قَالَ: (الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صُلْحٌ مَعَ إِقْرَارِ، وَصُلْحُ مَعَ سُكُوتِ: وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ، وَصُلْحٌ مَعَ إِنْكَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ) لِإِطْلَاقِ قَوْله
كِتَابُ الصُّلْحِ
وقد بينا وجه مناسبة الصلح بالإقرار والدعوى في أول الإقرار، ثم لا حاجة إلى بيان محاسن الصلح إذ الصلح اسم للمصالحة وهو حسن بذاته؛ لأنها خلاف المخاصمة، والمخاصمة قبيح لذاته، ثم يحتاج إلى بيان الصلح لغةً، وشريعة، وركنه، وسببه، وحكمه.
فالصلح: اسم لغة للمصالحة التي هي المسالمة، وأصله من الصلاح وهو استقامة الحال.
وشرعًا: عبارة عن عقد يرفع النزاع.
وركنه: الإيجاب والقبول.
وسببه: ما هو سبب في سائر المعاملات وهو تعلق بقاء المقدور بتعاطيه.
وشرطه: كون المُصالح عنه حقًا يجوز الاعتياض عنه كالقصاص، بخلاف ما إذا كان حقًا لا يجوز الاعتياض عنه؛ كحق الشفعة، والكفالة بالنفس، فلا يجوز الصلح عنه.
وكون بدل الصلح مالا معلومًا إن احتيج إلى قبضه، وإلا لا يشترط معلوميته؛ فإن من ادعى حقًا في دار، وادعى المدعي عليه حقا في حانوته فتصالحا على أن يترك كل واحد منهما دعواه قِبَلَ صاحبه صح وإن لم يبين كل واحد حقه؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة.
[ ٧ / ٣ ]
تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَلِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ صُلْحِ جَائِزٌ
وحكمه: وقوع البراءة عن دعوى المدعي.
وأنواعه: مذكورة في الكتاب.
وجوازه بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، والحديث المذكور في المتن رواه أبو هريرة، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وما روي: "أن النبي ﷺ صالح أهل مكة عام الحديبية" (^١)، وانعقد الإجماع على جوازه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لا يدل على تعميم الصلح؛ لأن الآية سبقت في الصلح بين الزوجين بدليل سياق الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، ثم قال ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، فيكون الألف واللام للمعهود المذكور، كما في قوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]؛ لأن المنكر إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول.
قلنا: قيل في جوابه في الأسرار: إن قوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ كلام مستقل بذاته فلا يربط بسببه، ولأنه تعالى أخرجه مخرج التعليل من الصلح المشروع قبله، أي: صالحوا لأن الصلح خير، والعلة لا تتقيد بمحل الحكم الذي علل فيه، بل متى وجدت ثبت حكمها.
يؤيده قوله: «الصُّلْحُ جائز بينَ المُسلمين»، الحديث، ولأنه لو حمل على الجنس يدخل المعهود وغيره، ولو حمل على المعهود يقتصر عليه فكان حمله على الجنس أولى بدليل عموم الحديث.
ثم الصلح عن الإقرار والإنكار والسكوت جائز عندنا، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وقال الشافعي: لا يجوز إلا مع الإقرار لما روينا (^٤)، وهو قوله عليه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٩٣) رقم (٢٧٣١) عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم ﵄.
(٢) انظر: المُدوّنة لابن القاسم (٣/ ٣٨٧)، والذخيرة للقرافي (٥/ ٣٣٤).
(٣) انظر: مختصر الخرقي (ص ٧٣)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٣٧٥).
(٤) انظر: الأم للشافعي (٣/ ٢٢٦)، والإقناع للماوردي (ص ١٠٦).
[ ٧ / ٤ ]
فِيمَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا، وَهَذَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ البَدَلَ كَانَ حَلَالًا عَلَى الدَّافِعِ حَرَامًا عَلَى الْآخِذِ فَيَنْقَلِبُ الأَمْرُ، وَلِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ المَالَ لِقَطْعِ الخُصُومَةِ وَهَذَا رِشْوَةٌ. وَلَنَا: مَا تَلَوْنَا، وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا، وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ، أَحَلَّ حَرَامًا
السلام: «إلا صُلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّمَ حلالا (^١).
(وهذا)، أي: الصلح على الإنكار بهذه الصفة؛ لأن المدعي إن كان محقًا كأن أخذ المدعى به حلالا قبل الصلح، وحراما بعده. وإن كان مبطلا كأن أخذ المال على الدعوى الباطلة حرامًا عليه قبل الصلح، وحل بالصلح، فكان هذا صلحًا أحل حرامًا.
ولأن الصلح بهذه الصفة دفع رشوة؛ لأن المدعى عليه يدفعه المال لشره وخصومته ويكون رشوة، وقد لعن الشارع الراشي والمرتشي (^٢)؛ بخلاف الصلح عن الإقرار فإنه لا يكون فيه ذلك.
ولنا ما تلونا من الآية والحديث؛ فإن كل واحد بإطلاقه يتناول الصلح على الإنكار والسكوت، فالتقييد بحالة الإقرار يكون زيادة على النص.
(وتأويل آخره)، أي: آخر الحديث: «أحلَّ حرامًا» لعينه؛ كالخمر، أو حلالا بعينه كالصلح مع امرأته ألا يطأ، ضرتها، أو أمته، وهذا النوع من الصلح باطل عندنا، وذلك لأن الحرام المطلق ما هو حرام لعينه، وكذا الحلال المطلق، فحمله على هذا أولى.
وما ذكره غير محتمل إذ الصلح مع الإقرار لا يخلو عن ذلك؛ لأن الصلح في العادة يقع على بعض الحق، فما زاد على المأخوذ إلى تمام الحق كان
_________________
(١) تقدم تخريجه في المتن.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠٠ رقم ٣٥٨٠)، والترمذي (٣/¬١٦ رقم ١٣٣٧)، وابن ماجه (٢/¬٧٧٥ رقم ٢٣١٣)، والحاكم (٤/ ١٠٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٥ ]
لِعَيْنِهِ كَالخَمْرِ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ، كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الضَّرَّةَ، وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا، إذ المَالُ وِقَايَةُ الأَنْفُسِ وَدَفْعُ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ.
حلالا للمدعي أخذه قبل الصلح وحرم بالصلح، وكان حرامًا على المدعى عليه منعه قبل الصلح وحل بالصلح، فعرف أن المراد به غير هذا، إليه أشار في المبسوط (^١)، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ولأن هذا)، أي: الصلح على الإنكار صلح بعد دعوى صحيحة ولهذا يستحلف المدعى عليه فيجوز؛ لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه الثابت في زعمه وهو مشروع، والمدعى عليه يعطيه قطعًا للمنازعة صيانة لعرضه، وبذل المال لمثل هذا الغرض مشروع؛ لأن المال خلق لصيانة الأنفس عن المهالك والمفاسد.
وإذا جاز الإعطاء والأخذ بناءً على غرضهما والصلح ليس إلا هذا، ولهذا قال أبو حنيفة: أجوز ما يكون الصلح الصلح عن الإنكار؛ لأن معنى الصلح يتحقق فيه، وهو قطع الخصومة، ودفع أذى الشغب والمشاجرة، فكان معنى الصلح فيه أبلغ وأتم، فكان أحق بالجواز، والحاجة إلى هذا الصلح أمس أيضًا؛ لأن الناس يحتاجون إلى الصلح على الإنكار لقطع المنازعة، ولهذا قال الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀: لم يعمل الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس مثل من عمل في إبطال الصلح على الإنكار؛ لما فيه من امتداد المنازعات بين الناس، كذا في المحيط (^٢).
قوله: (ودفع الرشوة لدفع الظلم جائز)، جواب عن قوله: (وهذا رشوة)، على أنا نقول: إنما يكون رشوة إذا أخذه بالجهة التي يدفعه الدافع، بل يأخذه بجهة الاعتياض عن حقه فلا يكون، ومن أبطل ذلك فإنما يبطله احتياطا للتحرز عن الحرام والرشوة، والأعمال بالنيات، كذا في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٣٤).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٨/ ١٨٥).
[ ٧ / ٦ ]
قَالَ: (فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ، اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي البِيَاعَاتِ إِنْ وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ لِوُجُودِ مَعْنَى البَيْعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ فِي حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ بِتَرَاضِيهِمَا فَتَجْرِي فِيهِ الشَّفْعَةَ إِذَا كَانَ عَقَارًا، وَيُرَدُّ بِالعَيْبِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ، وَيُفْسِدُهُ جَهَالَةُ البَدَلِ) لِأَنَّهَا هِيَ المُفْضِيَةُ إِلَى المُنَازَعَةِ دُونَ جَهَالَةِ المَصَالِحِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَسْقُطُ … …
المبسوط (^١).
فإن قيل: قوله ﵇: «لعنَ اللهُ الرّاشِيَ والمرتشي» عام يتناول هذه الصورة.
قلنا: الحديث محمول على ما إذا كان على صاحب الحق ضرر محض في أمر غير مشروع، كما لو دفع الرشوة حتى يخرج الوالي أحد الورثة عن الإرث، أما دفع المال لدفع الضرر عن نفسه جائز للدافع كما ذكرنا أن المال خلق لصيانة الأنفس.
ونقل أبو الليث عن أبي يوسف جواز المصانعة للأوصياء في أموال اليتامى وبه يفتى، وإليه أشار في كتاب الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، أجاز التعييب في أموال اليتامى مخافة أخذ المتغلب كذا في أحكام الصفار.
وفي المحيط: فلو رشى لدفع خوفه على نفسه، أو ماله، أو خوفًا على لسانه، أو أعطى ماله لشاعر لا بأس به، فهذه المواضع حل الإعطاء.
والرشوة أربعة أنواع، ثلاثة حرام للآخذ والمعطي، والرابع: حلال للدافع لا للآخذ، وينظر فيه (^٢).
قوله: (ويفسده)، أي الصلح.
(جهالة البدل)، أي: إذا كان يحتاج إلى القبض لإفضائها إلى المنازعة.
قوله: (لأنه)، أي: المصالح عنه، (يسقط)؛ كما يقول السفراء بين
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٣٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٨/¬٣٥).
[ ٧ / ٧ ]
وَيُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ البَدَلِ (وَإِنْ وَقَعَ عَنْ مَالِ بِمَنَافِعَ، يُعْتَبَرُ بِالإِجَارَاتِ) لِوُجُودِ مَعْنَى الإِجَارَةِ وَهُوَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ بِمَالٍ وَالاعْتِبَارُ فِي العُقُودِ لِمَعَانِيهَا فَيُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ فِيهَا، وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.
المتخاصمين: كل دعوى لك على فلان صالحته على هذا المقدار، وبه قال مالك (^١)، وأحمد (^٢)، وقال الشافعي: تفسده جهالة المصالح عنه أيضًا كما في البيع إلا هذا (^٣)، ولهذا قال أبو حنيفة: أجْوَرُ ما يكون الصلح، الصلح عن الإنكار لأن مَعنَى الصلح يتحقق فيه وهو قطع الخصومة، ودفع أدنى الشغب والمشاجرة، فكان معنى الصلح فيه أبلغ وأتمّ فكان أحق بالجواز والحاجة إلى هذا الصلح أمس أيضًا.
لأن الناس يحتاجون إلى الصلح لقطع المنازعة، ولهذا قال الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀: لم يعمل الشيطان في إيقاع العداوة والغضاء بين الناس مثل من عمل في إبطال الصلح على الإنكار لما فيه من امتداد المنازعات بين الناس. كذا في المحيط. ويشترط القدرة على تسليم البدل حتى صالح على عبد آبق لم يصح (^٤).
قوله: (فيشترط التوقيت فيها)، حتى لو صالح على سكنى دار إلى مدة معلومة جاز، ولو قال: إلى الأبد، أو حتى يموت، لا يجوز.
قوله: (ويبطل الصلح بموت أحدهما)، أي: المدعي والمُدَّعَى عليه، وكذا يبطل بهلاك محلّ المنفعة حتى لو صالح عن دعوى دار على سكني، أو خدمة عبد سنة، أو ركوب هذه الدابة إلى بغداد، أو لبس هذا الثوب شهرا ثم مات المدعي أو المدّعى عليه، أو هلك محل المنفعة قبل الاستيفاء بطل الصلح قياسًا، وهو قول محمد، فيعود على رأس الدعوى.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٥/ ٢٩٧).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣٥٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٤/ ١٠٤).
(٣) وقع هناك تكرار جملة مقدار خمسة أسطر من الصفحة السابقة، وجاء في النسخة الثانية على الصواب.
(٤) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١١٨).
[ ٧ / ٨ ]
فِي المُدَّةِ، لِأَنَّهُ إِجَارَةً (وَالصُّلْحُ عَنْ السُّكُوتِ وَالإِنْكَارِ فِي حَقِّ المُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ اليَمِينِ وَقَطْعِ الخُصُومَةِ وَفِي حَقِّ المُدَّعَى بِمَعْنَى المُعَاوَضَةِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ العَقْدِ فِي حَقِّهِمَا، كَمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِقَالَةِ فِي حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا) وَهَذَا فِي الإِنْكَارِ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي السُّكُوتِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الإِقْرَارَ وَالجُحُودَ فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ عِوَضًا فِي حَقِّهِ بِالشَّكْ.
ولو كان بعد استيفاء بعضها بطل بقدر ما بقي، ويرجع في دعواه بقدره؛ لأنه أجازه وهو يبطل بكل واحد من هذه الأشياء، وقال أبو يوسف: إن مات المدعى عليه لا يبطل الصلح ويستوفيه المدعي، وإن مات المدعي فكذلك في خدمة العبد، وسكنى الدار، والوارث يقوم مقامه، ويبطل في ركوب الدابة، ولبس الثوب؛ لأن الصلح لقطع المنازعة، وفي إبطال الصلح بموت أحدهما إعادة المنازعة بينهما والناس متفاوتون في الركوب واللبس فلا يقوم الوارث فيه مقام المورث للضرر الذي يلحق المالك فيفوت المعقود عليه فيبطل ضرورة.
فإن قيل: العبد أجنبي، أو المدعي يبطل الصلح كما تبطل الإجارة عند محمد، وعند أبي يوسف لا يبطل، ويؤخذ من القاتل قيمته ويُشترى بها عبد آخر.
ثم المدعي إن شاء رضي بخدمته وإن شاء نقض الصلح؛ فإنه مات وأخلف بدلا، والتخيير للتغيير.
ولو قتله المدعى عليه، أو مات بطل الصلح بالإجماع، ولو استأجره المالك لم يجز عند محمد كالمستأجر، وعند أبي يوسف يجوز.
قوله: (كَمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِقَالَةِ)، فإنها فسخ في حق المتعاقدين، بيع في حق ثالث، وكذا الخلع معاوضة من جانب المرأة، يمين من جانب الزوج، وكذا الجهة الواحدة في تحري القوم عند اشتباه القبلة قبلة في حق شخص دون شخص، وحكم النكاح حِلٌّ في حق امرأته، تحريم مؤبد في حق أم امرأته، وكمن اشترى عبدًا أقر بحريته فما يعطى من الثمن بدل ملك الرقبة في حق البائع، وفداء في حق المشتري حتى يعتق العبد وهو كثير النظير.
قوله: (بالشك)؛ لأن على تقدير الإقرار يكون عوضًا، وعلى تقدير الإنكار
[ ٧ / ٩ ]
قَالَ: (وَإِذَا صَالَحَ عَنْ دَارٍ، لَمْ يَجِبْ فِيهَا الشَّفْعَةُ) مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتِ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِ وَيَدْفَعُ المَالَ دَفْعًا لِخُصُومَةِ المُدَّعِي، وَزَعْمُ المُدَّعِي لَا يَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى دَارٍ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا الشَّفْعَةُ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُهَا عِوَضًا عَنْ المَالِ، فَكَانَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّهِ فَتَلْزَمُهُ الشَّفْعَةُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَلَيْهِ يُكَذِّبُهُ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارِ، وَاسْتَحَقَّ بَعْضَ المَصَالِحِ عَنْهُ رَجَعَ المُدَّعَى عَلَيْهِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ مِنْ العِوَضِ) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُطْلَقَةٌ كَالبَيْعِ وَحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي البَيْعِ هَذَا: (وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارِ، فَاسْتَحَقَّ المُتَنَازَعَ فِيهِ رَجَعَ المُدَّعِي بِالخُصُومَةِ وَرَدَّ العِوَضَ)
لا يكون عوضًا، مع أن حمل السكوت على الإنكار أولى؛ لأن فيه تفريغ الذمة، وهو الأصل.
قوله: (لأنه)، أي: المدعى عليه يأخذ الدار.
(على أصل حقه)، أي: يستبقي الدار المملوكة له على نفسه بهذا الصلح ويدفع المال لقطع الخصومة لا أنه يشتريها، بخلاف ما لو صالح عنها بإقرار حيث تجب الشفعة؛ لأنه اعترف بالملك للمدعي واستفادة بالصلح فكانت مبادلة مالية.
قوله: (بخلاف ما لو صالح على دار) بإنكار، أو سكوت، أو إقرار.
قوله: (وإن كان المدعى عليه يكذبه)، فصار كأنه قال: اشتريتها من المدعى عليه وهو منكر، فتجب فيها الشفعة.
قوله: (بحصة ذلك من العوض)، أي: بدل الصلح.
قوله: (يرجع المدعي بالخصومة)، أي: إلى المستحق؛ لأنه قام مقام المدعى عليه.
(ورد العوض) إلى بدل الصلح؛ لأن الصلح مبني على زعم المدعي، وفي زعمه أنه أخذ العوض عوضًا عن الدار، فإذا استحقت كان عليه رد المقبوض من البدل؛ كالمبيع إذا استحق ولو كان مبنيا على زعم المدعى عليه، ففي زعمه
[ ٧ / ١٠ ]
لِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ مَا بَذَلَ العِوَضَ إِلَّا لِيَدْفَعَ خُصُومَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ الاسْتِحْقَاقُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ، فَيَبْقَى العِوَضُ فِي يَدِهِ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى غَرَضِهِ فَيَسْتَرِدُّهُ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ ذَلِكَ رَدَّ حِصَّتَهُ وَرَجَعَ بِالخُصُومَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ خَلَا الْعِوَضُ فِي هَذَا القَدْرِ عَنْ الغَرَضِ. وَلَوْ اسْتَحَقَّ المُصَالَحَ عَلَيْهِ عَنْ إِقْرَارِ رَجَعَ بِكُلِّ المُصَالَحِ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتِ رَجَعَ إِلَى الدَّعْوَى. …
أنه أعطى المال بغير حق وأن له حق الاسترداد، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (إلا ليدفع خصومته)، أي خصومة المدعي عن نفسه، وهذا بخلاف ما لو أعطى المدعي شيئًا للمدعى عليه بطريق الصلح ثم استحقت الدار، فإن المدعي لا يرجع على المدعى عليه بشيء؛ لأن في زعم المدعي أن ما دفع إليه ليس بواجب عليه لأني أخذت ملكي فكنت متبرعًا فيما أعطي، ولا رجوع فيه بسبب الاستحقاق.
أو لأن المدعى عليه مضطر في مسألة الكتاب؛ لأنه يدفع لضرورة قطع الخصومة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، أما المدعي ليس بمضطر فيما أعطى لأنه على خبره في دعواه فكان الدفع باختياره ولم يظهر عدم الاختيار عند ظهور الاستحقاق فلا يرجع بشيء.
قوله: (بعض ذلك)، أي: المصالح عنه وهو الدار التي في يد المدعى عليه.
(رد حصته)، أي: من بدل الصلح.
(ورجع بالخصومة فيه)، أي: في البعض المستحق على المستحق لقيامه مقام المدعى عليه اعتبارًا للبعض بالكل.
قوله: (رجع إلى الدعوى)، أي: رجع المدعي إلى دعواه السابقة مع المدعى عليه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٥٠).
[ ٧ / ١١ ]
فِي كُلِّهِ، أَوْ بِقَدْرِ المُسْتَحَقِّ إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ، لِأَنَّ المُبْدَلَ فِيهِ هُوَ الدَّعْوَى، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ مِنْهُ عَلَى الإِنْكَارِ شَيْئًا حَيْثُ يَرْجِعُ بِالمُدَّعَى، لِأَنَّ الإِقْدَامَ عَلَى البَيْعِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالحَقِّ لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ الصُّلْحُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ، وَلَوْ هَلَكَ بَدَلُ الصُّلْحِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ: فَالجَوَابُ فِيهِ كَالجَوَابِ فِي الاسْتِحْقَاقِ فِي الفَصْلَيْنِ.
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَصُولِحَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الدَّارِ، لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ العِوَضِ، لِأَنَّ دَعْوَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَقِيَ) بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَحَقَّ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ يَعْرَى العِوَضُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ يُقَابِلُهُ فَيَرْجِعُ بِكُلِّهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي البُيُوعِ. وَلَوْ ادَّعَى دَارًا فَصَالَحَهُ عَلَى قِطْعَةٍ مِنهَا
قوله: (بخلاف ما إذا باع منه)، صورته: صالح ذو اليد المنكر مع المدعي على عبد فقال: بعت منك هذا العبد بهذه الدار، يعني: أخرى، لفظ البيع في مقام الصلح، ثم استحق العبد حيث يرجع المدعي على المدعى عليه بالدار لا بالدعوى.
(لأن الإقدام على البيع إقرار منه بالحق له)، أي: للمدعي، وبه قال الشافعي في الأصح، وقال أبو حامد من أصحابه: لا يكون إقرارًا.
قوله: (في الفصلين)، أي: الإقرار والإنكار.
قوله: (فصالح على قطعة منها)، أي: من الدار لم يصح، [وبه] (^١) قال الشافعي في وجه (^٢)، ومالك، وأحمد، وكذا لو صالحه على أن يبني فوقه، أو يبيت، أو يسكنها فعلى هذا الخلاف.
قيل: ما ذكره هنا غير جواب ظاهر الرواية حيث ذكر في الذخيرة: ادعى دارا وأنكره ذو اليد، واصطلحا على بيت معلوم من دار أخرى يجوز، أو على بيت معلوم من الدار التي وقع فيها الدعوى فذلك الصلح جائز، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن في زعم المدعي أنه أخذ بعض حقه وترك البعض، وفي زعم المدعى عليه أنه فدى عن يمينه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: الأم للشافعي (٣/ ٢٣٠).
[ ٧ / ١٢ ]
لَمْ يَصِحَ الصُّلْحُ، لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ عَيْنِ حَقِّهِ وَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ فِي البَاقِي. وَالوَجْهُ فِيهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَزِيدَ دِرْهَمًا فِي بَدَلِ الصُّلْحِ فَيَصِيرَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِيمَا بَقِيَ، أَوْ يَلْحَقَ بِهِ ذِكْرُ البَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى البَاقِي.