الغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ المَالِكِ عَلَى وَجْهِ يُزِيلُ يَدَهُ.
كِتَابُ الْغَصْبِ
وجه مناسبة الغصب للإذن أن بالإذن يصح إقراره بالدين، وبالغصب كان ذكر النوع بعد الجنس، أو ما دام الغصب قائما في يد الغاصب لا يملكه كالعبد المأذون فإنه غير مالك لرقبة ما في يده من الكسب. اعلم أن محاسن الغصب من حيث الأحكام لا من حيث الإقدام كما في الجنايات، فلذا [أورد] (^١) كتاب الغصب في الكتب.
ثم الغصب لغة: أخذ الشيء ظلما وقهرا، مصدر غصب غصبًا، وسمي المغصوب غصبًا تسمية بالمصدر.
وشرعًا: أَخْذُ مال متقوم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده.
(وقيد بمال محترم) أي: متقوم احترازًا عن غصب مال الحربي في دار الحرب. وقيد بقوله: (على وجه يزيل يد المالك) إذ الشرط فيه عندنا زوال اليد المحقة، وإثبات اليد المبطلة، وعلى هذا تخرج المسائل [عن] (^٢) أن إزالة اليد المحقة بالنقل والتحويل.
وعند الشافعي وغيره: إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة، فيلزم فيها الركوب، وفي الفراش الجلوس عليه، وفي العقار الغصب يتحقق بالدخول
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٦٩ ]
حَتَّى كَانَ اسْتِخْدَامُ العَبْدِ وَحَمْلُ الدَّابَّةِ غَصْبًا دُونَ الجُلُوسِ عَلَى البِسَاطِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مَعَ العِلْمِ فَحُكْمُهُ المَأْثَمُ وَالمَغْرَمُ،
وإزعاج المالك حتى لو أزعج ولم يدخل لم يضمن، ولو دخل ولم يزعج ولم يقصد الاستيلاء لم يضمن، وإن قصد صار غاصبا للنصف، والنصف في يد المالك، والضعيف إذا دخل دار القوي وهو فيها وقصد الاستيلاء لم يضمن؛ لأن المقصود غير ممكن، وإن لم يكن القوي فيها ضمن كذا في الوجيز، وشرحه.
واستخدام العبد، وحمل الدابة غصب بلا خلاف؛ لأنه إثبات يد التصرف عليه وذلك يوجب قصر يد المالك عنه، ولو جلس على بساط غيره أو فراشه، أو ركب دابة غيره ولم يزله من مكانه لم يكن غاصبا؛ لأن جلوسه استعماله وهو تصرف فيه.
قلنا: البسط فعل المالك، وقد يقع أثر فعله في الاستعمال، فلم يكن الغاصب مزيلا يده.
وكذا لو غصب حمارًا، أو ساقه فانساق جحشه فأكله الذئب لا يضمنه [الغاصب] (^١) إن لم يسق الجحش معه.
وكذا لو منع أصحاب المواشي حتى ضاعت لم يضمن عندنا، وعند الشافعي أيضًا.
ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان مسألة تخالف هذا الأصل فإنه قال: لو غصب عجولا فاستهلكه حتى ييبس لبن أمه قال أبو بكر البلخي: يضمن قيمة العجول، ونقصان الأم وإن لم يفعل في الأم شيئًا.
وفائدة الخلاف بيننا وبين الشافعي: زوائد المغصوب كالولد والثمن فإنها غير مضمونة عندنا خلافًا له.
(ثم إن كان) أي: الغصب (مع العلم فحكمه المغرم والمأثم) بإجماع العلماء وبالكتاب قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٧٠ ]
وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَالضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ العَبْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِهِ وَلَا إِثْمَ؛ لِأَنَّ الخَطَأَ مَوْضُوعٌ.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ كَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:
والآيات كثيرة.
وبالسنة: قال ﵊ في خطبته يوم النحر: «إِنَّ دِماءَكم وأموالَكُم حَرامٌ كَحُرمَةِ يومِكُم هَذا في شَهْرِكُم هَذا وَبَلَدِكُم هَذا» رواه مسلم وغيره (^١)، وقال ﷺ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِين» متفق عليه (^٢). وقال ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبِ نَفْسِهِ منه» (^٣).
(وإن كان بدونه) أي: بدون العلم بأن ظن المأخوذ ماله، أو اشترى عينًا، ثم ظهر استحقاقه (فالضمان).
وكذا إن كان الآخذ مغرورا لجهله، وعدم قصده دون الإثم بالإجماع؛ لأن الخطأ مرفوع شرعًا، قال ﷺ رُفِعَ عَنْ أمتي الخطأ الحديث، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
قوله: (وفي بعض النسخ) أي: نسخ القدوري قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، سمى الفعل الثاني اعتداء بطريق المعاملة كقوله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةِ سَيِّئَةُ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، والمجازاة لا تكون سيئة، ولأن المثل أعدل لأن الواجب ضمان الجبر، والجبر إنما يتحقق بإيجاب المثل صورة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/¬٢٤ رقم ٦٧)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥ رقم ١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٧ رقم (٣١٩٨)، ومسلم (٣) ١٢٣٠ رقم ١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢ رقم ٢٠٧١٤)، والدارقطني (٣/ ٤٢٤ رقم ٢٨٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٠٠ رقم ١١٨٧٧) من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه ﵄. وضعفه ابن حجر في "تلخيص الحبير " (٣/ ١١٣)، والبوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة " (٢٩٠١)
[ ٧ / ٥٧١ ]
فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الوَاجِبَ هُوَ المِثْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَلِأَنَّ المِثْلَ أَعْدَلُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الجِنْسِ وَالمَالِيَّةِ فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ) وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَوْمَ الغَصْبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَوْمَ الِانْقِطَاعِ) (*) لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ التَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْعِقَادِ السَّبَبِ، إِذْ هُوَ المُوجِبُ. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الوَاجِبَ المِثْلُ فِي الذِّمَّةِ.
ومعنى، وذلك بالحبس والمالية؛ لأن حق المستحق في [الصورة] (^١) والمعنى، وفيه اعتبارهما فكان أعدل من القيمة التي فيها مراعاة [المعنى وهو المالية] (^٢) فحسب.
قوله: (وهذا) أي: وجوب قيمته يوم الخصومة عند أبي حنيفة، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي، ومالك. وقال [محمد: يوم] (^٣) الانقطاع، وبه قال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي.
وحد الانقطاع ما ذكره أبو بكر البلخي هو أن لا يؤخذ في السوق الذي باع فيه، وإن كان يوجد في البيوت، وعلى هذا انقطاع الدراهم. وفي الجواهر المالكية: ليس له إلا مثله، ويصير حتى يوجد، قاله ابن القاسم.
وقال أشهب: المالك بالخيار إن شاء صبر وإن شاء أخذ القيمة، وهو قول علمائنا، وقد مر قول أبي يوسف في التعليل باعتبار ترتيب الأوقات، فإن أول الأوقات الثلاثة يوم الغصب، ثم يوم الانقطاع، ثم يوم الخصومة.
قوله: (إذ هو) أي: الغصب (الموجب) للأصل، والخلف يجب بالسبب
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
(٤) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٧٢ ]
وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إِلَى القِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّقْلَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ، وَلِهَذَا لَوْ صَبَرَ إِلَى أَنْ يُوجَدَ جِنْسُهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ بِقَضَاءِ القَاضِي، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الخُصُومَةِ وَالقَضَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ كَمَا وُجِدَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) مَعْنَاهُ: العَدَدِيَّاتُ المُتَفَاوِتَةُ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ مُرَاعَاةُ الحَقِّ فِي الجِنْسِ، فَيُرَاعَى فِي المَالِيَّةِ وَحْدَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ. أَمَّا العَدَدِيُّ المُتَقَارِبُ فَهُوَ كَالمَكِيلِ،
الذي يجب به الأصل فتصير قيمته يوم الغصب.
قوله: (لا يثبت بمجرد الانقطاع) إذ النقل باعتبار العجز عن الأصل، والعجز يتحقق عند القضاء؛ لأن احتمال أن يوجد قبل القضاء بعد الانقطاع باق، ولأنه [لا يتحقق] (^١) العجز قبله.
قوله: (معناه العدديات المتفاوتة) كالبطيخ والرمان.
(إنما العدد) أي: المتقارب، كالجوز والبيض والفلوس (فهو كالمكيل) وبه قال مالك.
وفي الكافي: وقال مالك: في العدديات المتفاوتة يضمن مثله بصورة من جنس ذلك لما تلوناه.
ولكن ذكر في كتاب الجواهر للمالكية: وكذا العدد الذي يستوي آحاد جملته في الصفة غالبًا كالبيض، والجوز، ونحوه، وهذا يدل على أن قوله في العدديات المتقاربة كقولنا.
وقال زفر: في العدديات المتقاربة تجب القيمة أيضًا؛ لأن المماثلة فيه بالاجتهاد لا بالنص، ولهذا لا يجري فيه الربا فيصار إلى القيمة لتعذر المثل قطعا.
وقلنا: المماثلة في أحاده ثابتة بالعرف فكان كالثابت بالنص في المقصود
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٧٣ ]
حَتَّى يَجِبُ مِثْلُهُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ. وَفِي البُرِّ المَخْلُوطِ بِالشَّعِيرِ القِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ. قَالَ: (وَعَلَى الغَاصِبِ رَدُّ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ)
وهو جبر النقصان للمغصوب ما أمكن، كذا في المبسوط.
وفي المبسوط: في العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب تجب القيمة فيه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر الفقهاء.
وقال أهل المدينة: الواجب هو المثل، وبه قال أصحاب الظاهر، لكن قالوا: إذا لم يوجد مثله فيصبر حتى يوجد أو يأخذ القيمة؛ لحديث أنس قال: كنت في حجرة عائشة ﵂ قبل أن يضرب الحجاب، فأتي بقصعة من ثريد من عند بعض أزواجه ﷺ، فضربت عائشة القصعة بيدها فانكسرت، فجعل النبي ﷺ يأكل من الأرض ويقول: «غارت أمكم» (^١)، ثم جابت عائشة قصعة مثل تلك القصعة فردّتها، واستحسن رسول الله ﷺ.
وقال علي ﵁ في المغدور: يُفَكُّ الغلامُ بالغلام، والجارية بالجارية.
ولنا: حديث معروف أنه ﷺ قال في عبد بين شريكين: «يُعتِقُهُ أَحدُهُما فَإِنْ كان موسرًا ضمن قيمةَ نَصيب شريكه، وإن كانَ مُعسِرًا اسْتَسْعَى العبدُ غير مشقوق عليه» (^٢)، وهذا تنصيص على اعتبار القيمة فيما لا مثل له.
وتأويل حديث أنس أن الرد كان بطريق المروءة ومكارم الأخلاق، لا على طريق أداء الواجب، وكانت القصعتان لرسول الله ﷺ قال ﵊ لعائشة: تلك التي كسرت، لا يقضون بالمكسور للكاسر وإن كان ملكها كان برضاها فلا يكون حجة لأنه محتمل.
ومعنى قول علي: يُفَكُ الغلامُ بالغلام أي: بقيمة الغلام وقد صح عن عمر، وعلي أنهما قضيا في ولد المغدور بالقيمة.
وما قال ابن حزم في هذه المسألة كلام لا طائل تحته، وتشنع بالتعصب بلا وقوف على المعنى بأنه ﷺ استسلف بعيرا ورد مثله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/¬٣٦ رقم ٥٢٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٤٥ رقم ٢٥٢٧)، ومسلم (٢/ ١١٤٠ رقم ١٥٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧ / ٥٧٤ ]
مَعْنَاهُ: مَا دَامَ قَائِمًا، لِقَوْلِهِ ﵊: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَقَالَ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا،
وقضى عثمان وابن مسعود فيمن استهلك فصلانًا بفصلان مثلها؛ لأن هذا حكاية حال لا يحتج به؛ لأنه يمكن أن يكون بالتراضي. ثم عندنا تلزم قيمته يوم الغصب، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: أكثر ما كانت حين الغصب إلى حين التلف؛ لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله.
قال أحمد: يضمن قيمته يوم التلف؛ لأن الرد واجب عليه، ويصار إلى القيمة يوم التلف فتعتبر قيمته يوم التلف.
وعندنا: الغصب لا يتحقق في الزوائد، فتعتبر قيمته يوم الغصب، وفي الإتلاف يضمن قيمته يوم الإتلاف بلا خلاف.
قوله: (معناه ما دام) أي: المغصوب (قائما) ولا خلاف للعلماء فيه.
قوله: (لاعبا ولا جادا)، وفي رواية المصابيح، والفائق: (لاعبا جادا) بدون (ولا) وزاد في المصابيح: «فَمَنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عليهِ» (^١)، ولفظ الحديث جاء في القضاء.
ومعنى قوله: (لاعبًا) أي: لا يريد سرقته، ويريد إدخال الغيظ على أخيه فهو لاعب في مذهب السرقة، جاد في إدخال الغيظ على أخيه، وقال ﷺ: «مَنْ وَجدَ عين مَالِهِ في يَدِ رَجُلٍ فَهْوَ أَحقُّ بهِ» (^٢) ومن ضرورة كونه أحق بالعين وجوب الرد على الآخذ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٣٠١ رقم ٥٠٠٣)، والترمذي (٤/¬٣٢ رقم ٢١٦٠)، والحاكم (٣/ ٦٣٧ رقم ٦٦٨٦)، وأحمد (٤/ ٢٢١ رقم ١٧٩٦٩) من حديث يزيد بن السائب بن يزيد ﵃. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال ابن الملقن: وقال البيهقي في (الخلافيات): إسناد هذا الحديث حسن. البدر المنير (٦/ ٦٩٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٩ رقم ٣٥٣١)، وابن ماجه (٢/ ٧٨١ رقم ٢٣٣١)، والدارقطني (٣/ ٤٢٩ رقم ٢٨٩٧)، وأحمد (٥/¬١٣ رقم ٢٠١٥٨) من حديث سمرة بن جندب ﵁. وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (٨٢٢).
[ ٧ / ٥٧٥ ]
فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ اليَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ، وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ إِعَادَتُهَا بِالرَّدِّ إِلَيْهِ، وَهُوَ المُوجِبُ الأَصْلِيُّ عَلَى مَا قَالُوا، وَرَدُّ القِيمَةِ مُخَلِّصٌ خَلَفًا؛ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ، إذ الكَمَالُ فِي رَدِّ العَيْنِ وَالمَالِيَّةِ.
وَقِيلَ: المُوجِبُ الأَصْلِيُّ القِيمَةُ وَرَدُّ العَيْنِ مُخَلِّصٌ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ
قوله: (ولأن اليد حق مقصود) بدليل جواز الكتابة وإذن العبد في التجارة، إذ ليس في مباشرة عقد الكتابة سوى التصرف باليد، وعقود الشرعية مع الفائدة، فلو لم يفد عقد الكتابة ملك اليد بالتصرف لخلا عن الحكم، ألا ترى أن أسباب العبادات لما لم يوجب حكمها الذي هو الابتلاء بالأداء في حق الصبي والمجنون لم تنعقد أسبابًا في حقهما.
وكذا في المأذون بل باليد يحصل الانتفاع أي: ثمرات الملك، فكان اليد حقا مقصودا فيجب [نسخ] (^١) فعله دفعا للضرر.
وفي المبسوط: والضمان في المدبر ليس إلا لتفويت اليد، فعلم أن اليد حق مقصود.
قوله: (وهو) أي: رد العين
(على ما قالوا) أي: المشايخ.
(لأنه) أي: رد القيمة قاصر، والكمال في رد الصورة و[المعنى، و] (^٢) قيل: الموجب الأصلي وجوب القيمة ورد العين يتخلص عنه، ولهذا لو أبرأ عن الضمان حال قيام العين يصح، حتى لو هلكت بعده لا يجب الضمان، ولولا أن الوجوب الأصلي القيمة لما صلح الإبراء، ولو كفل بالمغصوب يصلح، ولو لم يكن الضمان واجبًا لكان كفالة بالعين والكفالة بالدين تصلح لا بالعين، ولهذا لا تجب الزكاة على الغاصب في نصاب في يد الغاصب، إذا انتقص ذلك النصاب بمقابلة وجوب قيمة المغصوب حال قيام المغصوب، كذا ذكره في النهاية.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (الصورة) وأن (ال) ثم بياض مقدار كلمة والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٧٦ ]
الأَحْكَامِ، (وَالوَاجِبُ الرَّدُّ فِي المَكَانِ الَّذِي غَصَبَهُ) لِتَفَاوُتِ القِيَمِ بِتَفَاوُتِ الْأَمَاكِنِ (فَإِنْ ادَّعَى هَلَاكَهَا: حَبَسَهُ الحَاكِمُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةٌ لَأَظْهَرَهَا، ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِبَدَلِهَا)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ رَدُّ العَيْنِ، وَالهَلَاكُ بِعَارِضِ، فَهُوَ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الإِفْلَاسَ وَعَلَيْهِ ثَمَنُ مَتَاعٍ فَيُحْبَسُ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِذَا عَلِمَ الهَلَاكَ سَقَطَ عَنْهُ رَدُّهُ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ القِيمَةُ.
قَالَ: (وَالغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ)؛ لِأَنَّ الغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إِزَالَةَ اليَدِ بِالنَّقْلِ.
قوله: (فإن ادعى هلاكًا) أي: هلاك العين المغصوبة.
في المبسوط: غصب جارية فغيبها، فأقام المغصوب منه بينة أنه قد غصبها، فإنه يحبس حتى يجيء بها فيردها.
وقال أبو بكر الأعمش: تأويل المسألة أن الشهود على إقرار الغاصب بذلك لأن إقراره الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة، أما الشهادة على فعل الغصب لا يقبل مع جهالة المغصوب، إذ لا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، فلا بد من الإشارة في الدعوى والشهادة.
والأصح أن هذه الدعوى والشهادة بالحاجة لأجل الضرورة، فيثبت غصبه بالبينة كثبوته بإقراره، فيحسن ولو قال الغاصب: فات، أو بعتها ولا أقدر عليها، تلوم القاضي يومين أو ثلاثة، ومقدار التلوم مفوض إلى رأي القاضي، ولو رضي المالك بالقضاء لا يتلوم.
وذكر في الذخيرة: ذكر محمد في السير: أنه يقضي عليه من غير تلوم.
قيل: في المسألة روايتان، وقيل: لا، لكن ما ذكر في السير جواب الجواز، معناه لو قضى بغير تلوم يجوز، وما ذكر في الأصل أن التلوم أفضل.
وقال الشافعي: القول للغاصب مع يمينه، وفي لزوم البدل وجهان: أحدهما: لا يلزمه حتى يصدقه المالك، والثاني: يلزمه، وهو الأصح، وهذا بعد الحبس، وبه قال مالك، وأحمد.
قوله: (والغصب فيما ينقل) فقوله (والغصب) مبتدأ و(فيما ينقل) خبره أي: الغصب يتحقق فيما ينقل، ويحول بدليل قوله: (لأن الغصب) إلى آخره.
[ ٧ / ٥٧٧ ]
(وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ: لَمْ يَضْمَنْهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لِتَحَقُّقِ إثْبَاتِ اليَدِ،
قوله: (وبه قال الشافعي) وزفر، ومالك، وأحمد، أما ما تلف من الأرض والعقار بفعله، أو بسبب فعله يضمن بلا خلاف بين العلماء، والخلاف في الغصب لا في الإتلاف، وصورة الخلاف بأن غلب السيل على الأرض فبقيت تحت الماء، أو غصب دارا فانهدمت بآفة سماوية، أو جاء سيل فذهب بالبناء لم يضمن عند أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافا لهم، أما لو هدم الحيطان، أو غرقها، أو كشط ترابها وألقى الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه فيضمنه بلا خلاف.
وفي المغرب: العقار: الضيعة. وقيل: كل مال له أصل كالدار والأرض.
لهم قوله ﵊: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يوم القيامة من سَبْعِ أَرَضِينَ» (^١) فقد أطلق لفظ الغصب على الأرض.
وكذا إطلاق قوله ﷺ: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» (^٢) إذ لا تفسد فيه بالمفعول، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين ملكه مثل أن يسكن الدار، ويمنع مالكها من دخولها، فصار كما لو أخذ الدابة أو المتاع، وهذا لأن المعتبر يد متصرفة، وقد تحققت منه إذا سكنها بأهله وأمتعته، أو زرعها لنفسه، وإذا تحققت يده انقطع يد المالك عنها ضرورة؛ لأن اجتماع اليدين على الكمال لا يتصور في محل واحد في حالة واحدة، وإذا ثبتت يده
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٧ رقم ٣١٩٨)، ومسلم (٣/ ١٢٣٠ رقم ١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٢/ ٥٥٧ رقم ١٢٦٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٣ رقم ٥٧٥١)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠)، والحاكم (٢/¬٤٧ رقم ٢٣٠٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٥٧٨ ]
وَمِنْ ضَرُورَتِهِ زَوَالُ يَدِ المَالِكِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ اليَدَيْنِ عَلَى مَحَلٌ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَتَحَقَّقُ الوَصْفَانِ وَهُوَ الغَصْبُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَصَارَ كَالمَنْقُولِ وَجُحُودِ الوَدِيعَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ بِإِزَالَةِ يَدِ المَالِكِ بِفِعْلٍ فِي العَيْنِ، وَهَذَا لَا
عليه وامتنعت يد المالك تحقق إثبات اليد المبطلة وإزالة اليد المحقة.
ولهذا يضمن العقار بالجحود، ولأن إزالة اليد ليست بشرط في الغصب كما لو ركب الدابة وهلكت من غير فعل، فإنه يضمنها بالإجماع، وكما لو وهب دارا لرجل بما فيها من الأمتعة، فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ثم استحقت الدار، فللمستحق أن يضمن الموهوب له بلا خلاف.
والمسألة في الزيادات ولم تزل الأمتعة من يد المالك، فعلم أن إزالة يد المالك ليست بشرط، ولا الشهود بدار الإنسان لو رجعوا بعد القضاء يضمنها قيمتها للمشهود عليه، فلما ضمنوا بالشهادة الكاذبة فبالغصب أولى.
قوله: (ومن ضرورته (^١» أي: إثبات اليد (زوال يد المالك) إلى آخره، لتعليل قول محمد، لا لتعليل قول الشافعي عند تحقق الغصب بإثبات اليد بدون إزالة يد المالك.
قوله: (فيتحقق الوصفان) وهو إزالة يد المالك، وإثبات يد الغاصب. وفي الإيضاح: محمد يعتبر إزالة اليد من الوجه الذي ثبت والمحل كان في يد المالك انتفاعًا وارتفاعًا، وقد زالت تلك اليد بحدوث يد أخرى مثلها؛ لأنه لا يتصور اجتماع اليدين من جنس واحد في محل واحد.
ولنا: أن الغصب لا يتصور في العقار، فلا يجب ضمان الغصب، وهذا لأن الغصب إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة؛ لأن الواجب ضمان جبر معتمد التفويت، وإزالة المحل عن يد المالك إنما تكون بالنقل والتحويل كما في المنقول، وذلك لا يتصور في العقار، وإنما يتصور منع المالك عنه، ومنع المالك يصرف في المالك لا في المحل، فلا يجب ضمان المحل كما لو بعد المالك عن المواشي حتى تلفت مواشيه.
_________________
(١) في الأصل (ضربه)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٧٩ ]
يُتَصَوَّرُ فِي العَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ المَالِكِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِإِخْرَاجِهِ عَنْهَا، وَهُوَ فِعْلٌ فِيهِ لَا فِي العَقَارِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا بَعُدَ المَالِكُ عَنْ المَوَاشِي. وَفِي المَنْقُولِ: النَّقْلُ فِعْلٌ فِيهِ وَهُوَ الغَصْبُ. وَمَسْأَلَةُ الجُحُودِ مَمْنُوعَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالضَّمَانُ
قوله: (لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه) ولهذا لو دخل دار غيره بغير إذنه فسقط منها حائط لم يضمن بالاتفاق.
وفي المبسوط: إزالة اليد علة موجبة للضمان بدون إثبات اليد، حتى لو ضرب على يد آخر وفي يده درة فوقعت في البحر، أو في يده طير فطار الطير بضربه يجب الضمان، وقد عدم إثبات اليد ولو تجرد للإثبات عن الإزالة لم يصلح سببا للضمان، كما لو وضع يده على مال الغير فعلم أن إثبات اليد إذا تضمن إزالة يد المالك يصير سببا للضمان، فكان المعتبر في الضمان إزالة اليد؛ لأن الضمان دار معه وجودا وعدما.
ومسألة الجحود الوديعة في العقار ممنوعة لا يوجب الضمان في الأصح عندهما ذكره في المبسوط.
(ولئن سلم فالضمان) إلى آخره، وفي المبسوط: إنما يضمن بالمنع بعد الطلب لا بالجحود، وبالجحود يحصل المنع بعد الطلب، وعلى هذا إذا باع دارا لرجل، وأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عندهما، وعند محمد يضمن قيمتها.
قال فخر الإسلام في الجامع الصغير: ومعنى المسألة إذا باعها ثم اعترف بالغصب وكذبه المشتري.
وقال شمس الأئمة في المبسوط: فإن كان غاصب الدار باعها وسلمها، ثم أقر بذلك ولا بينة لرب الدار، فإقراره باطل في حق المشتري؛ لأن المشتري صار مالكا بالشراء من حيث الظاهر فلا يقبل قول البائع بعد ذلك في إبطاله، ثم لا ضمان على الغاصب للمالك في قولهما؛ لأنه مقر على نفسه بالغصب، فإن البيع والتسليم غصب، والغصب الموجب للضمان عندهما لا يتحقق في العقار (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ٧٦).
[ ٧ / ٥٨٠ ]
هُنَاكَ بِتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ وَبِالجُحُودِ تَارِكٌ لِذَلِكَ. قَالَ:
وَذكر محمد في الرجوع عن الشهادات: إذا شهدوا بدار لإنسان، ثم رجعوا بعد القضاء ضمنوا قيمتها للمشهود عليه.
فقيل: ذلك قول محمد، لا تسليطهم الغير على الدار بالشهادة كتسليط الغاصب الغير على الدار بالبيع والتسليم إليه.
وقيل: بل قولهم جميعًا، والفرق بين الفصلين لما أن الضمان الواجب بالشهادة ضمان إتلاف الملك على المشهود عليه، وذلك حصل بشهادتهم، حتى لو أقام بينة على الملك لنفسه لا تقبل بينته، وهاهنا إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم، بل بعجز المالك عن إثبات ملكه بالبينة.
ألا ترى أنه لو أقام بينة على أنها ملكه قضى له بها؟ فلهذا لا يكون الغاصب ضامنًا، ويدخل عليه جحود الوديعة، فإن العقار يضمن بالجحود، وليس فيه إتلاف الملك حتى لو أقام المالك بينة قضي له بها.
والأصح أن نفوذ جحود الوديعة بمنزلة الغصب، فلا يوجب الضمان في العقار عندهما.
وأما الجواب عما تمسكوا أنه ﵊ قال «طَوَّقَهُ اللَّهُ» الحديث (^١)، ولم يذكر الضمان، علم أن جزاء ذلك الفعل الوعيد لا الضمان، إذ المذكور جميع جزائه، فلو كان الواجب عليه الضمان لَبَيَّنَهُ، إذ الحاجة إليه أمس، فمن زاد عليه كان نسخا، وذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظة الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب الموجب للضمان، كما أنه ﷺ أطلق لفظ البيع على الحر بقوله: «مَنْ باعَ حُرَّا» (^٢).
ولا [يدل] (^٣) ذلك على البيع الموجب لحكم، مع أنه في الصحيحين جاء بلفظ أخذ فقال: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فإنهُ يُطَوِّقُهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٧ رقم ٣١٩٨)، ومسلم (٣/ ١٢٣٠ رقم ١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٨٢ رقم ٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٨١ ]
(وَمَا نَقَصَه مِنْهُ بِفِعْلِهِ، أَوْ سُكْنَاهُ، ضَمِنَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ، وَالعَقَارُ يُضْمَنُ بِهِ كَمَا إِذَا نَقَلَ تُرَابَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي العَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيمَا قَالَهُ إِذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ بِسُكْنَاهُ وَعَمَلِهِ، فَلَوْ غَصَبَ دَارًا وَبَاعَهَا وَسَلَّمَهَا وَأَقَرَّ بِذَلِكَ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُ غَصْبَ البَائِعِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الدَّارِ، فَهُوَ عَلَى الاخْتِلَافِ فِي الغَصْبِ
سَبْعِ أَرَضِينَ» فعلم أن المراد من الغصب الأخذ ظلمًا، لا غصبا موجبًا للضمان.
وأما قوله: (عَلَى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ) مجاز لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار؛ لأن حدَّ الأخذ أن يصير المأخوذ تبعًا ليده؛ لأنه مفعول فيه، فكان هو منصرفًا إلى المنقول ضرورة ليعمل بالأخذ على حقيقته.
وأما الزيادات فقيل: ذلك الجواب غير مستقيم على أصل محمد؛ لأنه وافقنا على أنه يضمنه بدون النقل، بل الجواب فيه أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة يد المالك، فانتقلت بصفتها، والضمان في مسألة الراكب الضمان باعتبار الإتلاف لا الغصب، ولهذا لو ركب حُمُرًا (^١) فتلف تحته ضمن وأما مسألة الشهادة فقد مرت فيما نقلنا من المبسوط، إليه أشار في المبسوط، والأسرار.
قوله: (يضمن به) أي: بالإتلاف فجاز ألا يضمن بالغصب ويضمن بالإتلاف كالحر.
قوله: (ويدخل فيما قاله) أي: التداوي بقوله: (وما نقصه منه بفعله وسكناه).
(انهدام الدار بسكناه) بأن كان عمل الحدادة والقصارة، حتى لو انهدم بغير سكناه وفعله بآفة سماوية لا يضمنه عندهما.
قوله: (فهو على الاختلاف في الغصب) أي: لا يضمنه البائع بالبيع والتسليم عندهما، خلافًا له في الصحيح كما ذكرنا في مسألة الجحود.
وقيد بقوله: (ولا بينة لصاحب الدار) إذ لو كان له بينة لا يضمن البائع بالاتفاق؛ لتمكنه من أخذ الدار بالبينة من المشتري.
_________________
(١) هكذا في نسخة المخطوط والصواب (حمارًا).
[ ٧ / ٥٨٢ ]
هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَإِذَا انْتَقَصَ الأرضَ بِالزِّرَاعَةِ، يَغْرَمُ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ البَعْضَ، فَيَأْخُذُ رَأسَ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ. قَالَ: (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ) (*) وَسَنَذْكُرُ الوَجْهَ مِنْ الجَانِبَيْنِ.
قَالَ: (وَإِذَا هَلَكَ النَّقْلِيُّ فِي يَدِ الغَاصِبِ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ضَمِنَهُ)
قوله: (وإن انتقص بالزراعة يغرم النقصان) ولا يعلم فيه خلاف؛ لأنه البعض، والعقار يضمن بالإتلاف بلا خلاف.
وفي التتمة: اختلفوا في تأويل نقصان الأرض.
قال نصير بن يحيى ينظر، بكم تستأجر قبل استعمالها؟ وبكم تستأجر بعده؟ فتفاوت ما بينهما نقصانها.
وقال محمد بن سلمة: ينظر، بكم تُشترى قبل استعمالها؟ وبكم تُشترى بعده؟ فتفاوت ما بينهما نقصانها.
قيل: رجع محمد بن سلمة إلى قول نصير.
قال السغدي: إن كان عرف أهل تلك القرية أنهم يزرعون أرض الغير بغير إذنه على وجه المزارعة من غير إذن وعقد، لِرَبِّ الأرض أن يطالبه بحصة الأرض.
وذكر أبو الليث في هذه الصورة: الزرع للزراع وعليه نقصان الأرض.
قوله: (يأخذ رأس ماله)، وهو البذر وما أنفق وما غرم أي: قدر ما غرم من نقصان الأرض، (ويتصدق بالفضل).
صورته مثلًا أخرجت أربعة أكرار ونقصها الزراعة وبذره كر ولحقته مؤنة كُرّ وقدر قيمة النقصان كرّ يفضل الخارج عن رأس ماله كُر فيتصدق به لأنه ربح ما لم يملك وعند أبي يوسف لم يتصدق لأن المنهي عنه ربح ما لم يضمن وهو قد ضمن.
_________________
(١) (*) الراحج: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ٥٨٣ ]
وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ المُخْتَصَرِ: وَإِذَا هَلَكَ الغَصْبُ، وَالمَنْقُولُ هُوَ المُرَادُ، لِمَا سَبَقَ: أَنَّ الغَصْبَ فِيمَا يُنْقَلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ العَيْنَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالغَصْبِ السَّابِقِ إِذْ هُوَ السَّبَبُ. وَعِنْدَ العَجْزِ عَنْ رَدِّهِ: يَجِبُ القِيمَةُ، أَوْ يَتَقَرَّرُ بِذَلِكَ السَّبَبُ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الغَصْبِ. (وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ، ضَمِنَ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالغَصْبِ، فَمَا تَعَدَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ، بِخِلَافِ تَرَاجُعِ السِّعْرِ إِذَا رَدَّ فِي مَكَانَ الغَصْبِ؛
قوله: (وفي أكثر نسخ المختصر) أي: نسخ القدوري، وقوله: (عند العجز عن رده) يجب على هذا قول من قال: إن الموجب الأصلي في الغصب رد العين.
وقوله: (أو تتقرر القيمة بذلك) أي بالعجز على قول من يقول: الموجب الأصلي هو القيمة، وإنما ردد بينهما لاختلاف المشايخ في أن الرد هو الأصل أو القيمة، ولهذا يعتبر قيمته يوم الغصب فعلم أن الموجب الأصلي هو القيمة، وقد بينا اختلاف الأئمة الثلاثة في اعتبار القيمة.
قوله: (ضمن النقصان) سواء كان النقصان في يديه بأن كانت جارية فاعورت، أو شابة صارت عند الغاصب عجوزة، أو ناهدة الثديين فانكسر ثديها، أو لم تكن في يديه بأن كان عبدًا محترفًا فنسي ذلك عند الغاصب، أو قارئًا فنسي القرآن، ففي هذا كله يضمن النقصان، ولا يعلم فيه خلاف.
هذا إذا كان النقصان يسيرًا، أما إذا كان كثيرًا يتخير المالك بين الأخذ وتضمين النقصان، والترك تضمين جميع قيمته، كذا في المبسوط.
وعند الأئمة الثلاثة للمالك أخذ العين مع قيمة النقصان، سواء كان فاحشا أو يسيرا.
قوله: (بخلاف تراجع السعر) أي: لا يضمن الغاصب ما نقص من قيمته بتراجع السعر، ولا خلاف فيه للفقهاء، وأكثر العلماء؛ لأن الذات لم يتغير عما كان عليه، وتغير السعر يرجع إلى رغبات الناس دون فوت الجزء.
وقيد بقوله: (إذا رد في مكان الغصب) لا تراجع السعر إذا كان بسبب
[ ٧ / ٥٨٤ ]
لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ فُتُورِ الرَّغَبَاتِ دُونَ فَوْتِ الجُزْءِ، وَبِخِلَافِ المَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ. أَمَّا الغَصْبُ فَقَبْضُ، وَالأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالفِعْلِ لَا بِالعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ ﵁: وَمُرَادُهُ غَيْرُ الرِّبَوِيِّ، أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّات لَا يُمْكِنُهُ تَضْمِينُ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ
اختلاف المكان، فالمالك بالخيار إن شاء أخذ القيمة في مكان الغصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه إذا أخذ العين فقد وصل إليه عين ملكه مع ضرر يلحقه من نقل الغاصب، إذ القيمة تختلف باختلاف الأماكن، وهذا الفوات يحصل من قبيل الغاصب، وهو نقله إلى هذا المكان، فكان له أن لا يلتزم الضرر، ويطالبه بقيمة مكان الغصب أو ينتظر، كذا في الإيضاح.
وقوله: (وبخلاف المبيع) معطوف على (بخلاف تراجع السعر)، يعني المبيعة إذا اعْوَرَّتْ في يد البائع لا يجب شيء في مقابلته حتى لا يسقط شيء من الثمن بمقابلته، بل يتخير المشتري بين أن يأخذها بكل الثمن، وبين أن يتركها؛ لأنه ضمان وصفح؛ لما ذكرنا أن العقد يرد على الأعيان لا على الأوصاف.
أما ضمان الغصب فمتعلق بالفعل وهو القبض بغير حق، والفعل هل الذات بجميع أجزائها وأوصافها، فكانت مضمونة، وهو معنى قوله: (على ما عرف).
(ومراده) أي: مراد القدوري من قوله: (ضمن النقصان) في غير مال الربوي، أما في الربوي يجوز أن يغصب حنطة فعفنت عنده، أو إناء فضة فتهشم في يده، أو انكسر الدراهم أو الدنانير فصاحبه بالخيار، إن شاء أخذه ولا شيء له غيره، وإن شاء تركه وضمنه مثله تفاديًا عن الربا، كذا في الإيضاح.
وفي المبسوط: استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا عنده، وقال الشافعي: يضمن قيمته - لأصحابه فيه وجهان: أصحهما: أنه يضمنه بحبسه، فتكون الزيادة بمقابلة الصنعة، وبه قال القاضي الحنبلي؛ لأن الربا يجري في العقود لا في الغرامات.
وفي وجه: يضمن نقصه بغير جنسه وبه قال أحمد؛ لأنه يستند إلى السبب الموجود في يد الغاصب -.
ولنا: أن للجودة والصنعة في الأموال الربوية لا قيمة، فلو أوجبنا مثل
[ ٧ / ٥٨٥ ]
الأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ، فَنَقَصَتْهُ الغَلَّةُ، فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا
قيمتها من جنسها يلزم الربا، فلمراعاة حقه والتحرز عن الربا (^١)، قلنا: يضمن القيمة من الذهب مصوعًا، ولو وجده صاحبه مكسورًا لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح خلالهما لما ذكرنا.
قوله: (لأنه يؤدي إلى الربا) أي: تضمين النقصان مع استرداد الأصل يؤدي إلى الربا؛ لأنه اعتياض عن الصنعة بانفرادها، ولا قيمة لها في الأموال الربوية، فكان له الخيار بين الأخذ مع النقصان وبين تركه وتضمين قيمته.
فإن قيل: الجودة ساقطة الاعتبار عند المقابلة بالجنس؛ ليتحقق إيجاب المماثلة، أما عند المقابلة بخلاف الجنس معتبرة حتى جاز بيع الحنطة الجيدة بالشعير كيفما كان، وكان للمالك تضمين الجودة بخلاف الجنس في الغصب دفعًا للضرر عنه، وليس في استرداد العين المتعينة مقابلة الجنس بالجنس، فلا يلزم الربا.
قلنا: مقابلة الجنس بالجنس موجودة فيما يجب فيه؛ لأنه إذا تغير صار شيئًا آخر؛ كالعصير إذا تخمّر فصار شيئًا آخر، وصار كأن المغصوب هلك، ولو هلك حقيقة وأخذ المالك مثل المتعينة ودرهما للنقصان كان ربا؛ فهذا منه، كذا أفاده شيخي العلامة ﵀.
قوله: (فاستغله) أي: أجره وأخذ الأجرة (فنقصته الغلة) أي: العمل في الإجارة جعله مهزولا، وهذه المسألة بهذا الوضع من مسائل الجامع الصغير.
وفي المبسوط: لم يذكر نقص الغلة.
قوله: (لما بينا) وهو أنه في ضمانه بجميع أجزائه، والغلة للغاصب.
وقال أحمد، والشافعي: الغلة للمالك؛ لأن الأجر عوض للمنافع المملوكة لرب العبد، فلم يملكها الغاصب كعوض الأجزاء.
وقلنا: وجوب الأجر بالعقد؛؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد، والعاقد هو
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ٨٨).
[ ٧ / ٥٨٦ ]
(وَيَتَصَدَّقُ بِالغَلَّةِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا.
وَعِنْدَهُ: لَا يَتَصَدَّقُ بِالغَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا أَجْرَ المُسْتَعِيرُ المُسْتَعَارَ. لأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا المِلْكُ؛ لِأَنَّ المَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا عِنْدَنَا. وَلَهُمَا: أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الغَيْرِ، وَمَا هَذَا حَالُهُ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ، إِذْ الْفَرْعُ يَحْصُلُ عَلَى وَصْفِ الأَصْلِ وَالمِلْكُ المُسْتَنِدُ نَاقِصٌ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ الخَبَثُ.
(فَلَوْ هَلَكَ العَبْدُ فِي يَدِ الغَاصِبِ حَتَّى ضَمِنَهُ، لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الضَّمَانِ)؛ لِأَنَّ الخَبَثَ لِأَجَلِ المَالِكِ، وَلِهَذَا لَوْ أُدِّيَ إِلَيْهِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ، فَيَزُولُ الخَبَثُ بِالأَدَاءِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِ المُشْتَرِي، ثُمَّ اسْتُحِقَّ وَغَرِمَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الخَبَثَ مَا كَانَ لِحَقِّ المُشْتَرِي.
الغاصب، فهو الذي جعل منافعه بالعقد [مالًا، فكان هو أولى] (^١)، لكن يتصدق بالغلة؛ لأنها حصلت بكسب خبيث.
(وهذا) أي: التصدق بالغلة عند أبي حنيفة، ومحمد، خلافًا لأبي يوسف هو يقول: هذا ربح حصل في ضمانه وملكه؛ فطب به ككسب المبيع بعد القبض.
وقلنا: إنه مستفاد بسبب خبيث، وهو التصرف في مال الغير، والحكم يثبت مضافًا إلى سببه، فلا بد من ثبوت الخبث فيما يحكم ذلك السبب، وسبيل مثلها التصدق.
نعم الملك يثبت فيها بالاستناد لكن الاستناد ثابت من وجه دون وجه، ولهذا يظهر في القائم لا في الفائت، فلا يزول به الخبث، وهذا معنى قوله في الكتاب: والملك المستند ناقص، وهذا جواب عن قول أبي يوسف: يملك مستندًا عندنا، وأصل هذا حديث الشاة المَصْلِيّة، وهو معروف.
قوله: (بخلاف ما إذا باعه) أي: الغاصب العبد المغصوب بعد الاستغلال.
قوله: (لأن الخبث ما كان لحق المشتري) يزول بالوصول إلى يده.
_________________
(١) في الأصل: (وإلا فكان هو إلى بها)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٨٧ ]
إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَيهِ، وَلَهُ أَنْ يَصرِفَهُ إِلَى حَاجَةِ نَفسِهِ، فَلَو أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثلِهِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَقتَ الاِستِعمَالِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيءَ عَلَيهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قوله: (إلا إذا كان) أي: الغاصب (لا يجد غيره) أي: غير الأجر مالا، فلا بأس أن يؤدي من الغلة؛ لأنه محتاج إليه في تفريغ ذمته وتخليص نفسه، فله أن يصرفه إلى حاجة نفسه مقدمة على حق الفقراء.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى أنه ملكه ملكا خبيثا، وسبيله التصدق، وقد تصدق.
في الذخيرة: هذا إذا أجر الغاصب، أما إذا أجر العبد نفسه، وسلم من العمل صحت الإجارة، فإن أخذ العبد الأجرة [يأخذ] (^١) المالك مع العبد بلا خلاف لأحد، ولو أخذ الغاصب الأجر من العبد وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة.
وقالا يجب عليه الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه أتلف مال الغير من غير تأويل، فيجب عليه ضمانه، ولا شك أن الأجر الذي أخذه العبد مال المولى؛ لأنه كسب عبده.
ولأبي حنيفة: نعم الكسب مال المالك، لكنه لا عصمة له في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه نصاب السرقة بعد القطع، وذلك لأن العصمة تثبت بيد حافظه بنفسه أو بيد نائبه، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس بيد ثابتة، ولا يقال الآخر في يد العبد، فكان في يد المولى؛ لأن العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب فلم يكن العبد محرزا حافظا نفسه عن الغاصب فلا يكون محرزا حافظا ما في يده أيضا.
وكذا قلنا في كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق، فكذا هنا أو نقول: للآخر منفعة العبد فلو استهلك الغاصب منفعته لم يضمن، وكذا إذا استهلك بدله.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٨٨ ]
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَلْفًا، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةٌ، فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالأَلْفَيْنِ جَارِيَةٌ، فَبَاعَهَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الرِّبْحِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الغَاصِبَ أَوْ المُودَعَ إِذَا تَصَرَّفَ فِي المَغْضُوبِ أَوْ الوَدِيعَةِ وَرَبِحَ: لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ وَجَوَابُهُمَا فِي الوَدِيعَةِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ المِلْكُ إِلَى مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالإِشَارَةِ، أَمَّا فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالثَّمَنَيْنِ فَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: اشْتَرَى بِهَا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنهَا الثَّمَنَ. أَمَّا إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ نَقَدَ مِنهَا وَأَشَارَ إِلَى غَيْرِهَا، أَوْ أَطْلَقَ إِطْلَاقًا وَنَقَدَ مِنهَا: يَطِيبُ لَهُ، وَهَكَذَا قَالَ الكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّ الإِشَارَةَ إِذَا كَانَتْ لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ
قوله: (وهذا) أي: التصدق بجميع الربح للمالك والمشتري ملكه، ولو دفع المال في آخر مضاربة، فالحكم في الربح على ما ذكرنا من الخلاف، وليس على المالك من أجر العامل شيء عند أحمد؛ لأنه لم يأذن له العمل في ماله ولا على الغاصب إن كان المضارب عالمًا بالغصب، وإن لم يعلم لزم أجر عمله على الغاصب كالعقد.
(وقد مرت الدلائل) أي: في مثله ومن غصب عبدًا فاستغله.
(ثم هذا) أي: عدم طيب الربح ظاهر فيما يتعين كالعروض ونحوها؛ لأن العقد يتعلق بها، حتى لو هلك قبل القبض يبطل البيع، فتستند الرقبة واليد في البيع بملك خبيث فيتصدق به.
(أما فيما لا يتعين كالثمنين) أي: الدراهم والدنانير.
(فقوله في الكتاب) أي: الجامع الصغير (اشترى بها) يشير إلى أنه أشار إليها، ونقد منها، إذ ظاهر هذه العبارة يدل على أنه أراد به إذا أشار إليها ونقد منها.
قوله: (لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين) فيستوي وجودها وعدمها، إلا أن تتأكد بالنقد منها، ولأنه لما أشار إليها صار مقصوده عينها، غير أنه يتخير
[ ٧ / ٥٨٩ ]
لَا بُدَّ أَنْ يَتَأَكَّدَ بِالنَّقْدِ لِيَتَحَقَّقَ الخَبَثُ. وَقَالَ مَشَايِخُنَا: لَا يَطِيبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ، وَكَذَا بَعْدَ الضَّمَانِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ المُخْتَارُ لِإِطْلَاقِ الجَوَابِ فِي الجَامِعَيْنِ والمضاربة.
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى بِالْأَلْفِ جَارِيَةٌ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَوَهَبَهَا أَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ: لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ)، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عِنْدَ اتِّحَادِ الجِنْسِ.
بين إيفاء عينها أو مثلها، فحين أوفاها فقد تم حكم الغرض منها، والمسألة بحالها يتصدق بالربح، كذا هذا، كذا ذكره المحبوبي.
قال مشايخنا: (لا يطيب) أي: الربح قبل أداء الضمان وبعده.
وقوله: (بكل حال) يتعلق بالصورتين لدفع العدوان (وهو المختار لإطلاق الجواب في الجامعين) أي الجامع الصغير، والجامع الكبير.
(والمضاربة) من المبسوط حيث قال: يتصدق بجميع الربح مطلقا.
وحاصله: أنه متى استفاد بالحرام ملكًا من طريق الحقيقة أي: فيما يتعين، أو الشبهة أي: فيما لا يتعين يثبت الخبث وقط (^١) لا تثبت الشبهة إلا استفاد شيئًا؛ لأنه إذا أشار لم يتعين إلا في حكم جواز العقد بمعرفة النقد والقدر، وإذا نقد استفاد به سلامة المشترى، فأما أن يصير عينهما عوضًا فلا، فثبت أنه لا يثبت إلا بالشبهة، وإذا أشار ولم ينقد فقد استفاد جواز العقد، وإذا نقد ولم يُشِرْ فقد استفاد بها سلامة المشترى، فتمكنت الشبهة بكل حال فقد استوت الوجوه في الشبهة، فاستوت في الحرمة والخبث.
وفي الذخيرة: قال مشايخنا: الفتوى اليوم على قول الكرخي: لكثرة الحرام دفعًا للحرج عن الناس، وعلى هذا قرر أي: الصدر الشهيد وشمس الأئمة السرخسي.
قوله: (ولو اشترى بالألف) أي: الألف المغصوبة أو الحرام (جارية).
وفي جامع أبي اليسر: هل يباح له الوطء أو الأكل؟ الصحيح أنه لا يباح؛
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية: (وقط)، ولعل الصواب: (وقد).
[ ٧ / ٥٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن في السبب نوع خبث، ولهذا المعنى غاصب فيه قليل يقوى، يشتري شيئًا نسيئة ويصرفه إلى حوائجه لم يقض الثمن.
وفي جامع المحبوبي، ونوادر ابن سماعة: غصب ثوبًا أو كُرًّا فاشترى طعامًا لا يسعه أن يأكل حتى يؤدي قيمة الثوب أو مثل الكُرّ. ولو غصب دراهم فاشترى بها طعامًا وَسِعَه أكلُه؛ لأن الثوب إذا استحق [ينتقض البيع] (^١) بخلاف ما إذا استحقت الدراهم، ولو اشترى بالثوب والكر المغصوبين جارية لا يحل وطؤها.
أما لو تزوج (^٢) بالثوب، أو بالكُرّ امرأة حل وطؤها؛ لأن باستحقاق المهر لا ينتقض النكاح؛ لأن الربح إنما يتبين عند اتحاد الجنس؛ لأن الربح فَضْلٌ وهو إنما يكون بعد المساواة، والمساواة إنما تتحقق عند اتحاد الجنس، ولا مجانسة هاهنا، فلا يثبت التساوي، فلا يثبت الفضل، ولأن الخبث يعمل في التصدق لا في التضمين، إذ الإنسان لا يضمن بالإتلاف ملك نفسه ولا يمكن التصدق هنا إلا بواسطة التضمين، فسقط أصلا بخلاف المضارب إذا اشترى بألف المضاربة عبدًا يساوي ألفين فأعتقه المضارب حيث جاز عتقه في ريعه، فقد أظهر الربح في الألف الزائد على الألف التي هي رأس المال، مع أن العبد غير الألف الذي أعطاه رب المال.
والمسألة في المبسوط: لما أن في المضاربة لما انقلب رأس المال عبدًا يتصرف المضارب، وفي العبد زيادة قيمة بضعف رأس المال، ظهر الربح لبقاء العبد، وظهور المجانسة بين رأس المال والربح؛ لأن نصف العبد بمقابلة رأس المال، والنصف الآخر بمقابلة الربح.
وفي مسألتنا ظهر الربح بزيادة القيمة عن الجارية على الألف المغصوبة، ولكن أزالها عن ملكه بغير عوض مالي، فلم يعمل ظهور الربح، فلا يجب التصدق بمقابلة الربح.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (تزوجها)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٩١ ]