كتاب العارية
لما فرغ من بيان الوديعة شرع في العارية لأن فيها أمانة بتمليك المنفعة فيكون ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى.
ثم محاسن العارية كثيرة، منها: إجابة مضطر في إزالة اضطراره فكان فيه نيابة عن الله تعالى، وفيه شرف عظيم إذ العارية لا تكون إلا عند محتاج كالقرض، ولهذا زيد ثواب القرض على الصدقة؛ إذ الصدقة قد تصادف غير محتاج، ولهذا ذم الله تعالى أقوامًا لا يُعيرون، قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، والماعون ما هو عون لأخيه في حوائجه نحو الفأس، والقدر، والميزان، والدلو.
ثم العارية لغةً، بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، والعَارَةُ مثل العَارِيَّة، كذا في الصحاح (^١).
وفي المغرب: العارية، بالتشديد: فَعَلِيَّةُ منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة، وأخذها من العار العيب أو العري خطأ (^٢).
وما ذكر في المغرب هو المُعوَّلُ عليه؛ لأنه ﵊ باشر الاستعارة، فلو كان في طلبها عار لما باشرها، وفي الغريب: وقد تخفف العارية.
وفي المبسوط: قيل العارية مشتقة من التعاور وهو التناوب، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء، ولهذا
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٢/ ٧٦١).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٣١).
[ ٧ / ١٤٣ ]
قال: (العَارِيَّةُ جَائِزَةٌ)؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ إِحْسَانٍ وَقَدْ «اسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﵊ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ» (وَهِيَ: تُمْلِيك المَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَ) كَانَ الكَرْخِيُّ ﵀ يَقُولُ: هُوَ إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الغَيْرِ، لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ،
كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضًا؛ لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين فلا تعود النوبة إليه في ملك العين لتكون عارية حقيقة، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها (^١).
وتفسيرها شرعًا على ما قال في الكتاب: هي تمليك المنافع بغير عوض عند أكثر العلماء، وعند الكرخي: إباحة الانتفاع، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣).
وهو مشروع بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ولما كان المنع مذموما كان الإعطاء محمودًا.
والسنة: فإنه ﵊ استعار دروعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال: أغصبًا يا رسول الله؟ فقال: «بَلْ عارية مضمونة»، رواه أبو داود (^٤)، وقال ﵊ في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدِّينُ مَقْضِيٌّ، والزّعيم غارِمٌ»، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (^٥).
واجتمعت الأمة على جوازها، ولكن الخلاف في كونها مستحبة أو واجبة، فقال أكثر أهل العلم: الإعارة مستحبة، وقال بعض العلماء: واجبة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٣).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٦/ ٥٠٥).
(٣) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٥/ ٣٥٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦٢)، وأحمد (٣/ ٤٠٠ رقم ١٥٣٧٦)، وابن حبان (١١/¬٢٢ رقم ٤٧٢٠) والحاكم (٢/ ٥٤) رقم (٢٣٠٠) من حديث أمية بن صفوان بن أمية ﵁. وصححه الحاكم.
(٥) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. قال الترمذي: حديث أبي أمامة حديث حسن.
[ ٧ / ١٤٤ ]
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ضَرْبُ المُدَّةِ، وَمَعَ الجَهَالَةِ لَا يَصِحُ التَّمْلِيكُ، وَلِذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهَا النَّهْيُ، وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ، فَإِنَّ العَارِيَّةَ مِنْ العَرِيَّةِ وَهِيَ العَطِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَالمَنَافِعُ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ كَالأَعْيَانِ. وَالتَّمْلِيكُ نَوْعَانِ: بِعِوَضٍ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. ثُمَّ الأَعْيَانُ تَقْبَلُ النَّوْعَيْنِ، فَكَذَا المَنَافِعُ، وَالجَامِعُ دَفْعُ الحَاجَةِ، وَلَفْظَةُ الإِبَاحَةِ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّمْلِيكِ، كَمَا فِي الإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ، وَهِيَ تَمْلِيكُ.
قوله: (ولا يشترط فيه)، أي: في عقد العارية (ضرب المدة)، أي: إعلام مقدار المنفعة ببيان المدة، والمنافع لا تصير معلومة إلا بذكر المدة، (ومع الجهالة) أي: مع جهالة المدة (لا يصح التمليك)، إذ تمليك المجهول لا يصح كما في الإجارة، ولا يمنعه صحة الإباحة.
قوله: (وكذلك يعمل فيه النهي)، أي: يبطل عقد الإجارة بالنهي، ولو كان تمليكا لما بطل بالنهي؛ كالهبة، والإجارة، ولا يملك المستعير الإجارة من غيره، ومن ملك شيئًا بغير عوض يملك تمليكه من غيره بعوض وبغير عوض؛ كالموهوب له ولأن الأصل في المنافع أن لا يرد العقد عليها لأنها كما توجد تتلاشى، إلا أنه في الإجارة ضرورة ولا ضرورة هاهنا إلى قلب الحقيقة.
قوله: (إنه) أي: عقد الإعارة ينبئ عن التمليك؛ لأن العارية مشتقة من العرية، وهي العطية في الثمار بالتمليك من غير عوض.
قوله: (ولهذا تنعقد بلفظ التمليك)، بأن يقول: ملكتك منافع هذه الدار شهرًا، أو: جعلت لك سكنى داري هذه شهرًا، ذكره في المبسوط (^١).
قوله: (والمنافع قابلة للملك كالأعيان) جواب عما قال الخصم أن الأصل أن لا يرد العقد على المنفعة إلى آخره كالأعيان فإن تمليك الأعيان يجوز بعوض وبغير عوض، فكذا في المنافع.
قوله: (ولفظ الإباحة استعيرت للتمليك) إلى آخره جواب عن قول الخصم أنه ينعقد بلفظة الإباحة، قال: (استعيرت للتمليك كما في الإجارة فإنها تنعقد بلفظة الإباحة)، مع أنها تمليك المنفعة، وإنما صحت مع جهالة المدة لأن هذه
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٣).
[ ٧ / ١٤٥ ]
وَالجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ؛ لِعَدَمِ اللُّزُومِ فَلَا تَكُونُ ضَائِرَةٌ. وَلِأَنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ بِالقَبْضِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ، وَالنَّهْيُ مَنْعُ عَنْ التَّحْصِيلِ، فَلَا يَتَحَصَّلُ المَنَافِعَ عَلَى مِلْكِهِ. وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ لِدَفْعِ زِيَادَةِ الضَّرَرِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَتَصِحٌ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُك)؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلُ فِيهِ (وَمَنَحَتْكِ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ
الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لانعدام اللزوم؛ إذ للمعير أن يفسخ العقد في كل ساعة لكونها غير لازمة.
(فلا تكون)، أي: الجهالة (ضائرة)، أي: مفضية الى المنازعة.
(ولأن الملك)، أي: ملك المنفعة يثبت بقبضها وهو الانتفاع، وعند القبض معلوم، فالجهالة قبله لا تفضي إلى المنازعة، ولهذا لو علمت المنفعة بالتسمية في الإجارة لا يشترط فيها ضرب المدة كما في الصبغ، والخياطة.
وقوله: (والنهي منع عن التحصيل)، جواب عن قول الخصم: ولهذا يعمل فيه النهي، فقال: النهي منع عن التمليك فلا يحصل المنافع على ملكه لكونه دليل الرجوع والاسترداد، لا إبطال الملك بعد ثبوته.
وقوله: (ولا يملك الإجارة)، جواب عن قوله: لا يملك الإجارة من غيره، يعني إنما لا يملك الإجارة لما فيه من إلحاق الضرر بالمعير فإنه ملكها على تمكن من الاسترداد متى شاء، فلو صحت الإجارة منه لم يتمكن من الاسترداد؛ لأنها لازمة حينئذ لكونها بتسليط الغير، وهو نظير ما لو استأجر دابةً أو ثوبا ليس له أن يؤجر من غيره لئلا يتضرر المؤجر.
قوله: (لأنه مستعمل فيه) أي: في تمليك المنفعة؛ لأن الطعام إذا أضيف إلى ما يُطْعَمُ عينه يراد به تمليك عينه، وإن أضيف إلى ما لا يُطعَمُ عَينُهُ كالأرض يراد به أكُلُ غَلَّتِها، إطلاقا لاسم المحل على الحال.
قوله: (ومنحتك هذا الثوب)، أي: أعطيتك المنحة، والمنيحة: الناقة، أو الشاة الممنوحة من المنح وهو: أن يعطي الرجلُ آخر ناقته ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب لبنها ثم كثر، حتى قيل في كل شيء (^١) أعطى شيئًا: مَنَحَ.
_________________
(١) كذا في الأصول.
[ ٧ / ١٤٦ ]
يُرِدْ بِهِ الهِبَةَ)؛ لِأَنَّهُمَا لِتَمْلِيكِ العَيْنِ، وَعِنْدَ عَدَمِ إِرَادَتِهِ الهِبَةَ تُحْمَلُ عَلَى تَمْلِيكِ المَنَافِعِ تَجَوُّزًا. قَالَ: (وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا العَبْدَ)؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ (وَدَارِي لَكَ سُكْنَى)؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ (وَدَارِي لَكَ عُمْرَى سُكْنَى)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ سُكْنَاهَا لَهُ مُدَّةَ عُمُرِهِ. وَجَعَلَ قَوْلُهُ: «سُكْنَى» تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: لَكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ المَنَافِعِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ آخِرِهِ.
قَالَ: (وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي العَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊
:
وفي الكافي: وقوله في الهداية: ومنحتك هذا، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يُرِدْ به الهبة لأنهما لتمليك العين، إلى قوله: تَجَوُّزًا، أي مجازا، مشكل من وجوه أحدها: أنه قال: إذا لم يُرِدْ به الهبة، وكان ينبغي أن يقول: إذا لم يُرِدْ بِهِما الهبة، بدليل التعليل.
وأجيب عنه بأن الضمير يرجع إلى المذكور.
وثانيها: أنه جعل هذين اللفظين حقيقة لتمليك العين، ومجاز التمليك المنفعة، ثم ذكر في كتاب الهبة في بيان ألفاظها وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة، وعلّل بأن الحَمْلَ هو الإركاب حقيقة فتكون عارية، لكنه يحتمل الهبة، وهذا تناقض.
وثالثها: أنهما لما كانا لتمليك العين حقيقة فثبتت حقيقة اللفظ بلا نية، فعند عدم إرادة الهبة لا تحمل على تمليك المنفعة، بل على الهبة.
قيل في جوابه: نعم، إن لفظ حملتك يدل على الإركاب لغةً، ولكن يدل على التمليك عرفًا، يقال: حمل الأمير فلانًا، ويراد به التمليك، ويستعمل للعارية أيضًا، قال تعالى: ﴿إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢]، أي: لِتُرْكِبَهُمْ، فإذا نوى العارية أو الهبة كان كما نوى، وإن لم ينو شيئًا كان عارية؛ لأنها المتيقن بها.
ومعنى قول الشيخ: يجوز أي: يجوز استعمالها فيه مجازا لغويًا، وإن كان حقيقة عرفية، فحينئذ لا يرد السؤال.
قوله: (وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء)، وهذا في العارية المطلقة
[ ٧ / ١٤٧ ]
«المِنحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» وَلِأَنَّ المَنَافِعَ تُمْلَكُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبٍ حُدُوثِهَا، فَالتَّمْلِيكُ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ القَبْضُ فَيَصِحُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَالعَارِيَّةُ أَمَانَةٌ، إِنْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٌ: لَمْ يَضْمَنْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:
بلا خلاف، وفي المؤقتة خلاف مالك فإن عنده لا يجوز له الرجوع قبل مضي الوقت.
قوله: (إن هلكت بغير تعدّ)، قيد به لأن هلاكها بتعديه يوجب الضمان بلا خلاف، وضمان الرد على المستعير بلا خلاف فالعارية إذا هلكت بغير تعد لا تكون مضمونة عندنا، وبه قال مالك، وهو قول علي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، والشعبي، والثوري، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والأوزاعي، وابن شبرمة، وإبراهيم وقضى شريح بذلك ثمانين سنة بالكوفة.
وقال الشافعي، وأحمد مضمونة، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وإسحاق.
وقال قتادة، وعبيد الله بن الحسين العنبري: إن شرط ضمانها ضمنت وإلا فلا، وقال ربيعة: كل العواري مضمونة، وبقوله ﵊ لصفوان: «بَلْ عارِيةٌ مضمونَةٌ مُؤدَّاةٌ» (^١)، وكتب في عهد بني نجران: وما يعارُ رُسلي فهلكت فضمانها على رسلي.
وقال ﵊: «علَى اليَدِ ما أخَذَتْ حتى تَرُدَّ» (^٢)، والأخذ يطلق في موضع يأخذه لنفع نفسه، وذا موجود في العارية، ولأنه قبض مال غيره لنفع نفسه لا عن استحقاق تقدم فكان مضمونًا عليه؛ كالمقبوض على سوم الشراء.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٢/ ٥٥٧ رقم ١٢٦٦)، والنسائي في " الكبرى" (٥/ ٣٣٣ رقم ٥٧٥١)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠)، والحاكم (٢/¬٤٧ رقم ٢٣٠٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ١٤٨ ]
يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ لَا عَنْ اسْتِحْقَاقِ فَيَضْمَنُهُ،
والمستقرض بخلاف المودع؛ لأنه ما قبضه لنفسه بل لمنفعة المالك وهو الحفظ، ولهذا لا يلزمه مؤنة الرد، وفي المستعير يلزمه، وبخلاف المستأجر؛ لأنه قبضه باستحقاق تقدم على القبض، ولهذا يجبر على تسليم الدار، ولو سلمه لا يملك الاسترداد حتى تمضي المدة.
والموصى له بخدمة العبد فإن العبد لا يصير مضمونًا عليه وإن قبضه لنفسه؛ لأن قبضه مستحق، ولهذا يجبر الورثة على تسليم العبد إليه، ولا يلزم أنه مأذون بالقبض؛ لأنه إنما ثبت الإذن ضرورة الانتفاع، فبقي القبض في غير حالة الانتفاع غير مأذون فيه؛ لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، ولهذا لا يضمن إذا هلك حالة الانتفاع بلا خلاف، ولأن قبض العارية يوجب ضمان الرد بالإجماع حال قيام العين، فيوجب ضمان القيمة حال هلاك العين؛ كقبض الغصب.
ولنا: ما روى القاضي الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو، عن القاضي الخليل ابن أحمد بإسناده عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على المستعير غيرِ المُغِلِّ ضمان»، والمُغِلُّ: هو الخائن.
فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه يرويه عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان (^١)، عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيدة ضعيفان، قاله الدارقطني (^٢).
ولئن ثبت يحمل على الهلاك حال الانتفاع ليكون توفيقا بين الحديثين، ودفعًا للتعارض.
قلنا: قد روي برواية أخرى غير ضعيفة، مع أنه عمل به أكثر العلماء، مع أن الجرح لا يقبل ما لم يبين سببه، ولأن ما رويتم محمول على ضمان الرد بدليل ما روي من حديث صحيح أنه ﵊ قال: «العاريةُ مُؤدَّاةٌ، والمنحة مردودة» الحديث، فوصف النبي ﵊ جميع العواري
_________________
(١) في الأصول الخطية: (عبيد حساب)، وهو خطأ، والمثبت من كتب الحديث.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٥٦ رقم ٢٩٦١) من طريق عبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ. وقال: عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع.
[ ٧ / ١٤٩ ]
وَالإِذْنُ ثَبَتَ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَلِهَذَا كَانَ وَاجِبَ الرَّدِّ وَصَارَ
بكونها مؤداة، وقد روي هذا الحديث بطريق آخر فلم يذكر «مضمونة» فيه، وفي بعض طرقها: «ومضمونة» بالواو، وهذه الرواية تدل على أن الضمان وصف زائد على العارية.
والوجه في ذلك أنه ﵊ تلفظ بها تسكينا له، وتألفًا له؛ فإنه كان يومئذ مشركا (^١)، وقد أخذ بمجامع قلبه حَمِيَّةَ الجاهلية، ولأن اللفظ لا ينبئ عن التزام الضمان كما ذكر في المتن، وقبض العين للانتفاع بإذن صحيح من مالكها لا يوجب ضمانًا كما في المستأجر، ووجوب الضمان للجبران وذلك لا يتحقق إلا بتفويت شيء على المالك جبرًا، وبالإذن الصحيح ينعدم التفويت.
والعقد عقد تبرع فلا يكون عقد ضمان كالهبة فلا يتحقق موجب الضمان، ألا ترى أن القبض لا يكون أقوى من حقيقة الإتلاف، ولو أتلفها بإذن مالكه لا يجب عليه الضمان، فكذا إذا قبضها.
وقوله: (الإذن للانتفاع ضرورة)، قلنا: هو ما قبضه إلا للانتفاع فيزول عنه صفة التعدي، فإذا قبضه للانتفاع بقي في يده بإذن مالكها فلم يكن تعديًا، ولأن الإذن بالقبض وجد مطلقًا فلا يقيده بحال الانتفاع؛ لأن الضرورة كما دعت إلى إظهار الإذن في غير حال الانتفاع أيضًا؛ لأنه إنما ينتفع بمال الغير حسب انتفاعه بمال نفسه ساعة دون ساعة؛ إذ لو انتفع بها دائما لهلك، فكان إمساك العين في ثاني الحال للانتفاع مأذونا ضرورة فلا يضمن.
أما الجواب عن قوله ﵊: «العارية مضمونة»، أي: ضمان الرد؛ لأنه جعل الضمان صفة العين على وجه الخبر، وحقيقة ذلك في ضمان الرد؛ لأنه يبقى ببقاء العين، وحديث صفوان فقد قيل إنه ﵊ أخذ دروعه بغير رضاه بدليل قول صفوان: "أغصبًا يا رسول الله؟ " إلّا أنه ﵊ كان محتاجًا إلى السلاح فكان الأخذ له حلالا ولكن بشرط الضمان؛ كتناول مال الغير في حال المخمصة بشرط الضمان.
_________________
(١) أي: صفوان بن أمية ﵁.
[ ٧ / ١٥٠ ]
كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. وَلَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْ التِزَامِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لِتَمْلِيكِ المَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ لِإِبَاحَتِهَا، وَالقَبْضُ لَمْ يَقَعْ تَعَدِّيَا لِكَوْنِهِ مَأْذُونَا فِيهِ، وَالإِذْنُ وَإِنْ ثَبَتَ لِأَجْلِ الانْتِفَاعِ فَهُوَ مَا قَبَضَهُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ فَلَمْ يَقَعْ تَعَدِّيَا، وَإِنَّمَا
وقيل: المراد ضمان الرد، وقوله: «مؤداة» تفسير لذلك، كما يقال: فلان عالم فقيه، فسر العلم بالفقه.
وقيل: كان هذا اشتراط الضمان على نفسه، وبه أخذ قتادة، والعنبري.
وعندنا المستعير لا يضمن بالشرط أيضًا، ولكن صفوان يومئذ كان حربيا، ويجوز بين المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين.
وأما قوله ﵊: «مَا يُعارُ رُسُلِي فَهَلَكَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ» أي: استهلكوها؛ لأنه يقال: هلك في يده، إذا كان بغير صنعه، وهلكت على يده، إذا استهلكه.
وأما قوله ﵇: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» (^١)، يقتضي وجوب رد العين ولا كلام فيه.
وأما المقبوض على سوم الشراء إنما كان مضمونًا بالعقد، والإذن يقرر ضمان العقد، ولأن المالك هناك ما رضي بقبضه إلا بجهة العقد، ففيما وراء العقد كان مقبوضًا بغير إذنه، وإنما وجب ضمان الرد على المستعير؛ لأن منفعة النقل حصلت له، والرد فسخ لذلك النقل فكانت المؤنة على من حصلت له منفعة النقل فإن الخراج بالضمان، ولهذا كانت النفقة عليه أيضًا، ولهذا أوجبنا مؤنة الرد على الموصى له بالخدمة أيضًا.
فأما ضمان العين فإنما يجب على من فَوَّت شيئًا على المالك بقبضه؛ كالغاصب، ولم يوجد ذلك إذا كان القبض بإذنه، كذا في المبسوط،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٢/ ٥٥٧ رقم ١٢٦٦)، والنسائي في " الكبرى" (٥/ ٣٣٣ رقم ٥٧٥١)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠)، والحاكم (٢/¬٤٧ رقم ٢٣٠٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ١٥١ ]
وَجَبَ الرَّدُّ مُؤْنَةٌ، كَنَفَقَةِ المُسْتَعَارِ فَإِنَّهَا عَلَى المُسْتَعِيرِ لَا لِنَقْضِ القَبْضِ.
وَالمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالعَقْدِ؛ لِأَنَّ الأَخْذَ فِي العَقْدِ لَهُ حُكْمُ العَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا اسْتَعَارَهُ؛ فَإِنْ اجَرَهُ فَعَطِبَ ضَمِنَ)؛ لِأَنَّ الإِعَارَةَ دُونَ الإِجَارَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ، وَلِأَنَّا لَوْ صَحْحْنَاهُ لَا يَصِحُ إِلَّا لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِتَسْلِيطٍ مِنْ المُعِيرِ، وَفِي
والأسرار (^١).
قوله: (كنفقة المستعار فإنها) أي: النفقة (على المستعير)، وفي الذخيرة والمغني: قال أبو علي النسفي حاكيًا عن أستاذه: أن المستعير لا يجبر على النفقة، بل يقال له: إن شئت فأنفق عليه ليحصل لك منفعته، وإن شئت فَخَلَّ يَدَك عنه.
وقال أبو نصر: لو استعار عبدًا فطعامه على المستعير، ولو أن مولاه أعاره فطعامه على المعير
قال أبو الليث: يعني إذا قال مولى العبد: خذ عبدي واسْتَخْدِمُهُ، من غير أن يستعيره المستعير فإن هذا بمنزلة الوديعة، فطعامه على مولاه، وأما الكسوة فعلى المعير في الأحوال كلها (^٢).
قوله: (لا لنقض القبض)، بخلاف الغصب فإن ثمة وجب الرد لنقض القبض، فإذا لم يوجد الرد يجب الضمان عليه، وهاهنا القبض بالإذن فلا يكون مضمونا عليه.
قوله: (ولأنا لو صححناه) إلى قوله: (بتسليط من المعير) جواب لشبهة ذكرت في المبسوط.
فإن قيل: ينبغي أن يملك المستعير الإجارة؛ لأنه مالك للمنفعة، ولا ينقطع حق المعير في الاسترداد، بل يصير قيام حق المعير في الاسترداد عذرا في نقض الإجارة. قلنا: لو ملك المستعير الإجارة كان ذلك من مقتضيات عقد المعير، فكان العقد بتسليطه فلا يمكنه من نقضه بعد.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٥٦٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٥/ ٨٨).
[ ٧ / ١٥٢ ]
وُقُوعِهِ لَازِمًا زِيَادَةُ ضَرَرٍ بِالمُعِيرِ لِسَدِّ بَابِ الاِسْتِرْدَادِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِجَارَةِ فَأَبْطَلْنَاهُ، وَضَمِنَهُ حِينَ سَلَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتَنَاوَلْهُ العَارِيَّةُ كَانَ غَصْبًا، وَإِنْ شَاءَ المُعِيرُ ضَمَّنَ المُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ المَالِكِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ إِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ لَا يَرْجِعُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ يَرْجِعُ عَلَى المُؤَاجِرِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةٌ فِي يَدِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الغُرُورِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ. قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهُ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ) وَقَالَ
وقيل في تجويز إجارته: يلزم لزوم ما لا يلزم، وهذا لأن الإعارة غير لازمة في الأصل، والإجارة لازمة في الأصل، فلو ملك المستعير الإجارة إما أن تقع هذه الإجارة لازمة أو غير لازمة، فإن وقعت غير لازمة يلزم عدم لزوم ما يلزم، وهو خلاف موضوع الإجارة فكان باطلا، وإن وقعت لازمة يلزم لزوم ما لا يلزم؛ لأنها إذا لزمت الإجارة تصير العارية لازمة ضرورة لعدم إمكان الاسترداد فيكون خلاف موضوع العارية وهو باطل، ولهذا لا يرهن لما بينا كالوديعة لا تؤجر ولا ترهن. •
قوله: (دفعًا لضرر الغرور)، فإن غرره في ضمن العقد بخلاف ما علم بكونها عارية في يده حيث لم يرجع عليه؛ لأنه لم يؤخذ منه الغرور، وقالت الأئمة الثلاثة: لا يرجع لأنه غاصب الثاني، ويضمن بفعله.
قوله: (إذا كان لا يختلف باختلاف المستعمل) كالحمل، والاستخدام، والسكني، والزراعة، كذا ذكر النظائر التمرتاشي، فللمستعير أن يعيره، وبه قال مالك (^١)، والشافعي في وجه (^٢)، وقال الشافعي في الأصح (^٣)، وأحمد (^٤): ليس
_________________
(١) انظر: الكافي لابن عبد البر (٢/ ٨١١)، وإرشاد السالك لابن عسكر (١/ ٩٧).
(٢) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ١١٣) وفيه: ومن استعار شيئًا لم يجز أن يعيره، وقيل: يجوز، وليس بشيء. والبيان للعمراني (٦/ ٥١٧) وفيه: وإن أعارها المستعير غيرَهُ فهل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لما جاز أن يؤاجر ما استأجره جاز أن يعير ما استعاره، والثاني: لا يجوز، وبه قال أحمد، وهو الصحيح.
(٣) انظر المصادر السابقة، والعزيز للرافعي (٥/ ٣٧٠).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (٦/ ١١٥)، والإقناع للحجاوي (٢/ ٣٣٥).
[ ٧ / ١٥٣ ]
الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِبَاحَةُ المَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَالمُبَاحُ لَهُ لَا يَمْلِكُ الإِبَاحَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْمِلْكِ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا مَوْجُودَةً فِي الإِجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالإِبَاحَةِ هَاهُنَا.
وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَيَمْلِكُ الْإِعَارَةَ كَالمُوصَى لَهُ بِالخِدْمَةِ، وَالمَنَافِعُ اعْتُبِرَتْ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الإِجَارَةِ، فَتُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي الإِعَارَةِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ دَفْعًا لِمَزِيدِ الضَّرَرِ عَنْ المُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِعْمَالِهِ لَا بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذَا إِذَا صَدَرَتْ الإِعَارَةُ مُطْلَقَةٌ. وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ: أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ فِي الوَقْتِ وَالانْتِفَاعِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أَيَّ نَوْعٍ شَاءَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ عَمَلًا بِالإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ، أَنْ يُجَاوِزَ فِيهِ مَا سَمَّاهُ عَمَلًا
له أن يعيره، بناءً على ما مر أن الإعارة إباحة المنافع عنده، والمباح له لا يقدر أن يبيح غيره.
وقوله: (وإنما لا يجوز)، إلى آخره جواب لشبهة تَرِدُ علينا بأن العارية لو كانت تمليك المنفعة لما اختلف الحكم في صحة إعارته بين ما يختلف وما لا يختلف، فقال: (إنما لا يجوز فيما يختلف لدفع زيادة الضرر على المعير) إلى آخره.
(وهذا) أي: ما ذكرنا من ولاية الإعارة للمستعير.
قوله: (مطلقة)، أي: عن الوقت والانتفاع.
(وهو) أي: ما يصدر عن عقد الإعارة على أربعة أوجه، وانحصاره على الأربعة ضرورة؛ لأن الشيئين - وهو الإطلاق والتقييد - دارا في الشيئين وهما: الوقت والانتفاع -، فكانت أربعة لا محالة.
قوله: (ليس له أن يجاوز ما سماه)، مثلا استعار الدابة ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فلا يحتمل غيرها، إلا إذا كان خلافًا إلى مثل ذلك بأن قال: عشرة أقفزة من هذه الحنطة، أو من حنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة من حنطة غير المشار إليها، أو من حنطة غيره، أو خير منه بأن قال: عشرة أقفزة حنطة،
[ ٧ / ١٥٤ ]
بِالتَّقْيِيدِ، إِلَّا إِذَا كَانَ خِلَافًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، وَالحِنْطَةُ مِثْلُ الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْ الحِنْطَةِ إِذَا كَانَ كَيْلًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِي حَقِّ الوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي حَقِّ الانْتِفَاعِ. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سَمَّاهُ، فَلَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، لَهُ أَنْ يَحْمِلَ وَيُعِيرَ غَيْرَهُ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الحَمْلَ لَا يَتَفَاوَتُ.
وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُرْكِبَ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُطْلِقَ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ، حَتَّى لَوْ رَكِبَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ رُكُوبُهُ، وَلَوْ أَرْكَبَ غَيْرَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ حَتَّى لَوْ فَعَلَهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الإِرْتَابُ.
قَالَ: (وَعَارِيَّةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ وَالمَعْدُودِ قَرْضُ)؛ لِأَنَّ
فحمل عليها عشرة من شعير، في القياس يكون ضامنًا؛ لأنه يخالف لاختلاف الجنس، وعنده لا يعتبر الضرر والمنفعة.
وفي الاستحسان لا يضمن؛ لأنه لا فائدة للمالك في تعيين الحنطة فإن مقصوده دفع زيادة الضرر عن دابته، ومثل الكيلي الحنطة من الشعير يكون أخف عليها، والتقييد إنما يعتبر إذا كان مفيدًا، ولهذا لو سمى مقدارًا من الحنطة وزنا فحمل مثل ذلك الوزن شعيرًا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذه الحنطة، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ليس له أن يركبه)، أي: يركب الدابة على تأويل الحيوان، أو الحمار، أو البغل، أو الفرس.
قوله: (حتى لو فعل ضمنه) أي: لو ركب بنفسه ضمن وهو الصحيح، وهو اختيار فخر الإسلام، وعند شمس الأئمة وشيخ الإسلام خواهر زاده: لا يضمن؛ لأنه يملك الإعارة.
والصحيح أنه لا يضمن لما أطلق، وله أن يُعَيِّنَ، وفي الأولى: يُعَيِّنُ الركوب، وفي الثانية: الإركاب، وتعيينه كتعيين المالك، ولو عين المالك يضمن بالنقل، كذا هنا.
قوله: (وعارية الدراهم) بأن قال: أعرتك هذه الدراهم، أو الدنانير قرض،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٨).
[ ٧ / ١٥٥ ]
الإِعَارَةَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ، وَلَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهَا فَاقْتَضَى تَمْلِيكُ العَيْنِ ضَرُورَةٌ وَذَلِكَ بِالهِبَةِ، أَوْ بِالقَرْضِ، وَالقَرْضُ أَدْنَاهُمَا فَيَثْبُتُ، أَوْ لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّةِ الإِعَارَةِ الانْتِفَاعَ وَرَدَّ العَيْنِ، فَأُقِيمَ رَدُّ المِثْلِ مَقَامَهُ. قَالُوا: هَذَا إِذَا أَطْلَقَ الإِعَارَةَ.
وَأَمَّا إِذَا عَيَّنَ الجِهَةَ: بِأَنْ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانًا، أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا دُكَّانًا: لَمْ يَكُنْ قَرْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا المَنْفَعَةُ المُسَمَّاةُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَعَارَ آنِيَةٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا، أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى يَتَقَلَّدُهُ ..
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ لِيَغْرِسَ فِيهَا جَازَ، وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ
يعني بمنزلة قوله: أقرضتك، ولا يعلم فيه خلاف، إلا ما نقل عن بعض أصحاب الشافعي: هذه إعارة فاسدة، وقبض المال بالإذن إلا لمنفعة نفسه فتكون أمانة، ذكره في شرح الوجيز (^١).
وفي المغني: قال أبو بكر البلخي: قال: أعرتك هذه القصعة من الثريد، فأخذها وأكلها فعليه مثلها أو قيمتها؛ لما أن إعارة ما لا ينتفع إلا بهلاكه قرض.
قال أبو الليث: الجواب هكذا إذا لم يكن بينهما مباسطة أو دلالة الإباحة.
قوله: (وذلك)، أي: تمليك العين بالهبة، أو القرض، والقرض أدناهما ضررًا على المعير؛ لأنه يوجب المثل والهبة لا توجبه.
قوله: (ورد العين)، وقد تعذر رد العين على المستعير هنا فأقيم رد المثل مقام ردها.
قوله: (أما إذا عين الجهة) إلى آخره، ولا يُعلم فيه خلاف أيضًا، وفي بعض النسخ (ليعاير بها ميزانًا)، والصواب: (يعاير)، أي: يسوي، ذكره في المغرب (^٢).
وفي الصحاح: عايروا مكاييلكم وموازينكم ولا تقل: عيروا (^٣).
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣٧٥).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٣٤).
(٣) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٣/ ٧٦٤).
[ ٧ / ١٥٦ ]
فيها وَيُكَلِّفُهُ قَلْعَ البِنَاءِ وَالغَرْسِ) أَمَّا الرُّجُوعُ: فَلِمَا بَيَّنَا، وَأَمَّا الجَوَازُ: فَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ تُمْلَكُ بِالإِجَارَةِ فَكَذَا بِالإِعَارَةِ. وَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ بَقِيَ المُسْتَعِيرُ شَاغِلًا أَرْضَ المُعِيرِ فَيُكَلَّفُ تَفْرِيغَهَا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ العَارِيَّةَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المُسْتَعِيرَ
قوله: (قلع البناء، والغرس) بكسر الغين، وفتحها ذكره في المغرب (^١).
وقوله: (فلما بينا)، إشارة إلى قوله: (للمعير أن يرجع متى شاء).
قوله: (فلا ضمان عليه)، أي: على المعير من نقصان قيمة البناء والغرس، وبه قال مالك، وقال الشافعي، وأحمد: إن أبى المستعير القلع يضمن المعير ما ينقص بالقلع، أو قيمة بنائه مقلوعًا؛ لأنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القلع فلم يلزمه القلع من غير ضمان.
إليه أشار قوله ﵊: ﴿لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمِ حَقٌّ﴾ (^٢)، فدل بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق وهذا كذلك، وصار كما لو طالبه بالقلع في المؤقتة قبل مضي الوقت.
وقلنا: الضرر إنما يلحق المستعير من قبله حيث بنى أو غرس في محل كان لغيره حق الرجوع فيه، والمعير لم يصر غارًا لأنه ما وقت للعارية وقتًا، ولكن المستعير مغتر بنفسه حيث ظن بمطلق العقد أنه يتركها في مدة طويلة من غير أن يسبق منه الوعد، بخلاف ما لو وقت للعارية وقتًا ورجع قبل مضي الوقت فإن المستعير يصير مغرورًا من جهة المعير، وللمغرور أن يدفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغار.
وقال زفر: لا يضمن أيضًا بالتوقيت؛ لأن الإطلاق والتوقيت سواء لبطلان الأجل في العواري.
وقلنا: إذا وقت صار مغرورًا من جهته.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٨) رقم (٣٠٧٣)، والترمذي (٣/ ٥٥ رقم ١٣٧٨)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٢٥ رقم ٥٩٢٧) من حديث سعيد بن زيد ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا، وقال النسائي: خالفه يحيى بن سعيد، وليث بن سعد - أي فروياه مرسلًا.
[ ٧ / ١٥٧ ]
مُغْتَرٌّ غَيْرُ مَغْرُورٍ حَيْثُ اعْتَمَدَ إِطْلَاقَ العَقْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ مِنْهُ الوَعْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَتَ العَارِيَّةَ وَرَجَعَ قَبْلَ الوَقْتِ صَحَّ رُجُوعُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الوَعْدِ وَضَمِنَ المُعِيرُ مَا نَقَصَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ بِالقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ وَقَتَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الوَفَاءُ بِالعَهْدِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي المُخْتَصَرِ. وَذَكَرَ الحَاكِمُ الشَّهِيدُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَةَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ وَيَكُونَانِ لَهُ،
فإن قيل: الغرور بمباشرة عقد الضمان سبب للرجوع، ألا ترى أنه لو استحق الموهوب بعد هلاكِهِ فَضَمِنَ الموهوب له الضمان، لا يرجع بما ضمن على الواهب؛ لأن الغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب الرجوع لا في غيره، والمعير لم يباشر عقد الضمان وإن وقت.
قلنا: كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن، ولا حاجة إلى التوقيت في تصحيحها لصحتها بدونها، فعلم أن فائدته التزام قيمة البناء والغرس إن أراد إخراجه قبله، وصار تقدير كلامه كأن قال: اِبْنِ في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى مدة كذا، فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك، فيكون الرجوع للإلزام المعنوي لا للغرور، كذا في المبسوط (^١).
قلت: فعلى هذا معنى قول الشيخ: (لأنه مغرور من جهته) مُؤَوّلٌ، [أي] (^٢) مغرور من الإلزام المعنوي، وبعد مضي المدة له الرجوع بلا ضمان عندنا، ومالك، وبه قال المزني، وعند الشافعي وأحمد يضمن النقصان، كما في غير المؤقت، ورجع قبل الوقت صح رجوعه خلافًا لمالك، وما نقل في النهاية من قول مالك أنه يضمن القيمة ما وجدته في كتبهم، بل عندهم إذا كان مؤقتًا لا يجوز له الرجوع.
قوله: (يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه)، يعني بكم يشتري بشرط قيامه إلى المدة المضروبة، كذا في شرح الكافي.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٤٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ١٥٨ ]
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ المُسْتَعِيرُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا، وَلَا يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُمَا فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
قَالُوا: إِذَا كَانَ فِي القَلْعِ ضَرَرٌ بِالْأَرْضِ: فَالخِيَارُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَصْلٍ، وَالمُسْتَعِيرُ صَاحِبُ تَبَعٍ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ، (وَلَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَزْرَعَهَا: لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ حَتَّى يَحْصُدَ الزَّرْعَ وَقَتَ أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ)؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةً، وَفِي التَّرْكِ مُرَاعَاةُ الحُقَّيْنِ، بِخِلَافِ الغَرْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَيُقْلَعُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ المَالِكِ.
قَالَ: (وَأُجْرَةُ رَدِّ العَارِيَّةِ عَلَى المُسْتَعِيرِ)؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ،
قوله: (لم تؤخذ منه)، أي: لم تؤخذ الأرض من المستعير، ويترك في يده طريق الإجارة.
(لأن له)، أي: للزرع (نهاية) فيمكن مراعاة الحَقَّيْن، كما في الإجارة إذا انقضت المدة والزرع لم يدرك بعد فإنه يترك الأرض في يده بأجر مراعاة للجانبين كذا هنا، كذا في المبسوط.
وبه قال الشافعي في وجه، ومالك، وأحمد، وقال في وجه كالبناء والغرس، وعن أحمد: إن كان مما يحصد قَصِيلًا بلا ضرر فله الرجوع لعدم الضرر فيه (^١).
قوله: (حتى يحصد) على بناء المفعول، ثم إذا استحصد الزرع فصاحب الأرض يأخذ الأرض مع الأجر، وقال أبو إسحاق الحافظ: إنما يجب الأجر لصاحب الأرض إذا أجر الأرض منه، أو القاضي بعد مضي المدة، وبدون ذلك لا يجب الأجر، وفي أكثر الروايات لم يشترط ذلك.
قوله: (وفي الترك مراعاة الحقين) أي: حق المعير والمستعير فكان أولى من القلع، ولأن في القلع إبطال ملك المستعير، وفي الترك في يده، وبالأجرة ضررًا بالمعير من حيث تأخير حقه، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير.
قوله: (وأجرة رد العارية على المستعير) بلا خلاف كما بينا.
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ١٧١)، والإنصاف للمرداوي (٦/ ١٠٦).
[ ٧ / ١٥٩ ]
لِمَا أَنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَالأجْرَةُ مُؤنَةُ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ (وَأُجْرَةُ رَدِّ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ عَلَى المُؤَجِّرِ) لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المُسْتَأْجِرِ التَّمْكِينُ وَالتَّخْلِيَةُ دُونَ الرَّدِّ، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ قَبْضِهِ سَالِمَةٌ لِلْمُؤَجِّرِ مَعْنَى، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مُؤْنَةٌ رَدِّهِ (وَأُجْرَةُ رَبِّ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ عَلَى الغَاصِبِ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَالإِعَادَةُ إِلَى يَدِ المَالِكِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَتَكُونَ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةٌ فَرَدَّهَا إِلَى إِصْطَبْلِ مَالِكِهَا فَهَلَكَتْ: لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا
قوله: (لما أنه) أي: المستعير قبضه لنفع نفسه فتكون المؤنة عليه، لما أن الخراج بالضمان، والأجر مؤنة الرد، ولهذا لو أمسكه بعد مضي المدة في العارية المؤقتة وهلك يضمنه، بخلاف المطلقة حيث لا يضمن بالإمساك؛ لأن المطالبة بالردّ لم توجد حتى لو طلب الرد فأمسكها يضمن؛ كالمودع إذا طولب بالرد، وبخلاف المستأجر إذا أمسكها بعد مضي المدة وهلكت قبل الطلب حيث لم يضمنها؛ لأن الرد على المالك لا على المستأجر، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لأن الواجب عليه)، أي: على الغاصب الرد لقوله ﵊: «عَلَى اليد ما أَخَذَتْ حتى تَرُدَّ» (^٢)، فتكون مؤنة الرد واجبة عليه، ولا خلاف فيه.
وأجرة رد المرهون على الراهن، وأجرة رد الوديعة على مالكها، والأصل أن مؤنة الرد على من وقع له القبض؛ لأن الإخراج بالضمان، فإذا ثبت هذا اتضح لك حكم هذه المسائل، فالمرتهن قبض الرهن لنفسه، ولهذا اختص به من سائر الغرماء.
أما مؤنة رد العبد الموصى بخدمته فقالوا: لا رواية فيها، ويجب أن يكون على الموصى له بالخدمة كما في المستعير.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٢/ ٥٥٧ رقم ١٢٦٦)، والنسائي في " الكبرى " (٥/ ٣٣٣ رقم ٥٧٥١)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠)، والحاكم (٤٧/¬٢ رقم ٢٣٠٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ١٦٠ ]
اسْتِحْسَانٌ، وَفِي القِيَاسِ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مَا رَدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا بَلْ ضَيَّعَهَا. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ أُتِيَ بِالتَّسْلِيمِ المُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ رَدَّ العَوَارِي إِلَى دَارِ المُلاكِ مُعْتَادٌ كَالَةِ البَيْتِ، وَلَوْ رَدَّهَا إِلَى المَالِكِ فَالمَالِكُ يَرُدُّهَا إِلَى المَرْبِطِ.
(وَإِنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَدَّهُ إِلَى دَارِ المَالِكِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ: لَمْ يَضْمَنْ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ رَدَّ المَغْصُوبَ أَوْ الوَدِيعَةَ إِلَى دَارِ المَالِكِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى الغَاصِبِ فَسْخُ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ بِالرَّدِّ إِلَى المَالِكِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالوَدِيعَةُ لَا يَرْضَى المَالِكُ بِرَدِّهَا إِلَى الدَّارِ وَلَا إِلَى يَدِ مَنْ فِي العِيَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَضَاهُ لَمَا أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ، بِخِلَافِ العَوَارِيّ؛ لِأَنَّ فِيهَا عُرْفًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ العَارِيَّةُ عُقْدَ جَوْهَرٍ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَّا إِلَى المُعِيرِ؛ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ العُرْفِ فِيهِ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةٌ فَرَدَّهَا مَعَ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ: لَمْ يَضْمَنْ) وَالمُرَادُ
قوله: (وفي القياس يضمن)، وبه قال الشافعي وأحمد لأن الواجب عليه الرد إلى المالك أو نائبه وهو وكيله كما في الوديعة والمغصوب ولم يوجد، بل ضيعه.
وجه الاستحسان أن العواري ترد إلى دار المالك، أو إلى المربط عادةً وعرفًا، وهما في يد المالك حكمًا فكأنه ردها إلى مالكها حكمًا.
ذكر التمرتاشي عن ابن سلمة: إن كان المربط خارج الدار لم يبرأ؛ لأن الظاهر أنها تكون هناك بلا حافظ، وقيل: هذا في عادتهم.
قوله: (فردها مع عبده، أو أجيره لم يضمن)، وقياس قول الشافعي أن يضمن كما لو دفع الوديعة إليهما.
قوله: (مع عبد رب الدابة أو أجيره) (^١) أي: السائس (لم يضمن)، وبه قال أحمد، وقياس قول الشافعي أن يضمن كما في الوديعة.
وجه الاستحسان أن الرد إليه كالرد إلى المالك، ولهذا لو دفعها إليه كأن يدفعها إلى السائس، ولهذا لو استعار منه دابة بأمر السائس يدفعها عادة وعرفًا، ولا يوجد مثل هذا العرف في الوديعة فإن صاحبها هو الذي يتولى استردادها
_________________
(١) انظر المتن ص ١٦٢.
[ ٧ / ١٦١ ]
بِالأَجِيرِ: أَنْ يَكُونَ مُسَانَهَةٌ، أَوْ مُشَاهَرَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِيَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ كَمَا فِي الوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ الأَجِيرِ مُيَاوَمَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ. (وَكَذَا إِذَا رَدَّهَا مَعَ عَبْدِ رَبِّ الدَّابَّةِ أَوْ أَجِيرِهِ)؛ لِأَنَّ المَالِكَ يَرْضَى بِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَهُوَ يَرُدُّهُ إِلَى عَبْدِهِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي العَبْدِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الدَّوَابٌ، وَقِيلَ: فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ دَائِمًا يُدْفَعُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا (وَإِنْ رَدْهَا مَعَ أَجْنَبِي ضَمِنَ) وَدَلَّتْ المَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ المُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الإِيدَاعَ قَصْرًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ المَشَايِخِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَمْلِكُهُ، لِأَنَّهُ دُونَ الْإِعَارَةِ، وَأَوَّلُوا هَذِهِ المَسْأَلَةَ بِإِنْهَاءِ الإِعَارَةِ لِانْقِضَاءِ المُدَّةِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَعَارَ أَرْضًا بَيْضَاءَ لِلزِّرَاعَةِ يَكْتُبُ: «إِنَّكَ أَطْعَمْتَنِي» عِنْدَ أَبِي
عادة، وإنما أودعها لأنه لم يرض بكونها في يد عياله، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (من أجنبي (^٢) قصدًا؛ لأنه لما وضعه في يد الأجنبي للرد فيكون هذا إيداعا، ومع هذا قال (يضمن)، وبه أخذ بعض المشايخ وهو الكرخي، والبقالي فقال: لا يملك الاستعارة، ولا يملك الإيداع؛ لأن الإعارة تصرف في المنفعة وهي ملكه، أما الإيداع تصرف في العين وهي ملك صاحبها وصاحب العين لم يرض بالدفع إلى غيره.
واستدل الكرخي بهذه المسألة ذكره في شرح الطحاوي، وقال بعضهم - وهم مشايخ العراق - بملك الإيداع، وبه أخذ أبو الليث، والفضلي.
وفي الفوائد الظهيرية: وعليه الفتوى؛ لأنه لما ملك الإعارة مع أن فيها إيداعا وتمليك المنافع فلأن يملك الإيداع، وليس فيه تمليك المنافع أولى.
(وأولوا)، أي: مشايخ العراق هذه المسألة فيما إذا كانت العارية مؤقتة، وقد انتهت باستيفاء مدتها، وحينئذ يصير المستعير مودعا، والمودع لا يملك الإيداع بالاتفاق.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٤٠).
(٢) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (وَإِنْ رَدْهَا مَعَ أَجْنَبِيٌّ ضَمِنَ).
[ ٧ / ١٦٢ ]
حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَكْتُبُ: إِنَّكَ أَعَرْتنِي) (*)؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الإِعَارَةِ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وَالكِتَابَةُ بِالمَوْضُوعِ لَهُ أَوْلَى كَمَا فِي إِعَارَةِ الدَّارِ. وَلَهُ: أَنَّ لَفْظَةَ الإِطْعَامِ أَدَلُّ عَلَى المُرَادِ؛ لِأَنَّهَا تَخُصُّ الزِّرَاعَةَ وَالإِعَارَةُ تَنْتَظِمُهَا وَغَيْرَهَا كَالبِنَاءِ وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ الكِتَابَةُ بِهَا أَوْلَى بِخِلَافِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَارُ إِلَّا لِلسُّكْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قوله: (موضوعة له) أي: لعقد الإعارة، كما في إعارة الدار والثوب فإنه لا يكتب فيها: ألبستني، أو أكسيتني.
قوله: (لأنها)، أي: لفظة الإطعام (تخص الزراعة).
(والإعارة تنتظمها)، أي: الزراعة وغيرها؛ كالبناء، ونصب الفسطاط فلا يدل لفظ الإعارة على شيء من هذه الأنواع عينًا.
(فكانت الكتابة بها)، أي: بصيغة الإطعام ليعلم أن غرضه الزراعة أولى، بخلاف إعارة الدار والثوب؛ لأن إعارتهما للسكنى واللبس فقط، وهذا العرض يصير معلومًا بقوله: أعرتني، إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ١٦٣ ]