كِتَابُ الْكَفَالَةِ
أورد الكفالة عقيب البيوع؛ لما أن الكفالة تحتاج في البياعات غالبًا؛ لعدم اعتماد أحد المتبايعين على الآخر، فيكون كأثره، فيعقبه، أو لأنها إذا كانت بالأمر فهي معاوضة انتهاء، ولها بالصرف مناسبة خاصة من حيث إن لكل واحد معاملة فيما يجب في الذمة، وهو الدراهم والدنانير.
ثم من محاسن الكفالة إظهار الشفقة ومراعاة الأخوة وتسهيل الأمر على الطالب والمطلوب، وقد من الله تعالى على مريم بقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقد ذكر الله تعالى نبيًّا باسم ذي الكفل إظهارا لمنته عليه.
وقيل: إنه كفل عددًا من الأنبياء عن ملك قصد قتلهم.
ثم الكفالة لغةً وشرعًا مذكور في الكتاب.
وفي المغرب (^١): تركيبه دال على الضم والتضمين، حتى يقال: ضمين وكفيل، ومنه: كفل، وهو كساء يُدار حول سنام البعير كالحوية ثم يركب، ومنه كفل الشيطان؛ أي: مركبه.
وركنها الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة (^٢) ومحمد والشافعي (^٣)، وقال أبو يوسف (^٤) آخرًا والشافعي في قول (^٥) ومالك (^٦) وأحمد (^٧): الكفالة تتم بالكفيل وحده، وجد القبول أو لا.
اختلف المشايخ على قوله، قيل: يصح من الكفيل موقوفا على إجازة الطالب، وقيل: يصح نافذا وللطالب حق الرد.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤١٣).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٦/¬٢).
(٣) انظر: نهاية المحتاج (٤/ ٤٣٢).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (٦/¬٢).
(٥) انظر: نهاية المحتاج (٤/ ٤٥٦).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات (٢/ ٣٧٣).
(٧) انظر: المبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٤٥).
[ ٦ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا مات الطالب قبل القبول لا يؤاخذ به الكفيل عند من قال بالتوقف.
وشرطها أن يكون الدين صحيحًا في الذمة عندنا، وأن يكون الكفيل من أهل التبرع حتى لا يصح ضمان العبد المحجور عند عامة العلماء.
وأما ألفاظها مذكور في المتن.
وأما حكمها توجه المطالبة بما التزم وحكمها ثبوت المطالبة ممن شاء من الأصيل والكفيل عند عامة الفقهاء، وعن مالك في رواية (^١) أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر عليه المطالبة من المضمون عنه، وعن أبي ثور (^٢) مثله، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأبو ثور: ينقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يطالب الأصيل كما في الحوالة (^٣).
ونقل صاحب المنظومة عن مالك: يسقط الدين عن ذمة الأصيل، وهذا خلاف ما ذكر في مشاهير كتبه، واحتج ابن أبي ليلى ومن تبعه بما روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ حضر جنازة وقال: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ»؟ قالوا: نعم، درهمان، فقال ﵇: «صَلُّوا على صَاحِبِكُم»، فقال علي ﵁: أنا لهما ضامن، فقام ﵇ وصلى عليه.
ثم أقبل على عليٍّ وقال: «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، وَفَكَ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ»، فقيل يا رسول الله: لعليٍّ خاصةً هذا أم للناس كافة؟ فقال: «لِلنَّاس كَافَّةً» (^٤)، فدل أن المضمون عنه بريء من الضمان.
وللعامة قوله ﵇: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعلّقةٌ بِدَينِهِ حتّى يُقضَى عَنْهُ» (^٥)، وقوله
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٥/ ٧٩٥).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٨).
(٣) انظر: المحلى بالآثار لابن حزم (٦/ ٤٠٠).
(٤) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٦٦ رقم ٢٩٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٣ رقم ١١٧٣١). قال البيهقي: الحديث يدور على عبيد الله الوصافي وهو ضعيف جدًا، وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧١١)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١١٨).
(٥) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٨٠ رقم ١٠٧٨)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٦ رقم ٢٤١٣)، وابن حبان (٧/ ٣٣١ رقم ٣٠٦١)، وأحمد (٢/ ٥٠٨ رقم ١٠٦٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
[ ٦ / ٢٥٨ ]
الكَفَالَةُ: هِيَ الضَّمُّ لُغَة، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] ثُمَّ قِيلَ: هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إِلَى الذُّمَّةِ فِي المُطَالَبَةِ، وَقِيلَ: فِي الدِّينِ،
في خبر أبي قتادة: «الآنَ بَرَدَتْ جَلْدَتُهُ» (^١) وصلاة النبي ﷺ على المضمون عنه؛ فلأنه بالضمان صار له وفاءً، إنما امتنع من الصلاة على مديون لم يخلف وفاء، وأما قوله ﵇: «فك الله رهانك …» الحديث، فإنه كان بحال لا يصلى عليه، فلما ضمنه علي فكه عن ذلك.
ثم الكفالة مشروعة بالكتاب، فقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢]، قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل، وبالسنة، قال ﵇: «الزعيم غارم»، رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن (^٢)، وبالإجماع (^٣) فإن الأمة اجتمعت على جواز الضمان، وإنما اختلفوا في فروع تذكر.
قوله: (وقيل في الدين) فيثبت الدين في ذمة الكفيل، ولا يسقط عن المضمون، وبه قال الشافعي (^٤) ومالك (^٥) وأحمد (^٦) في رواية.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠) رقم (١٤٥٧٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠/ ٣٣٤ رقم ٤١٤٥)، والحاكم (٢/ ٥٨ رقم ٢٣٤٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. أما حديث أبي قتادة فقد أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) برقم (٢٢٨٩) من حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ «: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟»، قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: «هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنُ؟، قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦) رقم (٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي وصححه ابن حبان فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
(٣) انظر: اختلاف الأئمة العلماء لأبي المظفر (١/ ٤٣٩).
(٤) انظر: بحر المذهب للروياني (٥/ ٤٦٦).
(٥) انظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (١/ ١٢٣٠)، والتهذيب في اختصار المدونة (٤/¬١٣).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٨).
[ ٦ / ٢٥٩ ]
وَالأَوَّلُ أَصَحٌ. قَالَ: (الكَفَالَةُ ضَربَانِ: كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَكَفَالَةٌ بِالمَالِ. فَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ، وَالمَضمُونُ بِهَا إِحضَارُ المَكفُولِ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ
وفي المبسوط (^١): ذكر هذين القولين من غير ترجيح فقال: الكفالة ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل على وجه التوثق، وفيه طريقان:
أحدهما: الضم في المطالبة دون أصل الدين، إذ تنفصل المطالبة عن أصل الدين، فإن الوكيل بالشراء يطالب بالثمن، مع أن الثمن على الموكل.
والثاني: الضم في أصل الدين، فإن الكفالة إقراض للذمة، والتزام المطالبة يبتنى على التزام أصل الدين، وليس من ضرورة ثبوت المال في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل ما يوجب زيادة حق المطالب؛ لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل فالاستيفاء لا يكون إلا من أحدهما، كالغاصب مع غاصب الغاصب فإن كل واحد ضامن للقيمة، ولا يكون حق المالك إلا في قيمة واحدة؛ لأنه لا يستوفي إلا من أحدهما، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة الآخر فكذا هنا؛ ولهذا لو وهب الدين للكفيل صح، ويرجع على الأصيل، مع أن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تصح (^٢).
ولو اشترى من الكفيل بالدين شيئًا يصح، مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح.
(والأول أصح) لأن جعل الدين الواحد في حكم الدينين قلب الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة؛ لأن التوثق يحصل بالمطالبة، كالوكيل بالشراء فتتعدد المطالبة بدون الثمن.
وأما الجواب عن مسألة الهبة والشراء: فإنا جعلناه في حكم الدينين تصحيحا لتصرف صاحب الحق؛ ضرورة تصحيحه، وقبله لا ضرورة.
قوله: (وقال الشافعي (^٣): لا يجوز).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٠، ١٦١).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٦/ ٢٤٧)، ونهاية المطلب (١٩/ ١١٩).
[ ٦ / ٢٦٠ ]
لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسلِيمِهِ، إِذْ لَا قُدرَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِ المَكْفُولِ بِهِ، بِخِلَافِ الكَفَالَةِ بِالمَالِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَة عَلَى مَالِ نَفْسِهِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَهَذَا يُفِيدُ مَشرُوعِيَّةَ الكَفَالَةِ بِنَوعَيهِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِطَرِيقِهِ، بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ مَكَانَهُ، فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ يَستَعِينَ بِأَعْوَانِ القَاضِي فِي ذَلِكَ، وَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحَقُّقُ مَعنَى الكَفَالَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فِي المُطَالَبَةِ فِيهِ.
وفي الحلية: الكفالة بالنفس صحيحة على المنصوص، وهو قول عامة الفقهاء، فبعض أصحابنا قال: فيه قولان وأصحهما الصحة، وبعضهم قال: يصح قولا واحدًا، وما قال في الدعوى والبينات: إن الكفالة بالبدن ضعيفة؛ يعني في القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر.
قوله: (لأنه) أي: الكفيل (كفل بما لا يقدر على تسليمه) فكان كبيع الطير في الهواء؛ وهذا لأن المكفول عنه حر لا ينقاد تسليمه؛ إذ لا ولاية له عليه، خصوصا إذا كفل بغير أمره، وكذا لو كفل بأمره؛ لأن أمره بالكفالة لا يثبت له الولاية عليه، وصار كالكفالة ببدن الشاهدين.
قوله: (بنوعيه) أي: بنوعي الكفالة على تأويل عقد الكفالة.
فإن قيل: قوله ﵇: «الزَّعِيم غَارِم» (^١) يدل على غرم الكفيل، والكفيل بالنفس لا يغرم شيئًا، فكيف يصح الاستدلال به؟
قلنا: الغرم يبتنى على لزوم شيء يضره، وعلى الكفيل بالنفس يلزم الإحضار. كذا في شرح الأقطع.
وقوله: (ولأنه يقدر على تسليمه) إلى آخره جواب عن قياس الشافعي.
قوله: (والحاجة ماسة) أي: مهمة (إليه) أي: إلى عقد الكفالة بالنفس، وهي ضرورة إحياء حقوق العباد؛ لأنه ربما يغيب بنفسه فيتوى حق صاحب
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
[ ٦ / ٢٦١ ]
قَالَ: (وَتَنعَقِدُ إِذَا قَالَ: تَكَفَّلت بِنَفْسِ فُلَان أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ، وَكَذَا بِبَدَنِهِ وَبِوَجْهِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ البَدَنِ إِمَّا حَقِيقَة أَوْ عُرفًا، عَلَى مَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، كَذَا إِذَا قَالَ: بِنِصفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِجُزء مِنهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ الوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ، فَكَانَ ذِكرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكرِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: تَكَفَّلْتُ بِيَدِ فُلَان أَوْ بِرِجْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ البَدَنِ حَتَّى لَا تَصِحُ إِضَافَةُ الطَّلَاقِ إِلَيْهِمَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ تَصِحُ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: ضَمِنته)
الحق، ولأنه ﵇ كفل رجلا في تهمة، وكان بين علي وعمر ﵄ خصومة فكفلت أم كلثوم ﵂ بنفس علي (^١).
ولأن الظاهر أنه بنفاذه خصوصًا إذا كانت الكفالة بأمره، فإنه هو الذي أدخله في هذه الورطة، فعليه إخراجه، وإن كان بغير أمره يمكنه احضاره بأعوان القاضي، ولأن إلزام شيء يصح وإن كان لا يقدر عليه غالبًا، كمن نذر أن يحج عنه ألف حجة يلزمه، وإن كان لا يعيش ألف سنة، فكذا هنا يصح إلزام الإحضار، وإن كان الكفيل ربما يعجز عنه. إليه أشار في المبسوط (^٢).
قوله: (ولا يصح إضافة الطلاق) إلى اليد والرجل خلافًا للشافعي، وقال الشافعي (^٣): يجوز الكفالة بما يعبر به عن البدن وجزء شائع، أو بجزء لا يمكن فصله عنه، كالقلب والكبد، وبه قال أحمد في رواية (^٤)، وقال مالك (^٥): يصح لكل عضو من بدنه، حتى لو قال بوجهه أو بعينه فهو كفالة بالنفس، وبه قال الشافعي في وجه (^٦) وأحمد.
وعندنا لو كفل بعينه - لم يذكره محمد عن أبي بكر البلخي - لا يصح، كما في الطلاق، ولو نوى البدن يصح كذا في المحيط، وفيه:
الألفاظ التي تقع بها الكفالة: صريح وكناية، فالصريح كقوله: كفلت وضمنت وزعيم وقبيل وحميل وإليَّ وعليَّ، أو قال: لك عندي لهذا الرجل، أو قال: علي أن أوفيك به، أو عليَّ أن ألقاك به، أو دعه إليَّ فهو كفالة.
_________________
(١) انظر: المبسوط (٧/¬٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٥).
(٤) انظر: الكافي (٢/ ١٣٤).
(٥) انظر: بداية المجتهد (٤/ ٧٩).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٥).
[ ٦ / ٢٦٢ ]
لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُوجِبِهِ أَوْ قَالَ: هُوَ عَلَيَّ لِأَنَّهُ صِيغَةُ الانْتِزَامِ أَوْ قَالَ: إِلَيَّ لِأَنَّهُ فِي مَعنَى عَلَيَّ فِي هَذَا المَقَامِ. قَالَ ﵊: ﴿وَمَنْ تَرَكَ مَا لا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلَّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ﴾ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ بِهِ) لِأَنَّ الزَّعَامَةَ هِيَ الكَفَالَةُ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ. وَالقَبِيلُ هُوَ الكَفِيلُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّلُّ قَبَالَة، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لِمَعرِفَتِهِ، لِأَنَّهُ التَزَمَ المَعْرِفَةَ دُونَ المُطَالَبَةِ.
قوله: (لأنه تصريح بموجبه) أي: بموجب عقد الكفالة؛ لأنه يصير به ضامنًا للتسليم، والعقد ينعقد بالصريح بموجبه، كالبيع ينعقد بلفظ التمليك.
والكلُّ: اليتيم هنا، والكل: العيال أيضًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَهُ﴾ [النحل: ٧٦] والجمع الكلول، والعيال: من تعوله؛ أي: تقويه وتنفق عليه.
قوله: (أنا زعيم) وفي بعض النسخ: (أنا زعيم به).
(وقد روينا فيه) وفي بعض النسخ: (الحديث) أي: في أن الزعامة الكفالة، الحديث.
قوله: (أنا ضامن لمعرفته)، وفي الذخيرة: لو قال: أنا ضامن [لمعرفته، أو بمعرفته لا يصير كفيلا، وكان بمنزلة ما لو قال: أنا ضامن] (^١) لك على أن أدلك عليه، أوقفك عليه، وذلك لا يكون كفالة. كذا هاهنا.
وفي المنتقى: يكون كفيلا، وعلى هذا معاملة الناس، ولو قال بالفارسية: اشناني فلان تر من است قال الهندواني: يكون كفيلا، وهكذا ذكر شيخ الإسلام، وقال أبو الليث: لا يصير كفيلا، وبه أخذ الصدر الشهيد.
وفي فتاوى قاضي خان ما قاله الهندواني أقرب إلى عُرف الناس، ثم قال: ولو قال: (اشناني منشت)، أو قال: (اشناشت) قالوا: يكون كفيلا بالنفس، وعامة المشايخ قالوا: لو قال: (اشناني فلان بر منشت)، أو قال: (فلان اسنا ست) يكون كفيلا،، فكأنهم فرقوا بين العربية والفارسية بالعرف.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ فِي الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ تَسْلِيمَ المَكفُولِ بِهِ فِي وَقت بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ إحضَارُهُ إِذَا طَالَبَهُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ) وَفَاء بِمَا التَزَمَهُ، (فَإِنْ أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا حَبَسَهُ الحَاكِمُ) لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إِيفَاءِ حَقٌّ مُستَحِقٌ عَلَيْهِ، وَلَكِن لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ مَا دَرَى لِمَاذَا يَدَّعِي.
وَلَو غَابَ المَكْفُولُ بِنَفْسِهِ أَمهَلَهُ الحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَإِنْ مَضَت وَلَم يُحضِرُهُ يَحْبِسُهُ لِتَحَقَّقِ امْتِنَاعِهِ عَنْ إِيفَاءِ الحَقِّ. قَالَ: (وَكَذَا إِذَا ارتَدَّ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَلَحِقَ بِدَارِ الحَربِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي المُدَّةِ فَيُنظَرُ كَالَّذِي أُعسِرَ،
قوله: (وإلا حبسه الحاكم) هذا إذا لم يظهر عجزه، حتى لو ظهر عجزه فلا معنى للحبس، إلا أنه لا يحال بينه وبين الكفيل، فيلازمه ويطالبه ولا يحول بينه وبين أشغاله، وهكذا المفلس إذا أخرجه القاضي من السجن. كذا في الإيضاح.
قوله: (ولو غاب المكفول بنفسه) أي: المدعى عليه (أمهله).
وفي الذخيرة: هذا إذا علم مكانه، وإن لم يعلم مكانه سقطت المطالبة عن الكفيل للحال؛ لعجزه.
ولو كان الكفيل يعرف مكانه أمهله قدر ذهابه ومجيئه، ويستوثق منه بكفيل، وحبسه بعد مضي تلك المدة إذا لم يخبره ويحضره، ولو وقع الاختلاف فقال الطالب: يعرف مكانه، وقال الكفيل: لا أعرف، فإن كانت له خرجة معروفة يخرج إلى موضع معلوم للتجارة في كل وقت - فالقول للطالب، ويؤمر الكفيل بالذهاب إليه؛ لأن الظاهر شاهد له، وإن لم يكن ذلك معروفًا منه - فالقول للكفيل؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو الجهل، ومنكر للزوم المطالبة.
وقيل: لا يلتفت إلى قول الكفيل، ويحبسه القاضي إلى أن يظهر عجزه؛ لأن المطالبة كانت متوجهة فلا يصدق على دعوى إسقاطها، فإن أقام المطالب بينة أنه في موضع كذا يؤمر الكفيل بالذهاب إليه.
وفي بعض النسخ: وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب، وهذه المسألة ليست في بعض النسخ، إلى قوله: وإذا أحضره وسلمه، ثم معنى قوله: (وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب) يعني: يمهله الحاكم مدة ذهابه إلى دار الحرب ومجيئه، وينبغي أن يبرأ الكفيل كما في الموت؛ لأن التحاق مرتد موت حكمي.
[ ٦ / ٢٦٤ ]
وَلَو سَلَّمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَرِئَ، لِأَنَّ الأَجَلَ حَقَّهُ فَيَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ كَمَا فِي الدِّينِ المُؤَجَّلِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ فِي مَكَان يَقْدِرُ المَكفُولُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مِصرٍ: بَرِئَ الكَفِيلُ مِنْ الكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا التَزَمَهُ وَحَصَلَ المَقْصُودُ
والفرق أن اللحاق موت حكمي في قسمة ماله بين ورثته؛ لظهور عدم العصمة في ماله، كمال أهل الحرب، وأقرب الناس إليه وارثه فيعطى له، أما الحقوق الثابتة في ذمته كلزوم التوبة ورجوعه إلى الإسلام وتسليم النفس إلى من يستحق تسليمه فباقية كما كانت لبقاء ذمته حقيقة، والكفيل قادر على رده بأن يتقدم موادعة بيننا وبين أهل الحرب أن من لحق بهم مرتدا يردونهم علينا إذا طلبنا، وإن لم يتقدم موادعة على الوجه الذي قلنا فالكفيل لا يؤاخذ به. كذا في الذخيرة والمبسوط (^١).
وقال الشافعي (^٢): لو غاب المكفول بنفسه غيبة منقطعة، بأن لا يعرف موضعه وينقطع خبره، سقط الطلب عن كفيله لعجزه.
ولو غاب مسافة القصر، [وعلم مكانه ففيه وجهان: أظهرهما: لا يسقط الطلب عنه كما فيما دون مسافة القصر] (^٣)، وهو قولنا (^٤) وأحمد (^٥) كما في اللحاق بدار الحرب، والثاني: أنه لا يطالب به إلحاقا بالغيبة المنقطعة (^٦)، وقال مالك: لو سافر إلى موضع بعيد وليس من شأنه السفر إلى مثله سقط الطلب. ذكره في الجواهر.
(ولو سلمه قبل ذلك) الوقت أي: الوقت الذي عينه (برئ؛ لأن الأجل حقه) أي: حق الكفيل.
وفي المبسوط: كفله إلى شهر ثم سلمه قبل الشهر برئ (^٧).
قوله: (لأن التأجيل حق الكفيل) وقد أسقطه، كدين مؤجل قضاه قبل الأجل، ولم يكن للطالب أن يأبى القبول فكذا هذا، وقال أحمد (^٨): إن كان في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٤).
(٢) انظر: المجموع (١٤/ ٥١).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٢٨).
(٥) انظر: الكافي (٢/ ١٣٣).
(٦) انظر: النهر الفائق (٣/ ٥٤٨).
(٧) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٦).
(٨) انظر: شرح منتهى الإرادات (٢/ ١٣٢).
[ ٦ / ٢٦٥ ]
بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا التَزَمَ التَّسْلِيمَ إِلَّا مَرَّة. قال: (وَإِذَا كَفَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مَجْلِسِ القَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِئَ) لِحُصُولِ المَقصُودِ، وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا: لَا يَبْرَأُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ المُعَاوَنَةُ عَلَى الامْتِنَاعِ لَا عَلَى الإِحْضَارِ فَكَانَ التَّقْبِيدُ مُفِيدًا (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّة لَم يَبْرَأ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهَا فَلَم يَحصُل المَقْصُودُ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ فِي سَوَاد لِعَدَمِ قَاضِ يَفْصِلُ الحُكمَ فِيهِ، وَلَو سَلَّمَ فِي مِصر آخَرَ غَيرِ المِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ، بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلقُدرَةِ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهِ. وَعِندَهُمَا: لَا يَبرَأُ (*)، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ.
تسليمه قبل الأجل ضرر، مثل ألا يكون يوم مجلس الحكم، أو دين مؤجل لا يكون تسليمًا، وإلا يكون تسليمًا.
قوله: (وفي زماننا لا يبرأ) قال مشايخنا المتأخرون: هذا الجواب على عادتهم في ذلك الزمان؛ لغلبة المعاونة على الحق، أما في زماننا فأكثر الناس يعينون على الامتناع من الحضور لغلبة أهل الفسق والفساد فلا يبرأ، وقالت الأئمة الثلاثة (^١): إذا عيّن مكانًا، وفي تسليمه في غيره ضرر يتعين ذلك المكان.
قوله: (وعندهما لا يبرأ) (^٢) وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٣)، وعن بعض أصحاب أحمد (^٤) مثل قول أبي حنيفة.
وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حُجّة وبرهان، فأبو حنيفة في القرن الثالث والغلبة لأهل الصلاح، والقضاة لا يرغبون في الميل إلى الرشوة، وعامل كل مصر ينقاد لأمر الخليفة، فلا يقع التفاوت بين مصر ومصر، وتغير الحال في زمنهما، وظهر الفساد والميل من القضاة إلى الرشوة، وعامل كل مصر لا ينقاد لأمر الخليفة فيُفيد التقييد ولهما ما ذكر في الكتاب.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: مطالب أولي النهى (٣/ ٣١٩).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٣١١).
(٤) انظر: التهذيب في اختصار المدونة (٤/¬١٣)، والحاوي الكبير (٦/ ٤٦٥)، وبحر المذهب للروياني (٥/ ٤٩٨)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤١٧)، والمبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٤٨).
(٥) انظر: المبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٤٨)، وحاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (٣/ ١١٣).
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وَلَو سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ المَكفُولُ بِهِ بَرِئَ الكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ الكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحضَارِهِ، وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الحُضُورُ عَنْ الأَصِيلِ فَيَسقُطُ الإِحْضَارُ عَنْ الكَفِيلِ، وَكَذَا إِذَا
ولأبي حنيفة أنه سلمه في موضع أمن وغياث فيبرأ، كما لو سلمه في ذلك المصر؛ إذ يقدر على محاكمته عند القاضي ليثبت الحق أو يأخذ الكفيل، ويمكن أن يكون شهوده في ذلك، ويمكن ألا يكون فيقابل الموهومات، وبقي التسليم متحققا من الكفيل على الوجه الذي التزمه. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ولو سلمه في السجن) إلى آخره، وعند مالك يبرأ، وعند أحمد (^٢) إن كان في سجن القاضي الذي يُرفع الحكم إليه يبرأ، وإلا فلا.
قوله: (فإذا مات المكفول به) وهو المدعى عليه (برئ الكفيل بالنفس من الكفالة) وبه قال الشافعي في وجه (^٣) وأحمد (^٤)، وقال في أصح الوجهين: يطالب بإحضار الميت ما لم يدفن، إذا أراد المكفول إقامة الشهادة على صورته، كما لو تكفل ابتداء ببدن الميت، وهل يطالب الكفيل بما عليه أو لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وبه قال أصحابنا (^٥) وأحمد (^٦) والشعبي وشريح وحماد بن أبي سليمان، وقال (^٧) مالك والليث: يلزمه ما عليه، وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي (^٨)؛ لأن الكفالة وثيقة فيستوفى الحق منها إذا تعذر تحصيله ممن عليه، كالرهن.
وقلنا: التزم إحضاره لا بما عليه، كما لو ضمن المسلم فيه فانقطع، لا يطالب برأس المال الضمين. كذا في شرح الوجيز.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٧).
(٢) انظر: المبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٤٨).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٤).
(٤) انظر: الشرح الكبير (٥/ ١٠٤).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٦/¬١٣).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٢٠).
(٧) انظر: شرح التلقين (٣/ ١٧١).
(٨) انظر: العزيز شرح الوجيز (٥/ ١٦٦).
[ ٦ / ٢٦٧ ]
مَاتَ الكَفِيلُ، لِأَنَّهُ لَم يَبْقَ قَادِرًا عَلَى تَسلِيمِ المَكفُولِ بِنَفْسِهِ، وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الوَاجِبِ بِخِلَافِ الكَفِيلِ بِالمَالِ.
وَلَو مَاتَ المَكفُولُ لَهُ فَلِلوَصِيِّ أَنْ يُطَالِبَ الكَفِيلَ، فَإِنْ لَم يَكُنْ فَلِوَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ المَيِّتِ.
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ آخَرَ وَلَم يَقُل: إِذَا دَفَعْتُ إِلَيْكَ فَأَنَا بَرِيءٌ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَهُوَ بَرِيءٌ) لِأَنَّهُ مُوجِبُ التَّصَرُّفِ فَيَثْبُتُ بِدُونِ التَّنصِيصِ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ
قوله: (لإيفاء هذا الواجب) وهو الإحضار وتسليم المكفول به، فإن مال الكفيل لا يصلح لذلك، بخلاف الكفالة بالمال، فإن المال لا يقوم مقام النفس؛ إذ المال غير النفس، والواجب (^١) بهذه الكفالة إحضار النفس، على أن الورثة إنما يخلفونه فيما له لا فيما عليه، بخلاف الكفيل بالمال، حيث لا تبطل الكفالة بموته؛ إذ المقصود هنا إيفاء حق المكفول به بالمال، ومال الكفيل صالح له، فلا تبطل الكفالة، ويؤخذ من تركته، وترجع ورثته على المكفول عنه، إذا كانت الكفالة بأمره كما في حال الحياة.
ولو كان الدين مؤجلا، ومات الكفيل قبل الأجل يؤخذ من تركته حالا، ولكن ورثته ترجع على الذي عليه الأصل بعد حلول الأجل؛ لأن الأجل باق في حق الأصيل؛ لبقاء حاجته، أما الكفيل استغنى عن الأجل بالموت. كذا في المبسوط (^٢).
وبقولنا قال الشافعي (^٣) وأحمد (^٤)، وعن زفر (^٥) أن للورثة مطالبته حالا؛ لأنه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته.
وقلنا: إنه دين مؤجل، فلا تجوز مطالبته قبل الأجل، وإنما أدخله في الدين المؤجل وحلوله بسبب من جهته، فصار كما لو قضى قبل الأجل.
قوله: (لأنه) أي: دفع المكفول به إلى الطالب (موجب التصرف) الكفالة
_________________
(١) في الأصل: (حقيقة)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٨).
(٣) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٢٥٨)، وحاشية الجمل على شرح المنهج (٣/ ٣٨٤).
(٤) انظر: كشاف القناع (٣/ ٣٧٩).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٢٧).
[ ٦ / ٢٦٨ ]
الطَّالِبِ التَّسْلِيمَ كَمَا فِي قَضَاءِ الدِّينِ، وَلَو سَلَّمَ المَكفُولُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ صَحَّ، لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالخُصُومَةِ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ الدَّفْعِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ وَكِيلُ الكَفِيلِ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ.
والموجبات تثبت بدون ذكرها صريحًا، كثبوت الملك بالشراء وإن لم يصرح به.
قوله: (كما في قضاء الدين) إذا سلمه - ولا مانع هاهنا من القبض برئ المديون وإن لم يقبضه، وكالغاصب إذ ردَّ المغصوب على المالك، والبائع إذا سلم المبيع إلى المشتري، وبه قال مالك (^١) وأحمد (^٢).
وقال الشافعي (^٣): لزمه القبول، ولو امتنع من القبول؛ قال بعض أصحابه: رُفِعَ الأمر إلى القاضي، ويسلمه حتى يبرأ، فإن لم يجد حاكمًا أحضر شاهدين ليشهدوا على امتناعه، وبه قال بعض أصحاب أحمد (^٤).
قوله: (لأنه مطالب) أي: لأن المكفول به مطالب (بالخصومة) وفي بعض النسخ (بالحضور).
وفي المبسوط: لو دفع نفسه، وقال: دفعت نفسي إليك من كفالة فلان - برئ الكفيل، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن للكفيل أن يطالبه بالحضور ويسلمه إذا طولب به؛ فهو إنما يبرئ نفسه عن ذلك بهذا التسليم، فلا يكون متبرعًا فيه، كالمحيل إذا قضى الدين بنفسه يصح تسليمه قبل الطالب أو لم يقبله (^٥).
وفي شرح الوجيز ولو قال: سلمتُ نفسي إليك من جهة الكفيل يبرأ الكفيل، ولو لم يسلم نفسه من جهة الكفيل لم يبرأ الكفيل، ولو سلمه أجنبي لا عن جهة الكفيل لم يبرأ الكفيل، وهذا لا خلاف فيه، ولو سلمه الأجنبي من جهة الكفيل؛ إن كان بأمر الكفيل يبرأ الكفيل؛ لأنه وكيل الكفيل ورسوله، وإلا لا، ولكن لو قبل الطالب برئ الكفيل، ولا نعلم فيه خلافًا.
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/ ٩٨)، شرح التلقين (٣/ ١٣٥)، وإرشاد السالك (١/ ٩٦).
(٢) انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٤/ ١٢١)، والمبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٤٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦٣/ ٤٦٤)، والمهذب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٥٤).
(٤) انظر: كشاف القناع (٣/ ٣٧٥).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦٩).
[ ٦ / ٢٦٩ ]
قالَ: (فَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ إِلَى وَقتِ كَذَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَلفُ: فَلَم يُحضِرهُ إِلَى ذَلِكَ الوَقتِ لَزِمَهُ ضَمَانُ المَالِ لِأَنَّ الكَفَالَةَ بِالمَالِ مُعَلَّقَةٌ بِشَرط عَدَمِ المُوَافَاةِ، وَهَذَا التَّعلِيقُ صَحِيحٌ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرطُ لَزِمَهُ المَالُ وَلَا يَبْرَأُ عَنْ الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ) لِأَنَّ وُجُوبَ المَالِ عَلَيْهِ بِالكَفَالَةِ لَا يُنَافِي الكَفَالَةَ بِنَفْسِهِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّوَثُقِ.
قوله: (وإن لم يواف به أَيْ: إن لم يأت به، وافاه: أتاه، مفاعلة من الوفاء، ومنه كفل بنفس رجل على أن يوافي به المسجد الأعظم. كذا في المغرب (^١).
والتقييد بما عليه مفيد، لأنه إذا قال ما عليه ولم يُسَمِّ كم هو جاز؛ لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحتها، لأنها مبنية على التوسع، ولأن ما عليه معلوم في نفسه، وإن لم يكن معلومًا فإعلامه ممكن؛ ألا ترى أنه قال: لو تكفلت بما أدركك في هذه الجارية المشتراة من درك كان جائزا، وأصل اللحوق في الدرك، وقدر ما يلحقه فيه الدرك مجهول، وقد اعتاد الكفالة بهذه الصفة، وكذا الكفالة بالشجة صحيحة، مع أن الشجة غير معلومة: هل تبلغ النفس أم لا تبلغ؟ وبقولنا قال أحمد (^٢).
قوله: (ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس)، فإن قيل: ينبغي أن يبرأ؛ إذ وجوب الكفالة بالمال بطريق البدلية من الكفالة بالنفس، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله ﵇: «التُرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ إِلى عَشْرِ حُجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ المَاءَ» (^٣)، فإن قوله: (إن لم يواف به غدًا فأنا ضامن) - وزانه.
قلنا: الكفالة بالمال ليست ببدل عن الكفالة بالنفس؛ لأن كل واحد منهما مشروع للتوثق) فالتوثق بالكفالة بالنفس لا ينافي التوثق بالكفالة بالمال، وهذه
_________________
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٩١).
(٢) انظر: دقائق أولي النهى بشرح منتهى الإرادات (١٣١٢)، وكشاف القناع (٣/ ٣٧٧).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩١) رقم (٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤) رقم (١٢٤)، والحاكم (١/ ١٧٦ رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الكَفَالَةُ، لِأَنَّهُ تَعلِيقُ سَبَبِ وُجُوبِ المَالِ بِالخَطَرِ فَأَشبَهَ البيع.
الصنعة هنا لم تكن لإظهار البدلية؛ بل هي لتعلق الكفالة بالمال، وهي مما تتعلق بالشروط الملائمة كما يجيء.
وفي المبسوط: لا منافاة بين الكفالتين، ولهذا لو كفل بهما جميعًا كان صحيحًا، وبعدما صحت الكفالة بالنفس لا يبرأ عنها إلا بالموافاة بالنفس، ولم يوجد، وهذا نظير ما لو وكل رجلا أن يخلع امرأته، وقال له: إن أبت الخلع فطلقها، فأبت فطلقها الوكيل - وقع، ولا تبطل الوكالة بالخلع، حتى لو خلع في العدة جاز الخلع.
قوله: (وقال الشافعي) (^١) وفي المبسوط ذكر ابن أبي ليلى مكان الشافعي. ثم التقييد بقوله: (هذه الكفالة) للاحتراز عن سائر الكفالات بالمال بدون التعليق بالشروط، لا للاحتراز عن الكفالة بالمال، فإن عنده كلتاهما باطلتان، ذكره الإمام قاضي خان والمرغيناني؛ لما أن الكفالة بالنفس لا تصح عنده؛ لما مر. كذا في النهاية.
قلتُ: على قوله: المنصوص بصحة الكفالة بالنفس تبطل الكفالة بالمال فقط، ويفهم ذلك من كتبهم، وتعليل الكتاب يدل أيضًا عليه.
(لأنه) أي: هذا التعليق (تعليق وجود (المال) (^٢) أي: سبب وجوب المال، وبه صرح في بعض النسخ فأشبه البيع) أي: تعليق البيع، وصار كما لو قال: إن دخلت الدار فأنا كفيل بمالك على فلان.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢] علق الكفالة بالشرط، وهو المجيء بالصاع، وشريعة من قبلنا تلزمنا قبل النسخ، ولأن القياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع، وقد يتامل الناس تعليق الكفالة بعدم الموافاة.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٧/¬١٩)، وروضة الطالبين (١٤/ ٢٦١).
(٢) هكذا بالأصول الخطية، وتقدم في المتن: (تعليق وجوب المال).
[ ٦ / ٢٧١ ]
وَلَنَا: أَنَّهُ يُشبِهُ البَيعَ وَيُشبِهُ النَّذَرَ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ التِزَامُ. فَقُلْنَا: لَا يَصِحُ تَعلِيقُهُ بِمُطلَقِ الشَّرطِ، كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ. وَيَصِحُ بِشَرط مُتَعَارَف عَمَلًا بِالشَّبَهَينِ، وَالتَّعْلِيقُ بِعَدَمِ المُوَافَاةِ مُتَعَارَفٌ.
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ رَجُل وَقَالَ: إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ المَالُ، فَإِنْ مَاتَ المَكفُولُ عَنهُ: ضَمِنَ المَالَ) لِتَحَقُّقِ الشَّرطِ وَهُوَ عَدَمُ المُوَافَاةِ.
(ولنا أنه) أي: عقد الكفالة (يشبه البيع) أي: انتهاء، من حيث إن الكفيل يرجع على الأصيل إذا كان بأمره (ويشبه النذر) من حيث إنه التزام شيء غير لازم؛ فلشبهه بالبيع ألا يجوز تعليقه بالشرط كما في البيع، ولشبهه بالنذر ينبغي أن يجوز بالشروط كلها، فقلنا: يجوز بشرط متعارف ولا يجوز بشرط غير متعارف؛ عملا بالشبهين، وتعليقه بعدم الموافاة متعارف، وبدخول الدار غير متعارف، وما قال الشافعي: إن هذا التعليق التزام المال، غير مسلم، فإن الكفالة عندنا التزام المطالبة لالتزام المال. كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (ومن كفل بنفس رجل) إلى قوله: (وهو عدم الموافاة).
فإن قيل: هذه المسألة عين الأولى، غير أن في الأولى لم يذكر موت المكفول به، وهاهنا ذكره، وبه لا يقع الفرق؛ إذ لزوم المال بموته وعدم موته لا يتفاوت.
قلنا: بل بينهما فرق، وهو أنه لم يذكر في بعض نسخ الجامع لفظ الغد في هذه المسألة، فكان تعليق الكفالة بالمال بعدم الموافاة مطلقا، وهناك مقيدًا، فكان بينهما فرق؛ إذ المطلق غير المقيد، وعلى ذكر الغد فالفرق بينهما بوجه آخر: وهو أن المكفول به مات قبل مجيء الغد، فوجب المال على الكفيل عند مجيء الغد فيتوهم متوهم بافتراق الحكم في عدم الموافاة بين كونه حيًّا أو ميتا، فأزال ذلك الوهم بذكرها.
فإن قيل: شرط الكفالة بالمال عند عدم الموافاة بقاء الكفالة بالنفس على حالها؛ ولهذا لو أبرأ الكفيل عن الكفالة بالنفس عند عدم الموافاة، فانفسخت الكفالة بالنفس قبل وجود شرط الكفالة بالمال في مسألة: (شرب ماء الكوز اليوم فأهريق قبل الليل)، لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مِائَةَ دِينَارٍ بَيَّنَهَا أَوْ لَم يُبَيِّنَهَا،
قلنا: الإبراء وضع لفسخ الكفالة، والموت لم يوضع له، فبالإبراء تنفسخ الكفالة من كل وجه، وبالموت ينفسخ فيما يرجع إلى المطالبة بتسليم النفس ضرورة عجز الكفيل عنه، ولا ضرورة بالقول بانفساخها في حق الكفالة بالمال؛ لأن عدم الموافاة بالعجز عن تسليم النفس يتحقق. كذا في الفوائد الظهيرية.
ثم قال: وهذا إذا مات المكفول به فإن مات الكفيل قبل انقضاء المدة فأشار في الأصل أن المال يجب دينًا في تركة الكفيل إذا مضت المدة.
وذكر المحبوبي في جامعه جواب تلك الشبهة بوجه آخر فقال: تصحيح الكفالة هاهنا بطريق التقديم والتأخير، وهو أن يجعل كأنه كفل بالمال في الحال، ثم علق الإبراء منها بالموافاة بالنفس، والموافاة بالنفس لا توجد بالموت، فبقي المال واجبًا، ولا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير في اليمين بالطلاق، ولأن الطلاق يحتمل التعليق بالشرط، وبعد الوقوع لا يحتمل الرفع؛ فلهذا افترقا.
قوله: (وبيَّنها) أي: صفة مائة دينار؛ أنها جيدة أو رديئة، أو خليفية أو ركنية (أو لم يبينها) أو معناه، وبين المائة بدعواه مائة دينار، ولم يبين قدر الدينار، ولم يذكر المائة؛ إذ صورة المسألة في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام: رجل ادعى عليه مائة دينار، أو لزمه ولم يدع عليه المائة دينار، وقال رجل: دعه أنا كفيل بنفسه إلى غد، فإن لم أوافك به غدًا فعلي المائة دينار، فَرَضِيَ به ولم يواف به.
قال: عليه المائة دينار في الوجهين جميعًا إذا ادعى صاحب الحق، وهذا قول أبي يوسف.
وقال محمد (^١): إذا ادعاها ولم يسمها حتى كفل به بمائة دينار، ثم ادعى بعد ذلك لا يلتفت إلى دعواه، وبقول محمد قال الشافعي (^٢)، وبقولهما قال أحمد (^٣).
_________________
(١) انظر: النهر الفائق (٣/ ٥٥٢).
(٢) انظر: بحر المذهب للروياني (٥/ ٤٩٤).
(٣) انظر: الكافي (٢/ ١٣٣).
[ ٦ / ٢٧٣ ]
حَتَّى تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ رَجُلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ المِائَةُ، فَلَم يُوَافِ بِهِ غَدًا: فَعَلَيْهِ المِائَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ لَم يُبَيِّنَهَا حَتَّى تَكَفَّلَ بِهِ رَجُلٌ ثُمَّ ادَّعَى بَعدَ ذَلِكَ لَم يُلتَفَت إِلَى دَعوَاهُ (*) لِأَنَّهُ عَلَّقَ مَالًا مُطلَقًا بِخَطَر؛ أَلَا
وفي شرح المجمع: هاهنا ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكفل بنفس زيد، وقال: إن لم أوافك غدًا فعلي ألف درهم، ولم يقل التي لك على زيد.
والثانية: أن يقول: الألف التي لك على زيد. والثالثة: أن يقول: تكفلتُ لك بنفس زيد إن لم أوافك به غدًا فعلي نفس عمرو، وعمرو غريم آخر للطالب، أو مالك على عمرو.
فعند محمد تصح الكفالة في التي قال: عليَّ الألف التي لك على زيد فقط، وفي القياس: لم تصح الكفالة الثانية؛ لما أنه تعليق وجوب المال بالخطر، وفي الاستحسان يجوز في العرف ولا تعارف في غيرها.
قوله: (إن لم يبينها) أي: صفة المائة، أو نفس المائة بأن لم يذكرها (لم يلتفت إلى دعواه) أي: دعوى الطالب (لأنه) أي: الكفيل (علق مالا مطلقًا) أراد بإطلاقه عدم نسبة المائة المدعى به، حيث لم يقل: تكفلت بمالك عليه (بخطر) أي: بتردد، وهو شرط عدم الموافاة، فلا تصح الكفالة على هذا الوجه، وإن بين المائة لاحتمال أن يلزم المائة على وجه الرشوة للمدعي حتى يترك المدعى عليه في الحال. هكذا ذكر الماتريدي.
وذكر الكرخي (^١): إن لم يدع مالا مقدرًا لم يستوجب إحضاره إلى مجلس القاضي؛ لفساد الدعوى لجهالة المدعى به فلم تصح الكفالة بالنفس، فلم تصح الكفالة بالمال؛ لأنها بناء على الكفالة بالنفس، وهذا يوجب أن تصح الكفالة بالنفس إذا بين المال.
ولهما أن المال معرّف فينصرف إلى ما عليه؛ تصحيحا لكلام العاقل إذا
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: البناية في شرح الهداية (٨/ ٤٣٠).
[ ٦ / ٢٧٤ ]
يَرَى أَنَّهُ لَم يَنسُبُهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَلَا تَصِحُ الكَفَالَةُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ وَإِنْ بَيَّنَهَا، وَلِأَنَّهُ لَم تَصِحَ الدَّعَوَى مِنْ غَيْرِ بَيَان، فَلَا يَجِبُ إِحضَارُ النَّفْسِ، وَإِذَا لَمْ يَجِب لَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَلَا تَصِحُ بِالمَالِ، لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَيَّنَ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَالَ ذُكِرَ مُعَرَّفا فَيَنصَرِفُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَالعَادَةُ جَرَت بِالإِجْمَالِ فِي الدَّعَاوَى فَتَصِحٌ الدَّعْوَى عَلَى اعْتِبَارِ البَيَانِ، فَإِذَا بَيَّنَ التَحَقَ البَيَانُ بِأَصلِ الدَّعْوَى، فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ الكَفَالَةِ الأُولَى فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ:
كان المال معلومًا عند الدعوى، وأما إذا لم يكن معلومًا عند الدعوى؛ فلأن العادة جرت فيما بين الناس أنهم يحملون الدعوى أولا في غير مجلس القاضي، ويبينون عند القاضي دفعًا لحيل الخصوم، وصونًا لكلامهم إلى وقت الحاجة، فصحت الدعوى والملازمة على احتمال البيان من جهته، فإذا بين انصرف بيانه إلى ابتداء الدعوى فتظهر به صحت الكفالة بالنفس، فتصح الكفالة بالمال؛ لأنها بناء على الكفالة بالنفس، ويكون القول له في هذا البيان؛ لأنه يدعي صحة الكفالة، والكفيل يدعي الفساد.
ذكر في الذخيرة: وجه قولهما في المسألة: أن بين الكفالتين اتصالا؛ لأن التعليق بعدم الموافاة صحيحة كما في المسألة الأولى، وفي تصحيح الكفالة الثانية تأكيد موجب الأولى فكذا هاهنا؛ لأن الكفالتين بشخص، واحد ففي تصحيحه تأكيد موجب الأولى، لأن موجبها الموافاة، فمتى عُلم أنه لم يواف به لزمته الكفالة الثانية، جد في طلبه ليوافي به؛ دفعا لضرر التزام الثانية.
قوله: (ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود) إلى آخره (^١)، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي في قول (^٢)، وأحمد (^٣) وأكثر أهل العلم، وعندهما يجبر في حد القذف والقصاص، وبه قال الشافعي في المشهور عنه (^٤)، وعن مالك مثله (^٥).
_________________
(١) انظر: مختصر القدوري (١/ ١١٨).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤١٦).
(٤) بحر المذهب للروياني (٥/¬٤٥).
(٥) انظر: بداية المجتهد (٤/ ٨١)، الذخيرة للقرافي (٩/ ١٨٩).
[ ٦ / ٢٧٥ ]
لَا يُجبَرُ عَلَيْهَا عِندَهُ، وَقَالَا: يُجبَرُ فِي حَدِّ القَدْفِ (*)، لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبدِ وَفِي القِصَاصِ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقَّ العَبدِ
وصورة المسألة: أن تكفل بنفس من عليه حد أو قصاص حتى يحضره في مجلس القاضي إذا جاء الشهود أو عدلوا، أما لو كفل بنفس الحد والقصاص لا يجوز بالإجماع (^١)؛ لأن الكفالة إنما تصح فيما تجري فيه النيابة، وفي إيفاء الحد لا تجري النيابة، لأنه من العقوبات، وفيها لا تجري النيابة؛ لعدم حصول المقصود، وهو الزجر. قوله: (وقالا: يجبر … . لأن فيه) أي: في حد القذف (حق العبد) وإن كان المغلب حق الله تعالى؛ ولهذا شرط فيه الدعوى، والمدعي يحتاج إلى أن يجمع بين الشهود وبين المطلوب، والمطلوب قد يخفي نفسه، فيحتاج إلى أن يأخذ منه كفيلا.
وألحق الإمام المحبوبي حد السرقة بحد القذف في الجبر بالكفالة على قولهما، وفي الجواز بغير الجبر على قول أبي حنيفة؛ لأنه من الحدود التي يتعلق بها حق العباد.
وقال المرغيناني: ليس تفسير الجبر هنا الحبس، لكن يأمره بالملازمة، وليس تفسير الملازمة المنع من الذهاب؛ لكن يذهب الطالب مع المطلوب فيدور معه أينما دار؛ كيلا يتغيب، فإذا انتهى إلى باب الدار وأراد الدخول يستأذنه الطالب في الدخول، فإن أذن له يدخل معه ويسكن حيث سكن، وإن لم يأذن يجلسه في باب داره ويمنعه من الدخول.
(لأنه) أي: القصاص (خالص حق العبد) أي: المغلب، فيجري الجبر في أخذ الكفيل كما في سائر حقوقه؛ بخلاف الحدود الخالصة، كحد الزنا وشرب الخمر حيث لا تجوز الكفالة بها، وإن طابت نفس الكفيل به، سواء أعطى الكفيل قبل إقامة البينة أو بعدها؛ لأن قبلها لم يستحق عليه حضور مجلس
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص:١٢٠)، برقم. ٦٤٩، المغني لابن قدامة (٤/ ٤١٦).
[ ٦ / ٢٧٦ ]
فَيَلِيقُ بِهِمَا الاستيثَاقُ كَمَا فِي التَّعزِيرِ، بِخِلَافِ الحُدُودِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَولُهُ ﵊: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٌ» مِنْ غَيْرِ فصل، وَلِأَنَّ مَبْنَى الكُلِّ عَلَى الدَّرءِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الاسْتِيثَاقُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الحُقُوقِ، لِأَنَّهَا لَا تَندَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَيَلِيقُ بِهَا الاستِيثَاقُ كَمَا فِي التَّعْزِيرِ (وَلَو سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِهِ يَصِحُ بِالإِجْمَاعِ)، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَرتِيبُ مُوجِبِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ
الحكم بسبب الدعوى؛ لأنه لا تسمع دعوى أحد في الزنا والشرب، فهذا لو تكفل بحق واجب على الأصيل، وبعد قيام البينة قبل التعديل يحبس، وبه يحصل الاستيثاق، فلا معنى لأخذ الكفيل، بخلاف ما فيه حق العبد فإن حضوره مجلس الحكم مستحق عليه، فتصح الكفالة بإحضاره.
قوله: (فلا يجب فيها الاستيثاق)، فإن قيل: ينبغي ألا يحبس بعد إقامة شاهد عدل؛ لأن معنى الاستيثاق فيه أكثر.
قلنا: الحبس ليس للاحتياط؛ بل لتهمة الدعارة والفساد، فيحبس تعزيرا به.
كذا في الفوائد الظهيرية.
وفي جامع البرهاني: فإذا لم يكفل عنده ماذا يصنع به؟ قال: يلازمه إلى وقت قيام القاضي عن المجلس، فإن أحضر البينة فيها وإلا خلى سبيله، هذا إذا لم يقم شاهدًا عدلًا أو شاهدين مستورين، فإن أقام يحبس لا للتكفيل بل للتهمة، والحبس للتهمة مشروع فإنه ﵇ «حَبَسَ رَجُلًا بِالتَّهْمَةِ» (^١).
قوله: (كما في التعزير) أي: يجبر المطلوب في إعطاء الكفيل في الشيء الذي فيه التعزير؛ لأن هذه الدعاوى ودعوى المال سواء؛ لأن التعزير يخص حق العبد، ويثبت مع الشبهات، وبالشهادة على الشهادة، ويحلف فيه، فيجبر فيه، كالأموال.
قوله: (ولو سمحت نفسه) أي: نفس المدعى عليه بإعطاء الكفيل للطالب من غير جبر عليه في القصاص والحدود يصح بالإجماع.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٣١٤) رقم (٣٦٣٠)، والترمذي (٣/ ٨٠ رقم ١٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٧٣٢١٨)، والحاكم (٤/ ١٠٢ رقم ٧٠٦٣) من حديث معاوية بن حيدة ر ﵁. قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
فِيهَا وَاجِبٌ فَيُطَالَبُ بِهِ الكَفِيلُ، فَيَتَحَقَّقُ الضَّمُ. قَالَ: (وَلَا يُحِبَسُ فِيهَا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ مَستُورَانِ أَوْ شَاهِدٌ عَدلٌ يَعرِفُهُ القَاضِي) لِأَنَّ الحَبسَ لِلتَّهمَةِ هَاهُنَا، وَالتَّهَمَةُ تَثبُتُ بِأَحَدٍ شَطَرَيِ الشَّهَادَةِ: إِمَّا العَدَدُ أَوْ العَدَالَةُ، بِخِلَافِ الحَبسِ فِي بَابِ الأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ أَقصَى عُقُوبَة فِيهِ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّة كَامِلَةٍ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ أَدَبِ
وفي الفوائد الشاهية والخبازية: هذا في حد للعباد فيه حق، كحد القذف، أما في حد ليس للعباد فيه حق لا تجوز الكفالة وإن سمحت به نفسه (^١)، وبه قال أحمد (^٢) والشافعي (^٣)؛ لعدم المطالب فيه، ولما بينا أن الاستيثاق ينافيه.
قوله: (ولا يحبس فيها) أي: في الحدود، وفي بعض النسخ (فيهما) أي: في حد القذف والقصاص.
قوله: (شاهد عدل يعرفه القاضي) أي: يعرف أنه عدل، قيد به؛ لما أنه لو كان مجهولا لا يحبسه.
قوله: (لأن الحبس للتهمة) أي: تهمة الفساد (هاهنا) لا للاحتياط، وشهادة المستورين تصلح لإثبات الحكم فتصلح لإثبات التهمة، وخبر الواحد حجة في الديانات والمعاملات، فتثبت بشهادة العدل التهمة، وإن لم يثبت أصل الحق، والحبس لتهمة الفساد مشروع؛ لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه «حَبَسَ رَجُلًا للتَّهْمَةِ» (^٤).
قوله: (بخلاف الحبس في باب الأموال) في دعوى المال: لا يحبس بشهادة الواحد (لأنه) أي: لأن الحبس (أقصى عقوبة فيه) أي في المال، فإنه لو ثبت بالبينة وامتنع من الإيفاء يحبس، فكان الحبس أقصى عقوبة في المال، فلا يجوز أن يعاقب قبل ثبوته به، أما في الحدود والقصاص والتعزير أقصى العقوبة القتل أو الضرب والحبس نوع عقوبة، فجاز أن يعاقب به قبل ثبوت الحد والقصاص.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٠٢).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤١٦).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٥/ ٢٣٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣١٤ رقم ٣٦٣٠)، والترمذي (٣/ ٨٠ رقم ١٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٧/¬٨ رقم ٧٣٢١)، والحاكم (٤/ ١٠٢ رقم ٧٠٦٣) من حديث معاوية بن حيدة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
القَاضِي: أَنَّ عَلَى قَولِهِمَا لَا يُحبَسُ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ لِحُصُولِ الاستيثَاقِ بِالكَفَالَةِ.
قَالَ: (وَالرَّهْنُ وَالكَفَالَةُ جَائِزَانِ فِي الخَرَاجِ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ بِهِ
وفي الصحاح (^١)، والمغرب (^٢): التُّهَمَة، بالتحريك، وأصل التاء فيه واو: من وَهَمْتُ الشيء أَهِمُهُ وَهْمًا، من باب ضرب؛ أي: وقع في خَلَدي، والوهم: ما يقع في القلب من الخاطر، واتهمت فلانًا بكذا، والاسم: التُّهَمَة، بالتحريك، أصله: اوْتَهَمْت، كما في اتكلت على فلان، أصله: اوْتَكَلْت، بمعنى اعتمدت، قُلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت منها فأدغمت في تاء الافتعال، ثم بنيت على هذا الاسم اسمًا من المال، وإن لم يكن فيها تلك العلة؛ توهما أن التاء أصلية، فمن تلك الأسماء: التكلان والتخمة والتهمة.
قوله: (على قولهما لا يحبس) يعني: في الحبس في الحدود عنهما روايتان: في رواية: يُحبس ولا يكفل، وفي رواية: عكسه، كحصول الاستغناء بأحدهما.
قوله: (لأنه) أي: الخراج (دين مطالب به) ألا ترى أنه يحبس به ولازم لأجله، ويمنع من وجوب الزكاة، فتجوز الكفالة والرهن به كسائر الديون. كذا في الفوائد الظهيرية.
فإن قيل: يشكل على هذا الزكاة، فإنه دين مطالب به من جهة العباد في الأموال الظاهرة الإمام، وفي الباطن نائبه، وهو المالك، كما مر في الزكاة، ولا تجوز الكفالة بدين الزكاة.
قلنا: قال التمرتاشي: إنما لا تصح (^٣)؛ لأن الزكاة ليست بدين بل هو تمليك المال؛ ولهذا لا يؤخذ من تركته عندنا، بخلاف الخراج فإنه يؤخذ من تركته.
وقوله: (دين مطالب) راجع إلى الكفالة.
_________________
(١) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ٢٠٥٤).
(٢) انظر: المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٩٨).
(٣) انظر: البناية (٨/ ٤٣٥).
[ ٦ / ٢٧٩ ]
مُمكِنُ الإسْتِيفَاءِ فَيُمْكِنُ تَرتِيبُ مُوجِبِ العَقدِ عَلَيْهِ فِيهِمَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ رَجُل كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ فَأَخَذَ مِنهُ كَفِيلًا آخَرَ، فَهُمَا كَفِيلَانِ لِأَنَّ مُوجِبَهُ التِزَامُ المُطَالَبَةِ، وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالمَقْصُودُ التَّوَثُقُ، وَبِالثَّانِيَةِ:
وقوله: (ممكن الاستيفاء) راجع إلى الرهن؛ لأن الرهن توثيق لجانب الاستيفاء، فكان هذا من باب اللف والنشر، يعني لا بد لصحة الكفالة المطالبة، ولصحة الرهن إمكان الاستيفاء، وإليه أشار شمس الأئمة في جامعه، وإنما أورد هذا لأن الخراج في حكم الصلات دون الديون المطلقة، ووجوبه بحق الشرع كالزكاة، فكان ينبغي ألا تصح الكفالة والرهن دون الديون، ولكن في حكم المطالبة بالإيفاء، والحبس فيه بمنزلة الديون، فأورده وبين جواز الكفالة به والرهن به.
قوله: (ثم ذهب وأخذ منه) أي: ذهب الطالب وأخذ من المديون (كفيلا) يصح، ولا تبطل الكفالة الأولى، ولا يعلم فيه خلاف (^١).
قوله: (لأن موجبه) أي: موجب عقد الكفالة (التزام المطالبة) وهي تتعدد؛ ألا ترى أنهما لو كفلا جميعًا بنفسه معًا، جاز، فكذا إذا كفلا على التعاقب، ثم سلم أحدهما نفس الأصيل إلى الطالب، برئ هو دون الآخر، وليس هذا كالدين، فإنه لو قضى أحد الكفيلين الدين وأخذ الدين يبرآن.
وفي التفاريق والكفلاء الثلاثة في العقد الواحد، أيهم سلم الأصيل كان كتسليمهم.
وفي الشافي: ثلاثة كفلوا بألف طالب كل واحد بثلث الألف، وإن كفلوا على التعاقب يطالب كل واحد بالألف. كذا ذكره شمس الأئمة، والمرغيناني، والتمرتاشي.
_________________
(١) انظر: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١/ ٥٥)، والجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (١/ ٣٦٩)، المدونة (٤/ ١٠٤)، والتبصرة للخمي (١٢/ ٥٦٢٨)، وشرح التلقين (٣ - ٢/ ٢١٥)، والذخيرة للقرافي (٩/ ٢٢٧)، والأم للشافعي (٧/ ١٢٤)، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٦٢)، ومغني المحتاج (٣) (٢١٠)، والإرشاد إلى سبيل الرشاد (١/ ٣٣١)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٨)، وكشاف القناع (٣/ ٣٧٧).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
يَزْدَادُ التَّوَثُقُ فَلَا يَتَنَافَيَانِ (وَأَمَّا الكَفَالَةُ بِالمَالِ فَجَائِزَةٌ مَعلُومًا كَانَ المَكْفُولُ بِهِ أَوْ مَجْهُولًا، إِذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا، مِثلُ أَنْ يَقُولَ: تَكَفَّلت عَنهُ بِأَلف أَوْ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا يُدْرِكُكَ فِي هَذَا البَيعِ) لِأَنَّ مَبَنَى الكَفَالَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ فَيَتَحَمَّلُ فِيهَا الجَهَالَةَ، وَعَلَى الكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ إِجْمَاعٌ وَكَفَى بِهِ حُجَّة،
قوله: (مبنى الكفالة على التوسع) (^١) لأنها تبرع ابتداء، فلا تمنع صحتها الجهالة المستدركة اليسيرة.
(فيتحمل فيها) أي: في الكفالة (الجهالة) أي: جهالة المكفول به، وبقولنا قال مالك (^٢) وأحمد (^٣) والشافعي في القديم (^٤)، وقال الشافعي (^٥) والثوري والليث وابن أبي ليلى وابن المنذر: لا يصح ضمان المجهول؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولا، كالثمن في البيع.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢] وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلاف البعير، وعموم قوله ﵇: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (^٦)، ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح مجهولا؛ لأنه تبرع كالنذر.
(وعلى الكفالة بالدرك إجماع (^٧)، وكفى به حجة)، وضمان الدرك هو أن يقول للمشتري: أنا ضامن للثمن إن استحق البيع أخذ.
وفي الصحاح (^٨): الدرك: التبعية، تسكن وتحرك، فقال: ما لحقك من
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧٢).
(٢) انظر: شرح التلقين (٣/ ١٤٦).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٢٢)، ودقائق أولي النهى بشرح منتهى الإرادات (٢/ ١٣٣).
(٤) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٢٦١).
(٥) انظر: المجموع (١٤/¬١٨).
(٦) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦) رقم (٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي وصححه ابن حبان فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٣)، وبدائع الصنائع (٤/ ٢٠٢)، وشرح التلقين (٣/¬٢ - ١٥١)، والذخيرة للقرافي (٩/ ٢١٢)، والتنبيه في الفقه الشافعي (١/ ١٠٦)، وجواهر العقود لشمس الدين (١/ ١٤٨)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤١٩)، والشرح الكبير في متن المقنع (٥/ ١٠١).
(٨) انظر: الصحاح تاج اللغة (٤/ ١٥٨٢).
[ ٦ / ٢٨١ ]
وَصَارَ كَمَا إِذَا كَفَلَ لِشَجَّة صَحَّت الكَفَالَةُ وَإِنْ احتُمِلَت السِّرَايَةُ وَالاقْتِصَارُ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ دَينا صَحِيحًا، وَمُرَادُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلَ الكِتَابَةِ، وَسَيَأْتِيكَ فِي مَوضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَالمَكفُولُ لَهُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الأَصلُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ كَفِيلَهُ) لِأَنَّ الكَفَالَةَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إِلَى الذُّمَّةِ فِي المُطَالَبَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِيَامَ الأَوَّلِ لَا البَرَاءَةَ عَنهُ، إِلَّا إِذَا شَرَطَ فِيهِ البَرَاءَةَ فَحِينَئِذٍ تَنعَقِدُ حَوَالَة اعْتِبَارًا لِلمَعنَى، كَمَا أَنَّ الحَوَالَةَ بِشَرط أَنْ لَا يَبْرَأَ بِهَا المُحِيلُ تَكُونُ كَفَالَة (وَلَو طَالَبَ
درك فعلي خلاصه، (كما إذا كفل لشجة) أي: خطًا، لأنها إذا كانت عمدًا فعلى تقدير السراية يجب القصاص أي شجة كانت، إذا شجها بآلة جارحة، ولا تصح الكفالة عن القصاص، وقد مر.
قوله: (دينا صَحِيحًا)، وَمُرَادُهُ: ألا يكون بدل كتابة لأن بدل الكتابة ليس بدين صحيح؛ إذ المكاتب يتمكن من أن يُسقط عن نفسه، بأن يعجز نفسه. كذا في المبسوط (^١).
وفي التحفة: ثبوت هذا الدين مع المنافي؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينًا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، إلا أنه لحاجته إلى العتق يثبتُ الدين، فكان ثابتًا في حقه لا في حق صحة الكفالة به، ولا خلاف فيه.
قوله: (وإن شاء طالب الكفيل) وبه قال أكثر أهل العلم (^٢)، وعن مالك في رواية عنه: لا يُطالب الكفيل إلا إذا تعذر المطالبة عن الأصيل؛ لأنه وثيقة، فلا يُستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصيل كالرهن، وقلنا: حق المطالبة ثابت في ذمة الكفيل أو الدين على قول الأئمة الثلاثة، وأيا ما كان يملك المطالبة كالأصيل، أما الرهن مال من عليه الحق، وليس بذي ذمة يطالب؛ بل يطالب من عليه الدين ليقضي منه أو من غيره.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/ ٩٥).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٣١٢)، اللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٥٥)، النوادر والزيادات على ما في المدونة (١٠/ ١٥٨)، التبصرة للخمي (١٢/ ٥٦٣٠)، المدونة (٤/ ١٠٤)، المقدمات الممهدات (٢/ ٣٧٨)، مختصر المزني (٨/ ٢٠٦)، الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٧)، بحر المذهب للروياني (٥/ ٤٦٧)، المغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٨).
[ ٦ / ٢٨٢ ]
أَحَدَهُمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الآخَرَ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمَا لِأَنَّ مُقتَضَاهُ الضَّمُّ، بِخِلَافِ المَالِكِ إِذَا اختَارَ تَصْمِينَ أَحَدِ الغَاصِبَينِ، لِأَنَّ احْتِيَارَهُ أَحَدَهُمَا يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ مِنهُ فَلَا يُمكِنُهُ التَّمْلِيكُ مِنْ الثَّانِي، أَمَّا المُطَالَبَةُ بِالكَفَالَةِ لَا تَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ فَوَضَحَ الفَرقُ قَالَ: (وَيَجُوزُ تَعلِيقُ الكَفَالَةِ بِالشُّرُوطِ) مِثلُ أَنْ يَقُولَ: مَا بَايَعت فُلَانًا فَعَلَيَّ، أَوْ مَا ذَابَ لَكَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ،
قوله: (أحد الغاصبين) أي: الغاصب وغاصب الغاصب (يتضمن التمليك منه) أي: من الذي لا يتضمن التمليك؛ أي: ما لم توجد حقيقية الاستيفاء. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (أما المطالبة بالكفالة لا يتضمن التمليك) أي: ما لم توجد حقيقة الاستيفاء. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ما بايعتُ فلانًا) قيد بقوله: فلانًا؛ ليصير المكفول عنه معلوما؛ إذْ جهالته تمنع صحة الكفالة حتى لو قال: ما بعت من الناس فأنا لذلك ضامن لا يجوز؛ لجهالة المكفول عنه والمكفول به فتفاحشت الجهالة، بخلاف الأول؛ لأن الجهالة فيه قليلة يسيرة متحملة. ذكره في الإيضاح.
قوله: (ما ذاب لك)؛ أي: وجب وثبت يقال: ذاب لي عليه حق؛ أي: وجب، مستعار من ذوب الشحم. كذا في المغرب (^٢).
فكل شرط ملائم لعقد الكفالة يصح (^٣) تعليق الكفالة به، وبه قال أحمد في رواية (^٤) ومالك (^٥)، وقال الشافعي (^٦): لا يصح؛ لما أن هذا تعليق الضمان بخطر فلا يجوز.
وقلنا: هذا مقتضى الكفالة وملائم له فيجوز، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢] فإنه يدل أن جهالة المكفول به لا تمنع صحة الكفالة؛ إذ حمل البعير مجهول كما ذكرنا، وعلى تعليق صحة الكفالة بالشروط؛ إذ علقه بالمجيء بالصاع، وشريعة من قبلنا تلزمنا قبل النسخ؛
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٦١).
(٢) انظر: المغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٧٨).
(٣) انظر: تبيين الحقائق (٤/ ١٥٠).
(٤) انظر: كشاف القناع (٣/ ٣٧٧).
(٥) انظر: المقدمات الممهدات (٣٨٠).
(٦) انظر: المجموع (١٤/¬٢٢)، والتنبيه في الفقه الشافعي (١/ ١٠٦).
[ ٦ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن المنادي نادى بأمر يوسف ﵇، وما أخبرنا الله تعالى عن شريعة من قبلنا يلزمنا حتى يقوم دليل النسخ. كذا في المبسوط (^١).
فإن قيل: هذه الآية محمولة على بيان العمالة؛ إذ هذا العامل كان ضامنًا عن نفسه؛ لأنه كان مستأجرًا، والمستأمن ضامن للأجرة سواء كان أصيلا أو وكيلا، وإذا كان ضامنًا عن نفسه بحكم عقد الإجارة لا يكون كفيلا؛ إذ الكفيل ما يكون ضامنًا عن الغير، فكان معنى قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمُ﴾: أنا ضامن للأجر بحكم الإجارة لا بحكم الكفالة.
وضمان العمالة على هذا الخصم بأن قال: من أبق عبده من جاء به فله كذا، والدليل على صحة هذا الحمل أن المكفول له مجهول في هذه الآية، والكفالة لا تصح مع جهالة المكفول له بالإجماع (^٢)، إلا في مسألة واحدة على ما يجيء. هكذا قاله أصحاب الشافعي.
قلنا الزعيم حقيقةً: الكفيل، وأمكن حمل الآية على الكفالة بأن قال المنادي للغير: إن الملك يقول لكم: لمن جاء به حمل بعير وأنا كفيل بذلك، فيكون كفيلا عن الملك، والرسول بالاستئجار يصلح أن يكون كفيلا بالأجر عن المرسل.
وفي الأسرار: في الآية أمران: جواز الكفالة مع جهالة المكفول له، وجوازها مضافة إلى سبب وجوب المال، فانفساخ الأول لا يدل على انفساخ الثاني، وهذا كما احتججتم بكفالة أبي قتادة في قصة الميت الذي عليه درهمان، حيث قال: هما عليَّ، فقلتم بجواز الكفالة عن الميت المفلس ولا تجوز الكفالة للمجهول والغائب، والبطلان مع الجهالة، والغيبة لم تدل على بطلانها مع الإفلاس، ومثال ذلك كثير فكذا هنا.
وعن أبي بكر الجصاص أن الاستدلال بهذه الآية ضغيف؛ لجواز أن يكون
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٠).
(٢) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٣٨)، والمجموع (١٤/¬٥)، وشرح منتهى الإرادات (٢/ ١٣١).
[ ٦ / ٢٨٤ ]
أَوْ مَا غَصَبَكَ فَعَلَيَّ. وَالأَصلُ فِيهِ: قوله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢] وَالإِجْمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ، ثُمَّ الأَصلُ أَنَّهُ يَصِحُ تَعلِيقُهَا بِشَرط مُلَائِم لَهَا مِثلُ: أَنْ يَكُونَ شَرطًا لِوُجُوبِ الحَقِّ كَقَولِهِ إِذَا اسْتَحَقَّ المبيع، أو لإمكان الاستِيفَاءِ، مِثْلُ قَولِهِ: إِذَا قَدِمَ زَيدٌ وَهُوَ مَكْفُولٌ عَنهُ، أَوْ لِتَعَذُّرِ
في بيان العمالة لا الكفالة، ولكن عامة مشايخنا قالوا: الاستدلال به صحيح، كما بينا.
وفي الذخيرة: الكفالة لا تصح مع جهالة المكفول له، وتصح مع جهالة المكفول عنه، والفرق أن الكفالة في حق الطالب بمنزلة البيع، فلا تصح بدون قبول المشتري، فكانت جهالة الطالب مانعة جوازها، كجهالة المشتري مانعة البيع، والكفالة في حق المطلوب بمنزلة الطلاق والعتاق حتى تصح من غير قبوله، فلا تمنع جهالة المعتق جواز العتق وهذا في الكفالة المرسلة.
أما في الكفالة المضافة فجهالة المكفول عنه مانعة حتى إن من قال لغيره: تكفلت لك بما بايعت أحدًا من الناس كانت الكفالة باطلة.
والوجه في ذلك أن في المضافة امتنع جوازها لأجل الإضافة لا لجهالة المكفول عنه، فإن المضافة إلى وقت في المستقبل القياس يأبى جوازها؛ لأنها تمليك في حق الطالب، وإنما جوزت استحسانًا للتعامل، والتعامل فيما إذا كان المكفول عنه معلومًا، ولو كان مجهولا بقي على أصل القياس.
قوله: (بشرط) ملائم إلى آخره، ومن صور الشروط التي تصح في الكفالة ما روي عن محمد: ضمنت كل مالك على فلان إن نوى فهو جائز، وكذا إذا قال: إن مات ولم يدع شيئا فهو ضامن، وكذا إن قال: إن حل مالك على فلان ولم يُوافك به فهو علي، أو إن حل مالك على فلان (^١) فهو علي، وإن مات فهو علي. كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (إذا قدم زيد وهو مكفول عنه) قيد به؛ لأن تعليقها بقدوم غير المطلوب لا يصح؛ لأنه تعليق غير ملائم لمقتضاها؛ إذ قدوم الأجنبي ليس
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
الاستِيفَاءِ، مِثْلُ قَولِهِ: إِذَا غَابَ عَنْ البَلدَةِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرنَاهُ، فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُ التَّعلِيقُ بِمُجَرَّدِ الشَّرطِ كَقَولِهِ: إِنْ هَبَّت الرِّيحُ أَوْ جَاءَ المَطَرُ، وَكَذَا إِذَا جُعِلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَجَلًا، إِلَّا أَنَّهُ تَصِحُ الكَفَالَةُ وَيَجِبُ المَالُ حَالَّا، لِأَنَّ الكَفَالَةَ لَمَّا صَحَّ تَعلِيقُهَا بِالشَّرطِ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ.
بميسر لتسليم ما التزمه، بخلاف قدوم المديون فإنه ميسر للتسليم، فيكون تعليقا لها بالشرط المعين المحض، كهبوب الريح وكدخول الدار. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وما ذكر من الشروط) أي: في أصل المسألة (بمعنى ما ذكرناه) أي: بمعنى الأصل الذي ذكرناه، وهو أن كل شرط ملائم لعقد الكفالة يصح تعليقها به.
(جعل واحد منهما) أي: من هبوب الريح ومجيء المطر (أجلا).
قوله: (إلا أنه تصح الكفالة) إلى آخره، اعلم أن في هذا اللفظ نوع اشتباه؛ لأنه أراد بقوله: (لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط) ابتداء تعليق الكفالة بالشرط، فإن هناك لا يصير كفيلا أصلا. ذكره في المبسوط (^٢) وفتاوي قاضي خان.
وإن أراد بهذا اللفظ تأجيل الكفالة إلى هذه الشروط الفاسدة فهذا تأجيل، والتأجيل غير التعليق. ذكره في فتاوى قاضي خان.
فكيف يصح تعليقه بقوله: (لما صح تعليقها بالشرط لا يبطل بالشروط الفاسدة)؟ إلا إن أراد بالتعليق التأجيل بجامع في كل منهما عدم ثبوت الحكم في الحال، فحينئذ يصح.
وقلّد المُصنّف في هذا الاستعمال لفظ المبسوط، فإنه ذكر هناك هكذا، وذكر التعليق وأراد التأجيل، وعند الشافعي (^٣) وأحمد (^٤) تأجيل الكفالة بالآجال المجهولة لا يصح، وتبطل الكفالة؛ لأنه ليس له وقت تصح المطالبة فيه، فكان منافيًا لمقتضى الكفالة، فلا تصح الكفالة به.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧٣، ١٧٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧٣، ١٧٤).
(٣) انظر: المهذب (٢/ ١٥٣).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٣٣).
[ ٦ / ٢٨٦ ]
(فَإِنْ قَالَ: تَكَفَّلْت بِمَا لَك عَلَيْهِ، فَقَامَت البَيِّنَةُ بِأَلف عَلَيْهِ، ضَمِنَهُ الكَفِيلُ) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَة، فَيَتَحَقَّقُ مَا عَلَيْهِ فَيَصِحُ الضَّمَانُ بِهِ (وَإِنْ لَم تَقُم البَيِّنَةُ فَالقَولُ قَولُ الكَفِيلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي مِقدَارِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ) لِأَنَّهُ مُنكِرٌ لِلزِّيَادَةِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ المَكفُولُ عَنهُ بِأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَم يُصَدَّق عَلَى كَفِيلِهِ) لِأَنَّهُ إِقْرَارُ عَلَى الغَيرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا.
وقلنا: لما بطل التأجيل كانت الكفالة حالة؛ تصحيحا لتصرفه، كما أن الشرط المجهول في الطلاق والعتاق يبطل ويصح الطلاق والعتاق، بأن قال: طلقت أو أعتقت على دن من الخمر، أو طلقت أو أعتقت إلى قدوم الحاج أو الحصاد أو العطاء.
قوله: (ولا ولاية له عليه) أي: لا ولاية للمكفول عنه على الكفيل، فلا يصدق في حق الكفيل.
فإن قيل: يشكل هذا بما تكفل بما دأب له على فلان، ثم بعد ذلك قال الطالب: هو ألفان، وقال المطلوب: ألف، وقال الكفيل: لا شيء لك عليه، فيلزم هناك على الكفيل ألف التي أقر به الطالب، مع أنه لا ولاية له على الكفيل. ذكره في المبسوط (^١).
قلنا: هذا إيجاب المال على الكفيل بكفالته لا بقول المطلوب، لأنه لما قيد الكفالة بالذوب، مع علمه أن الذوب قد يحصل عليه بكفالته بإقراره قد صار ملتزما ذلك بكفالته، وهذا استحسان.
وفي القياس: لا يجب على الكفيل شيءء به كما في مسألتنا؛ لإنكاره الوجوب على المطلوب. كذا في المبسوط (^٢).
ولأن في مسألتنا لما اعترف الكفيل بمال كان حق كفالته مفضيا بذلك، فلا يسمع عليه ما هو الزائد على ما اعترف به؛ لأنه حينئذ يلزم أن يكون إقرار الإنسان حجة على غيره، أما في مسألة المبسوط تكفل بما يستحب في المستقبل، وفي المستقبل قد يجب بإقراره، فكان لزومه بكفالته على ما ذكرنا لا بقول المطلوب.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٢).
[ ٦ / ٢٨٧ ]
قَالَ: (وَتَجُوزُ الكَفَالَةُ بِأَمرِ المَكفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمرِهِ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَينَا، وَلِأَنَّهُ التِزَامُ المُطَالَبَةِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى المَطلُوبِ بِثُبُوتِ الرُّجُوعِ، إذ هُوَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ (فَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ بِمَا أَدَّى عَلَيْهِ).
قوله: (لإطلاق ما روينا)، وهو قوله ﵇: «الزَّعِيمُ غارِمٌ» (^١)، ولا خلاف فيه. (إذ هو) أي: الرجوع (عند أمره) أي: أمر المطلوب (وقد رضي به) أي: بالرجوع، فيكون راضيًا بضرر الرجوع حيث أمره بالكفالة عنه.
قوله: (فإن كفل بأمره) أي: بأمر المطلوب (رجع بما أدّى عليه) (^٢) بالإجماع (^٣).
وفي النهاية: هذا ليس على إطلاقه؛ بل مقيد بما إذا كان الأمر، وهو المطلوب، ممن يجوز إقراره على نفسه بالديون ويملك التبرع، حتى لو كان المطلوب صبيا محجورًا وأمر رجلًا بأن يكفل عنه فالكفالة صحيحة، ولكن لو أدى الكفيل ما أمر لا يرجع على الصبي الأمر (^٤)، وكذا الحكم في العبد المحجور. ذكره في التحفة، وأحكام الصغار [للأستروشني].
[وفي أحكام الصغار] (^٥) له: لو كان الصبي مأذونا صح أمره، ويرجع الكفيل بما أدى عليه؛ لصحة أمره بالإذن.
فإن قيل: لو قال: أد زكاة مالي، أو أطعم عشرة مساكين من كفارتي، فأدى وأطعم لم يرجع على الأمر ما لم يشترط الضمان، أو يقول: على أني ضامن، وهاهنا يرجع بمجرد الأمر، فما الفرق؟
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦) رقم (٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي وصححه ابن حبان. فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٣١٣).
(٣) انظر: مختصر القدوري (١/ ١١٩)، والبحر الرائق (٦/ ٢٤٣)، والتبصرة للخمي (٧/ ٣٠٢٦)، والمقدمات الممهدات (٢/ ٣٧٩)، وبحر المذهب للروياني (٥/ ٤٩٧)، وعمدة الحازم في الزوائد على مختصر أبي القاسم (١/ ٢٩٤)، والمقنع في فقه الإمام أحمد (١/ ١٨١).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٤٢).
(٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
لِأَنَّهُ قَضَى دَينَهُ بِأَمْرِهِ (وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَم يَرجِع بِمَا يُؤَدِّيهِ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ، وَقَولُهُ رَجَعَ بِمَا أَدَّى مَعْنَاهُ: إِذَا أَدَّى مَا ضَمِنَهُ، أَمَّا إِذَا أَدَّى خِلَافَهُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ،
قلنا: الفرق أن الأمر طلب التمليك من المأمور في الفضول كلها؛ لأنه لما أمره أن يؤدي عنه، ولم يكن مؤديا عنه إلا بعد أن يصير المؤدى ملكا للأمر، إلا أن الملك للأمر إنما يثبت في ضمن ملك القابض، فينظر إلى ملك القابض، فمتى ثبت للقابض ملك مضمون بالمثل ثبت للأمر مثل ذلك، وفي قضاء الدين إنما يثبت للقابض ملك مضمون بالمثل، حتى لو ظهر أن لا دين عليه يسترد المقبوض فيثبت للأمر أيضا ملك مقبوض بالمثل، وليس ذلك إلا القرض. أما في الزكاة والكفارة يثبت الملك للقابض غير مضمون بالمثل حتى لو ظهر أن لا زكاة للآمر في الموضعين جميعا مثل ما ثبت للقابض. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والذخيرة.
قوله: (وإن كفل بغير أمره لم يرجع) (^١) وبه قال الشافعي (^٢) وأحمد في رواية (^٣)، وقال مالك (^٤) وأحمد في رواية (^٥): يرجع كما لو كفل بأمره، لأن الطالب بالاستيفاء منه كالمملك لذلك المال من الكفيل، أو كالمقيم له مقام نفسه في استيفاء المال من الأصيل.
وقلنا: تمليك الدين [من غير الدين لا يجوز، وفي الكفالة بالأمر يجب المال حكما للكفيل على الأصيل] (^٦) لكنه يؤخر إلى أدائه، وذلك لا يكون في كفالته بغير أمره؛ لأنه متبرع، ولا يمكن إثبات المال في ذمة المطلوب بغير رضاه؛ فلذلك لا يرجع إليه. كذا في المبسوط (^٧).
قوله: (معناه إذا أدى ما ضمنه)، أما لو أدى خلافه يرجع بما ضمن، حتى لو كفل بالجياد وأدى الزيوف وتجوز المطالبة به رجع على المطلوب بالجياد.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٤٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٣٤).
(٤) انظر: التهذيب في اختصار المدونة (٤/¬١٦).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤١٩).
(٦) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٧) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٥).
[ ٦ / ٢٨٩ ]
لِأَنَّهُ مَلَكَ الدِّينَ بِالأَدَاءِ فَنَزَلَ مَنزِلَةَ الطَّالِبِ، كَمَا إِذَا مَلَكَهُ بِالهِبَة
ولو كفل بالزيوف وأدى الجياد رجع بالزيوف؛ إذ الرجوع بحكم الكفالة، فيرجع بما دخل تحت الكفالة، بخلاف المأمور بقضاء الدين فإنه يرجع بما أدى؛ لأن الرجوع هناك بأمر الأمر بالأداء، فلا بد من اعتبار الأمر والأداء، ففي فصل أداء الجياد مكان الزيوف لم يوجد الأمر في حق الزيادة، وفي الفصل الأول بأن وجد الأمر لم يوجد الأداء. كذا في المبسوط (^١) والذخيرة.
قوله: (ولو قال لخليطه): اقض فلانًا، ولم يقل عني، فلم يرجع على الأمر عند أبي حنيفة (^٢) ومحمد وأحمد (^٣)، وعندهما سواء كان خليطا أو لا.
ولو قال: اقض عني، أو انقد عني - يرجع (^٤)، وعند أبي يوسف يرجع فيهما، وبه قال الشافعي (^٥)، وفي الخليط يرجع بالإجماع فيهما.
لهما أن قوله: اقض فلانًا ألفًا تحتمل الألف التي عليه، ويحتمل الألف التي على الأمر بالاحتمال لا يرجع، بخلاف الخليط فإن العرف أن يأمر بالألف عليه.
ولهم أن الظاهر أن الإنسان يأمر غيره بأداء الألف عليه، ويسعى في تفريغ ذمته، فصار بمنزلة الآمر للخليط، والمراد بالخليط من يأخذ الرجل منه ويداينه ويضع عنده المال، أو يكون في عياله أو شريكه.
قوله: (كما إذا ملكه) أي: الكفيل الدين (بالهبة).
فإن قيل: هبة الدين من غير من عليه الدين لا تجوز، والدين لا يكون في ذمة الكفيل عندنا، فكيف يجوز تملكه بالهبة؟
قلنا: هبة الدين من غير من عليه الدين إنما لا تجوز إذا لم يأذنه بقبضه، فأما إذا أذنه بقبضه يجوز استحسانًا، وهاهنا لما أدى الدين فقد سلطه الطالب على قبضه من المطلوب فتصح هبته، أو يجعل ذلك نقل الدين عليه فيقتضي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬١٠).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/¬٤٢٢).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/¬١٠).
(٥) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٢٤).
[ ٦ / ٢٩٠ ]
أو بِالإِرثِ، وَكَمَا إِذَا مَلَكَهُ المُحتَالُ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرنَا فِي الحَوَالَةِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدِّينِ حَيثُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ لَم يَجِب عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَمْلِكَ الدِّينَ بِالأَدَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ الكَفِيلُ الطَّالِبَ عَنْ الأَلْفِ عَلَى خَمسِمِائَةِ، لِأَنَّهُ إسقاط فَصَارَ كَمَا إِذَا أَبْرَأَ الكَفِيلَ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلكَفِيلِ أَنْ يُطَالِبَ المَكفُولَ عَنهُ بِالمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنهُ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الأَدَاءِ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، حَيثُ يَرجِعُ قَبْلَ الأَدَاءِ لِأَنَّهُ انعَقَدَ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكمِيَّةٌ.
الهبة، فيصير هبة لمن عليه الدين، وهو ممكن؛ لأن له ولاية نقل الدين إليه بإحالة الدين عليه فيثبت ذلك مقتضى تصرفهما، على أن الدين يصير دينين عند الضرورة، ولا صحة للهبة إلا بجعل الدين عليه فجعل عليه للضرورة.
(أو بالإرث) بأن مات الطالب وورثه الكفيل منه.
قوله: (وكما إذا ملكه المحتال عليه) فأدى المحتال عليه المال رجع المحتال عليه على المحيل بما ضمن لا بما أدى؛ لأن المحتال عليه يرجع بما ضمن، ولو وهب المحتال له الدين للمحتال عليه، أو تصدق عليه، أو ورث من المحتال له، أو أدى دنانير، أو عرضًا عن الدراهم؛ فإنه يرجع على المحيل بالمال بمنزلة الكفيل، وقد صرح به في الإيضاح.
قوله: (بخلاف ما إذا صالح إلى آخره، حيث يرجع بما أدى، وهو خمسمائة لا بما ضمن؛ لأنه إسقاط عن بعض الدين وليس بمبادلة، فكان ربا، وإذا كان إسقاطا للبعض صار كما لو أبرأه عن الكل اعتبارًا للبعض بالكل.
قوله: (بخلاف الوكيل بالشراء) وفي الإيضاح: الفرق بين الكفيل والوكيل: أن الكفيل يملك الدين بالأداء؛ لأنه ملتزم للمطالبة، فلا يرجع عليه الأداء بالعقد، وفي الشراء: الوكيل من الموكل بمنزلة البائع من المشتري فيما يرجع إلى الحقوق على ما عرف فتثبت له المطالبة كما تثبت للبائع، فكان له الطلب قبل الأداء.
قوله: (انعقد بينهما) أي: بين الوكيل والموكل مبادلة حكمية) حتى لو
[ ٦ / ٢٩١ ]
قَالَ: (فَإِنْ لُوزِمَ بِالمَالِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلازِمَ المَكفُولَ عَنهُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ) وَكَذَا إِذَا حُبِسَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ، لِأَنَّهُ لَحِقَهُ مَا لَحِقَهُ مِنْ جِهَتِهِ فَيُعَامِلُهُ بِمِثْلِهِ (وَإِذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ المَكفُولَ عَنهُ أَوْ استَوفَى مِنْهُ بَرِئَ الكَفِيلُ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الكَفِيلِ)، لِأَنَّ الدِّينَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ (وَإِنْ أَبْرَأَ الكَفِيلَ لَم يَبْرَا الأَصِيلُ عَنهُ) لِأَنَّهُ تَبَعُ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ المُطَالَبَةَ
اختلفا في مقدار الثمن يتحالفان وللوكيل ولاية حبس المشتري عن الموكل لأجل الثمن كما للبائع؛ إذ الموكل يستفيد الملك في المشترى من جهة الوكيل، فكان الوكيل بمنزلة البائع.
قوله: (حتى يخلصه) ولا خلاف فيه، وكذا إذا حبس كان له أن يحبسه، وبه قال الشافعي في وجه هـ (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣) إذا كانت الكفالة بأمره، وقال الشافعي (^٤) في الأصح: لا يحبسه؛ لأنه لا يتعلق له على الأصيل قبل الأداء.
قلنا: هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه تخليصه.
قوله: (لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل) بلا خلاف بين الفقهاء (^٥)، بخلاف ما إذا كفل بشرط براءة الأصيل، فبراءته لا توجب براءة الكفيل؛ لأنه في معنى الحوالة، والاعتبار للمعاني لا للعبارة.
وقوله: (في الصحيح) احتراز عما قال بعض العلماء: إنه يوجب أصل الدين في ذمة الكفيل على ما بيناه، ولكن من قال بوجوب الدين عليه أيضًا يسقط كلاهما ببراءة الأصيل، فحينئذ في الصحيح تفسد بناء على ظاهر مذهب أصحابنا.
(لأن عليه) أي: على الكفيل (المطالبة) وإن كان عليه دين فبإبرائه يسقط ما
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٧/¬١٨).
(٢) انظر: المدونة (٤/ ٩٦).
(٣) انظر: كشاف القناع (٣/ ٣٦٥).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٤).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٦/¬١٣)، والجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٣١٤)، والتهذيب في اختصار المدونة (٤/¬١٤)، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٢/ ٨١٨)، والحاوي الكبير (٦/ ٤٦٥)، والمذهب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٥٤)، ودقائق أولي النهى في شرح منتهى الإرادات (١٣٣٢)، وكشاف القناع (٣/ ٣٧٨)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤٢١)، والمقنع في فقه الإمام أحمد (١/ ١٨١).
[ ٦ / ٢٩٢ ]
وَبَقَاءَ الدِّينِ عَلَى الأَصِيلِ بِدُونِهِ جَائِزٌ وَكَذَا إِذَا أَخَرَ الطَّالِبُ عَنِ الْأَصِيلِ، فَهُوَ تَأخِيرٌ عَنْ الكَفِيلِ، وَلَو أَخَرَ عَنْ الكَفِيلِ لَم يَكُنْ تَأخِيرًا عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَصلُ لِأَنَّ التَّأخِيرَ إِبْرَاءُ مُوَقَّتْ فَيُعْتَبَرُ بِالإِبْرَاءِ المُؤَيَّدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَفَلَ بِالمَالِ الحَالٌ مُؤَجَّلًا إلى شهر، فَإِنَّهُ يَتَأَجَلُ عَنْ الأَصِيلِ،
عليه من الدين، ولا يسقط دين الأصيل (بدونه) أي: بدون المطالبة، على تأويل الطلب.
قوله: (لم يكن تأخيرًا عن الذي عليه الأصل) وهو المكفول عنه، ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن التأخير إبراء موقتٌ، فإنه يسقط المطالبة إلى غاية، فتعتبر بالإبراء المؤبد.
فإن قيل: الإبراء المؤبد لا يرتد برد الكفيل، والمؤقت يرتد برده، وبرد الأصيل يرتدان كلاهما، والرواية في التتمة، فكيف يعتبر المؤقت بالمؤبد؟
قلنا: كلامنا في الثبوت والسقوط، أما قبول الارتداد وعدم قبوله حكم آخر سوى ما نحن فيه، فلا يلزم من اعتبارهما في حكم اعتبارهما في جميع الأحكام.
وذكر في الذخيرة الفرق بين المؤبد والمؤقت في قبول الارتداد وعدم قبوله فقال: إن الإبراء إسقاط محض في حق الكفيل، وليس فيه تمليك مال؛ لما ذكرنا أن الواجب بعقد الكفالة مجرد المطالبة، وقد أمكننا تصحيح الإبراء من غير أن يعتبر وجوب المال عليه؛ لأنه موضوع للإسقاط، والإسقاط المحض لا يحتمل الرد، كإسقاط الخيار.
وأما الإبراء المؤقت فهو تأخير مطالبته وليس بإسقاط؛ ألا ترى أن المطالبة بعد الأجل، والتأخير قبل الإبطال بخلاف الإسقاط المحض، وإليه أشار في المبسوط أيضًا.
قوله: (فإنه يتأجل عن الأصيل) وقال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، ومحمد في
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٧/¬١٨).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٣٣).
[ ٦ / ٢٩٣ ]
لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إِلَّا الدَّينُ حَالَ وُجُودِ الكَفَالَةِ، فَصَارَ الأَجَلُ دَاخِلا فِيهِ، أَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ صَالَحَ الكَفِيلُ رَبَّ المَالِ عَنْ الأَلفِ عَلَى خَمسِمِائَةِ، فَقَد بَرِئَ الكَفِيلُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الأَصلُ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الصُّلحَ إِلَى الأَلْفِ الدِّينِ وَهِيَ عَلَى الأَصِيلِ
رواية: لا يتأجل عن الأصيل؛ بل يتأجل على الكفيل؛ لأن التأجيل ثبت بعقد الكفيل، فيتأجل في حقه، كما لو أجله على الكفيل بعد الكفالة، وقلنا: إن التأجيل كما قارن الكفالة صار داخلا في الدين (لأنه) أي: الطالب (لا حق له إلا الدين حال وجود الكفالة) يعني: حال وجود الكفالة لا حق يقبل الأجل إلا الدين، فصار التأجيل وصفًا لأجل الدين فيظهر الأجل في حقهما ضرورة، كما في سائر أوصاف الديون من الجودة والزيافة، بخلاف التأجيل بعد الكفالة؛ لأنه يتأخر حق المطالبة، فلم يكن التأجيل وصفا للدين؛ لأن الملتزم بالكفالة حق المطالبة، فيكون هو في معرض التأخير لا الدين، فلم يتأخر في حق الأصيل.
إليه أشار الإمام الكاساني والمرغيناني (^١).
قوله: (فإن صالح الكفيل) إلى آخره، المسألة على أربعة أوجه: إن شرط براءتهما في الصلح بَرِئا جميعًا عن خمسمائة. أو شرط براءة المطلوب فكذلك يبرأن جميعًا. ولو شرط براءة الكفيل لا غير برئ الكفيل عن خمسمائة، والألف بحاله على الأصيل.
أو لم يشترط براءة كل واحدٍ منهما بأن قال الكفيل: صالحتك على خمسمائة، ولم يزد على هذا، وهي مسألة الكتاب برئا جميعًا عن خمسمائة. (لأنه) أي: الكفيل (أضاف الصلح إلى الألف الدين) وهو على الأصيل لا على الكفيل فيبرأ الأصيل من ذلك؛ لضرورة إضافة الصلح إلى الألف المعهودة (وهي على الأصيل) فيبرأ الأصيل، ومن ضرورته يبرأ الكفيل؛ لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل، ويرجع الكفيل على الأصيل؛ لأنه أوفى هذا القدر، ولا خلاف فيه.
_________________
(١) انظر: الهداية للمرغيناني (٣/ ٩١).
[ ٦ / ٢٩٤ ]
فَبَرِئَ عَنْ خَمسِمِائَةِ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَبَرَاءَتُهُ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الكَفِيلِ، ثُمَّ بَرِئَا جَمِيعًا عَنْ خَمسِمِائَةِ بِأَدَاءِ الكَفِيلِ، وَيَرْجِعُ الكَفِيلُ عَلَى الأَصِيلِ بِخَمسِمِائَةِ، إِنْ كَانَتِ الكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى جِنس آخَرَ، لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ حُكمِيَّةٌ فَمَلَكَهُ فَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الأَلف، وَلَو كَانَ صَالَحَهُ عَمَّا اسْتَوجَبَ بِالكَفَالَةِ لَا يَبْرَأُ الأَصِيلُ؛ لِأَنَّ هَذَا إِبْرَاءُ الكَفِيلِ عَنِ المُطَالَبَةِ.
بخلاف ما إذا صالح بجنس آخر مبادلة فيملكه (^١)؛ أي الدين، ويرجع بجميع الألف، وعند الأئمة الثلاثة (^٢) يرجع بأقل من الدين ومن قيمة السلعة؛ لأنه أوفى هذا القدر، ولا يجعل الصلح بجنسه مبادلة؛ لأن الخمسمائة لا يمكن أن تجعل عوضًا من خمسمائة؛ لما فيه من الرِّبا، ولا يمكن أيضًا التمليك إلى الكفيل؛ لأن تملك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز، ولا يمكن أن تجعل واجبة في ذمة الكفيل تصحيحا للصلح مع الكفيل حتى تصير البراءة عن خمسمائة مشروطة للكفيل، كما لو صالح على خلاف الجنس؛ لأن وجوبها في ذمة الكفيل عند الحاجة إلى التمليك، وفي خلاف الجنس يحتاج إلى التمليك، وفي الجنس لا يحتاج إلى التمليك؛ لما فيه من الربا، بل هو إسقاط لخمسمائة، فكانت البراءة عن خمسمائة مشروطة للأصيل، وبراءته توجب براءة الكفيل. كذا ذكره المرغيناني والمحبوبي.
قوله: (ولو كان صالحه عما استوجب بالكفالة) وهو المطالبة، صورته ما ذكر في المبسوط: على إبراء الكفيل خاصة عن الباقي.
وفي شرح الطحاوي: أما الواجب الذي يوجب براءة الكفيل دون الأصيل ما لو صالحه، وشرط في الصلح براءة الكفيل خاصة، وإن شاء أخذ دينه من الأصيل، وإن شاء أخذ من الكفيل خمسمائة درهم، والكفيل يرجع بخمسمائة إن كان الصلح بأمره.
قوله: (لا يكون [إلا] (^٣) الإيفاء، فيكون إقرارًا) (^٤) بقبض الدين (فيرجع)
_________________
(١) انظر: الدر المختار (٥/ ٣٢٠).
(٢) انظر: التهذيب (٤/¬١٦)، ونهاية المطلب (٧/¬١٨)، وروضة الطالبين (٤/ ٢٧٢)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤١١).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر المتن ص ٢٩٦.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
قال: (وَمَنْ قَالَ لِكَفِيل ضَمِنَ لَهُ مَالًا: قَدْ برئتَ إِلَيَّ مِنْ المَالِ، رَجَعَ الكَفِيلُ عَلَى المَكْفُولِ عَنهُ) مَعْنَاهُ: بِمَا ضَمِنَ لَهُ بِأَمْرِهِ، لِأَنَّ البَرَاءَةَ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ المَطلُوبِ وَانْتِهَاؤُهَا إِلَى الطَّالِبِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالإِيفَاءِ، فَيَكُونُ هَذَا إِقْرَارًا بِالأَدَاءِ فَيَرْجِعُ (وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأَتُكَ لَم يَرجِع الكَفِيلُ عَلَى المَكفُولِ عَنهُ) لِأَنَّهُ بَرَاءَةٌ لَا تَنتَهِي إِلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِالإِسْقَاطِ فَلَم يَكُنْ إقرارًا بِالإِيفَاءِ.
وَلَو قَالَ: بَرِئت، قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: هُوَ مِثلُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ البَرَاءَةَ بِالأَدَاءِ إِلَيْهِ وَالإِبْرَاءِ فَيَثْبُتُ الأَدْنَى إِذْ لَا يَرْجِعُ الكَفِيلُ بِالشَّكِّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: هُوَ مِثْلُ الأَوَّلِ (*)، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبَرَاءَةِ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ المَطلُوبِ وَإِلَيْهِ الإِيفَاءُ دُونَ الْإِبْرَاءِ. وَقِيلَ
ولو قال: برئت من المال، ولم يقل إليَّ، فهو إقرار بالقبض عند أبي يوسف (^١).
وقيل: أبو حنيفة مع أبي يوسف، وعند محمد (^٢) لا يكون إقرارًا بالقبض، فيبرأ الكفيل [دون الأصيل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن قوله: (برئت) يحتمل البراءة بالقبض] (^٣) ويحتمل البراءة بالإبراء، فتيقنا بحصول البراءة مطلقا، فلا يثبت الأداء بالشك؛ بخلاف قوله: برئت إلي؛ لأنه لا يقال برئت إلي بمعنى الإبراء مطلقا؛ بل يقال: لا يبرأ ابتداؤه من الكفيل، وانتهاؤه إلى الطالب، وذلك لا يكون إلا بالقبض.
وبخلاف ما إذا كتب الطالب صَكًّا وذكر فيه: برئ الكفيل من الدراهم التي كفل بها؛ فإنه يكون إقرارًا بالقبض بالإجماع؛ لأن الكتابة جعلت إقرارًا بالقبض بحكم العرف.
(وقال أبو يوسف: هو) أي: قوله: برئت (مثل الأول) وهو قوله: برئت إلي (لأنه أقر ببراءة ابتداؤها) من الكفيل على الخصوص، فإنه ذكر حرف الخطاب، وهو التاء، وإنما يذكر هذا إذا وجد بفعل مضاف إليه على الخصوص، كما في قمتُ وقعدتُ والبراءة التي توجد بين الكفيل خاصة هي
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: تحفة الفقهاء (٣/ ٢٤٠)، والمبسوط للسرخسي (٢٠/ ٩٢).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٩٢).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
في جَمِيعِ مَا ذَكَرنَا: إِذَا كَانَ الطَّالِبُ حَاضِرًا يَرجِعُ فِي البَيَانِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُجمَلُ.
البراءة بالإيفاء؛ لأنه يخلي بين الطالب وبين المال ويضع عنده.
فأما البراءة بالإبراء لا توجد بفعل الكفيل وإنما توجد بفعل الطالب، فلا تكون البراءة حينئذ مضافة إلى الكفيل، وما قاله محمد إنما يستقيم إذا كان الاحتمال على السواء، وقد يُرجح أحد الاحتمالين، وهو البراءة بالقبض؛ لأنه كالحقيقة، والآخر كالمجاز.
وقيل: برئت مطاوع (^١) أبرأتك، فيكون حقيقة أيضًا، واختلف مشايخنا المتأخرون فيما قال المدعى عليه: أبرأني المدعي من الدعوى التي يدعي علي، قيل: يكون إقرارًا كما لو قال: أبرأني من هذا المال، وقيل: لا يكون إقرارًا؛ لأن الدعوى قد تكون حقا وباطلا، ولو قال الطالب للكفيل: أنت في حل من المال؛ فهو كقوله: أبرأتك بإجماع الأئمة الأربعة (^٢)؛ لأن لفظ الحل يُستعمل في البراءة بالإيراد (^٣) دون البراءة بالقبض. كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (وقيل في جميع ما ذكرنا) إلى آخره، في الكافي: هذا كله إذا غاب الطالب، فإن كان حاضرًا يرجع إليه أنه قبض المال أو لم يقبض؛ لأنه هو المحتمل.
فإن قيل: المجمل ما لا يمكن العمل به إلا بالبيان، وهاهنا العمل ممكن في الأوجه الثلاثة بدون البيان على ما ذكر من وجوه البيان، خصوصًا في الوجه الأول؛ لأنه بين البراءة التي ابتداؤها من الكفيل وانتهاؤها إلى الطالب، بمنزلة قوله: دفعت إلي أو قبضته منك، فلا يكون فيه إجمالا، وكذا في الثاني؛ ولهذا الاختلاف فيه أنه براء بدون القبض، وفي الوجه الثالث عمل محمد بيقين، وأبو يوسف رجح الإبراء بالقبض، كما ذكرنا، فلا يكون مجملا.
قيل في جوابه: إن قوله: (برئت) (^٤) إليّ وإن كان بمنزلة الصريح في حق الإيفاء، والقبض من حيث الاستدلال، لكنه ليس بصريح فيه؛ بل هو قابل
_________________
(١) انظر: البناية (٨/ ٤٤٧).
(٢) انظر: الأصل للشيباني (١٠/ ٤٩٩)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٤٧)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٦/ ٣٠٣)، وبحر المذهب للروياني (٥/ ٥٠٣)، والمبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٣٤).
(٣) البناية (٨/ ٤٤٧)، والنهر الفائق (٣/ ٥٦٦).
(٤) انظر المتن ص ٢٩٦.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ تَعلِيقُ البَرَاءَةِ مِنْ الكَفَالَةِ بِالشَّرطِ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ كَمَا فِي سَائِرِ البَرَاآتِ. وَيُروَى: أَنَّهُ يَصِحُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ المُطَالَبَةَ دُونَ الدِّينِ فِي الصَّحِيحِ، فَكَانَ إسقاطا محضا كَالطَّلَاقِ، وَلِهَذَا لَا يَرَتَدُّ الإِبْرَاءُ عَنِ الكَفِيلِ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ إِبْرَاءِ الأَصِيلِ.
للاستعارة بأن قال: برئت اليّ؛ لأني أبرأتك، وإن كان بعيدًا عن الاستعمال، وما ذكروا في تعليل الأوجه الثلاثة كله استدلالي لا صريح في الإيفاء وغير الإيفاء؛ ولهذا جعلت الأئمة الثلاثة الكل الإبراء بدون الإيفاء (^١) فكان العمل به عند العجز عن العمل بالصريح، فلما أمكن العمل بالصريح البياني من الطالب سقط العمل بالاستدلال، وفيه تأمل.
قوله: (ولا يجوز (^٢) تعليق البراءة من الكفالة بالشرط) بأن قال: إذا جاء غد فأنت بريء من الكفالة.
قيل: المراد بالشرط الشرط المحض الذي لا منفعة للطالب فيه أصلا؛ كدخول الدار ومجيء ء الغد؛ لأنه غير متعارف، أما إذا كان متعارفًا - يجوز (^٣)، كما في تعليق الكفالة، فإنه ذكر في الإيضاح: لو كفل بالمال وبالنفس أيضًا.
وقال: إن وافيتك غدًا فأنا بريء من المال، فوافاه غدًا يبرأ من المال، فقد جوز تعليق البراءة [عن الكفالة بالمال، وكذا لو علق البراءة] (^٤) باستيفاء البعض - يجوز، أو علق البراءة عن البعض بتعجيل البعض - يجوز. ذكره في مبسوط شيخ الإسلام.
فعلم أن المراد بالشرط الشرط الغير المتعارف، واختلاف الروايتين في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشرط، وعدم جوازه، الذي ذكره في الكتاب بقوله: (ويروى أنه يصح على هذا) أي: لا يجوز تعليقها بشرط غير متعارف، ويروى: يصح بشرط متعارف كما في تعليق الكفالة.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٤٨).
(٢) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٢٣).
(٣) انظر: الدر المختار (٥/ ٣٢٢).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
قَالَ: (وَكُلُّ حَقٌّ لَا يُمكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الكَفِيلِ لَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِهِ، كَالحُدُودِ وَالقِصَاصِ) مَعْنَاهُ: بِنَفْسِ الحَدِّ لَا بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الحَدُّ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِيجَابُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ العُقُوبَةَ لَا تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ.
(وَإِذَا تَكَفَّلَ عَنِ المُشتَرِي بِالثَّمَنِ جَازَ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَإِنْ تَكَفَّلَ عَنْ البَائِعِ بِالمَبِيعِ لَم تَصِحَ) لِأَنَّهُ عَينُ مَضمُون بِغَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالكَفَالَةُ بِالأَعْيَانِ.
قوله: (لا تجري فيها) أي: في العقوبة (النيابة) ولا نعلم فيه خلافًا؛ إذْ مقصوده بالعقوبة زجر العاصي، وبإقامته على غير الجاني لا يحصل ذلك.
قوله: (وإن تكفل عن البائع) أي: للمشتري (بالمبيع) أي: بالمبيع بعينه (لم تصح؛ لأنه عين مضمون بغيره، وهو الثمن). اعلم أن الكفالة بالديون المستقرة تصح بلا خلاف، وبالأعيان الغير المضمونة كالودائع والأمانات والمستعار عندنا ومال المضاربة والشركة - لا تصح بلا خلافٍ، وبالأعيان المضمونة بنفسها، كالمغصوب والمبيع بيعًا فاسدًا، والمقبوض على سوم الشراء - يصح عندنا (^١)، وبه قال أحمد (^٢) والشافعي في وجه (^٣)، وقال الشافعي في وجه: لا يصح؛ لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة، فلا تتصور القدرة على إيفائها من عنده، وشرط صحة الكفالة قدرة الكفيل على الإيفاء من عنده، وذا فيما يثبت في الذمة لا في العين.
وقلنا: الكفالة فيما يكون مضمونًا على الأصيل تصح؛ لأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، فينبغي أن يكون مضمونًا على الأصيل؛ ليكون الكفيل مطالبا به، فإذا كان مضمونًا على الأصيل فيكون رد العين أو القيمة مضمونًا على الأصيل، فتجوز الكفالة بها.
وأما قوله: لا يقدر على الأداء من عنده.
قلنا: تسليم ما التزمه متصور في الجملة، فيصح التزامه؛ لأن ما يلزمه بعقده يعتبر فيه التصور فالواجب في الأعيان المضمونة بعينها، أي: بالقيمة،
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة (١/ ٢٢٧)، والبحر الرائق (٨/ ٢٧٨).
(٢) انظر: دقائق أولي النهى (٣/¬١١).
(٣) انظر: بحر المذهب للروياني (٥/ ٤٧٦).
[ ٦ / ٢٩٩ ]
المَضمُونَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَصِحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لَكِن بِالأَعْيَانِ المَضمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالمَبِيعِ بَيعًا فَاسِدًا وَالمَقبُوضِ عَلَى سَومِ الشَّرَاءِ وَالمَعْصُوبِ، لَا بِمَا كَانَ مَضمُونًا بِغَيْرِهِ كَالمَبِيعِ وَالمَرهُونِ، وَلَا بِمَا كَانَ أَمَانَة كَالوَدِيعَةِ وَالمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَمَالِ المُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ. وَلَو كَفَلَ بِتَسْلِيمِ المَبِيعِ قَبلَ القَبْضِ أَوْ بِتَسْلِيمِ الرَّهِنِ بَعدَ القَبضِ إِلَى الرَّاهِنِ أَوْ بِتَسْلِيمِ المُستَأجَرِ إِلَى المُستَأجِرِ، جَازَ لِأَنَّهُ التَزَمَ فِعلًا وَاجِبًا.
على الكفيل تسليم عينها عند القدرة، وتسليم قيمتها إن لم يقدر، بخلاف الأعيان المضمونة بغيرها، أي: بالمبيع والرهن، فإن المبيع مضمون بالثمن، والمرهون بالدين لا القيمة - فلا يصح ضمانه أيضًا عندنا؛ لأنها غير مضمونة على الأصيل، حتى لو هلك المبيع في يد البائع يسقط الثمن، فلا تصح كفالتها؛ لما قلنا: إن الكفالة التزام المطالبة بما على الأصيل، فلا تتحقق الكفالة، وكذا الرهن لو هلك في يد المرتهن صار مستوفيا دينه بهلاكه، ولا يلزمه حق، فلا يلزم الكفيل شيء. إليه أشار شيخ الإسلام في مبسوطه.
قوله: (لأنه) أي: الكفيل (التزم فعلًا واجبًا) أي: على الأصيل، وهو تسليم المبيع المرهون والمستأجر، فلو هلك المبيع أو الرهن أو المستأجر بطلت الكفالة، ولم يكن على الكفيل شيء؛ لأنه ما ضمن الثمن في المبيع، أو القيمة في غيرها، وعن أبي يوسف (^١) ومحمد: العين في يد الأجير المشترك مضمونة، فتصح الكفالة بها عندهما، خلافًا لأبي حنيفة.
وفي الذخيرة: الكفالة بتمكين المودع من الأخذ صحيحة (^٢)، وكذا الكفالة بتسليم العارية صحيحة، لكن بعينها لا يجوز، وقال شمس الأئمة: الكفالة بتسليم العارية باطلة، وهذا ليس بصواب، فقد نص محمد في الجامع أن الكفالة بتسليم العارية صحيحة (^٣)، وهكذا في المبسوط والإيضاح، وعند أحمد (^٤) يجوز ضمان العارية؛ لأنه مضمون عنده، كالمغصوب.
_________________
(١) انظر: البناية (٨/ ٤٥٠).
(٢) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥٠).
(٣) انظر: العناية (٧/ ١٩٩).
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٦/ ٢٥٩١)، والإنصاف (٦/ ١١٢).
[ ٦ / ٣٠٠ ]
(وَمَنْ استَأجَرَ دَابَّةً لِلحَملِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِعَينِهَا لَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِالحَملِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنهُ (وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَتِ الكَفَالَةُ) لِأَنَّهُ يُمكِنُهُ الحَملُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ وَالحَملُ هُوَ المُستَحِقُّ وَكَذَا مَنْ استَأجَرَ عَبْدًا لِلخِدمَةِ فَكَفَلَ لَهُ رَجُلٌ بِخِدمَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا بَيَّنَّا.
قوله: (لم تصح الكفالة (^١) بالحمل) قيد به؛ إذ بعين الدابة لا يجوز في الصورتين (لأنه) أي: الكفيل (عاجز عنه) أي: عن تسليم الدابة المعينة؛ لأنها ملك الغير، والمستحق الحمل عليها، أما لو كانت بغير عينها يجوز (^٢)؛ لأن المستحق نفس الحمل لا الحمل على الدابة المعينة، ويمكنه الحمل على دابة نفسه.
وفي النهاية: المكفول به في المعينة شيئان: الحمل والدابة المعينة، وهذا المكفول به عند تركيبه بهذين الشيئين غير مقدور للكفيل؛ لأنه لو كان له دابة فلا يكون الحمل عليها على تلك الدابة المعينة؛ فلذلك لا يكون الكفيل قادرًا على المكفول به.
وإنما قلنا: إن المراد من هذا لأن الكفيل لو كفل بكل واحد من هذين المركبين، فإنه جائز، حتى لو استأجر رجل إبلا معينة عن رجل فكفل رجلٌ بتسليمها من المستأجر، فإنه، ذكره في المبسوط (^٣).
ولو كفل بحمل إبل غير معين يجوز على ما ذكر في الكتاب، فعلم أن عدم الجواز فيما إذا كان مركبًا من هذين الشيئين.
قوله: (عبدا للخدمة) أي: معينًا.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى ما ذكر في مسألة الدابة.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥١).
(٢) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥١).
(٣) هكذا في الأصل الخطي، وفي المبسوط للسرخسي (١٥/ ١١٧): إذا استأجر منه إبلا بغير أعيانها يحمل عليها متاعًا مسمى إلى بلد معلوم وكفل له رجل بالحمولة جاز للمعنى الذي ذكرنا، ولو استأجر إبلا بعيانها وكفل رجل بالحمولة لم تجز الكفالة؛ لأن الكفيل لا يقدر على إيفاء المكفول به من مال نفسه، فإن غير ما عين لا يقوم مقام المعين في الإيفاء فهو بمنزلة ما لو كفل بمال بشرط أن يؤدي ذلك من مال نفسه الأصيل، وذلك باطل.
[ ٦ / ٣٠١ ]
قَالَ: (وَلَا تَصِحُ الكَفَالَةُ إِلَّا بِقَبُولِ المَكفُولِ لَهُ فِي المَجْلِسِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ آخِرًا: يَجُوزُ إِذَا بَلَغَهُ أَجَازَ (•)، وَلَم يَسْتَرِط فِي بَعْضِ النُّسَخِ الإِجَازَةَ، وَالخِلافُ فِي الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالمَالِ جَمِيعًا. لَهُ: أَنَّهُ تَصَرُّفُ التِزَام فَيَسْتَبِدُّ بِهِ المُلتَزِمُ، وَهَذَا وَجهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنهُ. وَوَجهُ التَّوَقُفِ مَا ذَكَرنَاهُ فِي الفُضُولِيِّ
قوله: (وهذا) أي: اشتراط (^١) قبول المكفول له عندهما، وبه قال الشافعي في وجه (^٢)، وقال أبو يوسف: لا يشترط رضاه ولا قبوله، وبه قال الشافعي في الأصح (^٣) ومالك (^٤) وأحمد (^٥).
قوله: (في بعض النسخ) أي: نسخ كفالة المبسوط: (الإجازة) على قول أبي يوسف (^٦) (والخلاف في الكفالة بالنفس والمال جميعًا) أي: واحد.
وفي الكافي: واختلفوا في قول أبي يوسف (^٧) فقيل: يجوز عنده بوصف التوقف، حتى لو رضي الطالب ينفذ، وقيل: يجوز بوصف النفاذ، ورضا الطالب ليس بشرط، وهو الأصح عنده.
وفي شرح المجمع: وأفتى بعض المشايخ بقول أبي يوسف رفقًا بالناس.
(له) أي: لأبي يوسف (أنه) عقد الكفالة (تصرف التزام) للغير فيتم بالملتزم كالإقرار والنذر؛ ولهذا يصح مع الجهالة.
ووجه التوقف إلى آخره، يعني: من جعل الخلاف في التوقف جعله فرعًا للفضولي في النكاح إذا تزوج امرأة، وليس عنها قابل، يتوقف عنده على إجازتها فيما وراء المجلس، كأنه جعل قوله: (كفلت لفلان عن فلان بكذا) عقدًا تاما، لكنه تصرف للغير فيتوقف على رضاه؛ لأنه لا ضرر على أحد في هذا التوقف.
_________________
(١) (•) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: البناية (٨/ ٤٥١).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٤).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٤).
(٥) انظر: إرشاد السالك (١/ ٩٦).
(٦) الشرح الكبير (٥/ ١٠٢).
(٧) انظر: البناية (٨/ ٤٥١).
(٨) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥١).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
فِي النِّكَاحِ. وَلَهُمَا: أَنَّ فِيهِ مَعنَى التَّمْلِيكِ، وَهُوَ تَملِيكُ المُطَالَبَةِ مِنْهُ، فَيَقُومُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالمَوجُودُ شَطْرُهُ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ المَجْلِسِ. قال: (إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَةٍ وَهِيَ: أَنْ يَقُولَ المَرِيضُ لِوَارِثِهِ: تَكَفَّل عَنِّي بِمَا عَلَيَّ مِنْ الدِّينِ، فَكَفَلَ بِهِ مَعَ غَيْبَةِ الغُرَمَاءِ جَازَ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا تَصِحٌ وَإِنْ لَم يُسَمِّ المَكْفُولَ
قوله: (ولهما) أن فيه أي: في الكفالة (معنى التمليك).
في المبسوط: الكفالة تبرع على الطالب بالالتزام، وإنشاء سبب التبرع لا يتم إلا بالتبرع، ما لم يقبله المتبرع عليه، كالهبة والصدقة، فلا تتم إلا بالإيجاب والقبول، فكان كلام الواحد شطر العقد، وشطر العقد لا يتوقف على ما وراء المجلس، فيبطل بالقيام عن المجلس، بخلاف الإقرار، فإنه إخبار عن واجب سابق، والإخبار يتم بالمخبر، وعلى هذا فضولي (^١) عن الطالب يتوقف - على قولهما - على إجازة الطالب (^٢).
وقد يتعدى ضرر هذا الالتزام إلى الطالب، فإن على قول بعض العلماء: الكفالة إذا صحت برئ الكفيل الأصيل، ولعل الأمر يرجع إلى قاض فيحكم ببراءة الأصيل عن حق الطالب، وفيه ضرر عليه؛ فلذلك لا تصح الكفالة إلا بقوله.
وقوله: (إلا في مسألة واحدة) استثناء من قوله: (لا يصح الكفالة إلا بقبول (^٣) المكفول له) حيث يصح استحسانًا.
وفي القياس: لا يجوز على قولهما؛ لأن الطالب غير حاضر، فلا يتم الضمان إلا بقبوله، ولأن الصحيح لو قال هذا لورثته أو لغيرهم لا يصح إذا ضمنوه، فكذا المريض.
وفي الاستحسان: يصح؛ لأن حق الغرماء والورثة يتعلق بتركته بمرضه، على أن يتم ذلك بموته، وتتوجه المطالبة على الورثة بقضاء ديونهم من التركة، فقام المطلوب في هذا الخطاب لورثته مقام الطالب أو نائبه؛ لأنه يقصد النظر لنفسه حتى تفرغ ذمته؛ بخلاف ما إذا كان صحيحًا فإنه لا حق لأحد في ماله،
_________________
(١) في المبسوط: (وعلى هذا لو خاطب فضولي …).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧١).
(٣) انظر المتن ص ٣٠٢.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
لَهُم، وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّالِبِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ تَفْرِيعًا لِذِمَّتِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَا يُشْتَرَطُ القَبُولُ، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّحقِيقُ دُونَ المُسَاوَمَةِ ظَاهِرًا فِي هَذِهِ الحَالَةِ، فَصَارَ كَالأَمرِ بِالنِّكَاحِ، وَلَو قَالَ المَرِيضُ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيِّ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِيهِ.
ولا يطالبه بشيء من دينه قبل ورثته، فلا يقوم هو مقام الطالب في الخطاب لهم بهذا الضمان. كذا في الإيضاح والمبسوط (^١).
(ولهذا قالوا) أي: المشايخ (إنما تصح) أي: عقد الكفالة بدون قبول الطالب إذا كان له أي: للمريض (مال) عند الموت؛ إذ الوصية تصح في المال عند الموت (أو يقال: إنه) أي: المريض (قائم مقام الطالب لحاجته) أي: لحاجة المريض إلى إقامة نفسه مقام الطالب في تفريغ ذمته كما ذكر في المبسوط (^٢) والإيضاح.
(وفيه) أي: في إقامة نفسه مقام الطالب (نفع الطالب) وهو وصول حقه إليه، (فصار كما إذا حضر) أي: الطالب (بنفسه).
(ولا يشترط القبول) أي: قبول المريض (لأنه) أي: المريض (يراد به) أي: بقوله تكفل عني (التحقيق دون المساومة).
هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لما كان المريض مقام الطالب ينبغي أن يكون قبول المريض شرطًا كما يشترط قبول الطالب؛ لما أن الكفالة لا تصح بدون قبوله عندهما؛ لأنه عقد تمليك فصار كما قال المشتري لرجل: بعني، فقال البائع: بعته؛ لم يتم البيع حتى يقول المشتري: اشتريت، ولا يقوم قوله: (بعني) مقام قوله: (اشتريت).
فقال في جوابه: فالظاهر أن حال المريض أن يريد بهذا التحقيق دون المساومة، فكان قوله: (تكفل عني) بمنزلة (قبلتُ الكفالة) فلذلك لم يَحْتَجْ - وإنما كان هذا تحقيقا - لتفريع ذمته عن الدين، فصار كقول الرجل لامرأة: زوجيني نفسك، فقالت: زوجت، كان هذا بمنزلة (زوجت وقبلت).
قوله: (اختلفت المشايخ فيه) قيل: لا يجوز (^٣)؛ لأن الأجنبي غير مطالب
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧١).
(٢) المبسوط للسرخسي (٦/¬٢٠).
(٣) انظر: تبيين الحقائق (٤/ ١٥٩).
[ ٦ / ٣٠٤ ]
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَم يَتْرُك شَيئًا فَتَكَفَّلَ عَنهُ رَجُلٌ لِلغُرَمَاءِ لَم تَصِحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: تَصِحٌ) (•)
بقضاء دينه بدون الالتزام، فكان المريض في حقه والصحيح سواء، فلما كان كذلك، ولو قال الصحيح لأجنبي أو وارثه ذلك لا يصح بدون قبول الطالب، فكذا في المريض.
وقيل: يصح هذا الضمان من الأجنبي؛ لأن المريض قصد به النظر لنفسه، والأجنبي إذا قضى دينه بأمره يرجع في تركته، فنصحح هذا من المريض على أن يجعل قائمًا مقام الطالب، فيضيق الحال عليه بمرض الموت؛ لكونه على شرف الهلاك، ومثل ذلك لا يؤخذ من الصحيح، فأخذنا فيه بالقياس، ثم هذا من المريض صحيح وإن لم يبين الدين ولا صاحب الدين؛ لأنه إنما يصح بطريق الوصية لورثته بأن يقضوا دينه، والجهالة لا تمنع صحة الوصية. كذا في المبسوط (^١).
وقيل: في تعليل الكتاب بقوله: (لأن ذلك وصية في الحقيقة) (^٢) - نظر؛ إذْ لو كان وصية حقيقة لما اختلف الحكم بين حالة الصحة وحالة المريض، وقد ذكرنا من المبسوط أن هذا لا يصح في حالة الصحة إلا إن تأول هذا، ويقول: لأن ذلك في معنى الوصية في الحقيقة، وفيه بعد.
قوله: (فتكفل عنه رجل) أي: عن الميت المفلس، سواء كان الرجل أجنبيًّا، أو وارث الميت، أو ابنه - لا تصح الكفالة عند أبي حنيفة (^٣).
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد: (تصح) (^٤)، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٥) وأكثر أهل العلم؛ لعموم قوله ﵇: «الزعيم غارم» (^٦)، ولما روي أنه ﵇ أُتِيَ
_________________
(١) (•) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٧١).
(٣) انظر المتن ص ٣٠٣.
(٤) انظر: الاختيار لتعليل المختار (٢/ ١٧٠).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١٠٨)، البحر الرائق (٦/ ٢٥٣).
(٦) انظر: شرح مختصر خليل (٦/¬٢٣)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٨/ ٣١٦)، الإنصاف (٥/ ١٩٧).
(٧) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦٥)، والترمذي (٢/ ٥٥٦ رقم ١٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٤ رقم ٢٤٠٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
لِأَنَّهُ كَفَلَ بِدَينٍ ثَابِتٍ، لِأَنَّهُ وَجَبَ لِحَقِّ الطَّالِبِ، وَلَم يُوجَد المُسقِطُ، وَلِهَذَا يَبْقَى فِي حَقِّ أَحكَامِ الآخِرَةِ، وَلَو تَبَرَّعَ بِهِ إِنسَانٌ يَصِحُّ، وَكَذَا يَبْقَى إِذَا كَانَ بِهِ كَفِيلٌ أَوْ مَالٌ.
بجنازة أنصاري فقال: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دِينٌ» قالوا: بلى، درهمان أو ديناران، فامتنع من الصلاة عليه، وقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» فقام أبو قتادة (^١)، وفي رواية: علي (^٢)، وقال: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه، ﵇، فلو لم تصح الكفالة عن الميت المفلس لما صلى عليه، ﵇، بعد الكفالة.
(لأنه كفل بدين ثابت؛ لأنه) أي: الدين (وجب) والدين الواجب في حياته لا يسقط إلا بالإيفاء أو الإبراء أو انفساخ سبب وجوبه، وبالموت لا يتحقق؛ ولهذا لا يطالب به في الآخرة، والكفالة تنبني على كون الدين مضمونًا مقدور التسليم، وبالموت ما تغير الوصف؛ لما ذكرنا أنه لا يتحقق شيء من ذلك، وقدرة التسليم للكفيل بعد موته من ماله باقية فلا تسقط. كذا في المبسوط (^٣) والأسرار.
(ولو تبرع به) أي: بأداء الدين (إنسان) ولو برئ المفلس عن الدين بالموت لما حل لصاحب الدين الأخذ من المتبرع، وكذا يبقى الدين إذا كان به كفيل، ويبقى على كفالته، ولو سقط الدين بالموت لسقط عن الكفيل؛ لأن سقوط الدين عن الأصيل يوجب براءة الكفيل.
قوله: ([كفل] (^٤) بدين ساقط) (^٥) فلا يصح، والكفالة بالدين ولا دين بحال؛ هذا لأن الدين [فعل حقيقة؛ ولهذا يوصف بالوجوب، والأموال لا
_________________
(١) = وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر: حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. فتح الباري (٥/ ٢٤١)، وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧٠٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) برقم (٢٢٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
(٣) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٦٦) رقم (٢٩٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٣ رقم ١١٧٣١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال البيهقي: الحديث يدور على عبيد الله الوصافى وهو ضعيف جدًا، وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٧١١)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١١٨).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢٠/¬٦).
(٥) في الأصل: (سقط بدين ساقط)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٦) انظر المتن ص ٣٠٥.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
وَلَهُ: أَنَّهُ كَفَلَ بِدَينِ سَاقِط، لِأَنَّ الدِّينَ هُوَ الفِعلُ حَقِيقَة، وَلِهَذَا يُوصَفُ بِالوُجُوبِ. لَكِنَّهُ فِي الحُكمِ مَالٌ، لِأَنَّهُ يَقُولُ إِلَيْهِ فِي المَالِ وَقَدْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ وَبِخَلَفِهِ فَفَاتَ عَاقِبَةُ الاستِيفَاءِ فَيَسْقُطُ ضَرُورَة، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ قِيَامَ الدِّينِ، وَإِذَا كَانَ بِهِ كَفِيلٌ أَوْ لَهُ مَالٌ فَخَلَفَهُ أَوْ الإِفضَاءُ إِلَى الأَدَاءِ بَاقٍ.
توصف بالوجوب، فكان في حياته يجب] (^١) عليه تمليك طائفة من ماله لغريمه، وبعدما مات لا يتصور ذلك منه فيستحيل بقاؤه، وإنما أُلحق الدين بالمال في حق بعض الأحكام، كوجوب الزكاة وغيره؛ لأنه يؤول إليه في المال بواسطة الإيفاء.
(وقد عجز عنه بنفسه وبخَلَفِه) أي: كفيله (ففات عاقبة الاستيفاء، فسقط) في أحكام الدنيا (ضرورة).
(وإذا كان به كفيل) فخَلَفُه باقٍ وكذا إذا كان له مال فيما يفضي إلى الأداء؛ لأنه استوفى من المال، فيجعل باقيا في حق أحكام الدنيا.
وإذا تبرع به غيره صح؛ لأن صحة تمليك المال لا تتعلق بوجوب الدين، على أن صحة التبرع بناءً على أن الدين باقٍ في حق صاحب الدين؛ لأن سقوطه عن المديون؛ للضرورة، فيتقدر بقدر الضرورة، فيظهر في حق من عليه دون من له، فأما الكفالة فهي بين الكفيل والأصيل؛ لأنه ملتزم ما على الأصيل.
وأما المروي من حديث أبي قتادة، أو عليّ يحتمل أن يكون ذلك إقرارًا بكفالة سابقة، فإن لفظ الإقرار والإنشاء والكفالة سواء، ولا عموم لحكاية الفعل، ويحتمل أن يكون وعدًا منهما لا كفالة، وقد كان امتناعه ﵇ من الصلاة عليه؛ ليظهر طريق قضاء ما عليه، فلما ظهر بوعدهما صلى عليه.
فهذا يؤيده ما روي أنه ﵇ كان يقول لعليّ: «مَا فَعَلَ الدينَارَانِ»؟ حتى قال يوما: قضيتهما، فقال: «الآنَ بَرَدَتْ عليه جلدته» (^٢)، ولم يجبره على الأداء،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠) رقم (١٤٥٧٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠/ ٣٣٤ رقم ٤١٤٥)، والحاكم (٢/ ٥٨ رقم ٢٣٤٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: توفى رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطى ثم قال: «أعليه دين؟» قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران =
[ ٦ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه تبين أنه كان وعدًا لا كفالة.
وأما الجواب عن المعنى فهو أن الكفالة لالتزام المطالبة للمضمون الذي على الأصيل، ودين الميت المفلس في حكم الساقط من جانب المديون في أحكام الدنيا، والكفالة من أحكام الدنيا، فتقضى وجوبًا دنياويا من الدين ليثبت حقيقة الكفالة. الكل من المبسوط (^١).
فإن قيل: هاهنا مسائل تدل على بقاء الدين في أحكام الدنيا، ويدل على أن عدم جواز المطالبة لا يدل على سقوطه منها أن المشتري لو مات مفلسا قبل أداء الثمن لم يبطل البيع (^٢)، ولو هلك ثمن الدين بموته مفلسا لبطل (^٣) البيع، كما لو اشترى بفلوس في الذمة فكسدت قبل القبض يبطل البيع؛ لهلاك الثمن في نفسه، ولم يبطل هاهنا، عُلم أن الدين باق في حكم الدنيا.
ومنها: أن لو كان بالدين كفيل يبقى على كفالته بموته مفلسا، والكفالة من أحكام الدنيا، فلو سقط الدين عنه في حكم الدنيا لما بقيت كفالته؛ لما أن سقوط الدين عن الأصيل يوجب براءة الكفيل.
ومنها: لو كان بالدين رهن يبقى الدين عليه مفلسا، وبقاء الرهن لا يكون إلا باعتبار الدين، ولأن تعذر المطالبة لمعنى لا يُوجب بطلان الدين في حال الحياة، كالعبد المحجور إذا أقر بدين عليه ثم كفل عنه كفيل به صح، وإن كان لا يطالب به في حال رقه، فكذا ما نحن فيه.
قلنا: أما الجواب عن الأول أن الدين لا يبطل في حق المستحق لو تبرع به أجنبي جاز له أن يأخذ عن دينه، وسقوط الدين عن المفلس في حقه لضرورة فقدان المحل، فيتقدر بقدر الضرورة، والكفالة تعتمد قيام الدين في حق الأصيل
_________________
(١) = علي، فقال رسول الله ﷺ: «أحق الغريم، وبرئ منهما الميت؟» قال: نعم فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: «ما فعل الديناران؟» فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ: «الآن بردت عليه جلده». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. أما حديث علي ﵁ فحديث آخر، وقد تقدم قريبًا.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ١١٠).
(٣) انظر: العناية (٧/ ٢٠٤).
(٤) في الأصل: (لم يبطل)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِأَلف عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَقَضَاهُ الأَلفَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبَ المَالِ فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَرجِعَ فِيهَا) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ القَابِضِ عَلَى احْتِمَالِ قَضَائِهِ الدِّينَ فَلَا يَجُوزُ المُطَالَبَةُ مَا بَقِيَ هَذَا الاحتِمَالُ، كَمَنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَدَفَعَهَا إِلَى
كما ذكرنا، وأما إذا كسدت الفلوس بطل الملك في حق المشتري؛ فلذلك انتقض العقد. وأما هاهنا فالدين باقٍ في حق صاحب الدين فلا يبطل العقد، وكذا لو مات مفلسًا عن كفيل لا يبرأ الكفيل بموته؛ لأن ذمة الكفيل خلف عن ذمة المديون بعد صحة الكفالة في حياته، وقد يتحول الدين إلى ذمة الكفيل عند الضرورة، وهو عند أداء الكفيل أو الهبة له على ما ذكرنا، وقد تحققت الضرورة هاهنا فبقي الكفيل على كفالته.
وكذا الرهن، فإن الرهن خلف عن ذمة المديون فيما هو المقصود، وهو الاستيفاء منه عند تعذر استيفائه من محل آخر، فإن له ذمة صالحة لوجوب الحق، وإن ضعفت ذمته بسبب الرق، فتصح الكفالة عنه، وإن لم يطالب به؛ لرقه وحجر المولى، كما أن الدين ثابت في ذمة المفلس الحي، وإن كان لا يُطالب به بالنص، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
أما إذا مات فخرج من أن يكون أهلا لالتزام شيء من الحقوق في أحكام الدنيا، فعرف أن ذمته لم تبق صالحة لكونها محلا للحق، ولكنه في أحكام الآخرة معد للحياة، فيبقى في أحكام الآخرة؛ إذ القبر للحياة ليوم التناد كالمهد للأولاد. كذا في المبسوط (^١) والأسرار.
قوله: (ومن كفل عن رجل بألف عليه) أي: على الرجل (بأمره) أي: بأمر الرجل، وهو المديون (فقضاه) أي: فقضى الرجل المديون الكفيل؛ أي: أداه (الألف قبل أن يعطيه) أي: يعطي الكفيل الألف، على تأويل المال.
(صاحب المال) بالنصب؛ لأنه مفعول ثان ليعطيه (فليس له) أي: للرجل المديون (أن يرجع فيها) (^٢) أي: في الألف [التي أعطاها للكفيل (لأنه) أي: لأن الألف، على تأويل المال.
قوله: (كمن عجل زكاته) أي: ليس له] (^٣) أن يأخذها من يد الساعي،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/¬٤٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٥٧).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
السَّاعِي، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالقَبْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ أَمَانَة فِي يَدِهِ (وَإِنْ رَبِحَ الكَفِيلُ فِيهِ فَهُوَ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حِينَ قَبَضَهُ، أَمَّا إِذَا قَضَى الدَّينَ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا قَضَى المَطْلُوبُ بِنَفْسِهِ وَثَبَتَ
وَكمن اشترى شيئًا بشرط الخيار، ونَقْد الثمن قبل مضي مدة الخيار، ثم أراد أن يسترد قبل نقض البيع؛ لأن الدفع كان لغرض، وهو أن يصير زكاة وثمنا عند مضي الحول وسقوط الخيار، فما بقي ذلك لاحتمال ليس له أن يسترده، ولأنه سعى في نقض ما أوجبه فلا يصح.
قوله: (ولأنه) أي: الكفيل (ملكه) أي: الألف (بالقبض) وبه قال الشافعي (^١) في وجه، وقال في وجه: [لا يملكه، وهو في يده أمانة مستردة قبل أداء الكفيل]، وبه قال مالك وأحمد؛ لعدم تعلق حق الكفيل (^٢) قبل الأداء به.
وقلنا: إنما يملكه بالقبض إذا كان الدفع إلى الكفيل على وجه الاقتضاء بأن دفع إليه، وقال: لا آمن أن يأخذ الطالب منك حقه، وإني أقضيك قبل أن تؤدي، فقضى وهو قبضه.
وقوله: (على ما نذكر) وهو قوله بعده بخطين: (أما إذا قضى الدين فظاهر) إلى آخره، بخلاف ما إذا كان الدفع إلى الكفيل على وجه الرسالة، نحو أن يقول الأصيل للكفيل: خذ هذا المال وادفع إلى الطالب، حيث لا يصير ملكا للكفيل؛ بل هو أمانة في يده، ولكن لا يكون للمطلوب أن يسترده من يد الكفيل؛ لأنه تعلق بالمؤدي حق الطالب، فالمطلوب بالاسترداد يريد إبطال ذلك فلا يقدر عليه.
(وإن ربح الكفيل فيه) أي: في الألف المقبوض (فهو) أي: الربح له (لا يتصدق به) هذا إذا قبضه على وجه الاقتضاء، أما إذا قبضه على وجه الرسالة لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة (^٣) ومحمد؛ لأنه أمانة في يده.
قوله: (فظاهر) لأنه قبض ما هو واجب له عليه، فيملكه من حين قبض؛
_________________
(١) انظر: المجموع (١٤/¬٤٧)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي (٦/ ٣٢٠).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٠٧).
[ ٦ / ٣١٠ ]
لَهُ حَقُّ الاسْتِردَادِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى المَكفُولِ عَنهُ مِثْلُ مَا وَجَبَ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ أُخِرَتِ المُطَالَبَةُ إِلَى وَقتِ الأَدَاءِ فَنَزَلَ مَنزِلَةَ الدِّينِ المُؤَجَّلِ، وَلِهَذَا لَو أَبْرَأَ الكَفِيلُ المَطلُوبَ قَبلَ أَدَائِهِ يَصِحُّ، فَكَذَا إِذَا قَبَضَهُ يَمْلِكُهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ نَوعَ خُبث نُبَيِّنُهُ، فَلَا يُعْمَلُ مَعَ المِلكِ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي البُيُوعِ وَلَو كَانَتِ الكَفَالَةُ بِكُرِّ حِنطَة فَقَبَضَهَا الكَفِيلُ فَبَاعَهَا وَرَبِحَ فِيهَا فَالرِّبحُ لَهُ فِي الحُكمِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ. قَالَ: (وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الَّذِي قَضَاهُ الكُرَّ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الحُكمِ) وَهَذَا عِنْدَ
لأنه استعجل الدين المؤجل، فيملكه بالاستعجال، كسائر الديون المؤجلة.
وفي المبسوط: الكفالة توجب الدينين: دينا للكفيل على الأصيل، ودينا للطالب، لكن دين الكفيل مؤجل إلى وقت الأداء؛ لأن له مطالبة الأصيل بعد الأداء؛ ولهذا لو أخذ الكفيل من الأصيل رهنا بهذا المال يصح، بمنزلة ما لو أخذ رهنا بدين مؤجل، ولو أبرأ الكفيل الأصيل من الدين أو وهبه منه، حتى لو أداه الكفيل بعد ذلك إلى الطالب لا يرجع به على الأصيل.
قوله: (لأنه وجب له) أي: لأن الكفيل وجب له، أي: للكفيل (مثل ما وجب للطالب عليه) أي: على الكفيل، وقيل: على المكفول عنه؛ لأن الكفالة هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة لا في الدين، ولكن ذكر في جامع المحبوبي وقاضي خان أن الدين وجب للطالب على الكفيل، فيكون الضمير في (عليه) راجعا إلى الكفيل.
قوله: (إلا أن فيه) أي: في الربح (نوع خبث) أي: على قول أبي حنيفة (^١) أي: إذا قضى المديون الدين فيه نوع خبث، أما إذا قضاه الكفيل فلا خبث فيه بالاتفاق (نبينه) في مسألة الكفالة بالكر (وقد قررناه في البيوع) في آخر فصل أحكام البيع الفاسد.
(ولو كانت الكفالة بكر حنطة فأعطاها الأصيل إلى الكفيل، ثم باعها الكفيل؛ فالربح له في الحكم) أي: في القضاء (لما بينا أنه ملكه).
(ويستحب أن يرده على الذي قضاه الكر) أي: المكفول عنه (ولا يجب عليه في القضاء).
_________________
(١) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٩٤).
[ ٦ / ٣١١ ]
أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي رِوَايَةِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللهُ: هُوَ لَهُ وَلَا يَرُدُّهُ عَلَى الَّذِي قَضَاهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنهُ، وَعَنهُ: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
لَهُمَا: أَنَّهُ رَبِحَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فَيُسَلِّمُ لَهُ. وَلَهُ: أَنَّهُ تَمَكَّنَ الخُبْثُ مَعَ المِلكِ، إِمَّا لِأَنَّهُ بِسَبِيلَ مِنْ الاستِردَادِ بِأَنْ يَقْضِيَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ
قوله: (هو له) أي: الربح للكفيل (لا يرده على الذي قضاه) أي: المكفول عنه، وهي رواية عنه أي عن أبي حنيفة، (وعنه) أي: عن أبي حنيفة (أنه) أي: الكفيل (يتصدق) بالربح.
قال شيخ الإسلام: ليس في المسألة اختلاف الرواية عن أبي حنيفة، بل ما ذكره في الصلح، وهو قولهما، جواب القياس، وما ذكر هنا جواب الاستحسان.
ووجه الاستحسان: أن ما قبضه الكفيل مملوك له ملكًا فاسدًا من وجه، فإن للأصيل استرداد ما قبضه الكفيل حال قيام الكفالة بقضاء نفسه، واسترداد المقبوض حال قيام العقد من حكم ملك فاسد، كما في البيع الفاسد، وإنما قلنا: حال قيام الكفالة؛ لأن الكفالة لا تبطل بأداء الأصيل، بل تنتهي نهايته، كما لو أدى الكفيل بنفسه، فلما كان المقبوض ملكًا فاسدًا من وجه صحيحًا من وجه.
ولما كان فاسدًا من كل وجه بأن اشترى مكيلا أو موزونا ملكًا فاسدًا، وتصرف فيه وربح؛ يجب التصدق بالربح أو الرد على المالك؛ لأن الخبث كان لحقه، فيزول بالرد عليه؛ كالغاصب إذا أجر المغصوب ثم رد المغصوب؛ فإن الأجر له يتصدق به أو يرده على المغصوب منه، فكذا في الملك الفاسد من كل وجه.
ولو كان الملك صحيحًا من كل وجه لا يجب التصدق بالربح ولا الرد، فإذا فسد من وجه وصح من وجه يجب التصدق أو الرد على الأصيل عملًا بالشبهين بقدر الإمكان.
(أو لأنه) أي: الأصيل (رضي به) أي: بكون المدفوع ملكًا للكفيل.
[ ٦ / ٣١٢ ]
عَلَى اعْتِبَارِ قَضَاءِ الكَفِيلِ، فَإِذَا قَضَاهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ، وَهَذَا الخُبْثُ يُعْمَلُ فِيمَا يَتَعَيَّنُ فَيَكُونُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ فِي رِوَايَة، وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة لِأَنَّ الخُبْثَ لَحِقَهُ، وَهَذَا أَصَحُ، لَكِنَّهُ اسْتِحْبَابٌ لَا جَبْرٌ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِأَلف عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ، فَأَمَرَهُ الأَصِيلُ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ
قوله: (لم يكن) أي: الأصيل (راضيًا به) أي: بكون المدفوع ملكًا للأصيل للكفيل، (وهذا الخبث يعمل فيما يتعين).
وفي جامع قاضي خان الملك قاصر، ولو انعدم الملك أصلا كان الربح خبيثًا، فإذا قصر الملك تتمكن فيه شبهة الخبث فلا يطيب.
(لأن الخبث لحقه) أي: لحق الأصيل لا لحق الشرع (وهذا أصح) أي: الرد على المديون أصح؛ لأن الخبث لحقه، والرد له (لكنه) أي: الرد عليه (استحباب) لأن الملك للكفيل فلا يجبر على دفعه، إلا أنه لما تمكن الخبث يستحب الدفع إليه، بخلاف الربح، ولو ردها على الأصيل؛ إن كان الأصيل فقيرًا طاب له، وإن كان غنيًا ففيه روايتان والأشبه أنه يطيب له؛ لأنه إنما رد عليه؛ لأنه حقه. كذا في جامع قاضي خان.
وفي الكافي: هذا إذا أعطاه على وجه القضاء، أما لو أعطاه على وجه الرسالة فتصرف فيه الرسول وربح - لم يطب له الربح، سواء كان ثمنًا أو مما يتعين؛ لأنه مودع، والمودع إذا تصرف في الوديعة وربح لم يطب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد، وطاب له عند أبي يوسف؛ لما عرف (^١).
قوله: (فأمره الأصيل أن يتعين) أي: أمر الأصيل الكفيل أن يتعين (عليه) أي: على الكفيل، فكان معنى قوله: يعني يعامل إنسانًا بطريق العينة، بأن قال: تعين عليَّ؛ أي اشتر لي حريرًا بعينه ثم بعه بالنقد بأقل منه، واقض ديني، فإذا فعل يصير الوكيل مشتريًا لنفسه، كما لو وكله بشراء شيء؛ لأنه لم يصر عنه وكيلا بحكم هذا الأمر؛ لأنه لم يتبين مقدار الحرير ولا مقدار الثمن، ومثل هذا التوكيل لا يصح، وإذا صار مشتريًا لنفسه فالربح الذي ربحه البائع على
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٨/ ٤٦١).
[ ٦ / ٣١٣ ]
حَرِيرًا فَفَعَلَ، فَالشِّرَاءُ لِلكَفِيلِ وَالرِّبحُ الَّذِي رَبِحَهُ البَائِعُ فَهُوَ عَلَيْهِ) وَمَعْنَاهُ: الْأَمْرُ بِبَيعِ العِينَةِ مِثلُ: أَنْ يَستَقرِضَ مِنْ تَاجِر عَشَرَة فَيَتَأَنَّى عَلَيْهِ وَيَبِيعَ مِنهُ ثَوبًا يُسَاوِي عَشَرَة بِخَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلا، رَغْبَة فِي نَيْلِ الزِّيَادَةِ لِيَبِيعَهُ المُستَقْرِضُ بِعَشَرَة وَيَتَحَمَّلَ عَلَيْهِ خمسة؛ سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِعْرَاضِ عَنْ الدَّينِ إِلَى العَينِ، وَهُوَ مَكْرُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ
المشتري، وهو الكفيل، للعينة صور:
إحداهما: ما ذُكر في الكتاب والثانية: أن يجعل المقرض والمستقرض بينهما ثالثا، فيبيع صاحب الثوب باثني عشر من المستقرض، ثم إن المستقرض يبيعه من الثالث بعشرة ويسلم، ثم يبيع الثالث من المقرض بعشرة، ويأخذ منه عشرة ويدفعها إلى المستقرض، فتندفع حاجته، وإنما خَلَّلا ثالثا؛ تحرزًا عن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن.
وفي جامع قاضي خان: اختلفوا في صورة العينة، ذكرها بين الصورتين، ثم قال: وقال بعضهم: صورته أن يقرض خمسة عشر دراهم، ثم يبيع المقرض من المستقرض، ثم يساوي عشرة بخمسة عشر، ويأخذ الدراهم المدفوعة التي اقترضها أولا، ولم يخرج عن ملكه إلا عشرة.
وفي فتاوى الكبرى: صورته أن يبيع المستقرض سلعة من المقرض بعشرة، وسلم إليه، ثم قال المستقرض: بعني باثني عشر فباعها جاز، وإن تقدم الشرط.
وفي محيط السرخسي: صورته باع متاعه بألفين من المستقرض إلى أجل، ثم يبعث متوسطا ليشتري المتاع لنفسه بألف حالة، ولا يقبضه، ثم يبيعه من البائع الأول بألف، ثم يحيل المتوسط بائعه على البائع الأول بالثمن الذي عليه، ويخرج من الوسط فيدفع البائع الأول ألفًا حالة إلى المستقرض، ويأخذ منه ألفين عند حلول الأجل، وهذا البيع جائز في الحكم، فقال أبو يوسف: لا يُكره؛ لأنه فعل ذلك كثير من الصحابة وحمدوا ذلك، ولم يعدوه من الربا، حتى قال: لو باع كاغده بألف يجوز ولا يُكره.
وقال محمد: هذا المبيع في قلبي كأمثال الجبال؛ أي: لها شبهة كأمثال الجبال، ذميم (^١) اخترعه أَكَلَة الربا، وقد ذمهم رسول الله ﷺ فقال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ
_________________
(١) انظر: الدر المختار (٥٦/ ٢٧٣)، والنهر الفائق (٣/ ٥٧٥).
[ ٦ / ٣١٤ ]
الإِعْرَاضِ عَنْ مَبَرَّةِ الإِقْرَاضِ مُطَاوَعَة لِمَدْمُومِ البُخلِ. ثُمَّ قِيلَ: هَذَا ضَمَانٌ لِمَا يَحْسَرُ المُشتَرِي
بالعينة، واتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَر - ذَلِلْتُمْ وظُفْرَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ»، وفي رواية: «سُلْطَ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خَيَارُكُمْ فَلَا يُسَتَجَابُ لَكُمْ» (^١)، وقيل: إِيَّاكَ والعينة فإنها لعينة (^٢).
قال المرغيناني في فوائده ومصداق هذا الحديث ما دهانا من البلاء، ودهمنا [من] (^٣) اللواء، والناس في زماننا بعضهم اشتغلوا بالعين، فابتلوا بهذه الفتن، وبعضهم أقبلوا على الجد في الزراعة، فقرعوا بقارعة ذات بأس وطاعة، وعلماؤهم أخذوا في اقتراب أبواب السلطان، وأخذوا بأنواع الافتتان ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] خصوصا في هذا الزمان الذي نحن فيه، حيث نزل هذا البيع منزل البياعات الصحيحة بالنسبة إلى بياعات هذا الزمان، فلا جرم ابتلونا ببلايا أشد مما كان البلاء فيما قبلهم. ذكره الإمام المحبوبي.
وعن محمد بن سلمة كان [يقول] (^٤) ببلخ للتجار: إن العينة التي جاءت في الحديث خير من بياعاتكم، قال مشايخ بلخ بيع العينة في زماننا خير من بياعاتكم (^٥)، وعن أبي يوسف (^٦): بيع العينة جائزة مأجورة وأجره لمكان الفرار من الحرام. ذكره في فتاوى قاضي خان.
(ثم قيل: هذا) أي: قوله: (تعين عليَّ) (ضمان لما يخسر المشتري) فقد قال بعض المشايخ: هذا توكيل فاسد كما ذكرنا؛ لأنه أخرج الكلام مخرج
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٧٤ رقم ٣٤٦٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣١٦ رقم ١١٠١٧) من حديث ابن عمر ﵄. قال ابن حجر: رواه أبو داود من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقال، ولأحمد نحوه من رواية عطاء ورجاله ثقات، وصححه ابن القطان. بلوغ المرام (٨٤١)، وقال أيضًا: وإسناده ضعيف، وله عند أحمد إسناد آخر أجود وأمثل منه. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٧٧٦).
(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٧/ ٢١٣).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: البحر الرائق (٦/ ٢٥٦).
(٦) انظر: الدر المختار (٥/ ٣٢٥).
[ ٦ / ٣١٥ ]
نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ: «عَلَيَّ» وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ بِتَوكِيل، وَقِيلَ: هُوَ تَوكِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الحَرِيرَ غَيْرُ مُتَعَيَّن، وَكَذَا الثَّمَنُ غَيْرُ مُتَعَيَّن، لِجَهَالَةِ مَا زَادَ عَلَى الدِّينِ، وَكَيفَمَا كَانَ، فَالشِّرَاءُ لِلمُشتَرِي وَهُوَ الكَفِيلُ، وَالرِّبحُ: أَي الزَّيَادَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ العَاقِدُ.
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا قَضَى لَهُ عَلَيْهِ، فَغَابَ المَكفُولُ عَنهُ، فَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى الكَفِيلِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى المَكفُولِ عَنهُ أَلفَ درهم، لم تُقبَل بَيْنَتُهُ) لِأَنَّ المَكفُولَ بِهِ مَالٌ مَقضِيٌّ بِهِ، وَهَذَا فِي لَفَظَةِ القَضَاءِ ظَاهِرُ،
الوكالة؛ ولهذا ذكر في بعض النسخ: (تعين لي (^١) حريرًا) مكان (علي) وبعضهم قال: هذا ضمان الأصيل بقوله: تعين عليَّ؛ لأن معناه إن بعت بأقل من ذلك فالخسران عليَّ، والخسران غير مضمون على أحد، والكفالة والضمان إنما يصح بما هو مضمون، فلا يصح ضمانه، كمن قال لآخر: بايع في هذا السوق على أن كل وضيعة وخسران تصيبك فأنا ضامن به - كان باطلا. كذا في جامع المحبوبي.
(وليس بتوكيل) لأنه لم يقل: تعين لي، بل قال: تعين علي، وهي كلمة ضمان لا كلمة وكالة.
(وكذا الثمن غير متعين) أي: غير معلوم (لجهالة ما زاد على الدين) يعني والثمن معلوم بمقدار الدين؛ لكن ما زاد على الدين غير معلوم؛ إذ بيع العينة لا يكون إلا بأكثر من قيمة السلعة، وتلك الزيادة مجهولة؛ لأنه لا يعلم كم يزيد البائع على قيمة السلعة.
قوله: (وكيف ما كان) أي: سواء كانت كفالة باطلة أو وكالة (فالشراء للمشتري).
قوله: (لم تقبل) أي: بينة المدعي على الكفيل حتى يحضر المكفول عنه؛ لأنه كفل بما قضى له على الأصيل بعد الكفالة، فما لم يصر المال مقضيا به على المكفول عنه لا يكون الكفيل كفيلا، فلا يكون خصمًا، ولا يمكن القضاء
_________________
(١) في الأصل: تعين شيئًا، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣١٦ ]
وَكَذَا فِي الأُخرَى، لِأَنَّ مَعنَى: «ذَابَ» تَقَرَّرَ وَهُوَ بِالقَضَاءِ، أَوْ مَالٌ يُقضَى بِهِ وَهَذَا مَاضٍ أُرِيدَ بِهِ المُستَأْنَفُ، كَقَولِهِ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ فَالدَّعْوَى مُطلَقٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا تَصِحٌ.
على الأصيل بهذه البينة حال غيبته؛ لأنه يكون قضاء على الغائب، وهو لا يصح عندنا (^١) وأحمد (^٢)، ويصح عند الشافعي (^٣) ومالك (^٤)؛ ولذلك توقف قبول البينة والقضاء عن المكفول عنه إلى أن يحضر، حتى يكون الكفيل بالدين المقضي به على الأصيل كما شرط في حق الكفالة؛ ألا ترى أنه لو أقر الكفيل على الأصيل بمال الطالب لا يلزمه إذا حضر الأصيل، وإذا حضر الأصيل وقضى عليه فحينئذ يلزم الكفيل.
وقيل: ذلك إذا كانت بينة على الغائب، والبينة عليه لا تسمع عندنا، حتى لو ادعى أن قاضي بلد كذا قضى على الأصيل بمال عقد الكفالة بالمال، وأقام البينة على ذلك - قبلت. كذا في شروح الجامع الصغير.
قوله: (أو مال يقضى به) معطوف به على قوله: (مال قضى) يعني كفل بمال مقضي به على الأصيل بعد الكفالة، فما لم توجد هذه الصفة لا يكون كفيلا به.
قوله: (وهذا) أي: قوله: ذاب، أو قضى له.
وفي الكافي: وهذه العبارات وإن كانت للماضي فقد أريد بها الاستقبال عُرفًا، كما يقال: أطال الله بقاءك، أي: يُطيله، كذا يُكتب في المواثيق: شهد فلان بن فلان بكذا، ويراد به المستقبل.
(والدعوى مطلق على ذلك) أي: المدعي لم يتعرض في دعواه أن القاضي قضى به بعد الكفالة، أو وجوب المال بعد الكفالة، وليس من ضرورة كون الألف على الأصيل أن يكون ذاب عليه ولزمه بعد الكفالة، ففسدت دعواه، وهو معنى قوله: (فلا تصح) أي: لا تصح دعواه، حتى قال الطالب: قدمت
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٧/¬٣٩).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ١٠٧).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٦/ ٢٤٨).
(٤) انظر: المدونة (٢/¬٣٥).
[ ٦ / ٣١٧ ]
(وَمَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَان كَذَا وَأَنَّ هَذَا كَفِيلٌ عَنهُ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُقضَى بِهِ عَلَى الكَفِيلِ وَعَلَى المَكفُولِ عَنهُ، وَإِنْ كَانَتْ الكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ يُقْضَى عَلَى الكَفِيلِ خَاصَّة) وَإِنَّمَا تُقبَلُ لِأَنَّ المَكفُولَ بِهِ مَالٌ مُطلَقٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْأَمْرِ وَعَدَمِهِ
المطلوب بعد الكفالة إلى فُلان القاضي، وأقمت البينة، وقضى عليه بذلك المال، فصرت وكيلا بذلك - صحت دعواه، حتى لو أقام بينةً على ذلك قضى القاضي على الكفيل والغائب بالألف؛ لأنه ثبت الوصف، والكفالة بأمره وغير أمره سواء، إلا أنه لا يرجع في غير الأمر؛ لأنه في غير الأمر يكون القضاء على الكفيل خاصة. كذا في جامع شمس الأئمة.
ولو ضمن ثمن ما بايعه أو أقرضه بعده، وجحد الكفيل ذلك - قضي على الكفيل والغائب بلا خلاف؛ لأن الضمان مقيد بصفة، ولا يمكن القضاء به إلا بعد القضاء على الغائب، فينتصب الكفيل خصمًا عنه.
قوله: (وإنما تقبل) أي: إقامة البينة من المدعي حتى يقضى بها على الكفيل (لأن المكفول به مال مطلق) أي: غير موصوف بكونه مقضيا به بعد الكفالة كما كان موصوفًا به في المسألة المتقدمة، وهي مسألة ما ذاب أو قضى له عليه، على ما ذكرنا، فأقام البينة على وفق [دعواه هاهنا، فقض به عل الكفيل. كذا في جامع شمس الأئمة، وإليه أشار الشيخ بقوله: (بخلاف] (^١) ما تقدم).
قوله: (وإنما يختلف) أي: حكم القاضي بالرجوع على الأصيل (بالأمر وعدمه) وهذا إشارة إلى ما ذكرنا قبله من أن المدعي إذا أثبت كفالة الكفيل فأمر الأصيل كان حكم القاضي بتلك البينة حكمًا على الكفيل خاصة.
فإن قيل: لو ادعى المال وأبهم، بأن قال: هو كفل عن فلان بكل ماله قبله من المال، فجحد الكفيل، وأقام المدعي بينة على الكفالة والمال - قضى بالكفالة والمال على الأصيل الغائب، سواء ادعى الأمر أو لا، فما الفرق بينهما؟
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: الفرق أن المدعى متى كان مالا مقدرًا أمكن إثباته على الكفيل باعتبار إقراره نظرًا إلى كفالته؛ لتضمنها الإقرار بالمال، فلا حاجة إلى تعدية المال إلى الأصيل، والإيصال منتفٍ، وفيما إذا أبهم لا يمكن إثبات المال على الكفيل باعتبار إقراره؛ لتعطل الكفالة بصفة الإبهام، فدعت الضرورة إلى إثبات كفالة متعدية إلى الأصيل عملا بالبينة.
وفي الجامع الكبير: المسألة على أربعة أوجه:
إما إن كانت الكفالة مطلقة بأن قال: كفلت بمالك على فلان.
أو مقيدة بأن قال: بألف على فلان.
وكل على وجهين بالأمر أو بغير الأمر؛ فإن كانت مطلقة فبالقضاء على الكفيل قضاء على الأصيل، سواء كانت بالأمر أو عدمه؛ لأن الطالب لا يتوصل إلى حقه من الكفيل، ولا بعد إثباته على الأصيل؛ لما ذكرنا؛ لأن القول للكفيل أنه ليس للطالب شيء على الأصيل، فإذا كان كذلك صار الكفيل خصمًا عنه وإن كان غائبًا، وعندنا (^١) القضاء على الغائب لا يجوز إلا إذا ادعى على الحاضر حقًا لا يتوصل إليه إلا بإثباته على الغائب.
قال مشايخنا: هذا طريق من أراد إثبات الدين على الغائب من غير أن يكون بين الكفيل والغائب اتصال، وكذا إذا خاف الطالب موت الشاهد يتواضع مع رجل، ويدعي عليه مثل هذه الكفالة، فيقر بالكفالة وينكر الدين، فيقيم المدعي بينة على الدين، فيقضى به على الكفيل والأصيل، ثم يبرأ الكفيل.
وكذا الحوالة على هذه الوجوه، وكذا كل من يدعي حقًا عليه لا يثبت عليه إلا بالقضاء عن الغائب كان الحاضر خصمًا عن الغائب، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا صيانة لحقوق المسلمين.
والقياسُ: أن ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، ولا يصح القضاء على الغائب. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي والمحبوبي، ويجيء هذا البحث في أدب القاضي بتمامه.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٧/¬٣٩).
[ ٦ / ٣١٩ ]
لِأَنَّهُمَا يَتَغَايَرَانِ، لِأَنَّ الكَفَالَةَ بِأَمر تَبَرُّعُ ابْتِدَاء وَمُعَاوَضَةُ انتِهَاء، وَبِغَيْرِ أَمر تَبَرُّعُ ابتِدَاء وَانتِهَاء، فَبِدَعوَاهُ أَحَدَهُمَا لَا يُقضَى لَهُ بِالْآخَرِ، وَإِذَا قُضِيَ بِهَا بِالْأَمْرِ ثَبَتَ أَمْرُهُ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بِالمَالِ فَيَصِيرُ مَقضِيًّا عَلَيْهِ، وَالكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَمَسُّ جَانِبَهُ، لِأَنَّهُ تَعتَمِدُ صِحَّتُهَا قِيَامَ الدِّينِ فِي زَعمِ الكَفِيلِ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ، وَفِي الكَفَالَةِ
قوله: (لأنهما) أي: الكفالة [بالأمر والكفالة] (^١) بغير الأمر (يتغايران) في المعنى، وهو قوله: (لأن الكفالة) إلى آخره.
ويتغايران في الحكم أيضًا، وهو الرجوع وعدم الرجوع، فلما كانا متغايرين معنى وحكما (فبدعواه أحدهما) أي: أحد عقدي الكفالة (لا يقضى له بالآخر).
قوله: (ثبت أمره) أي: أمر الأصيل (وهو) أي: الأمر بالكفالة (يتضمن الإقرار بالمال لأنه لما ادَّعى الكفالة بالأمر، وأثبتها بالبينة لا يمكن القضاء بكفالة أخرى، ومن ضرورة القضاء بالكفالة بالأمر القضاء على الغائب؛ لأن أمر الأصيل بالكفالة بالمال إقرار بالمال. كذا ذكره قاضي خان، (فيصير) أي: الأصيل (مقضيا عليه).
قوله: (لا تمس جانبه) أي: جانب الأصيل (لأنه) أي: الأمر والبيان (تعتمد صحتها) أي: صحة الكفالة قيام الدين في زعم الكفيل) بفتح الزاي؛ لأنها لغة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وقرأ الكسائي بالضم والأخذُ باللغة التي هي قراءة الغلبة أولى، أي: لا تشترط لصحة الكفالة لقيام الدين على الأصيل؛ بل وجوده في زعم الكفيل كافٍ؛ لما أن المرء مؤاخذ بزعمه، وهاهنا لم يثبت الدين في زعمه؛ لإنكاره الكفالة، حيث أثبت الكفالة بالبينة جعل ثابتًا في زعمه شرعًا لا غير؛ لأن الكلام فيما إذا ثبت الكفالة بغير أمر الأصيل، فلما كان كذلك لم يتعد وجوب الدين من الكفيل إلى الأصيل، وقد ذكرنا أنه ليس من ضرورة وجوبِ المال على الكفيل وجوبه على الأصيل، ولأن الثابت بالبينة كالثابت عيانًا، ولو أثبت أمره بالكفالة عيانًا كان حكمه ما قلنا، وكذا إذا ثبت بالبينة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
بِأَمْرِهِ يَرْجِعُ الكَفِيلُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْآمِرِ. وَقَالَ زُفَرُ لَهُ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ فَقَد ظَلَمَ فِي زَعمِهِ فَلَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: صَارَ مُكَذِّبًا شَرعًا فَبَطَلَ مَا زَعَمَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَكَفَلَ رَجُلٌ عَنهُ بِالدَّرَكِ فَهُوَ تَسْلِيمٌ) لِأَنَّ الكَفَالَةَ لَو كَانَتْ
قوله: (وقال زفر: لا يرجع) الكفيل على الأصيل (لأنه) أي: لأن الكفيل (لما أنكر) يزعم أن الطالب، ظلمه والمظلوم لا يظلم غيره، وقلنا: لما قضى القاضي عليه فقد أكذبه فيما زَعَم فبطل زعمه كمن اشترى شيئًا وأقر أن البائع باع ملكه، ثم استحقه آخر بالبينة - لا يبطل حقه في الرجوع بالثمن على البائع. كذا ذكره شمس الأئمة وقاضي خان.
فإن قيل: يشكل عليه قوله في من اشترى عبدًا ثم باعه، ورد عليه بعيب بالبينة بعد إنكاره العيب - فعند محمد لا يرده على بائعه، خلافًا لأبي يوسف، حيث لم يبطل زعمه بالقضاء بالبينة.
قلنا: إنما لا يرده على بائعه؛ لأن قوله: (لا عيب فيه) نفي العيب في الحال والماضي، والقاضي إنما كذبه في قيام العيب عند البيع الثاني دون الأول؛ لأن قيام العيب عند البيع الأول ليس بشرط للرد على الثاني، فافترقا. كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (وكفل رجل عنه بالدرك) ضمان الدرك صحيح بإجماع الفقهاء (^١)، وهو المنصوص من مذهب الشافعي (^٢)، وخرج أبو العباس الشافعي قولا آخر: أنه لا يصح، وضمان الدرك عبارة عن قبول رد الثمن عند استحقاق المبيع.
(فهو) أي: ضمان الدرك (تسليم) وتصديق من الكفيل بأن المبيع ملك البائع، حتى لو ادعاه الكفيل لنفسه لا تسمع دعواه؛ إذ لو صح رجع المشتري عليه بالثمن بحكم الكفالة فلا يفيد، ثم دعواه سعي في نقض ما تم من جهته، ومن سعى في نقض ما أوجبه ضل سعيه في الحياة الدنيا؛ ولهذا لو كان الكفيل
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٦/¬١٠)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤٠٣)، والموسوعة الفقهية الكويتية (٣/ ٢٢٩)
(٢) انظر: المجموع (١٤/¬٣٦).
[ ٦ / ٣٢١ ]
مَشرُوطَة فِي البَيعِ فَتَمَامُهُ بِقَبُولِهِ، ثُمَّ بِالدَّعَوَى يَسْعَى فِي نَقضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ لَم تَكُنْ مَشرُوطَة فِيهِ فَالمُرَادُ بِهَا أَحكَامُ البَيعِ وَتَرغِيبُ المُشتَرِي فِيهِ، إِذْ لَا يَرغَبُ فِيهِ دُونَ الكَفَالَةِ فَنَزَلَ مَنزِلَةَ الإِقْرَارِ بِمِلكِ البَائِعِ.
قَالَ: (وَلَو شَهِدَ وَخَتَمَ وَلَم يَكفُل، لَم يَكُنْ تَسلِيمًا وَهُوَ عَلَى دَعَوَاهُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ مَشرُوطَة فِي البَيعِ وَلَا هِيَ بِإِقرار بِالمِلكِ، لِأَنَّ البَيعَ مَرَّة يُوجَدُ مِنْ المَالِكِ وَتَارَة مِنْ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَتَبَ الشَّهَادَةَ لِيَحفَظَ الحَادِثَةَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، قَالُوا: إِذَا كَتَبَ فِي الصَّلِّ بَاعَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، أَوْ بَيعًا بَاتًا نَافِذا وَهُوَ كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ فَهُوَ تَسْلِيمٌ، إِلَّا إِذَا كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إِقْرَارِ المُتَعَاقِدَينِ.
شفيعا تبطل شفعته، وشرط الكفالة بالدرك ملائم العقد؛ إذ الدرك ثبت بلا شرط كفالة، والشرط يزيده وكادة.
(فالمراد بها) أي: بالكفالة (أحكام البيع وترغيب المشتري فيه) إذ يحتمل ألا يرغب المشتري في تملك هذا المبيع بالشراء خوفًا من الاستحقاق، فيكفل تسكينا لقلبه، فصار كأنه يقول بهذه الكفالة: اشتر هذا المبيع ولا تبال، فإن لحقك ذلك فيما تشتري فأنا ضامن، فيكون مقرا بملك البائع، فلا تصح دعواه بعد ذلك أصلا، وإطلاق جواب الكتاب يدل على هذا، ذكره المرغيناني وقاضي خان.
قوله: (ولو شهد وختم) قيل: لفظ الختم وقع اتفاقا باعتبار عادة العرب، فإنهم يختمون بعد كتابة اسمهم على الصك، أما الحكم لا يتفاوت بين إن ختم أو لم يختم.
قال الإمام الحلواني: تفسير الختم إذا كتب اسمه في الصك أن يجعل اسمه تحت رصاص مكتوبًا، ووضع عليه نقش خاتمه حتى لا يجوز فيه التزوير والتبديل، وهذا عُرف زمانهم، أما زماننا هذا العُرف لم يبق.
قوله: (إذا كتب) أي: المشايخ (^١)، جواب الكتاب محمول على ما إذا كتب: شهد فلان بالبيع والشراء، أو كتب جرى المبيع بمشهدي، أو كتب: أقر
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، وتقدم في المتن: (قَالُوا: إِذَا كَتَبَ … .).
[ ٦ / ٣٢٢ ]