الإِذْنُ: الإِعْلَامُ لُغَةٌ، وَفِي الشَّرْعِ: فَكُّ الحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الحَقِّ عِنْدَنَا، وَالعَبْدُ
كِتَابُ الْمَأْذُونِ
إيراد المأذون بعد الحجر ظاهر التناسب إذ الإذن بعد الحجر.
ومن محاسن الإذن الإطلاق عن الحجر كإطلاق الأسير، ولأنه نوع من الاكتساب، والاكتساب ابتغاء الفضل، وفيه فتح باب التصرف، وحصول زيادة الاهتداء في التصرفات
ثم الإذن لغة: الإعلام.
وشرعًا: فك الحجر الثابت، ورفع المانع من التصرف، وإثبات اليد للعبد في كسبه بمنزلة المكاتب عندنا.
وعند الشافعي وأحمد: هو إنابة وتوكيل، وفائدة الخلاف أن الإذن بالتجارة لا يتخصص، حتى لو آذنه في نوع يكون مأذونا في أنواع التجارة كلها عندنا، خلافا له ولزفر كما يجيء.
وهو مشروع بالكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] والمراد الكسب، وإذن العبد من باب الاكتساب.
والسنة: ما روي أنه عليه الصلاة السلام: يُجيب دعوة المملوك (^١)،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٨ رقم ١٠١٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٠) رقم (٢٢٩٦)، والحاكم (٢/ ٤٦٧ رقم ٣٧٣٤) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس، ومسلم الأعور يُضعف، وهو مسلم بن كيسان الملائي تُكلّم فيه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٥٢٢ ]
بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرِّقْ بَقِيَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ، وَعَقْلِهِ المُمَيِّزِ، وَانْحِجَارُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ المَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَا عَهِدَ تَصَرُّفَهُ إِلَّا مُوجِبًا تَعَلَّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَبِكَسْبِهِ، وَذَلِكَ مَالُ المَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ إِذْنِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ العُهْدَةِ عَلَى المَوْلَى، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ
والمملوك لا يقدر على اتخاذ الضيافة ما لم يكن له كسب، وطريق الاكتساب التجارة، وتجارته بغير الإذن لا تصح.
وروي أنه ﵊، ولا أحد من الصحابة، ما أنكروا على عباس تجارته بعبيده، وله عشرون عبدًا، كل عبد يتجر بعشرة آلاف.
وأجمعت الأمة على جواز إذن العبد، ولا يقال: لا يصح الاستدلال على عدم التخصيص والتوقيت بأن الإذن عبارة عن فك الحجر، والإطلاق، وتمليك اليد، فإن القضاء إطلاق، وإثبات للولاية، مع أنه قابل للتخصيص.
وكذا الإعارة والإجارة تمليك للمنفعة، وإثبات اليد على العين، مع أنه قابل للتخصيص؛ لأنا نقول: القاضي لا يعمل لنفسه، بل هو نائب عن المسلمين، ولهذا يرجع بما لحقه من العهدة في مال المسلمين، بخلاف العبد فإنه لا يرجع على المولى بما لحقه من العهدة.
وأما المستأجر والمستعير فإنه يتصرف في محل هو ملك الغير بإيجاب صاحب الملك له، وإيجابه في ملك نفسه يقبل التخصيص، فأما العبد لا يتصرف بإيجاب المولى لما يجيء أن التصرف غير مملوك للمولى في ذمته، فكيف يوجب ما لا يملكه؟ كذا في المبسوط.
قوله: (لأنه) أي: العبد (بعد الرق بقي أهلا للتصرف) إذ ركن التصرف كلام معتبر شرعا؛ لصدوره عن مميز، ومحل التصرف ذمة صالحة لالتزام الحقوق، وهما لا يفوتان بالرق، إذ صلاحية الذمة للالتزام من كرامات البشرية، وبالرق لا يخرج عن كونه بشرًا، إلا أن ذمته ضعفت بالرق، فلا يجب المال فيها إلا شاغلا مالية الرقبة، وهي حق المولى، فحجر عن التصرف لِحَقِّ المولى؛ لكيلا يبطل حقه بغير رضاه، فإذا أذن فقد أسقط حقه، وكان العبد متصرفا، بالمالكية الأصلية وأهليته لنفسه.
[ ٧ / ٥٢٣ ]
التَّأقِيتُ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، كَانَ مَأذُونًا أَبَدًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ،
قوله: (لأن الإسقاطات لا تتوقت) كالطلاق والعتاق، وتأجيل الدين، وتأخير المطالبة، إذ الساقط يتلاشى.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يكون للمولى ولاية الحجر بعده؛ لأنه أسقطه وتلاشى، والساقط لا يعود.
قلنا: بقاء ولاية الحجر بسبب بقاء الرق، فكان في الحجر امتناع عن الإسقاط فيما يستقبل لا فيما مضى؛ لأن الساقط يعود.
فإن قيل: ينبغي أن تنعدم بالرق الأهلية لملك التصرف؛ لأنه صار مملوكًا للمولى تصرفًا حتى يملك المولى التصرفات عليه.
قلنا: إنما يصير مملوكًا تصرفًا في نفسه بيعًا أو تزويجا، فلا جرم تنعدم الأهلية لمالكية هذا التصرف، فيكون نائبًا فيه عن المولى متى باشره بأمره، بأن باع نفسه بأمره، ولكن لا يصير مملوكًا في ذمته، حتى إن المولى لا يملك الشراء بثمن يجب في ذمة عبده ابتداء، فتبقى له الأهلية في ملك هذا التصرف، كما أنه لم يصر مملوكًا تصرفًا عليه في الإقرار بالحدود والقصاص، يبقى مالكا لذلك التصرف.
فإن قيل: انعدام الأهلية لحكم التصرف، وهو الملك بسبب الرق، يقتضي أن يكون أهلا لنفس التصرفات؛ لأن التصرفات الشرعية لا تراد بعينها بل لحكمها، وهو ليس بأهل للحكم، فلا يكون أهلا لسببه كأسباب العبادات في حق الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا بأهل لحكمها، وهو الابتلاء.
قلنا: لا كذلك؛ لأن حكم التصرف ملك اليد والرقيق أهل لذلك، ألا ترى أن استحقاق ملك اليد يثبت للمكاتب مع قيام الرقيق فيه؟ وهذا لأنه مع الرق أهل للحاجة فيكون أهلا لقضائها، وأدنى طريق قضائها ملك اليد، فهو الحكم الأصلي للتصرف، وملك اليمين شرع للتوصل إليه، والحكم الأصلي يثبت للعبد، وما وراء ذلك يخلفه المولى فيه، فيكون كمن اشترى بخيار البائع فمات المشتري، فأجاز البائع البيع يثبت ملك العين للوارث على سبيل الخلافة
[ ٧ / ٥٢٤ ]
ثُمَّ الإِذْنُ كَمَا يَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ، كَمَا إِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
بتصرف باشره المُوَرّث.
بخلاف أسباب العبادات في حق الصبي والمجنون؛ لأن المراد بوجوب العبادات شغل الذمة لتحقيق الابتلاء، وهما ليسا بأهل له، فلا تثبت الأسباب الموجبة للابتلاء في حقهما، إذ ليس لهذه الأسباب أصل وخلف حتى يثبت ما هو الأصل لهما، والخلف لغيرهما في تصرف العباد فافترقا.
قوله: (خلافًا لزفر والشافعي)، وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن السكوت لا يقوم مقام الإذن في التصرف؛ لأن الإذن إنابة، والإنابة لا تثبت بالسكوت، كما لو باع الراهن والمرتهن ساكت، أو باع المرتهن والراهن ساكت، أو رأى عبده يتزوج وهو ساكت، وكما لو رأى أجنبيا يتلف ماله وهو ساكت، وكما لو باع أجنبي والمالك ساكت، بخلاف السكوت في الشفعة، فإن الشفعة تسقط بمضي الزمان إذا علم؛ لأنها على الفور، وصار كما لو رأى القاضي الصغير أو المعتوه أو عبدهما يبيع ويشتري، فإنه لا يكون إذنًا، وهذا لأن السكوت يحتمل الرضى، ويحتمل السخط، فلا يثبت الإذن بالشك.
ألا ترى أنه لا يجوز بيعه الذي رآه فيه بالإجماع؟ فلأن لا يجوز بيعه مالا آخر بعده أولى، إذ لما لم يثبت الإذن فيه ففي غيره أولى.
ولنا أن العادة جرت بأن من لا يرضى بتصرف عبده ينهاه عنه (^١) ويؤدبه عليه، فإذا لم ينهه علم أنه راضٍ، فجعل السكوت إذنا له دلالة؛ دفعًا للغرور عن الناس، فإنهم يعتقدون ذلك إطلاقا منه فيبايعونه حملا لفعله على ما يقتضيه الشرع والعرف كما في سكوت النبي ﵊ عند أمر يعاينه عن التعبير، وسكوت البكر، وسكوت الشفيع.
أما الجواب عن التصرف الذي رأى فيه حيث لا يكون مأذونا فيه بالإجماع؛ لأن تصرفه في ذلك العين بطريق الوكالة، والتوكيل لا يثبت
_________________
(١) في الأصل: (عبده)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٢٥ ]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ مَأْذُونَا لَهُ فِيهَا، فَيُعَاقِدُهُ، فَيَتَضَرَّرُ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونَا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ المَوْلَى رَاضِيًا بِهِ لَمَنَعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.
بالسكوت، ولكن يتضمن إذنًا في غيرها، بمنزلة ما لو رأى المولى عبده المسلم يشتري شيئًا بالخمر، أو بالخنزير فسكت، يصير مأذونا في التجارة، وإن كان لا يجوز هذا الشراء كذا هاهنا.
والمعنى أن في إثبات الإذن في هذا التصرف الذي يراه ضرر في حق المولى، وهو إزالة ملكه عما يبيعه، فلا يثبت بسكوته، وليس في ثبوت الإذن في الحال في حق غيره ضرر في حق المولى، إذ يملك حجره، أما في حق الناس ضرر بين في عدم ثبوت الإذن كما ذكرنا.
وكذا فيما رأى أجنبيا يبيع ملكه فسكت، فإن ضرر المالك متيقن في ثبوت الإذن بزوال ملكه عن العين في الحال، وإن كان بعوض ضرر حتى لا يملكه أحد عليه حالة الاختيار، وكذا لم يثبت الإذن في مسألة الرهن؛ لأن في ثبوت الإذن ضررًا في حق المرتهن بزوال حق الاستيفاء بثبوت يده عليه، فإذا زال عن يده ربما لا يصل إلى يده من محل آخر، فكان ضرر المرتهن أقوى من ضرر الراهن، فلذلك لم تثبت الإجازة.
وأما مسألة التزوج فإنا لو أثبتنا عدم الإذن يتضرر العبد ضررا موهومًا، فإن ضرر العبد في أن يدخل بها على حسبان أن المالك أجازه، وأنه موهوم، وضرر المرأة بزوال ملكها عن منافع بضعها للحال، وهي في حكم العين ضرر ثابت بيقين على تقدير ثبوت الإذن، فرجحنا جانب المرأة، ولم نقل بالإجازة.
وكذا لم نجعل السكوت رضًا في إتلاف المال؛ لأن الضرر هناك يتحقق في الحال، وسكوته لا يكون دليل التزام حقيقة، ولأنه لا حاجة إلى تعيين جانب الرضا هناك لدفع ضرر الغرور عن المتلف، وهو ملتزم للضرر بإقدامه على الإتلاف، وهو موجب للضمان بنفسه حقيقة بخلاف ما نحن فيه، وأما السكوت عن القاضي لا يكون إذنًا؛ لأن الإذن من القاضي قضاء، والقضاء لا يثبت بالسكوت، ولهذا ثبت الإذن بالسكوت من الأب، أما لو أذن القاضي
[ ٧ / ٥٢٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا أَذِنَ المَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إِذْنَا عَامًّا: جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي سَائِرِ
التِّجَارَاتِ) وَمَعْنَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ لَهُ أَذِنْت لَكَ فِي التِّجَارَةِ وَلَا يُقَيِّدُهُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ التِّجَارَةَ اسْمٌ عَامٌ يَتَنَاوَلُ الجِنْسَ، فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مَا بَدَا لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ التِّجَارَةِ.
(وَلَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِالغَبْنِ اليَسِيرِ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ (وَكَذَا
وأبى الأب صح إذن القاضي، ولا يعتبر إباء الأب.
والمسألة في تتمة الفتاوى: لأن القاضي لما أذن رأى المصلحة في الإذن بفعله، ذلك إذا طلب الإذن من الأب، وأبى الأب صار الأب عاضلا له، فتنتقل الولاية إلى القاضي بسبب العضل، كالولي في باب النكاح، فإنه إذا عضل تنتقل الولاية إلى القاضي؛ لما أن النكاح حقها قبل الولي، فإذا امتنع الولي عن الإيفاء نقلت الولاية إلى القاضي؛ إبقاء لِحَقِّها كذا هاهنا.
وأما قوله: السكوت يحتمل فقلنا: نعم، ولكن دليل العرف يرجح جانب الرضى كما في سكوت البكر لدفع الضرر، الكل من المبسوط، والذخيرة، والإيضاح.
قوله: (في سائر التجارات) أي: جميعها يقال سائر الناس أي: جميعهم كذا في الصحاح.
قوله: (فلا يقيده) [أي] (^١): الإذن بنوع من التجارة، وهذا بلا خلاف، وإنما الخلاف في الإذن بنوع، فكان فائدة ذكر معنى المسألة؛ لبيان نفي الخلاف.
قوله: (لتعذر الاحتراز عنه) أي: عن غبن اليسير، وعند الشافعي، وأحمد: لا يجوز إلا بثمن المثل كما في الوكيل.
وعند أبي حنيفة: يجوز بالغبن الفاحش أيضًا، سواء كان عليه دين أو لا. وعندهما، والشافعي وأحمد، وزفر: لا يجوز بالغبن الفاحش؛ لأن المحاباة بالفاحش بمنزلة الهبة ابتداء، وهو لا يملكه كالأب، والوصي،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٢٧ ]
بِالفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا) (*) هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ البَيْعَ بِالفَاحِشِ مِنهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ، حَتَّى اعْتُبِرَ مِنْ المَرِيضِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَلَا يَنْتَظِمُهُ الإِذْنُ كَالهِبَةِ.
وَلَهُ: أَنَّهُ تِجَارَةٌ وَالعَبْدُ مُتَصَرِّفٌ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالحُرِّ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّبِيُّ المَأْذُونُ.
(وَلَوْ حَابَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ
والقاضي في مال الصغير، ولهذا اعتبر الغبن الفاحش من المريض من ثلث ماله كالهبة.
(وله) أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: التصرف بالغبن الفاحش (تجارة) لا تبرع؛ لأنه وقع في ضمن عقد التجارة، والواقع في ضمن الشيء له حكم ذلك الشيء، والمأذون في حق التجارة ملحق بالأحرار؛ لأنه متصرف لنفسه بأهلية نفسه لا بحكم الأمر، فصح منه كما يصح من الحر، ومن سواه يتصرف للغير فيتقيد بالنظر، والبيع بالغبن الفاحش من صنيع التجار لاستجلاب قلوب المجاهرين (^١) ليربح في تصرف آخر.
قوله: (وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون)، وكذا المكاتب والمعتوه المأذون.
ثم أبو حنيفة فرق بين البيع والشراء في تصرف الوكيل بالغبن، وسوى بينهما في تصرف المأذون؛ لأن الوكيل يرجع على الأمر بما يلحقه من العهدة، فكان الوكيل بالشراء متهما في أنه اشتراه لنفسه، فلما ظهر الغبن أراد أن يلزمه الأمر، وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه لا يرجع بما لحقه من العهدة على أحد، فاستوى البيع والشراء في حقه، كذا في المبسوط.
قوله: (ولو حابي) أي: العبد المأذون (في مرض موته يعتبر من جميع المال) هذا إذا كان مولاه صحيحًا، أما لو كانت المحاباة منه في مرض المولى فمحاباته باليسير، والفاحش يعتبر من الثلث عند أبي حنيفة، كما لو حابي
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) كذا بالأصل، وفي النسختين الثانية والثالثة: (المهاجرين).
[ ٧ / ٥٢٨ ]
كَانَ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّ الاِقْتِصَارَ فِي الحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الوَرَثَةِ، وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَا فِي يَدِهِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: أَدِّ جَمِيعَ المُحَابَاةِ وَإِلَّا فَارْدُدْ البَيْعَ كَمَا فِي الحُرِّ.
(وَلَهُ أَنْ يُسْلِمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ)؛ لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ.
(وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ)؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ بِنَفْسِهِ. قَالَ: (وَيَرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ إِيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءُ.
(وَيَمْلِكُ أَنْ يَتَقَبَّلَ الأَرْضَ وَيَسْتَأْجِرَ الأَجَرَاءَ وَالبُيُوتَ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ
المولى بنفسه في مرضه، وعندهما محاباته باليسير كذلك، وبالفاحش باطل، وإن كان يخرج من ثلث مال المولى، لأنه لا يملك هذه المحاباة بالإذن في التجارة، كما لو باشره في صحة المولى.
قوله: (ولا وارث للعبد ولا يقال بأن المولى بمنزلة الوارث؛ لأنه رضي بسقوط حقه بالإذن، فصار كالوارث، إذ أسقط حقه في الثلثين بالإجازة، فإنه يتصرف المريض في الكل، فكذا هذا.
قوله: (وله) أي: للمأذون أن يسلم) أي: يجعل نفسه رب السلم والمسلم إليه.
قوله: (وله أن يتقبل الأرض) أي: يأخذها إجارة.
وفي المغرب: قبالة الأرض أن يتقبلها إنسان فيقبلها الإمام أي: يعطيها إياه مزارعة أو مساقاة، ويأخذ الأرض مزارعة؛ لأنه إن كان البذر من قِبَلِهِ فهو مستأجر الأرض، وأنه أنفع من الاستئجار بالدرهم، فإن هناك يلزمه الأجر، وإن لم يحصل الخارج، وهاهنا لا يلزمه شيء بدون الخارج، ولو كان البذر من قبل رب الأرض فهو آجر نفسه من رب الأرض لعمل الزراعة، فصار كما لو أجر نفسه بالدراهم فيجوز هذا فكذا هاهنا، وله أن يدفع الأرض مزارعة كما ذكرنا من الوجهين، أما ليس له أن يدفع طعامًا إلى رجل ليزرعه في أرضه بالنصف لفساد المزارعة على هذا الوجه فيكون كالقرض، والقرض تبرع، كذا في المبسوط.
[ ٧ / ٥٢٩ ]
التَّجَّارِ (وَيَأْخُذَ الأَرْضَ مُزَارَعَةٌ)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ (وَيَشْتَرِي طَعَامًا فَيَزْرَعُهُ فِي أَرْضِهِ)؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الرِّبْحَ قَالَ ﵊: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ».
(وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عَنَان، وَيَدْفَعَ المَالَ مُضَارَبَةٌ، وَيَأْخُذُهَا)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التَّجَّارِ (وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِي وَهُوَ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُ العَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَا عَلَى مَنَافِعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا. وَلَنَا: أَنَّ نَفْسَهُ رَأْسُ مَالِهِ، فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ الإِذْنِ كَالبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْحَجِرُ بِهِ، وَالرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ المَوْلَى أَمَّا الإِجَارَةُ: فَلَا يَنْحَجِرُ بِهِ وَيَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ وَهُوَ الرِّبْحُ فَيَمْلِكُهُ.
قوله: (شركة عنان) قيد به لأنه ليس له شركة المفاوضة؛ لأن مبناه على الوكالة والكفالة، والوكالة داخلة تحت الإذن دون الكفالة، ثم تصح منه شركة العنان مطلقا عن ذكر الشراء بنقد ونسيئة، حتى لو اشترك المأذونان شركة على أن يشتريا بالنقد والنسيئة لم يجز من ذلك النسيئة، وجاز النقد؛ لأن في النسيئة معنى الكفالة عن صاحبه، والمأذون لا يملك الكفالة، ولو أذنا في الشركة بالنقد والنسيئة ولا دين عليهما فاشتركا جاز، كما لو أذنا في الكفالة، ولو اشتركا مفاوضة بالإذن تصير عنانا، كذا في المبسوط والذخيرة.
قوله: (وله) أي: للمأذون (أن يؤاجر نفسه).
قوله: (خلافًا للشافعي) وكذا لو وكل إنسانا لا يجوز عنده في قول، وفي الأصح يجوز. (وهو يقول) أي: الشافعي إنه لا يملك العقد على نفسه؛ لأنه آذنه بالتصرف في غير نفسه، ولهذا لا يملك البيع على نفسه إلى آخر ما ذكر في المتن.
ولنا: أن إجارة نفسه تجارة فيملكها، وهو تصرف على غير نفسه بل على منافعه، وإنما لا يجوز بيع نفسه؛ لأنه يبطل الإذن أصلا؛ لأنه ينحجر به، وكذا لا يملك رهن نفسه؛ لأنه إيفاء من وجه، فكان بيع نفسه من وجه، وبالإجارة لا ينحجر، ويحصل المقصود وهو الربح فيملكه، وما ذكر ينتقض بالحر، فإنه لا يملك بيع نفسه، ويملك إجارته، إليه أشار في المبسوط.
[ ٧ / ٥٣٠ ]
قَالَ: (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنهَا دُونَ غَيْرِهِ، فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي جَمِيعِهَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ مَأْذُونَا إِلَّا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعِ آخَرَ. لَهُمَا: أَنَّ الإِذْنَ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ مِنْ المَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ الوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ وَيَثْبُتُ الحُكْمُ وَهُوَ المِلْكُ لَهُ دُونَ العَبْدِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ حَجْرَهُ فَيَتَخَصَّصُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ كَالمُضَارِبِ. وَلَنَا: أَنَّهُ إِسْقَاطُ الحَقِّ وَفَكُّ الحَجْرِ عَلَى مَا بَيْنَاهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ العَبْدِ
قوله: (مأذون في جميعها) أي: جميع أنواع التجارة، سواء نهى عن غير ذلك النوع أو سكت، ذكره في الإيضاح.
(وهو الملك له أي: للمولى يعني أن المقصود من التصرف حكمه، وحكمه الملك، وهو للمولى لا للعبد؛ لأنه بالرق خرج من أن يكون أهلا للملك، ولهذا يملك حجره، ولا يملك حجر المكاتب، ولو كان كالمكاتب لما ملك حجره، ولهذا لو أذنه في التزويج بامرأة بعينها لم يملك أن يتزوج غيرها.
وقوله: (على ما بيناه) أي: في أول الكتاب.
(وعند ذلك) أي: عند الإذن وفك الحجر تظهر مالكية العبد) فصار كالمكاتب، فلا يصح تخصيصه بنوع دون نوع كالمكاتب.
تشريحه أن تصرف العبد بعد الإذن يلاقي محلا هو ملكه، والمتصرف في ملكه لا يكون نائبًا عن غيره، فإن أول التصرف بعد الإذن الشراء؛ لأنه لا يملك شيئًا ليبيعه، وبالشراء يلتزم الثمن في ذمته، وهي مملوكة له، ولهذا لا يملك المولى الشراء بثمن يجب في ذمة العبد، ولو كانت مملوكة له لملكت، ولم يتصرف العبد في ذمة المولى حتى يجعل نائبًا عنه فيكون أصيلا في التصرف.
بخلاف الوكيل؛ لأنه يتصرف في مال غيره أو في ذمة غيره؛ لأنه يثبت للتوكيل بالشراء حق الرجوع عليه، ولم يكن له قبل التوكيل هذه الولاية، وإنما استفادها بالأمر، فصار نائبًا بخلاف الإذن في النكاح، فإن النكاح تصرف مملوك للمولى عليه، فإن النكاح لا يجوز إلا بولي، إما بولاية نفسه، أو بولاية غيره، والرق يخرجه عن الولاية على نفسه، فكان نائبا عن المولى.
[ ٧ / ٥٣١ ]
فَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الوِلَايَةُ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ وَهُوَ المِلْكُ وَاقِعٌ لِلْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالنَّفَقَةِ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ يَخْلُفُهُ المَالِكُ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ بِمَأْذُونِ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامُ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَأْمُرَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ مُعَيَّنِ لِلْكِسْوَةِ أَوْ طَعَامٍ رِزْقًا لِأَهْلِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مَأذُونَا يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَدٌ إِلَيَّ الغَلَّةَ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا، أَوْ قَالَ: أَدٌ إِلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنهُ المَالَ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالكَسْبِ، أَوْ قَالَ لَهُ: اقْعُدْ صَبَّاغَا أَوْ قَصَّارًا؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ بِشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ نَوْعٌ فَيَصِيرُ مَأْذُونَا فِي الأَنْوَاعِ.
ولهذا قلنا: إن المولى يجبره على النكاح، أما هذا التصرف غير مملوك للمولى عليه، فإنه لا يملك البيع والشراء عليه بدون اختياره، فكان الإذن في التجارة فك الحجر.
وقوله: (وحكم التصرف) إلى آخره، جواب عن قولهما: ويثبت الحكم للمولى.
قوله: (وما استغنى عنه) العبد يثبت للمولى على سبيل الخلافة عنه، فإذا ثبت أن الإذن إسقاط الحق، وفك الحجر لا الإنابة، لا يعتبر تقييده بنوع دون نوع، كما إذا رضي المستأجر ببيع عبد من زيد دون عمرو، أو سلم البائع المبيع إلى المشتري قبل نقد الثمن، على أن يتصرف فيه نوعا من التصرف دون نوع، فإنه لا يعتبر التقييد؛ لأن ذلك منه إسقاط لحق المنع.
قوله: (ومعناه) إلى آخره، قيد به ليعلم به أن مقصود المولى من التصرف ليس بعقود متكررة، يكون إذنا في التجارة، كما لو قال: اشتر لي ثوبًا وبعه، أما لو أذنه في التصرف في ثوب بعينه، أو شراء كسوة، أو طعام لأهله لا يكون إذنا له، لو اعتبر إذنا لضاق على الناس استخدام المماليك في حوائجهم، ولهذا لو أمره ببيع ثوب غصبه العبد يكون إذنا في التجارة، وإن كان بعقد واحد؛ لأنه لا يمكن جعله استخدامًا، إذ ليس له ولاية الأمر ببيعه؛ لعدم ملكه، إليه أشار في الذخيرة.
[ ٧ / ٥٣٢ ]
قَالَ: (وَإِقْرَارُ المَأذُونِ بِالدُّيُونِ وَالغُصُوبِ جَائِزٌ، وَكَذَا بِالوَدَائِعِ)؛ لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَاجْتَنَبَ النَّاسُ مُبَايَعَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، إِذَا كَانَ الإِقْرَارُ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِهِ يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي الحُرِّ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ بِمَا يَجِبُ مِنْ المَالِ لَا بِسَبَبِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالمَحْجُورِ فِي حَقِّهِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ.
قَالَ: (وَلَا يُزَوِّجُ مَمَالِيكَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُزَوِّجُ الأَمَةَ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ المَالِ بِمَنَافِعِهَا فَأَشْبَهَ إِجَارَتَهَا. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِذْنَ يَتَضَمَّنُ التِّجَارَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَلِهَذَا
قوله: (والمغصوب جائز) سواء صدقه المولى أو لا لأن الغصب يوجب الملك عند أداء الضمان فالضمان الواجب به من جنس التجارة فيكون إقرارا بالمعاوضة وعند الشافعي وأحمد ومالك يجوز إقراره بدون المعاملة فقط وإقراره بالغصب والإتلاف يصح إن صدقه المولى.
قوله: (لا بسبب التجارة)، وفي المبسوط: غصب جارية بكرًا وافتضها رجل في يده وهرب، كان لمولاها أن يأخذ العبد بعقرها؛ لأن الفائت بالافتضاض جزء من ماليتها، وهي مضمونة على العبد بجميع أجزائها، والعبد مؤاخذ بضمان الغصب في الحال مأذونا كان أو محجورًا، ولأن هذا من جنس ضمان التجارة، ولو أقر العبد أنه وطئ جارية بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يصدق؛ لأنه ليس من التجارة، فإن وجوب العقر هنا باعتبار النكاح، والنكاح ليس بتجارة.
وفي الإيضاح: لو أقر بجناية على عبدٍ أو حُرّ أو مهر وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة، فإن إقراره باطل لا يؤاخذ به حتى يعتق؛ لأن فك الحجر إنما ظهر في حق التجارة، وهذه الديون ما وجبت بسبب التجارة، فصار إقراره فيها وإقرار المحجور سواء، أما لو أقر بما يوجب القود يصح، وللمقر له استيفاؤه، وبه قال الشافعي، ومالك.
وقال أحمد، ومحمد بن الحسن، وزفر، والمزني، وداود: لا يصح، وقد مر في الإقرار.
قوله: (ولهما) أي: لأبي حنيفة ومحمد وبقولهما قالت الأئمة الثلاثة.
[ ٧ / ٥٣٣ ]
لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ العَبْدِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّبِيُّ المَأْذُونُ وَالمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ وَالْأَبُ وَالوَصِيُّ.
قَالَ: (وَلَا يُكَاتِبُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةِ، إِذْ هِيَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، وَالبَدَلُ فِيهِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الحَجْرِ فَلَمْ يَكُنْ تِجَارَةٌ (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ المَوْلَى وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ
(وهذا) أي: النكاح (ليس بتجارة) إذ المال إنما يجب بالنكاح؛ لخطر المحل لا لكون البضع مالا.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إلى قوله: والأب والوصي) [قال شيخي صاحب النهاية في هذه الرواية نظرًا لأنه ذكر قبل هذا في كتاب المكاتب] (^١) أن يزوجا أمة الصغير بلا خلاف؛ لما أنهما في رقيق الصغير كالمكاتب، وكذا ذكره في المبسوط، والتتمة، ومختصر الكافي.
وأحكام الصغار وما ذكر في المكاتب أصح؛ لأنه موافق لعامة الروايات. وفي الكافي: يحتمل أن يكون في المسألة روايتان. وقال الإمام حسام الأخسيكتي: ويحمل ما أطلق في المكاتب على ما ذكره هاهنا، ويجعل في المسألة روايتان.
قوله: (ولا يكاتب المأذون (لأنه) أي: عقد الكتابة (ليس بتجارة إذ هي) أي: التجارة والبدل فيه) أي: في عقد الكتابة، ولأن الكتابة أقوى من الإذن إذ الكتابة موجبة حرية اليد للحال، وحرية الرقبة في المال، والإذن لا يوجب شيئًا من ذلك، والشيء لا يتضمن ما هو أعلى منه، كما أن الكتابة لا تتضمن الإعتاق؛ لأنه أعلى من الكتابة.
وإلا أن يجيزه المولى أي: عقد كتابته (ولا دين عليه) أي: على المأذون؛ لأن المولى بإجازة عقد الكتابة يخرجه من أن يكون كسبا للمأذون، وقيام الدين عليه يمنع من ذلك قلَّ الدين أو كثر؛ لتعلق حق الغرماء به، ولهذا لو أخذه من يد المأذون وعليه دين قل أو كثر يمنع منه خصوصا عند أبي حنيفة، إذا كان على العبد دين محيط حيث لا يملكه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسختين الثانية، والثالثة.
[ ٧ / ٥٣٤ ]
المَوْلَى قَدْ مَلَكَهُ وَيَصِيرُ العَبْدُ نَائِبًا عَنْهُ وَتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلَى المَوْلَى؛ لِأَنَّ الوَكِيلَ فِي الكِتَابَةِ سَفِيرٌ.
قَالَ: (وَلَا يُعْتِقُ عَلَى مَالِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الكِتَابَةَ فَالْإِعْتَاقُ أَوْلَى (وَلَا يُقْرِضُ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ كَالهِبَةِ.
(وَلَا يَهَبُ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَذَا لَا يَتَصَدَّقُ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ بِصَرِيحِهِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، أَوْ ابْتِدَاءٌ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُهْدِيَ اليَسِيرَ مِنْ الطَّعَامِ، أَوْ يُضَيِّفَ مَنْ يُطْعِمُهُ)؛
وعندهما: لا يجوز؛ لتعلق حق الغرماء به، كذا في المبسوط والإيضاح.
قوله: (ويصير العبد) أي: العبد المأذون (نائبا عنه) أي: عن المولى في عقد الكتابة عند الإجازة، وترجع الحقوق إلى المولى، وهي مطالبة بدل الكتابة، وولاية الفسخ عند العجز، وثبوت الولاء بعد العتق إذ حقوق العقد في باب الكتابة لا تتعلق بالوكيل، فلا يملك المأذون قبض البدل.
قوله: (فالإعتاق أولى)؛ لأنه إعتاق في الحال، وهذا إذا لم يجز المولى، أما إذا أجازه ولا دين على المأذون جاز؛ لأنه يملك إنشاء العتق عليه فيملك الإجازة وقبض المال إلى المولى دون المأذون، وأما إذا كان على المأذون دين فأجاز العتق جاز وضمن قيمته لغرماء المديون عندهما، كما لو أنشأ العتق ولا سبيل للغرماء على العوض، بخلاف الكتابة؛ لأن ما يؤديه كسب الحر وحق للغرماء غير متعلق بكسب الحر، فأما بدل الكتابة فيؤديه في حال الرق، فيتعلق به حق الغرماء، كذا في الإيضاح.
قوله: (إلا أن يهدي اليسير من الطعام، أو يضيف معامليه)، وبقولنا قال أحمد.
وقال الشافعي، ومالك: لا يملك ذلك أيضًا بغير إذن المولى؛ لأنه تبرع بمال مولاه فلم يجز كهبة دراهمه.
[ ٧ / ٥٣٥ ]
لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ اسْتِجْلَابًا لِقُلُوبِ المُجَاهِزِينَ، بِخِلَافِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ؛
ولنا أنه عليه الصلاة السلام يجيب دعوة المملوك (^١) وروى أبو سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج فحضر دعوته ناس من الصحابة، منهم ابن مسعود، وحذيفة، وأبو ذر، فأمَّهُم وهو يومئذ عبد، والمراد المأذون، إذ المحجور لا يقدر على الضيافة اليسيرة.
(ولأنه) أي: إهداء اليسير والضيافة من (ضرورات الإذن في التجارة) لأن التاجر يحتاج إليه (لاستجلاب قلوب المجاهزين).
المجاهز: عند العامة الغني من التجار، فكأنه أريد المجهز، وهو الذي يبعث التجار بالجهاز وهو فاخر المتاع، أو يسافر به فَحُرِّفَ إلى المجاهز، كذا في المغرب.
وفي الذخيرة: أن يتخذ الضيافة اليسيرة، وليس له أن يتخذ الضيافة العظيمة؛ لأن اليسيرة من صنيع التجار دون العظيمة.
وقال محمد بن سلمة: في الحد الفاصل بين اليسيرة والعظيمة ينظر إلى مقدار مال تجارته، فإن كان عشرة آلاف، واتخذ ضيافة بمقدار عشره كان يسيرًا، ولو كان مال تجارته عشرة مثلا، واتخذ ضيافة بمقدار دانق فذاك يكون كثيرا عرفا.
أما الهدية فيملك الإهداء بالمأكولات لا لما سواها، إذ قضية القياس عدم جواز الإهداء؛ لأنه تبرع؛ ولكن ترك القياس بالعرف والعادة؛ وعرف التجار الإهداء بالمأكولات؛ فيرد ما سواه إلى القياس؛ وإليه أشار في المبسوط أيضًا (^٢).
وفي المغني: الأب والوصي لا يملكان في مال الصغير ما يملك المأذون من اتخاذ الضيافة اليسيرة والهدية اليسيرة، ويملك التصدق بالفلس والرغيف
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٨ رقم ١٠١٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٠) رقم (٢٢٩٦)، والحاكم (٢/ ٤٦٧ رقم ٣٧٣٤) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم، عن أنس، ومسلم الأعور يُضَعَّفُ، وهو مسلم بن كيسان الملائي تُكلّم فيه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٣/ ٨٠).
[ ٧ / ٥٣٦ ]
لِأَنَّهُ لَا إِذْنَ لَهُ أَصْلًا، فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ إِذَا أَعْطَاهُ المَوْلَى قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْطَاهُ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَكَلُوهُ قَبْلَ الشَّهْرِ يَتَضَرَّرُ بِهِ المَوْلَى. قَالُوا: وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ اليَسِيرِ كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي العَادَةِ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ بِالعَيْبِ مِثْلَ مَا يَحُطُّ التُّجَّارُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَرُبَّمَا يَكُونُ الحَطَّ أَنْظَرَ لَهُ مِنْ قَبُولِ المَعِيبِ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَطَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ مَحْضٌ بَعْدَ تَمَامِ العَقْدِ فَلَيْسَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَلَا كَذَلِكَ المُحَابَاةُ فِي الابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّلَ فِي دَيْنِ وَجَبَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التَّجَارَةِ.
قَالَ: (وَدُيُونُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى) وَقَالَ زُفَرُ
وبالفضة بما دون الدرهم؛ لأن ذلك من صنيع التجار.
قوله: (ونحوه) أي: نحو الرغيف كالفلس، وما دون الدرهم، وكذا الأمةُ في بيت مولاها تطعم وتتصدق على الرسم والعادة بدون الإذن صريحًا للعرف والعادة، وما روى أبو أمامة أنه عليه الصلاة السلام قال في خطبته عام حجة الوداع: «وَلَا تُخْرِجُ المَرأةُ من بَيْتِ زَوجِها مَالًا» قيل له: ولا الطعام؟ فقال ﵊: «الطعام أفضل أموالكم» (^١)، محمول على الطعام المدخر كالحنطة ودقيقها، فأما غير المدخر يتصدق به على رسم العادة، ولا يكون ذلك بإذن الزوج عرفا.
وله أن يحط من الثمن أي: للمأذون (بالعيب) وبدون العيب لا، خلافًا للأئمة الثلاثة فإن عندهما لا يحط أصلا.
قوله: (يباع للغرماء) أي: يبيعه القاضي بغير رضى المولى بالاتفاق عند أصحابنا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٥٦٥) الترمذي (٢/¬٥٠ رقم ٦٧٠)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٠ رقم ٢٢٩٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٧ / ٥٣٧ ]
وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاعُ، وَيُبَاعُ كَسْبُهُ فِي دَيْنِهِ بِالإِجْمَاعِ. لَهُمَا: أَنَّ غَرَضَ المَوْلَى مِنَ الإِذْنِ تَحْصِيلُ مَالٍ لَمْ يَكُنْ، لَا تَفْوِيتُ مَالِ قَدْ كَانَ لَهُ، وَذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ الدَّيْنِ بِكَسْبِهِ، حَتَّى إِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ الدَّيْنِ يَحْصُلُ لَهُ لَا بِالرَّقَبَةِ، بِخِلَافِ دَيْنِ الاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ جِنَايَةِ،
أما عندهما: فظاهر؛ لأن الحجر على المديون يجوز عندهما.
وأما عند أبي حنيفة: لا يجوز الحجر على المديون، وجوز هاهنا.
والعذر له أنه ليس في هذا حجر على المولى؛ لأن المولى محجور عن بيعه قبل ذلك، فإنه لو باع العبد المأذون المديون بغير رضى الغرماء لا يقدر، فكان هذا بمنزلة المستغرقة بالدين، فإنه يبيع القاضي التركة على الورثة بغير رضاهم؛ لقضاء الدين، فكذا هذا، ولا يكون ذلك حجرًا عليهم كذا في الذخيرة.
ويبيع كسبه بغير رضى المأذون، فأبو حنيفة لا يرى الحجر على الحر، إنما يرى الحجر على العبد، ألا ترى أن المولى يحجره.
وفي النهاية، وما ذكر في بعض حواشي المقروءة على
الأساتذة: بأن معنى قوله (يباع للغرماء) أن يجبر القاضي المولى على البيع حتى يستقيم على قول أبي حنيفة.
لا وجه لصحته أصلا، بل يبيع القاضي العبد بدون رضا المولى؛ لما ذكرنا من رواية الذخيرة.
وقال زفر والشافعي: لا يباع في الدين، ويتعلق الدين الفاضل عن كسبه بذمته، يؤخذ منه بعد العتق كما لو استقرض بغير إذن سيده، وبه قال مالك.
وقال أحمد: يتعلق بذمة المولى؛ لأنه لزمه بمعاوضة السيد، فيجب عليه كالنفقة.
قوله: (وذلك) أي: غرض المولى من إذنه تحصيل مال بمال لم يكن، لا تفويت مال قد كان، وذا في أداء دين التجارة من كسب التجارة لا بالرقبة، يعني غرضه تعلق الدين بكسبه لا برقبته كما ذكرنا أن فيه تفويت مال قد كان، والعبد الذي لا كسب في يده معسر، فكان مستحقا للنظرة شرعًا، لإطلاق الآية.
(لأنه) أي: الاستهلاك (نوع جناية) ولا تعلق له بالإذن، إذ وجوبه
[ ٧ / ٥٣٨ ]
وَاسْتِهْلَاكُ الرَّقَبَةِ بِالجِنَايَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالإِذْنِ. وَلَنَا: أَنَّ الوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ العَبْدِ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ المَوْلَى، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءً كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ، وَالجَامِعُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ التِّجَارَةُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الإِذْنِ، وَتَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءُ حَامِلٌ عَلَى المُعَامَلَةِ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ صَلُحَ غَرَضًا لِلْمَوْلَى، وَيَنْعَدِمُ الضَّرَرُ فِي حَقِّهِ بِدُخُولِ المَبِيعِ فِي مِلْكِهِ، وَتَعَلُّقُهُ بِالكَسْبِ لَا يُنَافِي تَعَلُّقَهُ بِالرَّقَبَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالكَسْبِ فِي الاسْتِيفَاءِ لِحَقِّ الغُرَمَاءِ وَإِبْقَاءَ لِمَقْصُودِ المَوْلَى، وَعِنْدَ انْعِدَامِهِ يُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ.
بالجناية، ولهذا يباع بدين الاستهلاك قبل الإذن فكذا بعده.
قوله: (وهذا) أي: كون دين تجارته متعلق برقبته باعتبار أن سببه التجارة، وهي التجارة داخلة تحت الإذن.
وقوله: (تعلق الدين (برقبته) جواب عن قولهما: إن غرض المولى استيفاء حامل على المعاملة، إذ لا بد للدين من محل يستوفى منه، وأقرب المحال إليه نفسه؛ لأنه وجب عليه وهو مال، وتعلق الدين برقبته حامل للغير على المعاملة، فصلح عوضًا للمولى من هذا الوجه.
(وينعدم الضرر في حقه) أي: في حق المولى بدخول المبيع في ملكه) أي: في ملك المولى.
فإن قيل: كيف يتصور هذا وقد قال بعده يبدأ بالكسب، فإذا كان المبيع الذي من كسب العبد باقيا، كيف يباع المأذون؟
قلنا: جاز أن يكون هذا المبيع هو المبيع الذي اشتراه المأذون وأدى ثمنه، ثم قبضه المولى ولا دين على العبد، ثم ركبته الديون، فيبيع المأذون بسبب ديون لحقته بعدما أخذ المولى المبيع.
فإنه قال في المغني: ولو أخذ المولى شيئًا من كسبه ولا دين عليه، ثم لحقه دين لا يجب على المولى رد ما أخذ إن كان قائمًا، وضمانه إن كان مستهلكا.
وقوله: (لا ينافي تعلقه بالرقبة) جواب عما قال الشافعي أن تعلقه بالرقبة
[ ٧ / ٥٣٩ ]
وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: «دُيُونُهُ» المُرَادُ مِنهُ دَيْنٌ وَجَبَ بِالتِّجَارَةِ، أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا كَالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِجَارَةِ وَالاسْتِنْجَارِ وَضَمَانِ الغُصُوبِ وَالوَدَائِعِ وَالأَمَانَاتِ إِذَا جَحَدَهَا، وَمَا يَجِبُ مِنْ العُقْرِ بِوَطْءِ المُشْتَرَاةِ بَعْدَ الاسْتِحْقَاقِ لِاسْتِنَادِهِ إِلَى الشَّرَاءِ فَيَلْحَقُ بِهِ. قَالَ: (وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمْ بِالحِصَصِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِالرَّقَبَةِ فَصَارَ كَتَعَلُّقِهَا
ينافي مقصود الإذن.
وفي المبسوط، والمغني: وأصحابنا استدلوا بما روي أنه عليه الصلاة السلام باع رجلًا في دينه يقال له: سُرَق، فحين كان بيع الحر جائزا، ومن ضرورة بيع الحر في دينه بيع العبد في دينه، وما ثبت بضرورة النص فهو كالمنصوص، ثم انفسخ بيع الحر، وتبقى بيع العبد مشروعًا، فيباع في دينه، كذا قيل وفيه نوع تأمل.
(وقوله) أي: قول صاحب القُدوري (في الكتاب) أي: القندورقي، ويحترز بقوله: (المراد منه دين وجب بالتجارة) عن دين وجب بالنكاح بأن تزوج امرأة فوطئها، ثم استحقت حيث وجب المهر عليه، ولا يظهر ذلك في حق المولى؛ لأن وجوبه بالنكاح وهو ليس من التجارة، أما لو تزوج بإذن المولى يظهر في حقه يباع فيه، كذا في المبسوط.
وقوله: (كالبيع والشراء) نظير دين التجارة (والإجارة، والاستئجار) إلى آخره، نظير ما هو في معنى التجارة، ثم صورة الدين بسبب الإجارة أن يؤاجر شيئًا ويقبض الأجرة، ولم يسلم المستأجر حتى انقضت المدة ووجب عليه رد الأجرة، وذكر الأمانات بعد الودائع؛ لأن الأمانة أعم من الوديعة، كمال المضاربة، والعارية، والشركة، والبضاعة، وهذه الأشياء عند الجحود بها تنقلب غصبًا، فكان الضمان الواجب بهذه الأشياء ضمان غصب؛ لأن الأمين يصير غاصبا للأمانة بالجحود، وكذا يؤاخذ بضمان عقر الدابة، واحتراق الثوب في الحال، وتباع رقبته فيه.
وقيل: هذا محمول على ما إذا أخد الدابة أو الثوب أولا، حتى يصير غاصبا بالأخد، ثم عقرها وأحرقه، أما لو عقر أو أحرق الثوب قبل القبض فينبغي على قول أبي يوسف أن لا يؤاخذ به في الحال.
قوله: (لاستناده) أي استناد وجوب العقر (إلى الشراء) إذ
[ ٧ / ٥٤٠ ]
بِالتَّرِكَةِ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ مِنْ دُيُونِهِ: طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الحُرِّيَّةِ) لِتَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الرَّقَبَةِ بِهِ (وَلَا يُبَاعُ ثَانِيًا) كَيْ لَا يَمْتَنِعَ البَيْعُ أَوْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ المُشْتَرِي (وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِكَسْبِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَقْبَلُ مِنْ الهبة)؛
وجوبه بسبب الشراء، فإنه لولاه لوجب عليه الحد، وسواء ثبت بإقراره أو بالبينة.
قوله: (ولا يباع ثانيًا) بخلاف دين نفقة المرأة، حيث يباع فيها مرة بعد أخرى؛ لأنها تجب شيئًا فشيئًا، بخلاف المهر فإنه إذا بيع في مهر ولم يف الثمن لا يباع ثانيًا؛ لأنه بيع في جميع المهر، ويطالب بالباقي بعد العتق كذا ذكره التمرتاشي.
(كيلا يمتنع البيع) يعني إذا علم المشتري أنه يباع في يده ثانيًا بلا رضاه يمنع عن الشراء، فيمتنع البيع فيتضرر الغرماء، أو دفعا للضرر عن المشتري، فإن المشتري لم يأذنه بالتجارة فلو بيع ثانيًا بدون رضاه؛ لتضرر به للزومه بدون التزامه، أما المولى الأول بالإذن ملتزم ضرر البيع.
قوله: (ويتعلق دينه) أي: دين المأذون.
(بما يقبل من الهبة) وكذا الصدقة قبل لحوق الدين أو بعده، فديته تتعلق بما يكسبه سواء بسبب التجارة أو غيرها عندنا، وبه قال الشافعي في الأصح.
وقال زفر: لا يتعلق، وبه قال الشافعي في قول.
والهبة للمولى، لا حَقَّ للغرماء فيها؛ لأنها ليست من التجارة، ووجوب الدين عليه بسبب التجارة، فكانت كسائر أملاك (^١) المولى، ألا ترى أنها لو ولدت، ثم لحقها دين لا يتعلق بالولد؟
وقلنا: كسب العبد له، والمولى يخلفه في ملكه بعد فراغه عن حاجة العبد، ولم يفرغ وصار كالوارث، فإنه لا يملك شيئًا من التركة إلا بشرط الفراغ من دينه، بخلاف الولد؛ لأنه ليس من كسبها، كما أن نفسها ليست من كسبها،
_________________
(١) في الأصل: (املا)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٤١ ]
لِأَنَّ المَوْلَى إِنَّمَا يَخْلُفُهُ فِي المِلْكِ بَعْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَةِ العَبْدِ وَلَمْ يَفْرُغْ (وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا انْتَزَعَهُ المَوْلَى مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ) لِوُجُودِ شَرْطِ الخُلُوصِ لَهُ (وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَلَّةَ مِثْلِهُ بَعْدَ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ يَحْجُرُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ الكَسْبُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى غَلَّةِ المِثْلِ يَرُدُّهَا عَلَى الغُرَمَاءِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِيهَا وَتَقَدُّمِ حَقَّهِمْ.
قَالَ: (فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْحَجِرْ حَتَّى يَظْهَرَ حَجْرُهُ بَيْنَ أَهْلِ سُوقِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْحَجَرَ لَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِهِ لِتَأَخَّرِ حَقِّهِمْ إِلَى مَا بَعْدَ العِتْقِ، لِمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ وَقَدْ بَايَعُوهُ عَلَى رَجَاءِ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ أَكْثَرِ أَهْلِ سُوقِهِ،
فكذا الولد؛ لأنه حر متولد من عينها؛ والحق يتعلق بكسبها، حتى لو لَحِقَها الدين ثم ولدت يتعلق؛ لأن نفسها تباع في الدين فكذا ولدها، وهذا بخلاف الدفع في الجناية، فإن جنايته إذا ولدت لا تتعلق في ولدها، ولا حق لأولياء الجناية في ولدها؛ لأن حقهم هناك في بدل المتلف، وهو أرش الجناية، أو في نفسها جزاء على الجناية، ولكن ذلك ليس بحق متأكد بدليل يمكن المولى من التصرف فيها كيف شاء بالبيع وغيره، فلا يسري إلى الولد، وهنا حق الغرماء متأكد في ذمتها، بدليل أنه لا ينفذ تصرف المولى فيها بالبيع والهبة ما لم يصل إلى الغرماء حقهم فيسري إليه، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وله) أي: للمولى (أن يأخذ غلة مثله) أي: الضريبة التي ضرب المولى على عبده كل شهر عشرة دراهم مثلا، فيأخذ بعد الدين كما كان يأخذها قبل استحسانًا.
وفي القياس: لا يجوز؛ لأن الدين مقدم على حق المولى في الكسب.
وجه الاستحسان: أن في ذلك نفعًا (^٢) للغرماء؛ لأن حقهم يتعلق بمكاسبه، ولا يحصل الكسب إلا ببقاء الإذن في التجارة، فلو منعناه من أخذ الغلة يحجر عليه، فينسد باب الاكتساب كذا في المبسوط، والإيضاح.
وفي المغرب: الغلة: ما يحصل من ريع أرض، أو كرائها، وأجرة الغلام، أو نحو ذلك، وقد أغلت الضيعة فهو مغلة.
قوله: ويشترط علم أكثر أهل سوقه، وقال الشافعي يصح الحجر بغير
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/ ٥٥).
(٢) في الأصول الخطية: (نفع).
[ ٧ / ٥٤٢ ]
حَتَّى لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي السُّوقِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَمْ يَنْحَجِرْ، وَلَوْ بَايَعُوهُ جَازَ، وَإِنْ بَايَعَهُ الَّذِي عَلِمَ بِحَجْرِهِ وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ
علم العبد وأهل السوق كما في عزل الوكيل؛ لأن الإذن عنده نيابة كالوكالة، وبه قال مالك، وأحمد.
وفي الذخيرة: اشتراط علم أكثر أهل السوق لحجره في الحجر القصدي؛ أما لو ثبت الحجر ضمنا لا يشترط علمهم، ولا علم واحد منهم، حتى لو باع المولى العبد المأذون ينحجر ضمنًا؛ لصحة البيع لزوال ملكه كالعزل الحكمي في الوكيل.
قوله: (وإن بايعه الذي علم بحجره) أن هذا للوصل، يعني إذا لم يعلم بحجره أكثر أهل سوقه لا ينحجر في حق من علم بحجره أيضًا، كما لا يثبت في حق غيره.
فإن قيل: المعنى الموجب علم أكثر أهل السوق دفع الضرر عن الناس، وهذا المعنى غير موجود في حق من علم رجل أو رجلين؛ لأنه لما علم بحجره انعدم المعنى الموجب، وهو الغرور في حقه، فينبغي أن يثبت في حقه، ولم يجز بيعه، كما في خطاب الشرع إذا علم بخبر واحد لا يعذر في تركه.
قلنا: صحة الحجية لما توقف على التشهير لا يصح بدونه، إذ المشروط لا يثبت بدون شرطه، وذلك لأن الحجر ضد الإذن، وكما أن الإذن لا يقبل التخصيص فكذا الحجر لا يقبله، بخلاف خطاب الشرع إذ حكمه يثبت في حق من علم به، ويقبل التخصيص، كذا في المبسوط.
وفي الذخيرة: لما بقي الإذن في حق من لم يعلم من أكثر أهل السوق بقي حق من علم؛ لأن الإذن بالتجارة لا يتجزأ، ألا ترى أن في الابتداء لا يتجزأ؟ فكذا في الانتهاء، ثم قال: فإن قيل: هذا العذر ليس بصحيح، فإن الإذن إذا كان عاما، وحجر عليه بمحضر أهل السوق، يصير العبد محجورًا، ولو كان ما ذكرتم من المعنى صحيحًا، ينبغي أن لا يصير محجورًا؛ لأن الحجر لا يعمل في حق الذي لم يعلم بالحجر، وبقي الإذن في حقه، فينبغي أن لا يبقى في حق الباقين؛ لعدم تجزئه.
[ ٧ / ٥٤٣ ]
سُوقِهِ يَنْحَجِرُ، وَالمُعْتَبَرُ شُيُوعُ الحَجْرِ وَاشْتِهَارُهُ فَيُقَامُ ذَلِكَ مَقَامَ الظُّهُورِ عِنْدَ الكُلِّ كَمَا فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ مِنْ الرُّسُلِ ﵈، وَيَبْقَى العَبْدُ مَأْذُونَا إِلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالحَجْرِ كَالوَكِيلِ إِلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالعَزْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بَعْدَ العِتْقِ وَمَا رَضِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الشُّيُوعُ فِي الحَجْرِ إِذَا كَانَ الإِذْنُ شَائِعًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا العَبْدُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ بِعِلْمٍ مِنْهُ يَنْحَجِرُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ.
قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ المَوْلَى أَوْ جُنَّ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا: صَارَ المَأْذُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الإِذْنَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَمَا لَا يَكُونُ لَازِمًا مِنْ التَّصَرُّفِ يُعْطَى لِدَوَامِهِ حُكْمُ الابْتِدَاءِ، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ أَهْلِيَّةِ الإِذْنِ فِي حَالَةِ البَقَاءِ وَهِيَ تَنْعَدِمُ بِالمَوْتِ وَالجُنُونِ، وَكَذَا بِاللُّحُوقِ، لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا حَتَّى يُقَسَّمَ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَبَقَ العَبْدُ، صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْقَى مَأْذُونَا؛ لِأَنَّ
قلنا: القياس هكذا، لكن ترك القياس للضرورة، إذ تبليغ الحجر إلى كل واحد من أهل سوقه متعسر، فأقمنا تبليغه إلى الأكثر مقام تبليغه إلى الكل، ألا ترى أنه عليه الصلاة السلام كان مأمورًا بتبليغ ما أنزل إلى كل الناس كافة، ولم يبلغ إلى الكل، بل بلغ إلى الأكثر، فقام ذلك مقام تبليغ الكل.
قوله: (أو جُنَّ) المراد الجنون المطبق، أما إذا لم يكن مطبقًا، بأن يَجُنّ ويفيق لا ينحجر.
وفي الذخيرة: اختلفوا في المطبق فقال محمد: ما دون الشهر [غير] (^١) مطبق، وشهرًا فصاعدًا مطبق، ثم رجع فقال: ما دون السنة غير مطبق، والسنة فما فوقها مطبق.
وعن أبي يوسف: أكثر السنة فصاعدا مطبق، وما دونه لا.
قوله: (وقال الشافعي يبقى مأذونا)، وبه قال مالك، وأحمد.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٤٤ ]
الإِبَاقَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الإِذْنِ، فَكَذَا لَا يُنَافِي البَقَاءَ وَصَارَ كَالغَصْبِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِبَاقَ حَجْرُ دَلَالَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْضَى بِكَوْنِهِ مَأْذُونَا عَلَى وَجْهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَقْضِيَةِ دَيْنِهِ بِكَسْبِهِ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ الإِذْنِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا، وَبِخِلَافِ الغَصْبِ؛ لِأَنَّ الإِنْتِزَاعَ مِنْ يَدِ الغَاصِبِ مُتَيَسِّرُ.
قَالَ: (وَإِذَا وَلَدَتِ المَأْذُونُ لَهَا مِنْ مَوْلَاهَا فَذَلِكَ حَجْرٌ عَلَيْهَا) خِلَافًا لَزُفَرَ، وَهُوَ يَعْتَبِرُ حَالَةَ البَقَاءِ بِالابْتِدَاءِ.
وذكر في المبسوط: وقال زفر: لا يصير محجورًا به؛ لأن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن، حتى لو أذن الآبق يجوز؛ لأن الإذن باعتبار ملكه لا يختل ذلك بالإباق، وصار كالغصب والحبس، حتى لو غصبه غاصب، أو حبس بدين عليه، أو على غيره لا ينحجر فكذا بالإباق.
ولنا أن الإباق حجر دلالة، إذ الظاهر أن المولى لا يرضى بتصرف الأبق المتمرد، وإنما يرضى بتصرفه ما بقي تحت طاعته؛ ليتمكن من قضاء دينه بكسبه، والإباق يمنع ابتداء الإذن على ما ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده، وبعد التسليم فالدلالة ساقطة عند صريح الإذن.
قوله: (لأن الانتزاع) أي: انتزاع مكاسبه (من يد الغاصب متيسر) بالمرافعة إلى الحاكم، حتى لو لم يكن الانتزاع من يده، بأن جحد الغاصب ولا بينة، لا يصح ابتداء الإذن ولا بقاؤه ذكره في الذخيرة.
ولو عاد من الإباق هل يعود الإذن؟ لم يذكره محمد، والصحيح أنه لا يعود كما لو حجره صريح.
قوله: (فذلك) أي: الاستيلاد (حجر عليها).
قال المحبوبي: تأويل المسألة إذا استولدها من غير تصريح الإذن، حتى لو قال بعد الاستيلاد: لا أريد الحجر عليها لا تنحجر.
(هو) أي: زفر (يعتبر البقاء بالابتداء) فإن في الابتداء لو أذن لها يصح، فكذلك يبقى بالاستيلاد، كما في التدبير، وهو القياس، وقياس قول الأئمة الثلاثة، واستحسنا.
[ ٧ / ٥٤٥ ]
وَلَنَا: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُحْصِنُهَا بَعْدَ الوِلَادَةِ فَيَكُونُ دَلَالَةَ الحَجْرِ عَادَةَ، بِخِلَافِ الابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ قَاضٍ عَلَى الدَّلَالَةِ.
(وَيَضْمَنُ المَوْلَى قِيمَتَهَا إِنْ رَكِبَتْهَا دُيُونٌ) لِإِتْلَافِهِ مَحِلًّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغُرَمَاءِ، إِذْ بِهِ يَمْتَنِعُ البَيْعُ وَبِهِ يُقْضَى حَقَّهُمْ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَدَانَتِ الأَمَةُ المَأذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَدَبَّرَهَا المَوْلَى، فَهِيَ مَأْذُونٌ لَهَا عَلَى حَالِهَا) لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ الحَجْرِ، إِذْ العَادَةُ مَا جَرَتْ بِتَحْصِينِ المُدَبَّرَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُكْمَيْهَا أَيْضًا، وَالمَوْلَى ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي أُمِّ الوَلَدِ.
قَالَ: (وَإِذَا حَجَرَ عَلَى المَأذُونِ لَهُ، فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ المَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُقِرَّ بِمَا فِي يَدِهِ أَنَّهُ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ، أَوْ غَصْبٌ مِنهُ، أَوْ يُقِرَّ بِدَيْنِ عَلَيْهِ فَيُقْضَى مِمَّا فِي يَدِهِ.
وقلنا: لا تنحجر لأن العادة أن الإنسان يحصن أم ولده، ولا يرضى بخروجها واختلاطها بالناس، ودلالة العادة تعتبر عند عدم التصريح بخلافها، ألا ترى أن تقديم المائدة بين يدي إنسان يجعل إذنًا في التناول عرفًا وعادة، فأما إذا قال بعد التقديم: لا تأكل، لم يكن ذلك إذنا، كذا في المبسوط.
قوله: (أكثر من قيمتها) وإنما وضع المسألة في أكثر من قيمتها؛ لتظهر الفائدة في أن المولى يضمن قيمتها دون الزيادة.
قوله: (ولا منافاة بين حكميهما) أي: حكم التدبير والإذن؛ لأن بالتدبير يثبت حق العتق وإن كان لا يفيد في انفكاك الحجر، فلا يؤثر في الحجر عليه، كذا في المبسوط.
قوله: (ومعناه) إلى آخره، وإنما احتاج إلى ذكر تأويل المسألة بقوله: (ومعناه كذا)؛ لأن مطلق الإقرار بما في يده يفهم منه الغصوب والديون لا الأمانات فلهذا قدم ذكر الأمانة، وقيد فيما في يده؛ لأنه لو أقر باستهلاك رقبته لا يجوز بالإجماع، حتى إذا لم يف ما في يده لا تباع رقبته بالإجماع، ولا فيما انتزعه المولى، ثم أقر في يد المشتري بدين عليه لا يصدق بالإجماع، وكذا لو كان في يده كسب حصل بالاحتطاب والاصطياد ونحوه مما هو ليس بتجارة لا يصدق بالإجماع.
[ ٧ / ٥٤٦ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ (*). لَهُمَا: أَنَّ المُصَحِّحَ لِإِقْرَارِهِ إِنْ كَانَ الإِذْنَ فَقَدْ زَالَ بِالحَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اليَدَ فَالحَجْرُ أَبْطَلَهَا؛ لِأَنَّ يَدَ المَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَخَذَ المَوْلَى كَسْبَهُ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ إِقْرَارِهِ، أَوْ ثَبَتَ حَجْرُهُ بِالبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ الرَّقَبَةِ بَعْدَ الحَجْرِ، وَلَهُ: أَنَّ المُصَحِّحَ هُوَ اليَدُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ المَأذُونِ فِيمَا أَخَذَهُ المَوْلَى مِنْ يَدِهِ وَاليَدُ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً، وَشَرْطُ بُطْلَانِهَا بِالحَجْرِ حُكْمًا فَرَاغُهَا عَنْ حَاجَتِهِ، وَإِقْرَارُهُ دَلِيلُ تَحَقُّقِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا انْتَزَعَهُ المَوْلَى مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ المَوْلَى ثَابِتَةٌ حَقِيقَةٌ وَحُكْمًا فَلَا تَبْطُلُ بِإِقْرَارِهِ، وَكَذَا مِلْكُهُ ثَابِتٌ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ؛ لِأَنَّ العَبْدَ قَدْ تَبَدَّلَ بِتَبَدُّلِ المِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَلَا يَبْقَى مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ المِلْكِ،
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد) لا يجوز إقراره، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ويؤخذ به بعد العتق، وما في يده لمولاه.
قوله: (لأن يد المحجور غير معتبرة) ولا يلزم عليه ما لو أودع المحجور إنسانًا وغاب، لم يكن للمولى أخذه، فلو لم تعتبر يده لما اشترط حضرته؛ لأن المسألة مؤوّلة بما إذا لم يعلم المودع أن الوديعة كسب العبد، أما لو علم فللمولى أخذه، كذا في الذخيرة.
ولهذا لا يصح إقراره في حق الزيادة، يعني لو أقر بأكثر مما في يده لا تباع رقبته لأجل الزيادة بالإجماع.
قوله: (بخلاف ما إذا انتزعه المولى إلى آخره جواب عن قولهم: وصار كما لو أخذ المولى كسبه، يعني لم يبق هناك أثر من آثار ذلك الإذن، ويد المولى عليه ثابتة حقيقة وحكمًا، فلا يبطل بإقراره.
قوله: (فلا يبطل) أي: ملك المولى في الرقبة بإقرار العبد من غير رضاه) أي: المولى إذ لا يد للعبد في رقبته بعد الحجر.
قوله: (على ما عرف أي: في حديث بريرة، فلا يبقى) أي: للعبد من
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٥٤٧ ]
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيمَا بَاشَرَهُ قَبْلَ البَيْعِ.
قَالَ: (وَإِذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ تُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ، لَمْ يَمْلِكِ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَيَعْتِقُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) (*)؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ المِلْكِ فِي كَسْبِهِ وَهُوَ مِلْكُ رَقَبَتِهِ،
حكم الإذن الذي كان ثابتًا عليه للمولى بحكم أنه ملك المولى، وإنما يملك العبد كسبه بحكم ذلك الملك.
(ولهذا لم يكن) أي: العبد (خصمًا) في حقوق عقد باشره عند الأول قبل بيعه من التسليم، والتسليم، والرد بالعيب وإن كان خصما فيها بعد الحجر قبل البيع، وعلى هذا إذا حجر المأذون وفي يده ألف، فأقرَّ - بعدما أُذِنَ ثانيا - بألف كان لزمه في الإذن الأول، قضى من ذلك الألف عنده.
وعندهما: هذا الألف للمولى، ويصح هذا الإقرار فيؤمر المولى بقضاء الدين، أو يباع فيه.
وفي الأسرار: وعلى هذا الخلاف إذا حجر الصبي المأذون وفي يده كسب فيقر به يصح عنده خلافا لهما.
قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف، ومحمد: (يملك ما في يده) وينفذ عتقه،
وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (وهو) أي: سبب الملك في الكسب (ملك الرقبة)؛ لأن ملك الأصل علة ملك الفرع، فكما أن الدين لا يمنع ملك المولى في رقبته بالاتفاق، فيجب أن لا ينافي ملكه في كسبه وحاجته إلى قضاء دينه.
ينبغي أن لا يمنع ملكه، كما أن حاجته إلى النفقة والكسوة لا يمنع ملك المولى، ولأن المولى لو وطئ جارية عبده المأذون فجاءت بولد فادعاه ثبت نسبه، وإن كان عليه دين محيط بالإجماع.
ولا يغرم عقرها، ولو لم يملك ينبغي أن يغرم عقرها.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٥٤٨ ]
وَلِهَذَا يَمْلِكُ إِعْتَاقَهَا، وَوَطْءَ الجَارِيَةِ المَأذُونِ لَهَا، وَهَذَا آيَةٌ كَمَالِهِ، بِخِلَافِ الوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ المِلْكُ لَهُ نَظَرًا لِلْمُوَرِّثِ وَالنَّظَرُ فِي صِدِّهِ عِنْدَ إِحَاطَةِ الدَّيْنِ بِتَرِكَتِهِ. أَمَّا مِلْكُ المَوْلَى فَمَا ثَبَتَ نَظَرًا لِلْعَبْدِ. وَلَهُ: أَنَّ مِلْكَ المَوْلَى إِنَّمَا يَثْبُتُ خِلَافُهُ عَنْ العَبْدِ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ كَمِلْكِ الوَارِثِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ،
(وهذا) أي: نفوذ إعتاقه وحل وطئه (آية كمال ملكه) في الرقبة وتعلق حق الغرماء به استيفاء لا يمنع ملك المولى لرقبته.
(بخلاف الوارث) إذا أعتق عبدًا من التركة، وهي مشغولة كلها بالدين حيث لا ينفذ؛ لأن الملك إنما ينتقل إلى الوارث عند استغناء الميت عنه نظرا للميت، ولهذا يقدم الأقرب فالأقرب؛ لأن الصرف إلى الأقرب أنفع له، ومتى كان على الميت دين يقدم حق الغريم على الوارث؛ لأن النظر في ضده، وهو عدم ثبوت الملك للوارث؛ لأن قضاء الدين فرض عليه والدين حائل بينه وبين ربه، أما ملك المولى كسبه لا يثبت باعتبار النظر للعبد، بل لاستحالة ثبوت ملك الرقبة للعبد؛ لأنه مملوك مالا فيستحيل أن يكون مالكا له، ولهذا يخلفه المولى في ملك الرقبة، وهذا المعنى لا يختلف مع قيام الدين وعدمه.
قوله: (على ما قررناه) أي: في مسألة تعليق الدين بكسبه في قوله: وأما الجواب عن قولهما أن الدين لا يمنع ملك الرقبة، فكذا لا يمنع ملك الكسب أن المولى لا يخلفه في ملك الرقبة، بل كان مالكًا لرقبته لا باكتساب من العبد، فبقي ملكه فيها بعد لحوق (^١) الدين كما في المكاتب، فإن المولى يملك رقبته وينفذ عتقه فيها، ويؤدي بها كفارته، ولا يملك كسبه لقيام حاجته فيه، فكذلك في المأذون لا يملك كسبه، وإن كان يملك رقبته، وحاجته إلى قضاء دينه ليست كحاجته إلى الطعام والكسوة، فإن الرقيق لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه يستوجبهما على المولى إذا لم يكن كسب.
أما الدين فلا يؤديه المولى، فكانت حاجته إلى الكسب فوق حاجته إلى النفقة والكسوة، وعن قولهما يثبت نسبه، ولا عقر عليه أن حق الغرماء في
_________________
(١) في الأصل: (لحقوق)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٤٩ ]
وَالمُحِيطُ بِهِ الدَّيْنُ مَشْغُولٌ بِهَا، فَلَا يَخْلُفُهُ فِيهِ، وَإِذَا عُرِفَ ثُبُوتُ المِلْكِ وَعَدَمُهُ، فَالعِتْقُ فُرَيْعَتُهُ، وَإِذَا نَفَذَ عِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَالِهِ: جَازَ عِتْقُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَهُ؛
الكسب من حيث المالية لا من حيث العين، ولهذا للمولى حق تملكه واستخلاصه بأداء الدين في محل آخر، فكان حاله أقوى من حال الأب إذا وطئ جارية ابنه، وادعى نسب ولده حيث يثبت؛ لأن له حق تملكها بالقيمة ولم يغرم من العقر شيئًا، فكذا هاهنا إليه أشار في المبسوط، والإيضاح.
وأما قولهما: أن المولى يملك الكسب لا بطريق الخلافة والنظر للعبد إلى آخره.
قلنا: العبد ليس بأهل لملك مستقر، لكنه أهل لملك ينتقل إلى غيره إذا فرغ من حاجته، وهذا لأن العبد من حيث إنه آدمي بمنزلة الحر، ومن حيث إنه مال مملوك كالبهيمة، ولو كان حرًا مطلقًا ملك المال ملكًا مستقرًا، ولو كان مملوكًا مطلقا كالبهيمة لا يملك أصلا، فقلنا بأنه يملك ملكًا منتقلًا عملا بالشبهين.
قوله: (فالعتق فريعته) أي: العتق فرع بثبوت الملك وعدمه؛ لأنه فرعه، وكذا لو قال له: هذا ابني يثبت نسبه إن كان مجهول النسب عندهما ويعتق.
وعنده: لا يثبت ولا يعتق، وكذا لو قتل عبده المأذون يغرم قيمته في ثلاث سنين عنده؛ لأنه لم يملكه فصار كقتل عبد لأجنبي، فكان ضمان جناية.
وعندهما: يغرم قيمته للحال؛ لأنه قتل عبده وتعلق به حق الغرماء، فيضمن حقهم للحال.
قوله: (وكذا عنده) أي: عند أبي حنيفة في قوله الآخر، وفي قوله الأول: لا يملك ولا يصح إعتاقه، لأن الدين تعلق بكسبه، وفي حق التعلق لا فرق بين القليل والكثير كما في الرهن، وفي قوله الآخر: الشرط هو الفراغ، وبعضه فارغ وبعضه مشغول، فلا يجوز أن يمتنع الملك في الكل؛ لأن شرط عدم الملك في
[ ٧ / ٥٥٠ ]
لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ قَلِيلِهِ، فَلَوْ جُعِلَ مَانِعًا لَانْسَدَّ بَابُ الِانْتِفَاعِ بِكَسْبِهِ فَيَخْتَلُّ مَا هُوَ المَقْصُودُ مِنْ الإِذْنِ، وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الوَارِثِ، وَالمُسْتَغْرَقُ يَمْنَعُهُ.
قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ مِنْ المَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، جَازَ)؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِي عَنْ كَسْبِهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِكَسْبِهِ (وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ، لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا)؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمْ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَابَى الأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ المَرِيضُ مِنْ الوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ، لِأَنَّ حَقَّ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ
الكل لم يوجد، ولا يجوز أن يمتنع بقدره؛ لأن البعض ليس بأولى من البعض فيثبت الملك في الكل.
وأصله أن استغراق التركة بالدين يمنع ملك الوارث في التركة، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وقال في قول، وأحمد في رواية: لا يمنع، وبه قال مالك.
ولا يتعلق حينئذ حقه بماله في غير المحيط، ففي قول أبي حنيفة الأول كذلك، وفي قوله الآخر يملك الوارث جميع التركة، وسيجيء بعد إن شاء الله.
قوله: (إذا كان عليه دين قيد به؛ لأنه نص في المعنى أنه إذا لم يكن عليه دين لا يجوز بيعه من المولى شيئًا، ولا بيع المولى منه شيئًا حتى لا تثبت فيه الشفعة.
قوله: (وإن باعه بنقصان لم يجز) أي: عند أبي حنيفة سواء كان النقصان يسيرًا أو فاحشا، وعندهما يجوز، ويجبر المولى على ما يجيء.
(لأنه) أي: العبد متهم في حقه) أي: حق المولى (بخلاف ما إذا حابي الأجنبي) حيث يجوز سواء كانت المحاباة يسيرة أو فاحشة.
قوله: (لا تهمة فيه) ولا يقال احتمال التهمة فيه أيضًا موجود؛ لأن مجرد الاحتمال لا يعتبر، وإنما المعتبر الناشئ عن الدليل.
وقوله: (وبخلاف ما إذا باع المريض) متعلق بأول المسألة ومعطوف على قوله: (وإن باعه بنقصان لم يجز) من حيث المعنى تقدير الكلام، وإن باع من المولى بمثل قيمته جاز، بخلاف ما إذا باع بالنقصان حيث لم يجز، وبخلاف ما
[ ٧ / ٥٥١ ]
تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمْ الِاسْتِخْلَاصُ بِأَدَاءِ قِيمَتِهِ. أَمَّا حَقُّ الغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالمَالِيَّةِ لَا غَيْرَ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ يَجُوزُ البَيْعُ، وَيُخَيَّرُ المَوْلَى
إذا باع المريض، هذا على تقدير الواو في قوله (^١) (وبخلاف) ويجوز بغير الواو، فيتعلق حينئذ بحكم قوله المتصل وهو قوله: (بخلاف ما إذا حابى الأجنبي) أي: أنه يجوز في كل حال، سواء كانت المحاباة فاحشة أو يسيرة أو بمثل القيمة.
وبيع المريض من وارثه لا يجوز بكل حال من الأحوال الثلاثة عند أبي حنيفة، وهذا أوجه، ولكن النسخة بالواو تأباه.
قوله: (وبهذا) أي بجواز البيع مع التخيير (يندفع الضرر عن الغرماء). (منهما) أي: من المولى والأجنبي (متردد) إلى آخره.
وفي الكافي: هذا الذي ذكرنا قول بعض المشايخ، وهو قوله: (وإن باعه بنقصان لم يجز) عنده، ويجوز عندهما.
(ويخير المولى) إلى آخره، والصحيح أن قوله كقولهما؛ لأن المولى بسبيل من تخليص كسبه لنفسه بالقيمة بدون البيع، فلا يكون له ذلك بالبيع أولى، وصار العبد في تصرفه مع مولاه كالمريض المديون في تصرفه مع الأجنبي.
وفي المبسوط: لم يجز عندهما أيضًا، كالمريض المديون مع الأجنبي (^٢). والأصح أن هذا قولهم جميعًا؛ لأن العبد مع المولى كالمريض مع الأجنبي، وكذا ذكره في مبسوط الإسبيجابي.
وفي النهاية: ما ذكره في الكتاب بقوله: (وإن باعه بنقصان لم يجز) عنده. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن باعه بنقصان يجوز البيع (وَيُخَيَّرُ المولى) إلى آخره، وقع على غير الأصح.
_________________
(١) في الأصل (بقوله)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٥/ ٧٠).
[ ٧ / ٥٥٢ ]
إِنْ شَاءَ أَزَالَ المُحَابَاةَ، وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ البَيْعَ، وَعَلَى المَذْهَبَيْنِ اليَسِيرُ مِنْ المُحَابَاةِ وَالفَاحِسُ سَوَاءٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الاِمْتِنَاعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الغُرَمَاءِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ البَيْعِ مِنْ الأَجْنَبِيِّ بِالمُحَابَاةِ اليَسِيرَةِ، حَيْثُ يَجُوزُ، وَلَا يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ المُحَابَاةِ، وَالمَوْلَى يُؤْمَرُ بِهِ؛ لِأَنَّ البَيْعَ بِاليَسِيرِ مِنهُمَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالبَيْعِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ تَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ فَاعْتَبَرْنَاهُ تَبَرُّعًا فِي البَيْعِ مَعَ المَوْلَى لِلتَّهْمَةِ غَيْرَ تَبَرُّعٍ فِي حَقٌّ الأَجْنَبِيِّ لِانْعِدَامِهَا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ مِنْ الأَجْنَبِيِّ بِالكَثِيرِ مِنْ المُحَابَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا، وَمِنْ المَوْلَى يَجُوزُ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ المُحَابَاةِ؛ لِأَنَّ المُحَابَاةَ لَا تَجُوزُ مِنْ العَبْدِ المَأذُونِ عَلَى أَصْلِهِمَا إِلَّا بِإِذْنِ المَوْلَى، وَلَا إِذْنَ فِي البَيْعِ مَعَ الأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ إِذْنٌ بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، غَيْرَ أَنَّ إِزَالَةَ المُحَابَاةِ لِحَقِّ الغُرَمَاءِ، وَهَذَانِ الفَرْقَانِ عَلَى أَصْلِهِمَا.
قَالَ: (وَإِنْ بَاعَهُ المَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ القِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ: جَازَ البَيْعُ)؛ لِأَنَّ المَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَسْبِهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا البَيْعِ؛ وَلِأَنَّهُ مُفِيدٌ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي كَسْبِ العَبْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَيَتَمَكَّنُ المَوْلَى مِنْ أَخْذِ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا التَّمَكَّنُ وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ تَتْبَعُ الفَائِدَةَ (فَإِنْ سَلَّمَ المَبِيعَ إِلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِ
قوله: (وإن باعه المولى) إلى قوله: (جاز البيع) أي: بالإجماع، أما عنده فلأن المولى أجنبي عن كسبه إذا كان عليه دين، وأما عندهما فلأن جواز البيع يعتمد الفائدة، وقد وجدت فإنه يخرج من كسب العبد إلى ملك المولى ما كان المولى ممنوعًا عنه قبل ذلك لِحَقِّ الغرماء، ويدخل في كسب العبد ما لم يكن تعلق به حق.
قوله: (فإن سلم المبيع إليه) أي: إلى العبد بطل الثمن.
وفي المبسوط: هذا جواب ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف: هذا إذا استهلك العبد المقبوض، فإن كان قائما في يده للمولى أن يسترده حتى يستوفي الثمن من العبد لما أنه أسقط حقه من العين، بشرط أن يسلم له الثمن، ولم يسلم فبقي حقه في العين على حاله.
[ ٧ / ٥٥٣ ]
الثَّمَنِ: بَطَلَ الثَّمَنُ)؛ لِأَنَّ حَقَّ المَوْلَى فِي العَيْنِ مِنْ حَيْثُ الحَبْسُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ سُقُوطِهِ يَبْقَى فِي الدَّيْنِ وَلَا يَسْتَوْجِبُهُ المَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَجَازَ أَنْ يَبْقَى حَقَّهُ مُتَعَلِّقًا بِالعَيْنِ. قَالَ: (وَإِنْ أَمْسَكَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ: جَازَ)؛ لِأَنَّ البَائِعَ لَهُ حَقُّ الحَبْسِ فِي المَبِيعِ، وَلِهَذَا كَانَ أَخَصَّ
وجه ظاهر الرواية ما ذكر في المتن.
(ولا يستوجبه) أي: الدين (على عبده) لأن الدين يعرف بحق المطالبة، فلو كان للغير على العبد دين كان المطالب هو المولى ببيع العبد حتى يقضي دينه، فلو كان له عليه دين لصح أن يطالب نفسه به، وهو محال، ولأن الوجوب لا يراد لعينه بل للاستيفاء ولا يجوز أن يجب استيفاء ماله من ماله.
(بخلاف ما إذا كان الثمن عرضًا) أي: حينئذ المولى أحق بذلك الثمن من الغرماء لأنه بالعقد ملك العرض لعينه ولا يجب دينا في ذمته ويجوز أن يكون عين ملكه في يد عبده وهو أحق من الغرماء كما لو غصب العبد شيئًا من ماله أو أودع ماله عند عبده أما لو باع العبد من المولى شيئًا وسلم المبيع إليه قبل الثمن لا يسقط الثمن عن المولى لجواز ثبوت الدين على المولى للعبد كذا في المبسوط.
قوله: (فإن أمسكه) أي: جنس المولى المبيع (حتى يستوفي الثمن) من العبد (جاز)، وإنما ذكر هذه المسألة دفعا لشبهة ترد على قوله: ولا يستوجب المولى على عبده دينا، بأنه لما لم يستوجب على عبده دينا ينبغي أن لا يملك حبسه، سواء سلم المبيع أو لم يسلمه، فبين الفرق بهذه المسألة فقال: له حق حبس المبيع كما لو باعه من مكاتبه؛ لأن البيع يزيل الملك في العين، ولا يزيل ملك اليد ما لم يصل إليه الثمن، فيبقى ملك اليد للمولى على ما كان حتى يستوفي الثمن، ولأن للدين تعلقا بالعين، وهو المبيع قبل التسليم، فصار شبها بالعين فيجوز أن يكون للمولى حق فيه كما في العين، ولهذا يستوجب بدل الكتابة على المكاتب، وهو دين لما أنه مقابل برقبة المكاتب، بخلاف ما إذا سلم؛ لذهاب التعلق به أصلا فصار دينا مرسلًا.
والحاصل: أن ما وجب من الثمن قبل التسليم ليس بدين مطلق فجاز القول
[ ٧ / ٥٥٤ ]
بِهِ مِنْ الغُرَمَاءِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي الدَّيْنِ إِذَا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ (وَلَوْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ: يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ المُحَابَاةِ، أَوْ بِنَقْضِ الْبَيْعِ كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ العَبْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الغُرَمَاءِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَعْتَقَ المَوْلَى المَأذُونَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ، فَعِتْقُهُ جَائِزٌ)؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ بَاقٍ، وَالمَوْلَى ضَامِنٌ لَقِيمَتِهِ لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّهُمْ بَيْعًا وَاسْتِيفَاءً مِنْ ثَمَنِهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الدُّيُونِ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ)؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ وَمَا لَزِمَ المَوْلَى إلَّا بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَ ضَمَانًا فَبَقِيَ البَاقِي عَلَيْهِ كَمَا كَانَ (فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ
بوجوبه، وبعد التسليم صار دينا مطلقا، فوجب القول بسقوطه.
قوله: (ولو باعه) أي: المولى من عبده المأذون شيئًا بأكثر من قيمته يؤمر بإزالة المحاباة سواء كانت الزيادة قليلة أو كثيرة.
قوله: (كما بينا) إشارة إلى قوله: (ويخير المولى بين إزالة المحاباة) إلى آخره، فصاحب الكتاب أطلق لفظ المحاباة هاهنا من غير ذكر خلاف، وهذا وقع في اختيار صاحب المبسوط من الأصح كما قررنا.
أما على اختيار صاحب الكتاب، وهو رواية مبسوط شيخ الإسلام: هذا البيع لا يجوز أصلا عند أبي حنيفة، فلا يرد التخيير عنده، وعندهما: يجوز البيع مع التخيير.
وفي الكافي: ويحتمل أن يكون البيع فاسدًا عند أبي حنيفة على قول بعض المشايخ كما في الفصل الأول.
قوله: (فعتقه) أي: إعتاقه جائز، ولا يعلم فيه خلاف، ثم في هذه المسألة قيود:
أحدها: أن المولى يضمن من قيمة رب الدين.
والثاني: أن الدين لو كان أكبر من قيمته يلزمه قيمته تامة فقط.
والثالث: أن ضمانه بالإعتاق لا يتفاوت بين كونه عالما بدينه أو لم يكن.
والرابع: أن الدين على العبد بسبب التجارة أو غيرها من الغصب والإتلاف وجحود الوديعة يلزمه قيمته.
[ ٧ / ٥٥٥ ]
الدَّيْنَ لَا غَيْرَ)؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَ المُدَبَّرَ وَأُمَّ الوَلَدِ المَأْذُونِ لَهُمَا وَقَدْ رَكِبَتْهُمَا دُيُونٌ، لِأَنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِمَا اسْتِيفَاءً بِالبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ المَوْلَى مُتْلِفًا حَقَّهُمْ فَلَمْ يَتَضَمَّنْ شَيْئًا قَالَ: (وَإِنْ بَاعَهُ المَوْلَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَقَبَضَهُ المُشْتَرِي وَغَيَّبَهُ: فَإِنْ شَاءَ الغُرَمَاءُ ضَمَّنُوا البَائِعَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاؤُوا ضَمَّنُوا
الخامس: إنما يضمن بإعتاق القن المديون، أما في إعتاق أم الولد (^١) المأذون المديون والمدبر المأذون المديون لا ضمان عليه، كما ذكره في الكتاب، وإعتاق المأذون المديون يخالف إعتاق العبد الجاني بوجهين:
أحدهما: أن عِلْمَهُ بالجناية يوجب اختيار الفداء، فيلزمه أرش الجناية سواء كان زيادة على قيمته أو لا، وإن لم يعلم يلزمه من قيمته بقدر أرش الجناية، وقيمته أكبر يلزمه عشرة آلاف إلا عشرة، ولا يضمن قيمته تامة؛ لأن المستحق في الدين مالية الرقبة تبعًا للدين فبالإعتاق أتلف ذلك، فيلزمه قيمته سواء كان عالمًا بالدين أو لا، كما في إعتاق المرهون، أما في إعتاق الجاني بوجوب القيمة باعتبار الجناية، وقيمة العبد بالجناية لا تزيد على عشرة آلاف، إليه أشار في المبسوط، والإيضاح.
قوله: (وإن شاؤوا) أي: الغرماء ضمنوا المشتري قيمة هذا التخيير لهم، إذا باعه المولى بغير إذنهم وبغير إذن القاضي، والدين حال، ولا يفي الثمن بديونهم حتى لو باعه بإذنهم أو بإذن القاضي، أو الدين مؤجل إذ يفي الثمن ديونهم لا ضمان على المولى في هذه الوجوه، وذكر هذه القيود في الذخيرة والمبسوط.
ولو باعه المولى مع حضرة الغرماء أو غيبتهم والدين مؤجل جاز بيعه؛ لأنه باع ملكه مع قدرته على تسليمه، وحقهم متأخر إلى زمان حلول الأجل، وإن كان دينهم حالا، لهم منعه من البيع، ذكره في الذخيرة، والمبسوط.
فإن قيل: حق الغرماء كحق المرتهن، وذلك يمنع الراهن من البيع سواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا، وكحق الغرماء في مال، وذلك يبطل التصرف المبطل لحقهم، سواء كان الدين حالًا أو مؤجلا.
_________________
(١) بعدها في الأصل: (المال)، وهي غير موجودة بالنسخة الثانية، والسياق بدونها أشبه.
[ ٧ / ٥٥٦ ]
المُشْتَرِي)؛ لِأَنَّ العَبْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّهُمْ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ، إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ المَوْلَى دَيْنَهُمْ، وَالبَائِعُ مُتْلِفٌ حَقَّهُمْ بِالبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالمُشْتَرِي بِالقَبْضِ وَالتَّغْيِيبِ فَيُخَيَّرُونَ فِي التَّضْمِينِ (وَإِنْ شَاؤُوا أَجَازُوا البَيْعَ، وَأَخَذُوا الثَّمَنَ)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ وَالإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالإِذْنِ السَّابِقِ كَمَا فِي المَرْهُونِ (فَإِنْ ضَمَّنُوا البَائِعَ قِيمَتَهُ ثُمَّ رُدَّ عَلَى الْمَوْلَى
قلنا: لا كذلك إذ للمرتهن في الرهن ملك اليد، وذلك قائم مقام التأجيل في الدين، وبه يعجز الراهن عن التسليم، وليس للغرماء ملك اليد في المأذون، ولا في كسبه، وإنما لهم حق المطالبة بقضاء الدين، وذلك متأخر إلى حلول الأجل، وتصرف المريض في ماله نافذ ما دام حيًّا، وبعد موته لا يبقى الأجل، ولهذا لا يتصرف الوارث في تركته، ويؤمر بقضاء الدين في الحال، فلما لم يبق الأجل بعد موته كان الدين الحال والمؤجل سواء.
أما هاهنا لا سبيل للغرماء على منع المولى من التصرف أو مطالبته بشيء حتى يحل دينهم فإذا حل ضَمَّنوه قيمته؛ لأنه أتلف عليهم محل حقهم وهو المالية، أما إذا كان الدين حالا فلهم منعه من بيعه؛ لأن لهم حق المطالبة والاستيفاء فيه، وإنما قيد ضمان كل واحد من البائع والمشتري بالقبض والتغييب؛ لأنهما لا يضمنان بمجرد البيع والشراء، بل بتغيب ما فيه حق الغرماء وهو العبد، فإنهم يبيعونه أو يستسعونه كما يريدون، وذلك إنما يفوت بالتغييب لا بمجرد البيع والشراء.
قوله: (كما في المرهون) يعني الراهن إذا باع الرهن بلا إذن المرتهن ثم أجاز المرتهن البيع يجوز، وكذا هاهنا.
ثم اختلف المشايخ في قول محمد في الأصل: إذا باعه بغير إذن الغرماء والقاضي فبيعه باطل أي: سيبطل؛ لأنه بيع موقوف على إجازة الغرماء، وللغرماء حق إبطاله.
وقيل: معناه فاسد، أما لو أجازوا البيع أو قضى المولى دينهم نفذ البيع؛ لزوال المانع كالراهن إذا قضى دين المرتهن ينفذ بيعه؛ أما إذا لم يكن شيء من ذلك، والغرماء وجدوا العبد في يد المشتري، ولم يجدوا البائع لم يكن المشتري خصمًا في نقض البيع على قول أبي حنيفة، ومحمد، خلافًا لأبي يوسف، كذا في المبسوط.
[ ٧ / ٥٥٧ ]
بِعَيْبِ، لِلْمَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِالقِيمَةِ، وَيَكُونَ حَقُّ الغُرَمَاءِ فِي العَبْدِ)؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ وَهُوَ البَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ، وَصَارَ كَالغَاصِبِ إِذَا بَاعَ وَسَلَّمَ وَضَمِنَ القِيمَةَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِالعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى المَالِكِ وَيَسْتَرِدَّ القِيمَةَ كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَلَوْ كَانَ المَوْلَى بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَأَعْلَمَهُ بِالدَّيْنِ: فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا البَيْعَ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ، وَهُوَ حَقُّ الاسْتِسْعَاءِ، وَالاسْتِيفَاءِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا فَائِدَةٌ، فَالأَوَّلُ تَامٌ مُؤَخَّرٌ، وَالثَّانِي نَاقِصٌ مُعَجَّلٌ، وَبِالبَيْعِ تَفُوتُ هَذِهِ الخِيرَةُ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ. قَالُوا: تَأْوِيلُهُ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ الثَّمَنُ، فَإِنْ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي البَيْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إِلَيْهِمْ.
قوله: (فللمولى أن يرجع بالقيمة) أي: على الغرماء (وحقهم في العبد) لزوال سبب الضمان.
قوله: (وأَعْلَمَ) أي: المشتري بأن قال: هذا عبد مديون، وفائدة الإعلام سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين حتى يقع البيع لازما فيما بينهما، وإن لم يكن لازما في حق الغرماء، إذا لم يكن في ثمنه وفاء بدينهم في (الأول) أي: الاستسعاء (تام مؤخّر) (والثاني) أي: البيع (ناقص مُعجّل).
قوله: (فإن وصل ولا محاباة في البيع) إلى آخره.
في النهاية: في هذا اللفظ نوع نظر، إذ كان من حقه أن يقال: وتأويله إذا باع بثمن لا يفي بديونهم بخلاف ما لو كفل بغير أمر، ثم أجاز الأصيل الكفالة؛ لأنها وقعت غير موجبة للرجوع، ولم يتوقف نفاذ الكفالة ولزومها على الإجازة، ولم يصر المولى مختارًا لقضاء ما عليه بالبيع كما في الجناية، فإنه يصير مختارا للفداء، إذ الدين هاهنا واجب على العبد، وأمكن استيفاؤه منه بتقدير العتق، فلا يصير مختارًا كما هو المذكور في نكاح الجامع الكبير لفخر الإسلام، والجامع الصغير لقاضي خان، والذخيرة.
وذلك لأنه إذا لم يكن في البيع محاباة، ولكن الثمن إذا كان لا يفي بدينهم، لهم أن يردوا البيع؛ لفوات حقهم في الاستسعاء فيما بقي من ديونهم على العبد، وبما ذكر في الكتاب لا يحصل هذا المعنى، وهو انسداد باب الرد
[ ٧ / ٥٥٨ ]
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ البَائِعُ غَائِبًا، فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُشْتَرِي مَعْنَاهُ: إِذَا أَنْكَرَ الدَّيْنَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: المُشْتَرِي خَصْمُهُمْ وَيُقْضَى لَهُمْ بِدَيْنِهِمْ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا اشْتَرَى دَارًا وَوَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا وَغَابَ، ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ، فَالمَوْهُوبُ لَهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. وَعَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّفْعَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَدَّعِي المِلْكَ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ خَصْمًا لِكُلِّ مَنْ يُنَازِعُهُ.
لهم؛ لأنه يحتمل أن لا يفي الثمن بدينهم، وإن لم يكن في البيع محاباة، فتبقى لهم ولاية الرد للاستسعاء، اللهم إلا أن يريد.
(فإن وصل فلا محاباة في البيع) رضي الغرماء بأخذهم الثمن، فإنهم لما أخذوا الثمن كانوا راضين بالبيع فينسد حينئذ باب الرد، ولكن احتمال إرادة إحضار الثمن والتخلية بينهم وبين الثمن بلفظ الوصول باق، فلا ينهض ذلك اللفظ حينئذ بيانا لانسداد باب الرد لهم من كل وجه.
والمعول ما ذكره قاضي خان في جامعه، وتأويله إذا باع بثمن لا يفي بديونهم؛ لأنه كان لهم حق الاستسعاء إلى أن يقبل إليهم حقهم، وبعد البيع لا يمكنهم الاستسعاء في ملك المشتري، وكان لهم نقض البيع.
قوله: (ومعناه إذا أنكر الدين) أي: المشتري الدين قيد به؛ لأنه لو أقر المشتري بدينهم وصَدَّقَهم فلهم نقضه بلا خلاف إذا لم يف الثمن بديونهم ذكره المحبوبي.
وكذا لو كان المشتري غائبًا؛ والبائع حاضر فلا خصومة بينهم وبين البائع في رقبة العبد بلا خلاف، ذكره في المبسوط.
(خصما لكل من ينازعه) فيما في يده كرجل ادعى أن العين الذي في يد هذا رهن عنده، فإن ذا اليد يكون خصما له، وليس كالبائع إذا كانت الدار في يده أنه لا يكون خصمًا للشفيع؛ لأنه لا يدعي الملك لنفسه حتى لو كانت في يد المشتري، يكون المشتري خصمًا للشفيع؛ لأنه يدعي الملك لنفسه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ٥٥٩ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ الدَّعْوَى تَتَضَمَّنُ فَسْخَ العَقْدِ، وَقَدْ قَامَ بِهِمَا فَيَكُونُ الفَسْخُ قَضَاءً عَلَى الغَائِبِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا وَقَالَ: أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ، فَاشْتَرَى وَبَاعَ، لَزِمَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ
قوله: (والفسخ يكون قضاء على الغائب) والحاضر ليس بخصم عنه، وقال المحبوبي وقاضي خان: لا فائدة في جعل المشتري خصمًا، إذ لو جعلناه خصمًا ونقضوا البيع عليه لا يمكن أن يباع في ديونهم؛ لأنه يعود إلى ملك البائع وهو غائب، وفي بيعه قضاء على الغائب، وذلك لا يجوز، وهذا الطريق يوجب أن تكون مسألة الشفعة على الاختلاف، بخلاف الرهن فإن في جعل ذي اليد خصما ثم فائدة؛ لأن الرهن لا يباع.
قوله: (ومن قَدِمَ مصرًا) أطلق ولم يقل: وإذا قَدِمَ عبدٌ مِصرًا؛ لأنه لا يعلم كونه عبدًا إلا بقوله.
وقوله: (لزمه كل شيء) جواب المسألة، والمسألة على وجهين:
أحدهما: أن يخبر أن مولاه أذن له فتصدق استحسانًا، عدلا كان أو غير عدل، والقياس: لا يصدق، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه مجرد دعوى منه، فلا يصدق إلا بحجة لقوله ﷺ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي» (^١)، والحجة عندهم إما البينة أو السماع من مولاه، أو إذنه أو شهرة إذنه بين الناس.
وجه الاستحسان: أن الناس تعاملوا ذلك، وإجماع المسلمين حجة يخص به الأثر وترك به القياس، ولأن في ذلك بلوى وضرورة فإن الإذن لا بد منه لصحة تصرفه، وإقامة الحجة عند كل عقد، إذ الإنسان قد يبعث عبده للتجارة فلو لم يقبل قوله لاحتاج إلى أن يبعث شاهدين، وقلما يوجد ذلك وما ضاق
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/¬١٩) رقم (١٣٤١) عن عبد الله بن عمرو ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ»، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ١٢٣ رقم ١٦٦٨٢) بلفظ: «البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي القَسَامَةِ». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه، ضَعَّفَه ابن المبارك، وغيره. وأخرجه البخاري (٣/ ١٤٣ رقم ٢٥١٤)، ومسلم (٣/ ١٣٣٦) رقم (١٧١١) عن ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
[ ٧ / ٥٦٠ ]
التِّجَارَةِ)؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَخْبَرَ بِالإِذْنِ فَالإِخْبَارُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فَتَصَرُّفُهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، إِذْ الظَّاهِرُ أَنَّ المَحْجُورَ يَجْرِي عَلَى مُوجِبِ حَجْرِهِ، وَالعَمَلُ بِالظَّاهِرِ هُوَ الْأَصْلُ فِي المُعَامَلَاتِ كَيْ لَا يَضِيقَ الأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، (إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلَاهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهَا خَالِصُ حَقِّ الْمَوْلَى، بِخِلَافِ الكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ العَبْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (فَإِنْ حَضَرَ فَقَالَ: هُوَ مَأْذُونُ، بِيعَ فِي الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ المَوْلَى (وَإِنْ قَالَ: هُوَ مَحْجُورٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكُ بِالأَصْلِ.
على الناس أمره وعمت بليته سقطت قضيته، وكذا هذا القياس.
والاستحسان في دعوى الوكالة والمضاربة والشركة والبضاعة وما أشبهها، والثاني أن يبيع ويشتري ولا يخبر بشيء إلا بالإذن ولا بكونه عبدا.
فالقياس فيه أن لا يثبت الإذن؛ لأن السكوت محتمل، وبه قال الشافعي في الأظهر، والعمل بالظاهر هو الأصل، إذا الظاهر أنه مأذون؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح، ولا يثبت الجواز بالإذن، فوجب أن يحمل عليه، إذ الظاهر هو الأصل في المعاملات دفعا للضرر عن الناس.
والقياس أن يشترط عدالة المخبر؛ لأن خبر العدل حجة، وفي الاستحسان لا يشترط للضرورة والبلوى، فإذا ثبت كونه مأذونا بالنظر إلى الظاهر صحت تصرفاته، ولزمته الديون فيستوفي من كسبه.
قوله: (إلا أنه لا يباع) يعني إذا لم يكن في كسبه وفاء لم تبع رقبته حتى يحضر سيده؛ لأنه لم يصدق على مولاه لأن بيع الرقبة ليس من لوازم الإذن، كما في المدبر وأم الولد المأذونين، لا تباع رقبتهما في الدين.
وقوله: (على ما بينا إشارة إلى قوله لتعلق الدين بكسبه)؛ لأنه من لوازم الإذن بالتجارة.
(فإن حضر) أي: مولاه، (بيع في الدين) أي: إذا لم يقض المولى بينهما دينه لظهور دينه في حقه.
قوله: (فالقول له) أي: للمولى مع يمينه، وعلى الغرماء البينة؛ لأن دعوى العبد الإذن عليه كدعواه العتق والكفالة، فلا يقبل قوله عند جحود المولى إلا بالبينة.
[ ٧ / ٥٦١ ]