كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
إيراد كتاب الشهادة عقيب أدب القاضي بين المناسبة.
محاسن الشهادة كثيرة منها أنها صفة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦].
منها: أن مبناه على الصدق، وهو حسن في ذاته، فالخبر الصادق حسن في ذاته.
فإن قيل: تزكية النفس والغيبة منهي عنه بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وبقوله: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] الآية وإن كان صادقًا، فكيف يكون الصدق حسنًا في ذاته؟
قلنا: التزكية تتضمن معنى الإعجاب والتفوق على الغير، فيكون منهيا بهذه الجهة وإن كان صادقًا في نفسه، وكذا الغيبة باعتبار إيذاء الغير.
ومنها: أن فيها امتثال أمر الله تعالى قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥].
ومنها: استحقاق الإكرام، قال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ فَإِنَّ الله تَعَالَى يُحْيِي بِهِمُ الحُقُوق» (^١).
ثم الشهادة لغةً: إخبار قاطع، ذكره في الصحاح (^٢)،، يعني الإخبار بالشيء
_________________
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٦٤)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ١٦١ رقم ١٩٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٧٥ رقم ١٢٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال العقيلي: حديث غير محفوظ، ولا أصل له، وضعفه ابن الجوزي، وضعفه أيضًا ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦١٩).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٤٩٤).
[ ٦ / ٤٩٠ ]
قَالَ: (الشَّهَادَةُ فَرْضٌ تَلْزَمُ الشُّهُودَ، وَلَا يَسَعُهُمْ كِتْمَانُهَا إِذَا طَالَبَهُمْ المُدَّعِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ طَلَبُ المُدَّعِي، لِأَنَّهَا حَقَّهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ كَسَائِرِ الحُقُوقِ.
عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، ومن هذا قالوا: مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة، وإليه الإشارة النبوية بقوله: «إذا رأيتَ مِثلَ الشَّمس فاشْهَدْ» (^١).
وفي الشريعة: إخبار عن صدق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (^٢).
وسببها في حق التحمل: المشاهدة، وفي حق الأداء: طلب المدعي
. وركنها: استعمال لفظ الشهادة.
وشروطها كثيرة، وتجيء في أثناء المسائل.
وحكمها: وجوب الحكم على القاضي بما يثبت بها.
وفي المبسوط (^٣). والقياس يأبى كون الشهادة حُجّة ملزمة؛ لأنه خبر محتمل للصدق والكذب، والمحتمل لا يكون حُجّة، إلا أن القياس ترك بالنصوص والإجماع.
قال: (فرض) أي: أداؤها وتحملها إذا تعين، وفرض كفاية إذا لم يتعين بإجماع الفقهاء (^٤).
وقوله: (لا يسعهم كتمانها) تأكيد لقوله: (تلزم الشهود)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] دليل أن الطلب من المدعي شرط لفرضيته، والنهي عن الإباء عند الدعاء أمر بالحضور للأداء، والنهي عن الشيء
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ١١٠، رقم ٧٠٤٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٦٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٥٧، رقم ١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الحاكم، وضعفه العقيلي، وابن عدي.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٦٤)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٠٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٢).
(٤) انظر: المحلى بالآثار (٨/ ٥٢٧)، الإقناع مسائل الإجماع لابن القطان (٢/ ١٣٨).
[ ٦ / ٤٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون أمرًا بضده إذا كان له ضد مقصود بأمر آخر، وهاهنا كذلك؛ لأن الأداء منصوص بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، مع أن لهذا النهي ضدا واحدًا.
وإنما خص القلب وإن كانت الجملة آثمة؛ لأنه رئيس الأعضاء والمضغة التي «إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدِ كُلُّه، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّهُ» كما جاء في الحديث (^١)، فكأنه قيل: قد تمكن الإثم في أصله، وملك أشرف شيء منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر الجوارح، فأصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب - بان أنه من أعظم الذنوب.
وفي المجتبى عن الفضلي: تحمّل الشهادة فرض على الكفاية كأدائها، وإلا لضاعت الحقوق، وعلى هذا الكاتب، إلا أنه يجوز أخذ الأجرة على الكتابة دون الشهادة فيمن تعين لأدائها بإجماع الفقهاء (^٢)، وكذا فيمن لم يتعين عندنا، وبه قال الشافعي (^٣) في قول، وفي قول لعدم تعينه عليه.
ويستحب الإشهاد في العقود، إلا في النكاح فإنه يجب، وفي الرجعة عند الشافعي (^٤) وأحمد (^٥)، وقد بيناه في الرجعة، ثم أداء الشهادة إنما يجب إذا كان الشاهد قريبًا إلى مجلس القضاء، فإن كان بعيدًا؛ إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - يجب الحضور عليه؛ لأنه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - لا يجب عليه الحضور، ولو كان الشاهد شيخًا كبيرًا أو ضعيفًا لا يقدر على المشي، فيكلف المشهود له بدابة يركبها فلا بأس به، فإن هذا من إكرام الشهود.
وعن أبي سليمان الجوزجاني: لو أخرج الشهود إلى ضيعة اشتراها،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/¬٢٠ رقم ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
(٢) انظر: المغني (١٠/ ١٣٩).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٥٦)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٢٢٦).
(٤) انظر: الأم (٧/ ٨٨، ٨٩)، الحاوي الكبير (١٠/ ٣١٩).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٠)، كشاف القناع على متن الإقناع (٥/¬٣٩).
[ ٦ / ٤٩٢ ]
(وَالشَّهَادَةُ فِي الحُدُودِ يُخَيَّرُ فِيهَا الشَّاهِدُ بَيْنَ السَّتْرِ وَالإِظْهَارِ) لِأَنَّهُ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ
واستأجر دواب لهم فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم، وفيه نظر بأن العادة جرت بإعطاء الدابة للشاهد، خصوصًا إذا لم يكن له دابة، ولو امتنع من أدائها؛ فإن كان في الصك غيره ممن تقبل شهادتهم يسعه أن يمتنع، ولو لم يكن في الصك جماعة ممن تقبل شهادتهم، أو كانوا لكن ممن لا يظهر الحق بشهادتهم، أو كان يظهر لكن شهادته أسرع قبولا - لا يسعه الامتناع؛ لأنه عسى يضيع حق المشهود له.
وقال أبو بكر: ولو علم أن القاضي لا يقبل شهادته نرجو أن يسعه الامتناع. وقال شيخ الإسلام: لو أخر الشهادة بعد الطلب بلا عذر ظاهر، ثم أدى - لا تقبل شهادته؛ لأنه لما ترك الأداء مع إمكان الأداء، فقد احتمل أنه ترك لعذر بأن نسي أو كان له شغل مانع، واحتمل أنه ترك لأنه أراد الأجر على الأداء، فيمكن في شهادته نوع تهمة، والتهمة مانعة عن القبول. الكل من الذخيرة (^١).
قوله: (لأنه) أي: الشاهد (بين حسبتين) والحسبة ما ينتظر به الأجر في الآخرة، وفي الصحاح (^٢): احتسب بكذا أجرًا عند الله، والاسم الحسبة، بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسَب، وفلان مُحتسب البلد، ولا يقال محسب.
فإن قيل: هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وتقييد المطلق لا يجوز بخبر الواحد.
قلنا: لأنه محمول على الشهادة في حقوق العباد بدليل سياق الآية، وهي آية المداينة، وبالإجماع (^٣)، وبالنص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور: ١٩].
والمعنى أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وغيرها، فأما الحدود حقوق الله تعالى، والله تعالى
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٩٢، ٢٩٣).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١١٠).
(٣) انظر: المحلى (١٢/¬٤٤).
[ ٦ / ٤٩٣ ]
إِقَامَةِ الحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الهَتْكِ (وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ: «لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» وَقَالَ ﵊: «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ ﵃ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السَّتْرِ (إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِالمَالِ فِي السَّرِقَةِ فَيَقُولُ: أَخَذَ) إِحْيَاءٌ لِحَقِّ المَسْرُوقِ مِنهُ (وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ) مُحَافَظَةٌ عَلَى السَّتْرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ السَّرِقَةُ لَوَجَبَ القَطْعُ، وَالضَّمَانُ لَا يُجَامِعُ القَطعَ فَلَا يَحْصُلُ إِحْيَاءُ حَقْهِ.
(وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: مِنهَا الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا، يُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَآبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ) لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ﵁: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ،
موصوف بالغنى والكرم، وليس فيه خوف فوت حقه، فجاز لذلك أن يختار الشاهد جانب الستر (^١).
قوله: (ولا تقبل شهادة النساء فيها) أي: في فاحشة الزنا، وعن عطاء وحماد بن سليمان أنه تقبل، حتى لو شهد ثلاثة رجال في الزنا وامرأتان يقبل؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا﴾ [الطلاق: ٢] الآية، وما ذكرتم من النصوص فيها بيان جواز العمل بهذا العدد، وليس فيها نفي الجواز بدون وصف الذكورة.
قلنا: فإذا قبلت شهادة النساء مع ثلاثة رجال لم يبق لقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ فائدة، كذا قيل، والأولى التمسك بحديث الزهري، فإنه قال: «مَضَتْ السَّنَة مِنْ لَدُن رسُول الله ﷺ والخَليفَتَيْنِ» إلى آخره، وإنما خص الخليفتين أبا بكر وعمر بالذكر؛ لأن تمهيد قواعد الشرع وإظهار طرق الأحكام كان أكثر في خلافتهما (^٢).
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٦٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٥٩).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٣، ١١٤)، فتح القدير (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠).
[ ٦ / ٤٩٤ ]
وَلِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ
وَمِنهَا الشَّهَادَةُ بِبَقِيَّةِ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ)
قوله: (ولأن فيها) أي: في شهادة النساء (شبهة البدلية) أي: من حيث الصورة، قال: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس ببدل حقيقة، حتى يجوز العمل بشهادة النساء مع الرجال مع القدرة على استشهاد الرجلين، وحقيقة البدليّة غير محتملة في الحدود، حتى لا تقبل الشهادة على الشهادة فيها، فكذلك شبهة البدلية اعتبارًا للشبهة بالحقيقة؛ لأن الشبهة فيما يسقط بالشبهات كالحقيقة، وحكي عن مالك (^١) أنه لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا عند عدم الرجلين؛ نظرًا إلى ظاهر الآية، فحينئذ في شهادتهن حقيقة البدلية.
قوله: (ببقية الحدود) كحد الشرب والسرقة (تقبل فيها) أي: بقية الحدود والقصاص (شهادة رجلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وعن الحسن البصري: لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنا، وعن عطاء: تقبل فيها شهادة النساء، كما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ وارد في المداينات، فلا يكون حجة في الحدود والقصاص.
قلنا: فيه شيئان: اشتراط عدد الاثنين، فلما اختص باب الزنا بأربع من الرجال كما ذكرنا لا يلحق به غيره في حق العدد بالقياس؛ لأن القياس لا يجري في المقادير والأعداد، ولا في الحدود، ولا مساواة في الزنا وغيره من الكبائر؛ لأن الزنا موجب للعقوبة به، بخلاف سائر الكبائر، مع أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، حتى إن الآية جعلت حجة في غير المداينات من الحقوق، سواء كان مالا أو غير مال، فكذا في الحدود، وثبت اشتراط الذكورة بحديث الزهري والإجماع كما ذكرنا (^٢).
_________________
(١) انظر: المونة (٢/ ٩٤)، (٤/¬٩)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٤، ١١٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٠٥، ١٠٦).
[ ٦ / ٤٩٥ ]
لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الحُقُوقِ يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الحَقُّ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ) مِثْلُ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ وَالعِدَّةِ وَالحَوَالَةِ وَالوَقْفِ وَالصُّلْحِ وَالوَكَالَةِ وَالوَصِيَّةِ وَالهِبَةِ وَالإِقْرَارِ وَالإِبْرَاءِ وَالوَلَدِ وَالوِلَادِ وَالنَّسَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ إِلَّا فِي الأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا عَدَمُ القَبُولِ لِنُقْصَانِ العَقْلِ وَاخْتِلَالِ الضَّبْطِ وَقُصُورِ الوِلَايَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْإِمَارَةِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِي الحُدُودِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ مِنهُنَّ وَحْدَهُنَّ إِلَّا أَنَّهَا قُبِلَتْ فِي الأَمْوَالِ ضَرُورَةٌ، وَالنِّكَاحُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَأَقَلُّ وُقُوعًا فَلَا يَلْحَقُ بِمَا هُوَ أَدْنَى خَطَرًا وَأَكْثَرُ وُجُودًا.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى حديث الزهري، وما ذكره من شبهة البدلية.
قوله: (والوصية) أي: الوصاية؛ لأنه في تعداد المال.
قوله: (ونحو ذلك) كالعتاق والرجعة والنسب.
(وتوابعها) كالإعارة والإجارة والكفالة والأجل وشرط الخيار، ذكره في مبسوط شيخ الإسلام، وبقول الشافعي (^١) قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣) في رواية، وقال أحمد في رواية كقولنا.
وقوله: (إلا أنها) استثناء من قوله: (لأن الأصل فيها) أي: شهادة النساء (عدم القبول) إلا أنها (قبلت في الأموال ضرورة) كثرة وقوع أسبابها؛ لأنه يلحقهم الجرح بإشهاد رجلين في كل حادثة، ولا ضرورة في النكاح وتوابعه؛ لأنه أقل وقوعًا وأعظم خطرًا، ولهذا قال تعالى في الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والرجعة كالنكاح وتوابعه، فيلحق غيرها بها. لنا ما رُوي أن عمر وعليا أجازا شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفرقة، ولأنها حُجّة أصلية لا
_________________
(١) انظر: الأم (٧/¬٥٠)، الحاوي الكبير (١٧/¬٨).
(٢) انظر: المدونة (٤/¬٩)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٨).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٢، ٢٨٣)، المغني (١٠/ ١٣١).
[ ٦ / ٤٩٦ ]
وَلَنَا: أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا القَبُولُ لِوُجُودِ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ المُشَاهَدَةُ وَالضَّبْطُ وَالأَدَاءُ، إِذْ بِالأَوَّلِ: يَحْصُلُ العِلْمُ لِلشَّاهِدِ، وَبِالثَّانِي: يَبْقَى، وَبِالثَّالِثِ: يَحْصُلُ العِلْمُ لِلْقَاضِي، وَلِهَذَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهَا فِي الأَخْبَارِ، وَنُقْصَانُ الضَّبْطِ بِزِيَادَةِ النِّسْيَانِ انْجَبَرَ بِضَمِّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا.
ضروريّة (لوجود ما تُبْتَنَى عليه أهلية الشهادة، وهو الْمُشَاهَدَةُ)، وفي بعض النسخ: (وهي المشاهدة) أي: المعاينة، وبها يحصل العلم للشاهد (والضبط) وهو حسن السماع والفهم والحفظ إلى وقت الأداء (وبه يبقى) أي: العلم (والأداء) وبه يحصل العلم للقاضي.
وفي النهاية: في لفظ الكتاب نوع خلل فإنه فسر أهلية الشهادة بهذه الأشياء الثلاثة، وبهذه الأشياء الثلاثة لا تثبت؛ لأنها تكون في العبد والكافر والصبي مع أنهم ليس بأهل للشهادة، بل الأهلية لها تثبت بالحرية والإسلام والبلوغ، وهذه أسباب للتحمل إلا إذا جعلت هذه الأشياء تفسيرًا للاسم الموصول المبهم في قوله: (لوجود ما تُبْتَنَى) فحينئذ يجب أن نقول: (وهو المشاهدة) إلى آخره، لكن النسخة المصححة بتصحيح شيخي كانت (وهي).
والصحيح ما ذكر في الأسرار أن الإنسان إنما يصير شاهدًا بالولاية، والولاية مبنية على الحرية والإرث والنساء في هذه مثل الرجال، والقبول يبتنى على العدالة وانتفاء التهمة بالكذب والنساء مثل الرجال في العدالة، وبهذا تقبل رواية الحديث منها (^١).
قوله: (ونقصان الضبط) إلى آخره جواب عما قال الشافعي: (أن الأصل عدم القبول لنقصان) إلى آخره، فقال: ذلك النقصان بضم الأخرى إليها (^٢).
فإن قيل: هذا الجواب منقوض بشهادتهن في النكاح، فإن اشتراط الشهادة ليس لخوف النسيان؛ بل المقصود فيه حضور الشاهد، ولا يتصور النقصان في
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٠٦، ١٠٧)، فتح القدير (٧/ ٣٧٠، ٣٧١).
(٢) هكذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (وَنُقْصَانُ الضَّبْطِ بِزِيَادَةِ النِّسْيَانِ انْجَبَرَ بِضَمِّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا).
[ ٦ / ٤٩٧ ]
فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الشُّبْهَةُ، فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذِهِ الحُقُوقُ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَعَدَمُ قَبُولِ الْأَرْبَعِ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ كَيْ لَا يَكْثُرَ خُرُوجُهُنَّ.
قَالَ: (وَيُقْبَلُ فِي الوِلَادَةِ وَالبَكَارَةِ وَالعُيُوبِ بِالنِّسَاءِ فِي مَوْضِعِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إِلَيْهِ» وَالجَمْعُ المُحَلَّى بِالأَلِفِ وَاللَّامِ يُرَادُ بِهِ الجِنْسُ فَيَتَنَاوَلُ الأقل.
الحضور بعد الحضور، فينبغي أن ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأة واحدة عندنا.
قلنا: ذكر هذه الشبهة في المبسوط (^١) ثم قال: ولكنا نقول: ثبت بالنص أن المرأتين شاهد واحد، وكانت الواحدة نصف الشاهد، وبنصف الشاهد لا يثبت شيء، ولهذا لو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا لم تضمن المرأة شيئًا، بخلاف ما لو شهد رجلان وامرأتان، أو ثلاثة رجال.
قوله: (لم يبق بعد ذلك إلا الشبهة) أي: شبهة البدلية؛ لأن بقاء سببها، وهو الأنوثة، يورث شبهة فلا تقبل فيما يسقط بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، ألا ترى أن النكاح والطلاق والعتاق يثبت مع الهزل الذي لا يثبت به المال! فَلَأَنْ يثبت بما ثبت به المال أولى، وكذا يثبت النكاح مع الإكراه لا المال، وكذا الوكالة والوصية، والأموال يجري فيها كتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة، فكذا ثبت بشهادة النساء، وإن كان فيها شبهة البدلية (^٢).
قوله: (وعدم قبول الأربع) إلى آخره جواب عن استدلال الشافعي (^٣): (ولهذا لا تقبل شهادة الأربع منهن) وقال: القياس قبول شهادة الأربع منهن؛ لما أن الشرع أقام امرأتين مقام رجل، فالأربع مقام رجلين، إلا أنها لا تقبل على خلاف القياس؛ لما فيه من زيادة كشفهن وكثرة خروجهن.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٥/¬٣٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٠٨).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٨٩)، الحاوي الكبير (١٧/¬٨).
[ ٦ / ٤٩٨ ]
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الأَرْبَعِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا سَقَطَتِ الذُّكُورَةُ
قوله: (وهو) أي: قوله ﵇ (حجة على الشافعي (^١) في اشتراط الأربع) من النساء، وهو قول عطاء (^٢) هو يقول: إن المرأتين قامتا مقام رجل واحد، والحجة شهادة رجلين لا رجل واحد، وعلى مالك (^٣) في اشتراط الاثنين، وبه قال النووي (^٤)، هما يقولان: لما سقط اعتبار الذكور للعدد بقي العدد معتبرًا.
وقلنا: لما دخلت اللام الجمع جعلنا للجنس إذا لم يكن ثم معهود، والكل ليس بمراد قطعًا، فيراد به الأقل ضرورة؛ لبطلان العدد بواسطة الجنسية، والمسألة مستقصاة في الأصول.
يؤيده أن حذيفة راوي الحديث قال: إنه ﵇ «أجاز شهادة القابلة على الولادة» (^٥) قال: «شهادة النساء جائزة» الحديث (^٦)، وبقولنا قال أحمد (^٧) والحسن البصري (^٨).
وقلنا: أُسقطت صفة الذكورة ليخف النظر؛ إذ النظر إلى العورة حرام، إلا أنا اعتبرنا بنظر جنسها؛ لأن نظر المرأة إلى عورة المرأة أخف؛ إذ شهوتهن إليهن أقل من نظر الرجل إلى عورتها، فيسقط اعتبار العدد أيضًا؛ لأن نظر الواحدة أخف من نظر الجماعة أيضًا، إلا أن المثنى والثلاث أحوط لزيادة طمأنينة القلب.
فإن قيل: إذا كان نظر المرأة أخف بما ذكرتم فكيف المثنى والثلاث أحوط، ولهذا لا يكون نظر الرجل أحوط مع كمال عقله؟
_________________
(١) انظر: الأم (٧/ ٩٢)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢١).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٧)، المغني (١٠/ ١٣٠).
(٣) انظر: المدونة (٤/¬٢٢)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٨).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٢١)، المغني (١٠/ ١٣٧).
(٥) أخرجه الدارقطني (٥/ ٤١٦ رقم ٤٥٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٥١ رقم ٢١٠٤٧).
(٦) أخرجه الدارقطني (٥/ ٤١٧ رقم ٤٥٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٥١ رقم ٢١٠٤٩) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ بلفظ: «شهادة القابلة جائزة على الاستهلال». قال البيهقي: هذا لا يصح، جابر الجعفي متروك، وعبد الله بن نجي فيه نظر.
(٧) انظر: المغني (١٠/ ١٣٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٩٧).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٢١)، المغني (١٠/ ١٣٧).
[ ٦ / ٤٩٩ ]
لِيَخِفَّ النَّظَرُ، لِأَنَّ نَظَرَ الجِنْسِ إِلَى الجِنْسِ أَخَفُّ، فَكَذَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ العَدَدِ إِلَّا أَنَّ المُثَنَّى وَالثَّلَاثَ أَحْوَطُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الإِلْزَامِ (ثُمَّ حُكْمُهَا فِي الوِلَادَةِ شَرَحْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ) وَأَمَّا حُكْمُ البَكَارَةِ: فَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّهَا بِكْرٌ يُؤَجَّلُ فِي العِنِّينِ سَنَةٌ وَيُفَرَّقُ بَعْدَهَا، لِأَنَّهَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ إِذْ البَكَارَةُ أَصْلٌ، وَكَذَا فِي رَدِّ الْمَبِيعَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ البَكَارَةِ، فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهَا ثَيِّبٌ يَحْلِفُ البَائِعُ لِيَنْضَمَّ نُكُولُهُ إِلَى قَوْلِهِنَّ، وَالعَيْبُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ فَيَحْلِفُ البَائِعُ،
قلنا: لما أخذ هذا شبها بالشَّهَادَةِ بمعنى الإلزام، وبالإخبار من حيث سقوط صفة الذكورة وفرنا حظه على الشبهين، فقلنا: بشبهة الإخبار تسقط صفة الذكورة، وبشبهة الإلزام قلنا: العدد فيه أحوط؛ لزيادة طمأنينة القلب، وينبغي أن يكون العدد شرطًا كما قال مالك، إلا أن في اشتراط العدد لا يخف النظر، فقلنا باستحبابه لا بإلزامه، كذا قيل (^١).
قوله: (ثم حكمها) أي: حكم شهادة امرأة واحدة (شرحناه في الطلاق) في باب ثبوت النسب من كتاب الطلاق.
وفي المبسوط (^٢): لو شهد بالولادة رجل بأن قال: فاجأتها فاتفق نظري إليها - تقبل إذا كان عدلًا، ولو قال: تعمدت النظر لا تُقبل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^٣)، وقال بعض مشايخنا: إن قال: تعمدت النظر تقبل أيضًا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^٤).
قوله: (فإن قلن إنها ثيب) وفي المبسوط (^٥): فإن قلن: إنها بكر فلا يمين على البائع؛ لتأييد شهادتهن بالأصل، وهو البكارة، ومقتضى البيع، وهو اللزوم، وإن قلن: هي ثيب يُستحلف البائع؛ لتجرد شهادتهن عن مؤيد، فإذا انضم نكول البائع إلى شهادتهن ردت عليه.
قوله: (والعيب يثبت بقولهن) أي: في حق سماع الدعوى وحق التحليف،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٤٤).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٥١)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٠).
(٤) انظر: الأم (٧/ ٥١)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٥٦، ١٥٧).
[ ٦ / ٥٠٠ ]
وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي حَقِّ الْإِرْثِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَطْلُعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ إِلَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَعِنْدَهُمَا: تُقْبَلُ فِي حَقِّ الإِرْثِ (*) أَيْضًا، لِأَنَّهُ صَوْتُ عِنْدَ الوِلَادَةِ وَلَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ عَادَةً فَصَارَ كَشَهَادَتِهِنَّ عَلَى نَفْسِ الوِلَادَةِ، قَالَ: (وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ العَدَالَةِ وَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرُ الشَّاهِدُ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ وَقَالَ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ)
حتى إنهن لو لم يقلن إنها ثيب ليس للمشتري ولاية تحليف البائع؛ بل القول للبائع؛ لتمسكه بالأصل، وهو البكارة، فيحلف البائع إنها لبكر كما يقول إن كان قبل القبض، وإن كان بعد القبض يحلف بالله لقد سلمتها وهي بكر (^١).
قوله: (وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي (^٢) في قول؛ لأن الاستهلال صوت مسموع، والرجال والنساء فيه سواء، فكان مما يطلع عليه، وإن لم يحضر الرجال فشهادتهن كشهادتهن على جراحات النساء في الحمامات وإن لم يحضر الرجال، بخلاف الولادة، فإنها انفصال الولد من الأم، فلا يطلع عليه الرجال.
(إلا في حق الصلاة) أي: تقبل في حق الصلاة؛ لأنه من أمور الدين، وخبر المرأة الواحدة حجة في ذلك، كشهادتها على هلال رمضان.
وعندنا: تقبل في حق الإرث [أيضًا، وبه] (^٣) قال الشافعي (^٤) ومالك (^٥) وأحمد (^٦)؛ لأن الرجال لا يحضرون في ذلك الموضع ليسمعوا صوته، فصارت كشهادتهن على الولادة.
قوله: (ولا بد في ذلك كله من لفظة الشهادة والعدالة)، ولا خلاف فيه للفقهاء.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١١١)، فتح القدير (٧/ ٣٧٤).
(٣) انظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (٣/ ٤٥٤)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٠).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٢/ ٤٠١)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (٣/ ٤٥٤).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬٢٥)، الذخيرة (١٠/ ٢٤٧).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٨٣، ٤٨٤)، المغني (١٠/ ١٣٧).
[ ٦ / ٥٠١ ]
أَمَّا العَدَالَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلِأَنَّ العَدَالَةَ هِيَ المُعِينَةُ لِلصِّدْقِ، لِأَنَّ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ الكَذِبِ قَدْ يَتَعَاطَاهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ الفَاسِقَ إِذَا كَانَ وَجِيهَا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (*)، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْجَرُ لِوَجَاهَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ الكَذِبِ لِمُرُوعَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الفَاسِقِ يَصِحُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُ،
وفي المبسوط (^١): العدالة: الاستقامة، لا نهاية لكمالها، وإنما يعتبر فيها القدر الممكن، وهو انزجاره عما يعتقده حرامًا في دينه.
وفي الذخيرة (^٢): وأحسن ما قيل في تفسيرها ما نقل عن أبي يوسف، وهو أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًا على الصغائر، ويكون صلاحه أكبر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ويجيء تفسير الكبيرة إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمرضي هو العدل لا الفاسق، والتعاطي: التناول.
قوله: (والأول أصح) وهو عدم قبول شهادة الفاسق مطلقًا، سواء كان ذا وجاهة أو لا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ١] وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا﴾ [الحجرات: ٦]، ولأن قبول الشهادة والعمل لها إكرام الشاهد، قال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهود» الحديث (^٣)، وفي حق الفاسق أمرنا بخلاف ذلك، قال ﵇: «إِذَا لَقِيتَ الفَاسِقَ فَالْقَهُ بِوَجْهِ مُكْفَهِرٌ»، أي: شديد العبوسة، ولا مروءة لمن يكون معلنا بالفسق شرعًا. كذا في المبسوط (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٣).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١١).
(٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٦٤)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ١٦١ رقم ١٩٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٧٥ رقم ١٢٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال العقيلي: حديث غير محفوظ، ولا أصل له، وضعفه ابن الجوزي، وضعفه أيضًا ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦١٩).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٠).
[ ٦ / ٥٠٢ ]
وَالمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ. وَأَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ: فَلِأَنَّ النُّصُوصَ نَطَقَتْ بِاشْتِرَاطِهَا، إِذْ الْأَمْرُ فِيهَا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ تَوْحِيدِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «أَشْهَدُ» مِنْ أَلْفَاظِ اليَمِينِ، كَقَوْلِهِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، فَكَانَ الامْتِنَاعُ عَنْ الكَذِبِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَشَدَّ.
وَقَوْلُهُ: «فِي ذَلِكَ كُلِّهِ» إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، حَتَّى يُشْتَرَطَ العَدَالَهُ، وَلَفْظَهُ الشَّهَادَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الوِلَادَةِ وَغَيْرِهَا، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ
قوله: (فلأن النصوص نطقت باشتراطها) والمراد من نطق النصوص ورودها بلفظة الشهادة والإشهاد، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ الآية.
وقال ﵇: «إِذَا رَأَيْتَ مِثلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ» (^١) لا أن يكون اشتراطها صحيحًا بهذه اللفظة، وإليه أشار بقوله: (إذ الأمر فيها) أي: في النصوص (بهذه اللفظة) يعني جواز الحكم بالشهادة، بخلاف القياس؛ لما أن قول الشاهدين يحتمل الكذب، وإنما ثبت بالنص والنصوص وَرَدَتْ بقبولهما بهذه اللفظة، فيقتصر على مورد النص، ولا يقال: جاء الأمر بالتكبير بلفظ التكبير، قال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، ومع ذلك أجاز أبو حنيفة ومحمد تبديله بلفظ آخر، مثل: الله أجل وأعظم؛ لأنا نقول: إن التكبير للتعظيم، وفي قوله: أجلّ وأعظم صريح التعظيم، فكان مثله من كل وجه؛ بل أزيد، فيلحق به دلالة، أما الشهادة فتبنى عن المشاهدة والعيان، ولهذا تذكر للقسم، فكانت له زيادة وكادةٍ في الإخبار على قوله: أتيقن أو أعلم، فلا يمكن إلحاقهما بلفظة الشهادة (^٢).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول العراقيين، فإنهم لا يشترطون فيها لفظة الشهادة.
قال التمرتاشي: قال في شرح بكر قال مشاخ بخار وبلخ: تشترط لفظة
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ١١٠، رقم ٧٠٤٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٦٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٥٥، رقم ١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الحاكم، وضعفه العقيلي، وابن عدي.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١١٣)، فتح اقدير (٧/ ٣٧٦).
[ ٦ / ٥٠٣ ]
مَعْنَى الإِلْزَامِ حَتَّى اخْتَصَّ بِمَجْلِسِ القَضَاءِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتَصِرُ الحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ العَدَالَةِ فِي المُسْلِمِ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ حَتَّى يَطْعَنَ الخَصْمُ) لِقَوْلِهِ ﵊: المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الانْزِجَارُ عَمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ دِينُهُ، وَبِالظَّاهِرِ كِفَايَةٌ إِذْ لَا وُصُولَ إِلَى القَطْعِ.
الشهادة، وقال مشايخ العراق: لا تُشترط، لأنه خبر لا شهادة، كما في شهادة هلال رمضان، واتفقوا على اشتراط الحرية والعقل والبلوغ والإسلام، وجه الصحيح أن النص ورد بلفظ الشهادة، قال ﵇: «شَهَادَةُ [النِّسَاءِ] (^١) الحَد»، ولأن فيها معنى الإلزام (^٢).
قوله: (يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة)، فإن قيل: الظاهر يكفي للدفع ولا يكفي للاستحقاق، وهاهنا يثبت استحقاق المُدّعِي للمُدّعى به بظاهر العدالة.
قلنا في جوابه: الظاهر هاهنا مقام الدليل القطعي؛ لما أنه لا إمكان للوصول إلى الدليل القطعي إلا بالظاهر؛ لأن العدالة تحتاج إلى تزكية المزكي بحسب الظاهر؛ إذ لو لم يعمل بقول المزكي لاحتاج إلى مزك آخر، ويرد ذلك في قوله أيضًا، وكذا في الثالث والرابع فيؤدي إلى التسلسل.
وقولهم: الظاهر لا يكفي للاستحقاق لا [يجري] (^٣) على إطلاقه؛ بل يكفي إذا لم ينازعه آخر، فإن ظاهر اليد يصلح حجة لاستحقاق الشفعة إذا لم ينازعه المشتري، ولا منازعة قبل الطعن، فصلح حجة، وبعد الطعن يوجب الترجيح بالسؤال (^٤).
وقوله: (إلا محدودًا) استثناء من قوله: (يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة)، يعني لا يقتصر في الحدود والقصاص على ظاهر العدالة؛ لأن مبناهما على الدرء، فيحتال بزيادة سؤال عن المزكي (^٥).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٠٩)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٣، ١١٤).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٥).
(٥) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٧٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٦٣).
[ ٦ / ٥٠٤ ]
(إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ) لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِإِسْقَاطِهَا فَيُشْتَرَطُ الاسْتِقْصَاءُ فِيهَا، وَلِأَنَّ الشَّبْهَةَ فِيهَا دَارِئَةٌ، وَإِنْ طَعَنَ الخَصْمُ فِيهِمْ سَأَلَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ تَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ فَيَسْأَلُ طَلَبًا لِلتَّرْجِيحِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ فِي سَائِرِ الحُقُوقِ (*) لِأَنَّ القَضَاءَ مَبْنَاهُ عَلَى الحُجَّةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ العُدُولِ فَيَتَعَرَّفُ عَنْ العَدَالَةِ، وَفِيهِ صَوْنُ قَضَائِهِ عَنْ البُطْلَانِ.
وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَالفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
قوله: (وإن طعن الخصم فيهم) أي: في غير الحدود والقصاص؛ إذ فيهما لا يتوقف السؤال على الطعن بالاتفاق (^١).
قوله: (تقابل الظاهران) يعني كما أن الظاهر أن الشهود لا يكذبون، فكذا الظاهر أن الخصم لا يكذب في طعنه، فيحتاج القاضي إلى الترجيح، وعندهما لا بد أن يسأل طعن الخصم أو لم يطعن في جميع الدعاوى، وبه قال الشافعي (^٢) وأحمد (^٣)، وقال مالك (^٤): من كان مشهورًا بالعدالة لم يسأل عنه، ومن عرف جرحه رد شهادته، وإنما يجب عليه السؤال مهما شك وإن سكت الخصم، إلا أن يقر بعدالتهما.
(لأن القضاء بنيته)، وفي بعض النسخ: (مبنية) (على الحجة، وهي شهادة العدول) بالنص (فيتعرف) أي: القاضي (عن العدالة، وفيه) أي: في تعرفه (صون قضائه عن البطلان) أي: على تقدير ظهور الشهود عبيدا أو كفارا يبطل القضاء، أما الظاهر يَصلُحُ للدفع لا للاستحقاق، وحاجتنا هاهنا إلى إلزام الحكم، وذا لا يكون إلا بحجة ملزمة (^٥).
قوله: (وقيل: هذا اختلاف عصر) فإن أبا حنيفة أفتى في القرن الثالث
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٥).
(٣) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٦٧)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٣١٢).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠)، المغني (١٠/ ٥٧).
(٥) انظر: المدونة (٤/¬١٣)، الذخيرة (١٠/ ٢٠١).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١١٥، ١١٦)، فتح القدير (٧/ ٣٧٨).
[ ٦ / ٥٠٥ ]
قَالَ: (ثُمَّ التَّزْكِيَةُ فِي السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ المَسْتُورَةَ إِلَى المُعَدِّلِ فِيهَا النَّسَبُ وَالحِلي وَالمُصَلَّى وَيَرُدُّهَا المُعَدِّلُ) كُلُّ ذَلِكَ فِي السِّرِّ كَيْ لَا يَظْهَرَ فَيُخْدَعَ أَوْ يُقْصَدَ (وَفِي العَلَانِيَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المُعَدِّلِ وَالشَّاهِدِ) لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ
الذي شهد لهم النبي ﵇: «خَيرُ القُرون القرن الذي أنا فيهم» الحديث (^١)، وهما أفتيا في القرن الرابع الذي شهد النبي ﵇ بفشو الكذب فيهم.
وقيل: هذا اختلاف حجة وبرهان كما ذكر في المتن، فالجهة فيهما (^٢).
قوله: (أن يبعث المستورة) أي: الرقعة التي يكتب فيها القاضي أسماء الشهود وحليتهم، ويبعثها سرا بيد أمينه إلى المزكي.
وفي المغرب (^٣) حلية الإنسان: صفته، والجمع: حلي، بالكسر والضم، وقيل: بكسر الحاء أفصح.
قيل: أراد بالمصلى المحلة، والظاهر أن المراد مسجد المحلة.
وفي المحيط (^٤) وفتاوى قاضي خان (^٥): وينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشهود من هو أوثق الناس وأورعهم وأعظمهم وأكبرهم أمانة وخبرة، وأعلمهم بالتمييز فطنة فيوليه المسألة، ثم يكتب في رقعة أسماء الشهود جملة بأنسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالهم ومصلاهم، ويبعث تلك الرقعة على يد أمين مختومة إليه، ولا يُطلع أحدًا على ما في يد أمينه حتى لا ينخدع بالرشوة، ولو كان المزكي بعيدًا فجعل الأمين على المدعي، وثمن الصحيفة التي يكتب فيها أساميهم عليه أيضًا، ثم المزكي يسأل عنهم من أهل اليقين من جيرانهم ومحلتهم، فإن لم يجد فمن أهل سوقهم، فإذا قال المسئول عنه: هو عدل - يكتب المزكي في آخر الرقعة: إنه عدل مرضي عندي جائز الشهادة، وإلا يكتب: إنه [غير] (^٦) عدل غير مرضي.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٧١ رقم ٢٦٥٢)، ومسلم (٤/ ١٩٦٢ رقم ٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١١٦)، فتح القدير (٧/ ٣٧٨، ٣٧٩).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٢٧).
(٤) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٩٥ - ٩٩).
(٥) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٤١).
(٦) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٠٦ ]
العَلَانِيَةُ وَحْدَهَا فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَوَقَعَ الاكْتِفَاءُ بِالسِّرِّ فِي زَمَانِنَا تَحَرُّزًا عَنْ الفِتْنَةِ.
وفي فتاوى قاضي خان (^١): من عُرف فسقه لا يكتب ذلك تحت اسمه؛ بل يسكت احترازًا عن هتك الستر، أو يقول: الله يعلم، إلا إذا خاف أن القاضي يقضي بشهادته بتعديل غيره، فحينئذ يصرّح بذلك، ومن لم يعرفه لا بالعدالة ولا بالفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي: مستور، ثم يبعث تلك الرقعة إلى القاضي سرًا، ثم القاضي إن شاء جمع بين تزكية السر وبين تزكية العلانية.
وفي الذخيرة (^٢): وينبغي أن يكون المزكي صاحب خبرة، ولا يكون منزويًا لا يخالط الناس؛ لأنه إذا لم يخالط لا يعرف العدل من غير العدل، وينبغي ألا يكون طماعًا ولا فقيرًا حتى لا ينخدع بالمال، فإذا لم يجد المزكي أهل مسجده أو محلته أو سوقه يسأل أهل مجلسه، فإن وجد كلهم غير ثقات يعتبر في ذلك تواتر الأخبار، ولو لم يعرف الشهود بالعدالة، فأخبره رجلان عدلان عن السبب وسعه أن يشهد على السبب.
وعن ابن سماعة عن أبي حنيفة: يجوز في تزكية السر المرأة والعبد والمحدود في القذف؛ إذا كانوا عدولًا، ولا يجوز في تزكية العلانية إلا من تجوز شهادته؛ لأن تزكية السر من الإخبار بأمر ديني، وهو قول هؤلاء في الأمور الدينية إذا كانوا عدولًا مقبول، كما في روايتهم الأخبار، وشهادتهم بهلال رمضان، أما العلانية نظير الشهادة من حيث إن القضاء لا يجب إلا بها كالشهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة سوى لفظة الشهادة، حتى لا تجوز تزكية الوالد لولده، وعلى العكس، وفي السر جائز (^٣).
قوله: (وحدها في الصدر الأول) أي: الصحابة؛ لأن القوم كانوا صلحاء، والمعدل كان لا يتوقى عن الجرح؛ لأنهم كانوا لا يعاملونه بالأذى لو جرحهم، وفي زماننا تركت تزكية العلانية؛ لأنها فتنة وبلاء؛ إذ الشهود يقاتلون الجارح بالإيذاء (^٤). كذا في الفوائد الظهيرية.
_________________
(١) فتاو قاضي خان (٢/ ٤٤١).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٩٦ - ٩٨).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٩٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٧).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٩، ٣٨٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٨).
[ ٦ / ٥٠٧ ]
وَيُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: تَزْكِيَةُ العَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ. ثُمَّ قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ المُعَدِّلُ: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ العَبْدَ قَدْ يُعَدَّلُ، وَقِيلَ: يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ، لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ بِالدَّارِ وَهَذَا أَصَحٌ.
قَالَ: (وَفِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الخَصْمِ: إِنَّهُ عَدْلٌ) مَعْنَاهُ: قَوْلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ، لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضُمُّ تَزْكِيَةَ الْآخَرِ إِلَى تَزْكِيَتِهِ (*)، لِأَنَّ العَدَدَ عِنْدَهُ شَرْطٌ.
قوله: (وهذا أصح)، وبه قال أصحاب الشافعي (^١) وأحمد (^٢)، وقال مالك (^٣): لا بد من ذكر العدالة والرضا، بأن يقول عدل مرضي، ولا يقتصر على أحد الوصفين، ذكره في الجواهر (^٤)؛ لأن في زماننا كل من نشأ في دار الإسلام كان الظاهر من حاله الحرية، ولهذا لا يسأل القاضي عن إسلامه وحريته، وإنما يسأل عن عدالته. كذا في جامع قاضي خان (^٥).
قوله: (قال: وفي قول من رأى) أي: قال أبو حنيفة، في قول من رأى (أن يسأل عن الشهود) وهو قولهما والأئمة الثلاثة (^٦)، فقد ذكر قاضي خان (^٧) في جامعه بعد ذكر اختلافهم في التزكية: ثم فرّع أبو حنيفة على قول من يرى السؤال عن الشهود، وكان هذا نظير مسألة الزراعة.
قوله: (وعن أبي يوسف ومحمد: أنه يجوز تزكيته) إلى آخره، وبه قال الشافعي (^٨) في قول، وفي قول لا يجوز كظاهر الرواية.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٩٥)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٤٨٦).
(٣) انظر: المغني (١٠/ ٦٠)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٤٣).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٠٤)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ١١٦).
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٢٣).
(٦) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٦).
(٧) انظر: المدونة (٤/¬١٣)، الذخيرة (١٠/ ٢٠١)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٦٧)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٣١٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٣١)، المغني (١٠/ ٥٧).
(٨) فتاوى قاضي خان (١٢/ ٤٤١، ٤٤٢).
(٩) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٨٢)، حلية العلماء في معرفة مذهب الفقهاء (٣/ ١١٦٤).
[ ٦ / ٥٠٨ ]
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ فِي زَعْمِ المُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الخَصْمَ كَاذِبٌ فِي إِنْكَارِهِ، مُبْطَلُ فِي إِصْرَارِهِ، فَلَا يَصْلُحُ مُعَدِّلًا، وَمَوْضُوعُ المَسْأَلَةِ: إِذَا قَالَ هُمْ عُدُولٌ إِلَّا أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْ نَسُوا، أَمَّا إِذَا قَالَ: صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولٌ صَدَقَةٌ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ.
(وَإِذَا كَانَ رَسُولُ القَاضِي الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ وَاحِدًا جَازَ، وَالاثْنَانِ أَفْضَلُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا اثْنَانِ (*)، وَالمُرَادُ مِنهُ المُزَكِّي، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: رَسُولُ القَاضِي إِلَى المُزَكِّي، وَالمُتَرْجِمُ عَنْ الشَّاهِدِ، لَهُ: أَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ القَضَاءِ تَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ العَدَالَةِ، وَهُوَ بِالتَّزْكِيَةِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ العَدَدُ كَمَا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ فِيهِ، …
وفي جامع قاضي خان (^١) هذا إذا كان المدعى عليه يَصْلُح مزكيا، فإن كان فاسقًا أو مستورًا، أو سكت عن جواب المُدّعِي ولم يجحد، فلما شهدوا قال: هم عدول - لا يصح هذا التعديل؛ لأن العدالة في المزكي شرط عند الكل، ولم يوجد، وعن محمد أن القاضي يسأل عن المدعى عليه: شهدوا عليك بحق أو بغير حق؟ فإن قال: بحق فهو إقرار، وإن قال: بغير حق - لا يقضي بينهم.
قوله: (والمراد منه) أي: من رسول القاضي الذي يسأل عن الشهود (المزكي) وهو المرسل إليه، فكان قوله: (الذي يسأل عن الشهود) صفة الرسول وتفسيره، والذي يسأل عنه عن الشهود، وهو المزكي، وعلى هذا الخلاف إلى آخره، يعني يكفي الواحد للتزكية والرسالة والترجمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك (^٢) وأحمد (^٣) في رواية، وعند محمد لا بد من الاثنين، وبه قال الشافعي (^٤) وأحمد (^٥).
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٤٢).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٦٢)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١١٦).
(٤) انظر: المغني (١٠/ ٨٨)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٥٣).
(٥) انظر: الأم (٦/ ٢٢٠)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٤٩٠).
(٦) انظر: المغني (١٠/ ٨٨)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٥٣).
[ ٦ / ٥٠٩ ]
وَتُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي المُزَكِّي وَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ القَضَاءِ، وَاشْتِرَاطُ العَدَدِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ فِي المُزَكِّي فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ) حَتَّى صَلَحَ العَبْدُ مُزَكِّيًا، فَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ العَلَانِيَةِ فَهُوَ شَرْطٌ، وَكَذَا العَدَدُ بِالإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَالَهُ الخَصَّافُ ﵀ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَجْلِسِ القَضَاءِ. قَالُوا: يُشْتَرَطُ الأَرْبَعَةُ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الزِّنَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀.
قوله: (وتشترط الذكورة في المزكي والحدود بإجماع الأئمة الأربعة، وتشترط أيضًا عند الأئمة الثلاثة (^١) فيما لا يُثبت بشهادة النساء، وعلى هذا الخلاف الجرح، فعندهما يثبت بواحد، وبه قال مالك (^٢)، وعند محمد لا بد من اثنين، وبه قال الشافعي (^٣) وأحمد (^٤).
قوله: (أمر حكمي) أي: تعبدي لا تدركه العقول.
وفي المبسوط (^٥): اشتراط العدد في الشاهد يثبت بالنص بخلاف القياس، ففي القياس يكفي شهادة الواحد العدل؛ لأن خبره موجب العمل لا علم اليقين، وكما لا يثبت علم اليقين بخبر الواحد لا يثبت بخبر العدد ما لم يبلغ حد التواتر، إلا أن اشتراط العدد ثبت بالنص، بخلاف القياس.
(فلا يتعداها) أي: فلا يتعدى اشتراط العدد من الشهادة إلى التزكية.
قوله: (قالوا) أي: المشايخ يشترط الأربعة في شهادة الزنا عند محمد) من الذكور في المزكين. ذكره في الذخيرة (^٦).
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬٢٤)، عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠٢٢)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٤٩٠)، المغني (١٠/ ٥٨).
(٢) انظر: المدونة (٤/ ٥٧).
(٣) انظر: الأم (٦/ ٢٢١)، الحاوي الكبير (١٦/ ١٨٧).
(٤) انظر: المغني (١٠/ ٦٠)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٤٢).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٩).
(٦) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٠٨).
[ ٦ / ٥١٠ ]