^٤) يَنتظِرُ بِها وإن كانَ غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا»، ثم قال: حديث حسن (^٥).
وفي المغرب: السَّقَب: القرب والاتصال، وأريد بالسقب هنا الساقب على معنى ذو السقب، والتسمية بالمصدر.
ومعنى الحديث الجار أحق بالشفعة؛ لأنه جاء في لفظ: «الجار أحقُّ بِشُفْعَتِه» (^٦)، وسئل عنه رسول الله ﷺ ما سقبه؟ قال: «شُفعته».
وروى الطحاوي عن أبي بكر بن حفص: أن عمر كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملاصق (^٧).
وبعض أهل العلم رمى حديث جابر بالوهن من جهة عبد الملك بن أبي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢) رقم (٢٠٧١٤)، والدارقطني (٣/ ٤٢٤ رقم ٢٨٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٠٠ رقم ١١٨٧٧) من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه ﵁. وضعفه ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣) (١١٣)، والبوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٢٩٠١).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) هكذا في الأصول، وفي مصادر التخريج «بشفعته»، وفي بعضها «بشفعة جاره».
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) أخرجعه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٥ رقم ٦٠١٣).
[ ٧ / ٦٥٠ ]
دُونَ الفَرْعِ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ،
سليمان، ولم يصب في ذلك، فإن أحاديث الثقات لا تُرَدُّ بِوَهْم، مع أن عبد الملك ثقة، ذكره الترمذي (^١).
فإن قيل: يطلق لفظ الجار على الشريك، كما في قول الأعشى (^٢):
أيا جَارَتِي بِيْنِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ … كَذاكِ أُمور الناس غادٍ وَطَارِقَهْ
والمراد: زوجته، وهي شريكته في الفراش؛ ولأنه ﷺ قال: «الشفعة فيما لَمْ يُقسَمْ» (^٣) نص على النفي عن غيره؛ لأن كلمة «إنما» للحصر، ولأن (^٤) تعليلكم للاستحقاق بالجوار بسبب دفع ضرر الجوار منقوض بالجار المقابل وبالجار الملاصق بطريق الإجارة.
قلنا: حمل اسم الجار على الشريك ترك الحقيقة بلا دليل، وذا لا يجوز، ولأن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك يلغو هذا؛ لأن بالشركة تستحق الشفعة، سواء كان الطريق واحدا أو لا.
قال الإمام الحلواني: تركوا العمل بمثل هذا الحديث مع شهرته وصحته، والعجب منهم أنهم سموا أنفسهم أصحاب الحديث؛ فلقبوا أنفسهم بترك العمل بالحديث بأصحاب الحديث.
وقد روي أن سعدًا عرض بيتا له على جاره؛ فدل أن جميع البيت له؛ فبطل تأويله بالشريك، وسمى الزوجة جارا؛ لأنها تجاوره في الفراش لا لأنها تشاركه.
وما روي يدل على ثبوت الشفعة في الشركة، وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه، وإنما رواية «إنّما الشُّفَعَةُ» ليست تثبت، ولئن ثبت تقتضي نفي
_________________
(١) سنن الترمذي (٣/¬٤٤ رقم ١٣٦٩).
(٢) البيت من الطويل، وهو للأعشى في ديوانه ص ٣١٣؛ وأدب الكاتب ص ٢٩٥؛ والإنصاف ٢/ ٧٦٠؛ ولسان العرب ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦ (طلق)؛ وكتاب العين ٥/ ١١٠.
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٨٧ رقم ٢٢٥٧)، ومسلم (٣/ ١٢٢٩ رقم ١٦٠٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) في الأصل (لا)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٥١ ]
فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ المُعَاوَضَةِ بِالمَالِ اعْتِبَارًا بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الاتِّصَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِنَّمَا انْتَصَبَ سَبَبًا فِيهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الجِوَارِ، إِذْ هُوَ مَادَّةُ
الشبهة الثابتة بسبب التركة عملا بما [روينا] (^١)، أو يقتضي [تأكيد] (^٢) المذكور بطريق الكمال كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وكما يقال: إن العالم في البلد زيد أي: الكامل فيه، والمشهور به زيد، والشريك في البقعة كامل في سبب استحقاق الشفعة دون نفي غيره بدليل سياق الحديث، فإنه قال في آخره «فإذا وقعت الحدود وصرف الطريق فلا شفعة» (^٣).
وعند الشافعي: لا شفعة هناك أيضًا، فكان آخر الحديث حجة لنا أيضًا، مع أنه قيل: هذا من كلام الراوي لا من الحديث، فلو صح أنه من الحديث فمعنى قوله: لا شفعة بوقوع الحدود وصرف الطريق، فكان الموضع موضع إشكال؛ لأن في القسمة معنى المبادلة، ربما يشكل هل يستحق بها الشفعة؟ فبين النبي ﷺ أنه لا يستحق الشفعة بالقسمة، ولا يلزم الجار المقابل؛ لأن الضرر هناك ليس بسبب اتصال الملك.
ولأن الأخذ بالشفعة لما كان لحق الملك صار فرعًا من فروعه؛ فلا يكون إلا لمن له الاتصال به ملكا على الدوام، وهذا لأن المقصود دفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، فلهذا لا تثبت لجار السكني كالمستأجر والمستعير؛ لأن جواره ليس بمستدام، ولأن الملك الحادث بالإجارة ملك منفعة، ولا اتصال بين ملك الجار وبين منفعة جاره؛ فلا تثبت الشفعة له، كذا في المبسوط، والأسرار وغيرهما.
قوله: (اعتبارًا بمورد الشرع) وهو الخليط في نفس المبيع.
قوله: (لأن الاتصال بهذه) أي: بصفة أنه شريك في البقعة.
(لدفع ضرر الجوار) أي: لدفع التأذي بسوء المجاورة على الدوام حتى لا تثبت للمستأجر والمستعير (إذ هو) أي: الجوار على الدوام مادة المضار من
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٧ / ٦٥٢ ]
المَضَارٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَطْعُ هَذِهِ المَادَّةِ بِتَمَلُّكِ الأَصْلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى، وَضَرَرُ القِسْمَةِ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةٌ لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ.
حيث إيقاد النار، وإعلاء الجدار، ومنع ضوء النهار، وإثارة الغبار. وقوله: (وضرر القسمة مشروع) إلى آخره، جواب عن قول الشافعي: أن مؤنة القسمة تلزمه عند بيع أحد الشريكين، ومنشأ الخلاف بيننا وبينه راجع إلى معنيين:
فعندنا: المعنى المؤثر لثبوت الشفعة اتصال الملك؛ ليدفع الشفيع بثبوت حق الشفعة سوء ضرر الجوار، سواء كان ذلك الاتصال في نفس المبيع أو حقه أو بالجار الملاصق.
وعنده: المعنى المؤثر لزوم مؤنة القسمة، وعن هذا قال: لا يثبت فيما لا يحتمل القسمة، وكذا في الجار؛ لأنه لا قسمة هناك، وكذا في المنقولات؛ لأنه يتمكن من دفع مؤنة القسمة ببيع نصيبه، والبيع والشراء في المنقول معتاد بخلاف العقار، ولما كان كذلك بقي الشأن في الترجيح.
فقلنا: ما ذكرنا معنى فيه؛ لأنه يبقى بينهما منازعة دائمة، فلو قال الخصم: يمكن دفع ضرر الجار بالمرافعة إلى السلطان.
قلنا: ذاك ضرر أشد من السكوت والتصبر؛ لأنه يحتاج إلى المرافعة، وربما لا يندفع بها؛ فتبقى السخيمة الزائدة، وما ذكر من ضرر القسمة ليس بضرر؛ لأنه حق مستحق عليه شرعًا، وإبقاء المستحق لا يعد من الأضرار (^١) على أن مثل هذا الضرر يتحقق في المنقول المشترك، فكان ضرر مؤنة القسمة مشروعًا.
أما ملك مال الغير بغير رضاه غير مشروع؛ فلا يحتمل غير المشروع لدفع المشروع، فعلم أن المؤثر في الأصل دفع ضرر الجوار، إليه أشار في المبسوط، والإيضاح.
_________________
(١) بياض بالأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٥٣ ]
وَأَمَّا التَّرْتِيبُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الخَلِيطِ، وَالخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ» فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ المَبِيعِ، وَالخَلِيطُ فِي حُقُوقِ المَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الجَارُ.
وَلِأَنَّ الاتِّصَالَ بِالشَّرِكَةِ فِي المَبِيعِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ، وَبَعْدَهُ الاتِّصَالُ فِي الحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ فِي مَرَافِقِ المِلْكِ، وَالتَّرْجِيحُ يَتَحَقَّقُ بِقُوَّةِ السَّبَبِ، وَلِأَنَّ ضَرَرَ القِسْمَةِ إِنْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً صَلَحَ مُرَجِّحًا.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ وَالشِّرْبِ وَالجَارِ شُفْعَةٌ مَعَ الخَلِيطِ فِي الرَّقَبَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ. قَالَ: (فَإِنْ سَلَّمَ فَالشَّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ سَلَّمَ أَخَذَهَا الجَارُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّرْتِيبِ، وَالمُرَادُ بِهَذَا الجَارُ: المُلَاصِقُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الدَّارِ المَشْفُوعَةِ وَبَابُهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ مَعَ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الرَّقَبَةِ لَا شُفْعَةَ لِغَيْرِهِ سَلَّمَ أَوْ اسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِهِ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ السَّبَبَ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الكُلِّ، إِلَّا أَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقَّ التَّقَدُّم، فَإِذَا سَلَّمَ كَانَ لِمَنْ يَلِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ المَرَضِ، وَالشَّرِيكُ فِي المَبِيعِ قَدْ
قوله: (لأنه) أي: الاتصال بالشركة (في كل جزء).
(وبعده) أي: بعد الاتصال بالشركة؛ لأنه لم يكن في كل جزء من المبيع الذي هو المقصود بل في مرافقه وتوابعه، فكان دون الأول؛ فتأخر عنه، ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة عندنا، خلافا للشافعي يصلح مرجحا، إذ الترجيح يقع بما لا يكون عليه الاستحقاق، كما في الأخ لأب وأم مع الأخ لأب، إذ العصوبة لا تثبت مع قرابة الأم.
قوله: (ووجه الظاهر) أي: ظاهر الرواية أن السبب وهو الاتصال تقرير في حق الكل، ولهذا قلنا: يجب للجار أن يطلب الشفعة مع الشريك إذا علم بالبيع؛ حتى يتمكن من الأخذ إذا سلم الشريك حتى لو لم يطلب بعد علمه بالبيع لا حق له بعد تسليم الشريك الشفعة، ذكره في المبسوط.
قوله: (مع دَيْنِ المرض) أي: الذي غير معروفة الأسباب، إذ معروفة
[ ٧ / ٦٥٤ ]
يَكُونُ فِي بَعْضٍ مِنهَا، كَمَا فِي مَنْزِلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ جِدَارٍ مُعَيَّنِ مِنهَا، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الجَارِ فِي المَنْزِلِ، وَكَذَا عَلَى الجَارِ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ أَقْوَى وَالبُقْعَةَ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ أَوْ الشِّرْبُ خَاصًا حَتَّى تَسْتَحِقَّ الشَّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ، فَالطَّرِيقُ الخَاصُّ أَنْ لَا يَكُونَ نَافِذًا، وَالشَّرْبُ الخَاصُ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ،
الأسباب المرض مع دينِ الصحة سواء، وقد مر في الإقرار.
قوله: (أو جدار معين منها) أي: من الدار أي: الجدار مع أرضه مقدم على الجار والمنزل.
صورته: أرض بينهما غير مقسومة، فبنيا حائيًا في وسطها، ثم اقتسما الباقي، فيكون الحائط وما تحته مشتركًا بينهما، فكان هذا الجار شريكا في بعض المبيع؛ فيكون مقدمًا على الشريك.
أما لو اقتسما الأرض قبل بناء الحائط وخطا خطا في وسطها، ثم أعطى كل واحد شيئًا حتى بنيا حائطا، فكل واحد صار لصاحبه في الأرض شريكا في البناء لا غير لا يوجب الشفعة، كذا في الذخيرة، والمغني.
(وكذا على الجار في بقية الدار) يعني الشريك مع أرضه مقدم على الجار في بقية الدار.
في الذخيرة: والمعنى ذكره القدوري أن الشريك في الأرض التي تحت الحائط يستحق الشفعة في كل المبيع عند محمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، فيكون مقدمًا على الجار في كل المبيع، وفي رواية عن أبي يوسف يستحق الشفعة في الحائط بحكم الشركة، وفي الباقي بحكم الجوار، فيكون ذلك مع جار آخر بينهما.
قوله: (لا تجري فيه السفن) قال عبد الواحد أراد السفن الصغير مثل الزورق، حتى لو كان نهرًا كبيرًا يجري فيه الزورق فالجار أحق؛ لأن هؤلاء
[ ٧ / ٦٥٥ ]
وَمَا تَجْرِي فِيهِ فَهُوَ عَامٌ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الخَاصَّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ قَرَاحَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ سِكَةٌ غَيْرَ نَافِئَةٍ يَتَشَعَّبُ مِنهَا سِكَةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَهِيَ مُسْتَطِيلَةٌ فَبِيعَتْ دَارٌ فِي السُّفْلَى فَلِأَهْلِهَا الشَّفْعَةُ خَاصَّةٌ دُونَ أَهْلِ العُلْيَا، وَإِنْ بِيعَتْ لِلْعُلْيَا فَلِأَهْلِ السِّكَتَيْنِ، وَالمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ القَاضِي. وَلَوْ كَانَ نَهْرٌ صَغِيرٌ يَأْخُذُ مِنهُ نَهْرٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الطَّرِيقِ فِيمَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ: (وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِالجُذُوعِ عَلَى الحَائِطِ شَفِيعَ شَرِكَةٍ، وَلَكِنَّهُ شَفِيعُ جوار)؛
ليس بشركاء في الشرب، ذكره في المبسوط (^١). وفي الذخيرة: النهر الكبير من يشرب منه لا يحصون، واختلفوا في حد ما لا يحصى وما يحصى، قيل: ما لا يحصى خمسمائة، وقيل: أربعون، وقيل: مائة، وقيل: أصح ما قيل أنه مفوض إلى رأي كل مجتهد في زمانه، إن رآهم كبيرا كان كبيرا وإلا كان صغيرًا.
القَرَاحُ من الأرض: كل قطعة ليس فيها شجر ولا شائبة سَبْخ، وقد يجمع على أقرحة، كمكان وأمكنة، كذا في المغرب. (وهي) أي: السكة الصغيرة النافذة (مستطيلة). (فبيعت دار في السفلى) أي: في المتشعبة (فلأهلها) أي: لأهل المُتَشَعبة لا لأهل العليا؛ لأنه لا شركة لهم فيها ولا حق المرور، ولهذا ليس لهم أن يفتحوا بابًا فيها، وكانت كالمملوكة لأهلها، وقد مرت صورته في مسائل شتى من كتاب القضاء.
قوله: (ولأهل السكتين) لأن أهل السفلى حَقَّ المرور فيها.
قوله: (فهو على قياس الطريق) يعني لو بيع أرض متصلة بالنهر الأصغر فالشفعة لأهله لا لأهل الصغير، كما ذكرنا الحكم في السكة المتشعبة مع السكة المستطيلة، كذا ذكره في الذخيرة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٤/ ١٣٢).
[ ٧ / ٦٥٦ ]
لِأَنَّ العِلَّةَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي العَقَارِ وَبِوَضْعِ الجُذُوعِ لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الدَّارِ، إِلَّا أَنَّهُ جَارٌ مُلَازِقٌ. قَالَ: (وَالشَّرِيكُ فِي الخَشَبَةِ تَكُونُ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ جَارُ) لِمَا بَيَّنَّا
. قَالَ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ، فَالشَّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الأَمْلَاكِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ عَلَى مَقَادِيرِ الأَنْصِبَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ المِلْكِ؛
قوله: (والشريك في الخشبة تكون على حائط الدار)، وبالفارسية يقال: (شر شيح).
تأويله: إذا كان حق وضع الخشبة على الحائط من غير أن يملك شيئًا من رقبة الحائط؛ لأنه إذا كان هكذا فله حق الشغل لا غير؛ فكان جارا لا شريكا.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن العلة هي الشركة في العقار).
قوله: (وقال الشافعي: هي) أي: الشفعة (على مقادير الأنصباء) وهو قول منه.
وفي شرح الوجيز وهو الأصح، وبه قال مالك، وأحمد في المشهور منه، وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: فالشفعة على عدد الرؤوس كقولنا، واختاره المزني، وابن عقيل من أصحاب أحمد، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
صورة المسألة: دار بين ثلاثة، لأحدهم نصفها، ولآخر سدسها، ولآخر ثلثها، فباع صاحب النصف نصيبه، فالشفعة بينهما أثلاثا عند الشافعي بقدر ملكهما، ولو باع صاحب السدس كان بينهما أخماسًا عنده، ولو باع صاحب الثلث كان بينهما أرباعًا عنده، وعندنا بينهما أنصافا في الكل.
قوله: (من مرافق الملك) أي: فوائده؛ لأنه يستفاد به؛ فيكون على قدر الملك كالولد، واللبن والثمرة والربح والغلة في الملك المشترك، ويشكل على هذا ثلاث مسائل:
أحدها (^١): ما لو أعتق اثنان نصيبهما في عبد مشترك بين ثلاثة على التفاوت، فالمعتقان إذا كانا موسرين يغرمان نصيب الثالث بالسوية.
_________________
(١) في الأصل: (إحديها)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٥٧ ]
أَلَا يَرَى أَنَّهَا لِتَكْمِيلِ مَنْفَعَتِهِ فَأَشْبَهَ الرِّبْحَ، وَالغَلَّةَ، وَالوَلَدَ، وَالثَّمَرَةَ. وَلَنَا: أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الاتِّصَالُ، فَيَسْتَوُونَ فِي الاسْتِحْقَاقِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنهُمْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الشُّفْعَةِ. وَهَذَا آيَةٌ كَمَالِ السَّبَبِ وَكَثْرَةُ الاتِّصَالِ تُؤْذِنُ بِكَثْرَةِ العِلَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ هَاهُنَا لِظُهُورِ الْأُخْرَى
والثانية: لو مات مالك الدار عن اثنين، ثم مات أحدهما وله ابنان، ثم باع أحد الابنين نصيبه، فالأخ والعم في الشفعة سواء مع تفاوت حصصهما.
والثالثة: إذا مات الشفيع قبل أن يأخذ لورثة الشفيع أن يأخذوا ما كان يأخذه أبوهم على العدد امرأته وابنه في ذلك سواء.
وبهذه المسائل رجح المزني القول الثاني، وهو قولنا فأجابوا عن مسألة العتق بأنه على القولين، ولو سلم أنه قول واحد فالفرق أن ذلك ضمان إتلاف، لا فائدة ملك حتى يتقدر بقدره، وفيه ضعف.
وعن المسألة الثانية: أن للشافعي قولين في القديم، وبه قال مالك. الأخ يختص بالشفعة؛ لأن ملكه أقرب إلى ملك الأخ، وفي الجديد: وقول أبي حنيفة، وأحمد والمزني: أن العم والأخ يشتركان نظرا للملك لا إلى سبب الملك؛ لأن الضرر المحوج إلى إثبات الشفعة لا يختلف، وفيه ضعف كما ترى.
وعن الثالثة: أن فيها قولين، وعلى قول الاستواء أن الأصل الاستحقاق باعتبار الإرث، وفي هذا لا يختلف كذا في شرح الوجيز، وفي الكل ضعف كما ترى.
قوله: (وهذا آية كمال السبب) لأنه علم أن نفس الملك علة تامة لا قَدْرُهُ.
قوله: (والترجيح بقوة الدليل لا بكثرته) أي: بكثرة الدليل كما في الشهود، وكثرة الجراحات، وكثرة الأقيسة.
(ولا قوة [هاهنا] (^١» أي: لم يظهر الترجيح في مسألتنا؛ إذ لو ظهر لكان
_________________
(١) بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٥٨ ]
بِمُقَابِلَتِهِ وَتَمَلُّكُ مِلْكِ غَيْرِهِ لَا يُجْعَلُ ثَمَرَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ
المرجوح مدفوعًا بالراجح، وهاهنا لا يبطل حق صاحب القليل، فعرفنا أنه لا ترجيح في جانبه إليه أشار في المبسوط.
فإن قال الشافعي: لا يلزمني ذلك لجواز أن تكون العلة الواحدة مثبتة لكمال الحكم، ولكن عند الانضمام مع أخرى يثبت استحقاق أحدهما أكثر عما ثبت عند الانفراد، كما في الرِّجَالة في الغنيمة إذا انفردوا يستحقون الغنيمة، وكذا الفرسان إذا انفردوا يستحقون الكل أيضًا، وعند الاجتماع يقسم على التفاوت.
وكذا لو مات وترك بنتا وأختا أو أما فللبنت النصف، والباقي للأخت، أو للأخ بحق العصوبة. أما لو ترك بنتًا وأخا وأختا كان النصف بينهما أثلاثا فكذا هاهنا.
وكذا لو كان الحائط المائل مشتركا بين اثنين أثلاثا فأشهد عليهما، ثم سقط وأصاب مالًا أو نفسًا؛ فالضمان بينهما أثلاثًا بقدر الملك، فيجب أن تكون الشفعة كذلك.
قلنا: تفضيل الفارس ثبت شرعًا بخلاف القياس، مع أن الفرس بانفراده لا يصلح علة للاستحقاق فيصلح مرجحًا.
أما في مسألتنا: ملك كل جزء علة تامة للاستحقاق؛ فلا يصلح مرجحًا، وأما مسألة الميراث فليس نظرنا؛ لأن نصيب الأخ والأخت عند الانضمام باعتبار أن الشرع جعل عصوبة الأنثى بالذَّكَر عِلَّةً لاستحقاق نصف ما للذكر؛ لتفاوتهما في نفس العلة لا أن العلة مرجحة بعلة أخرى؛ إذ العصوبة بالأخ غير العصوبة بالبنت، فإذا جاءت العصوبة بالأخ زالت العصوبة بالبنت، والعصوبة بالأخ متفاوتة شرعًا؛ فلم يكن من قبيل ترجيح العلة بالعلة.
وأما مسألة الحائط فقلنا: إن مات بجرح الحائط فالضمان عليهما نصفان؛ لاستوائهما في العلة، وإن مات بثقل الحائط فالضمان عليهما أثلاثا؛ لأن التساوي في العلة لم يوجد، إذ ثقل نصيب صاحب القليل لا يكون كثقل نصيب صاحب الكبير؛ فكان هذا راجعًا إلى ما يتولد من الملك كالولد، والثمرة،
[ ٧ / ٦٥٩ ]
وَأَشْبَاهِهَا، وَلَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ فَهِيَ لِلْبَاقِينَ فِي الكُلِّ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الانْتِقَاصَ لِلْمُزَاحَمَةِ مَعَ كَمَالِ السَّبَبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقَدْ انْقَطَعَتْ. وَلَوْ كَان البَعْضُ غُيَّبًا يَقْضِي بِهَا بَيْنَ الحُضُورِ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الغَائِبَ لَعَلَّهُ لَا يَطْلُبُ، وَإِنْ
والشفعة ليست من ثمرات الملك؛ لأن تملك ملك غيره لا يكون من ثمرات ملكه؛ لأنه يحصل باختياره والثمرة تحصل بدون اختياره، إليه أشار في المبسوط، والأسرار، والإيضاح.
قوله: (في الكل على عددهم) عندنا، وعند الأئمة الثلاثة: على قدر ملكهم.
أما أن يريد أن يأخذ حصته دون حصة الباقي ليس له ذلك بإجماع العلماء؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة والإضرار بالمشتري في تنقيص الملك عليه، وهذا الذي ذكرنا قبل القضاء حتى لو قضى القاضي بالشفعة لأحدهما، ثم سلّم أحدهما نصيبه، لم يجز للآخر أن يأخذ الجميع؛ لأنه لما قضى بالدار بينهما بالشفعة صار كل واحد منهما مقضيا عليه من جهة صاحبه فيما قضى به لصاحبه، فبطل حق شفعته فيما قضى لصاحبه ضرورة.
وهكذا إذا قضى للخليط، ثم سلّم الشفعة لم يكن للشريك في المرافق أن يأخذ بالشفعة؛ لبطلان حقه الضعيف بالقضاء، وكذا لو قضى للشريك في المرافق ثم سلّم، لم يكن للجار أن يأخذ لما ذكرنا، ذكره في المبسوط.
قوله: (لأن الغائب لعله لا يطلب) وحق الحاضر ثابت في كل الدار بصفة التأكد؛ لأن تأكد الشفعة بالطلب وقد وجد، وحق الغائب لم يتأكد؛ فكان مشكوكًا فيه؛ فلا يؤخر الحق المتأكد لأجله.
وفي المبسوط، والذخيرة: شفيعان أحدهما حاضر والآخر غائب، وقضى للحاضر بكل الدار فللغائب أن يأخذ نصفه، ولو جعل بعض الشفعاء لآخر، لم يصح الجعل وسقط حقه، وقسمت على عدد من بقي، وإن قال الذي قضي له بالشفعة لآخر: أنا أُسلّم لك الكل، فإما أن يأخذ الكل أو يدع، فليس له ذلك.
وللثاني أن يأخذ النصف، ولو كان الحاضر لم يحضرها بالشفعة، ولكن اشتراها من المشتري فحضر الغائب إن شاء أخذ كلها بالبيع الأول أو بالبيع
[ ٧ / ٦٦٠ ]
قَضَى لِحَاضِرِ بِالجَمِيعِ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ، يَقْضِي لَهُ بِالنِّصْفِ، وَلَوْ حَضَرَ ثَالِثُ فَبِثُلُثِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ، فَلَوْ سَلَّمَ الحَاضِرَ بَعْدَمَا قَضَى لَهُ بِالجَمِيعِ لَا يَأْخُذُ القَادِمُ إِلَّا النِّصْفَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ القَاضِي بِالكُلِّ لِلْحَاضِرِ يَقْطَعُ حَقَّ الغَائِبِ عَنْ النِّصْفِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ القَضَاءِ.
قَالَ: (وَالشَّفْعَةُ تَجِبُ بِعَقْدِ البَيْعِ) وَمَعْنَاهُ: بَعْدَهُ، لَا أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الاتِّصَالُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالوَجْهُ فِيهِ: أَنَّ الشَّفْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا رَغِبَ البَائِعُ عَنْ مِلْكِ الدَّارِ،
الثاني؛ لأن الحاضر أسقط حقه بالإقدام على الشراء، وخرج من البين، ولو كان المشتري الأول شفيعًا أيضًا فاشتراها شفيع حاضر أيضًا منه فحضر الغائب، إن شاء أخذ نصف الدار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ الكل بالبيع الثاني؛ لأن المشتري الأول لم يثبت له حق قبل الشراء حتى يكون بشرائه معرضًا عنه، فبقي هو شفيعًا في البيع الأول؛ فلا يكون للغائب بالبيع الأول إلا النصف.
أما العقد الثاني فقد ثبت للشفيع الحاضر حق الشفعة بسبب البيع الأول، وقد أسقطه بالإقدام على الشراء، فللغائب أن يأخذ كله بالبيع الثاني.
قوله: (والشفعة تجب بالعقد معناه بعده) إلى آخره، وفي النهاية هذا التأويل والتعليل مخالف لعامة روايات الكتب من المبسوط، والذخيرة، والمغني، وغيرها لما أنها صرح بأن سبب وجوبها البيع والشراء، وفساد تأويل الكتاب ظاهر؛ لما أن سبب ثبوتها لو كان الاتصال ينبغي أن لو سلم الشفعة قبل البيع تبطل شفعته، ولم تبطل بالإجماع.
وقد صرح في المبسوط أنه إسقاط قبل السبب قيل في جوابه: هذا لا يلزم على الشيخ؛ لأنه قال: يثبت بعده وأنكر سببية الاتصال قبل وجود الشرط، وهو العقد؛ لأن الشرط يمنع السبب عندنا عن الاتصال بالمحل؛ فيسلم الشفعة قبل العقد ككفارة اليمين قبل الحنث، فلا يجوز؛ لأن العقد سبب.
وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (استووا في سبب الاستحقاق وهو
[ ٧ / ٦٦١ ]
وَالبَيْعُ يُعَرِّفُهَا، وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ البَيْعِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الشَّفِيعُ إِذَا أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ وَإِنْ كَانَ المُشْتَرِي يُكَذِّبُهُ، قَالَ: (وَتَسْتَقِرُّ … بِالإِشْهَادِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ المُوَاثَبَةِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالإِعْرَاضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ، لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ رَغْبَتُهُ فِيهِ دُونَ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ القَاضِي وَلَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِالإِشْهَادِ، قَالَ: (وَتُمْلَكُ … بِالأَخْذِ إِذَا سَلَّمَهَا المُشْتَرِي، أَوْ حَكَمَ بِهَا الحَاكِمُ)؛ لِأَنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تَمَّ، فَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الشَّفِيعِ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، أَوْ قَضَاءِ القَاضِي كَمَا فِي الرُّجُوعِ وَالهِبَةِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا: فِيمَا إِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الطَّلَبَيْنِ وَبَاعَ دَارَهُ المُسْتَحَقَّ بِهَا الشَّفْعَةُ، أَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ الدَّارِ المَشْفُوعَةِ قَبْلَ حُكْمِ الحَاكِمِ، أَوْ تَسْلِيمِ المُخَاصِمِ لَا تُوَرَّثُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الأُولَى، وَتَبْطُلُ شُفْعَتُهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يَسْتَحِقُهَا فِي الثَّالِثَةِ، لِانْعِدَامِ المِلْكِ لَهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: «تَجِبُ بِعَقْدِ البَيْعِ» بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ مُعَارَضَةِ المَالِ بِالمَالِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.