كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ
وجه مناسبة المضاربة للصلح قد مرَّ، ومحاسنها مذكور في المتن.
والمضاربة لغة: مفاعلة من الضرب في الأرض وهو السير فيها، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، عنى بالضرب السفر للتجارة.
وشرعًا: عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين، والعمل من الجانب الآخر، والمراد الشركة في الربح، ولا مضاربة بدون الشركة في الربح كما ذكر في المتن.
وسمى أهل المدينة هذا العقد: مقارضة - وذلك مروي عن عثمان - مشتقة من القرض وهو القطع، فصاحب المال يقطع قدرًا من المال عن تصرفه ويجعل التصرف فيه للعامل بهذا العقد، ولهذا سمى كتاب المضاربة غير أصحابنا: كتاب القراض، إلا أنا نأخذ لفظ المضاربة؛ لأنه موافق لكتاب الله.
وسببها: تعلق بقاء المقدور كما في سائر المعاملات.
وركنها: الألفاظ التي تثبت بها المضاربة، وهي قوله: دفعت إليك المال مضاربة، أو مقارضة، أو: خذه واعمل به على أن ما رزق الله بيننا نصفان، أو على أن لك خمسه، أو ربعه، أو عشره.
وشروطها: كثيرة تذكر في أثناء المسائل. وحكمها: صيرورة العامل وكيلا بعد تسليم رأس المال إليه قبل ظهور الربح وبعده كونه شريكا، كذا في المبسوط (^١)، والذخيرة (^٢)، والمغرب (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬١٨).
(٢) الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٣٣٣).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٨١).
[ ٧ / ٥٩ ]
المُضَارَبَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ؛ سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّ المُضَارِبَ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ النَّاسَ بَيْنَ غَنِيٌّ بِالمَالِ غَبِيٌّ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَبَيْنِ مُهْتَدٍ فِي التَّصَرُّفِ صِفْرِ اليَدِ عَنْهُ، فَمَسَّتِ الحَاجَةُ إِلَى شَرْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ لِيَنْتَظِمَ مَصْلَحَةُ الغَبِيِّ وَالذَّكِيَّ وَالفَقِيرِ وَالغَنِيِّ. وَبُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يُبَاشِرُونَهُ فَقَرَّرَهُمْ عَلَيْهِ وَتَعَامَلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ المَدْفُوعُ إِلَى المُضَارِبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِ مَالِكِهِ.
وفي الأسرار: قال أصحابنا: هي تنعقد الإيجاب الشركة في الربح. قوله: (وهي)، أي المضاربة مشروعة بما تلونا؛ لأن الضرب للتجارة، وقد يكون بمال نفسه، وقد يكون بمال غيره، والأفضل فيه فهو عليهما. قوله: (غبي) على (فعيل) إذا كان قليل الفطنة وهو واوى (^١) كالشقي. الصفر: بكسر الصاد الخالي يقال بيت صفر من المتاع ورجل صفر اليدين. قوله: (وبعث النبي ﵇ والناس يباشرونه)، أي: لعقد المضاربة، روي أن عباس بن عبد المطلب (^٢) إذا دفع المال مضاربة شرط على المضارب ألا يسلك به بحرًا، ولا ينزل واديًا، ولا يشتري به ذات كبد رطب، فإن فعل ذلك ضمن فبلغ رسول الله ﷺ ذلك فاستحسنه (^٣).
ومست الحاجة إلى شرعيته كما ذكر في المتن، وانعقد الإجماع أيضًا عليها؛ فإن الصحابة تعاملت به من غير نكير عن أحد فصار إجماعًا. قوله: (ثم المدفوع إليه أمانة)، أي: إلى المضارب من المال أمانة، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي شرح الطحاوي: فالحيلة أن يصير المال مضمونًا عند المضارب أن يقرض من المضارب، ويشهد عليه، ويسلمه إليه، ثم يأخذه منه مضاربة.
_________________
(١) في الأصل (وهو اوي)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (ابن عباس بن عبد المطلب)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤/ ٥٢ رقم ٣٠٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١١١ رقم ١١٩٤٥) من حديث ابن عباس ﵄. وضعفه الدارقطني، والبيهقي.
[ ٧ / ٦٠ ]
لَا عَلَى وَجْهِ البَدَلِ وَالوَثِيقَةِ، وَهُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَمْرِ مَالِكِهِ، وَإِذَا رَبِحَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لِتَمَلْكِهِ جُزْءًا مِنْ المَالِ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا فَسَدَتْ ظَهَرَتْ الإِجَارَةُ حَتَّى اسْتَوْجَبَ العَامِلُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَإِذَا خَالَفَ كَانَ غَاصِبًا لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنهُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ. قَالَ: (المُضَارَبَةُ: عَقْدٌ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ) وَمُرَادُهُ، الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِالمَالِ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ (وَالعَمَلِ مِنْ الجَانِبِ الْآخَرِ) وَلَا مُضَارَبَةَ بِدُونِهَا؛
بالنصف، أو بالثلث، ثم يدفع إليه يستعين به في العمل، حتى لو هلك في يده هلك كالقرض، وإذا ربح ولم يهلك يكون الربح بينهما على الشركة.
وحيلة أخرى: أن يقرض جميع المال من المضارب إلا درهما واحدًا ويسلمه إليه، ثم أنهما يشتركان في ذلك شركة عنان، على أن يكون رأس مال المقرض درهما، ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض، على أن يعملا جميعا وشتى، على أن الربح بينهما، ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال، فإن هلك المال في يده فالقرض عليه، ولو ربح فالربح بينهما على الشرط (^١).
وقوله: (لا على وجه البدل)، احتراز عن المقبوض على سوم الشراء.
وقوله: (والوثيقة)، احتراز عن الرهن؛ لأنه قبضه وثيقة.
(وكيل فيه)، أي في العمل؛ لأنه ينصرف له بأمره، ولهذا يرجع عليه بما لحقه من العهدة على رب المال كالوكيل، وعند ظهور الربح شريك له في الربح؛ لأنه يحصل بالمال والعمل فاشتركا فيه.
(ولا مضاربة بدونها)، أي بدون الشركة.
قوله: (وإذا خالف كان غاصبا)، وبه قالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم، وعن علي: لا ضمان على من شورك في الربح، وبه قال الحسن، والزهري.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (١٠/¬٤٤).
[ ٧ / ٦١ ]
أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّبْحَ لَوْ شُرِطَ كُلُّهُ لِرَبِّ المَالِ كَانَ بِضَاعَةٌ، وَلَوْ شُرِطَ جَمِيعُهُ لِلْمُضَارِبِ كَانَ قَرْضًا. قَالَ: (وَلَا تَصِحُ إِلَّا بِالمَالِ الَّذِي تَصِحُ بِهِ الشَّرِكَةُ) … … … ..
وقلنا: هذا تصرف في مال الغير بغير إذنه يلزمه الضمان كالغاصب بالنصوص.
قوله: (لو شرطه كله)، أي: كل الربح لرب المال كان بضاعة، ولو شرط جميع الربح للمضارب كان قرضًا.
وقال مالك: يكون مضاربة صحيحة في الصورتين؛ لأنهما دخلا في القراض، فإذا شرط لأحدهما كله فكأنه وهب للآخر نصيبه فلم يمنع صحة العقد (^١).
وقال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣): إذا قال: خذه مضاربة والربح لي، أو لك، يفسد عقد المضاربة؛ لأنه يقتضي أن يكون الربح بينهما، فإذا شرط اختصاص الربح لأحدهما فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد فيفسد، كما لو شرط الربح كله في شركة العنان.
وقلنا: لما أثبت له حكم الإبضاع أو القرض ينصرف إليه، كما لو قال: خذه قرضًا، أو بضاعة، أو قال: خذه واتجر به والربح لي، أو لك؛ لأن اللفظ يصلح لهما، فكذا هذا، ولا يفسد بهذه الألفاظ بلا خلاف، وما ذكره مالك لا يصح؛ لأن الهبة لا تصح قبل وجود الموهوب.
قوله: (إلا بالمال الذي تصح به الشركة)، وبه قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)، وما كتب في بعض كتب أصحابنا أن عند مالك تصح المضاربة بالعروض لم نجده في كتبهم، بل ذكر فيها: لا تصح بالعروض.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز بكل مال، فإن كان له مثل رد مثله، وإن لم يكن
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (٦/¬٣٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٦/ ٢١٦).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٧/ ١٩٥)، والعزيز شرح الوجيز للغزالي (٦/¬١٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٢٦)، والفروع لابن مفلح (٧/ ٨٣).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٧/¬٣٠٧)، والمجموع للنووي (١٤/ ٣٦١).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٦/¬٣٠)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ١٨٦).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (٢/ ١٥٢)، والمبدع لابن مفلح (٤/ ٣٦٨).
[ ٧ / ٦٢ ]
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَرْضًا وَقَالَ: بِعْهُ وَاعْمَلْ مُضَارَبَةٌ فِي ثَمَنِهِ: جَازَ لَهُ،
له مثل رد قيمته؛ لأن العروض مال متقوم يستربح عليه بالتجارة عادة فيكون كالنقد فيما هو المقصود من التجارة، وكما يجوز إبقاء المضاربة على العروض فكذا يجوز ابتداؤها بها.
وقلنا: نهى النبي ﵊ عن ربح ما لم يضمن (^١)، والمضاربة بها تؤدي إلى ذلك؛ لأنها أمانة في يد المضارب، وربما ترتفع قيمتها بعد العقد، فإذا باعها وحصل الربح واستحق المضارب نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه، بخلاف النقد فإنه يشتري بها، وإنما يقع الشراء بثمن مضمون في ذمته، فما يحصل يكون ربح ما قد ضمن.
والمكيل والموزون يتعين في القبض كالعروض، وأول التصرف بها يكون بيعًا، وقد يحصل بهذا البيع ربح بأن يبيعه ثم يرخص سعره بعد ذلك فيظهر ربحه بدون الشراء فيكون هذا استئجارًا للبيع بأجرة مجهولة، وذلك باطل، كما في العروض، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (وقد تقدم بيانه من قبل، أي: في باب الشركة، وقد بينا الخلاف هنا بتمامه.
قوله: واعمل مضاربة في ثمنه جاز)، وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يجوز؛ لجهالته، ورأس المال إذا كان مجهولًا لا يصح العقد، والعرض لا يصلح رأس المال.
وقلنا: لم نضف المضاربة إلى العرض بل إضافة إلى ثمنه وثمنه يصلح رأس مال المضاربة، وعقد المضاربة يقبل الإضافة إلى زمان في المستقبل؛ لأنه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٥٢٦ رقم ١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٩٥ رقم ٤٦٢٩)، وابن ماجه (٢/ ٧٣٧ رقم ٢١٨٨)، وابن حبان (١٠/ ١٦١ رقم ٤٣٢١) والحاكم (٢/¬١٧ رقم ٢١٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وصححه الترمذي، والحاكم.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٣٣).
[ ٧ / ٦٣ ]
لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الإِضَافَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِجَارَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لَهُ: اقْبِضْ مَالِي عَلَى فُلَانٍ، وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةٌ جَازَ لِمَا قُلْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِك، حَيْثُ لَا تَصِحُ المُضَارَبَةُ، لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَصِحُ هَذَا التَّوْكِيلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي البُيُوعِ وَعِنْدَهُمَا: يَصِحُ، لَكِنْ يَقَعُ
وديعة، ووكالة، وإجارة، وشيء من ذلك ليس مما يمنع صحة الإضافة إلى المستقبل، ولا جهالة في زمان انعقاد العقد، بخلاف ما إذا قال: اعمل بالدين الذي في ذمتك، حيث لا تصح المضاربة بلا خلاف.
أما لو قال: اقبض الدين الذي على زيد واعمل به مضاربة، جاز؛ لأنه أضاف العقد إلى زمان القبض، وفي تلك الحالة يصير الدين عينا فيصلح أن يكون رأس المال.
أما في قوله: (بالدين الذي عليك لا يصير عينًا، بل دينا، والمضارب أمين ابتداءً، ولا يتصور أن يكون أمينا فيما عليه من الدين؛ لأن الدين مضمون على المديون.
قوله: (لما قلنا)، إشارة إلى قوله لأنه يقبل الإضافة)، عند أبي حنيفة لا يصح هذا التوكيل، وهو أنه لو وكله بشراء شيء بما في ذمته لا يصح عندنا، خلافًا لهما؛ لأن الدراهم أو الدنانير إذا كان عينا لا يتعين بالتعيين في العقد فالدين أولى، وإذا لم يتعين بقي الأمر بالشراء، ثم أمره أن ينقد ما عليه فكان جائزا.
وأبو حنيفة يقول: لا يتعين في الشراء، ولكنها تتعين في الوكالة، فإذا أمره بالشراء بها قيد أمره بما لا يتصور؛ لأن المضاربة تقتضي أن يكون رأس المال فيها مما لا يتعين بالتعيين فلم يصح الأمر فوقع الشراء للمأمور؛ وقد مر في باب الوكالة في البيوع.
وقوله: (وقد مر في البيوع)، أي: بيوع الوكالة، لا في كتاب البيوع.
وفي الخبازية: على ما مر في البيوع أنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن، وهو حرام، وعندهما يصح التوكيل كما ذكرنا، ومع هذا لا تصح المضاربة عندهما أيضًا؛ لأن الشراء وقع للموكل فتكون المضاربة بعد ذلك بالعروض.
[ ٧ / ٦٤ ]
المِلْكُ فِي المُشْتَرَى لِلْآمِرِ فَيَصِيرُ مُضَارَبَةٌ بِالعَرَضِ.
قَالَ: (وَمِنْ شَرْطِهَا: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُشَاعًا، لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٌ) مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا بُدَّ مِنهَا كَمَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ. قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ زِيَادَةَ عَشَرَةٍ: فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِفَسَادِهِ، فَلَعَلَّهُ لَا يَرْبَحُ إِلَّا هَذَا القَدْرَ فَتَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ ابْتَغَى عَنْ مَنَافِعِهِ عِوَضًا وَلَمْ يَنَلْ لِفَسَادِهِ، وَالرِّبْحُ لِرَبِّ المَالِ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَهَذَا هُوَ الحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ لَمْ تَصِحٌ المُضَارَبَةُ وَلَا تُجَاوِزُ بِالأَجْرِ القَدْرَ المَشْرُوطَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا بَيَّنَّا فِي الشَّرِكَةِ (*)، وَيَجِبُ الأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي رِوَايَةِ الأَصْلِ، لِأَنَّ أَجْرَ الأَجِيرِ يَجِبُ بِتَسْلِيمِ المَنَافِعِ، أَوِ العَمَلِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ اعْتِبَارًا بِالمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ
(ولا بد منها)، أي: من الشركة في الربح.
قوله: (فإن شرط)، الفاء للتفسير، زيادة عشرة، أي: على ما شرطنا، (فله)، أي: للعامل أجر مثله (لفساده)، أي: لفساد عقد المضاربة، ولا خلاف في فساد العقد لأحدٍ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ منه من أهل العلم على فساد المضاربة إذا شرط لأحدهما دراهم مسماة (^١).
قوله: (كما بينا في الشركة)، وقد بينا تمام خلاف الأئمة فيه في الشركة.
قوله: (في رواية الأصل)، أي: المبسوط، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد في رواية (^٣).
(لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع، أو العمل وقد وجد)، وعن أبي يوسف: لا يجب إذا لم يربح، وبه قال مالك في رواية، وبعض أصحاب أحمد.
(اعتبارًا بالمضاربة الصحيحة)؛ فإنه إذا لم يربح لا يستحق شيئًا.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص ١٠٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٤/¬٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٣٢٣).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٤٧)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٤٥٦).
[ ٧ / ٦٥ ]
مَعَ أَنَّهَا فَوْقَهَا، وَالمَالُ فِي المُضَارَبَةِ الفَاسِدَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالهَلَاكِ اعْتِبَارًا بِالصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي يَدِهِ، … .
(مع أنها) أي: الصحيحة (فوقها)، أي: فوق الفاسدة في إمضاء حكمها، وفي استحقاق الربح؛ إذ الفاسد يأخذ حكمه بدءًا من الصحيح في العقود.
وقلنا: نعم كذلك إذا كان انعقاد الفاسد مثل انعقاد الجائز كالبيع، وهاهنا المضاربة الصحيحة تنعقد شركةً لا إجارة والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة، فتعتبر بالإجارة الصحيحة في استحقاق الأجر عند إيفاء العمل، ولو تلف المال في يده فله أجر مثله فيما عمل، كذا في المبسوط (^١).
وحكي عن مالك: لا أجر له في المضاربة الفاسدة، ويرجع إلى قراض المثل، وعنه: يجب أجر المثل. والفرق على رواية القراض أنه لا يستحق شيئًا إن لم يكن في المال ربح، وفي أجر المثل يستحق.
قوله: (غير مضمون بالهلاك اعتبارا بالصحة)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد.
وفي المبسوط: عن ابن سماعة عن محمد أنه يضمن المال، فقيل: ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة، وهو بناء على اختلافهم في الأجير المشترك إذا تلف المال في يده، هل يضمن؟ وهذا العقد إجارة، وهو بمنزلة الأجير المشترك؛ لأن له أخذ المال بهذا الطريق من غير واحد، ولا ضمان على الأجير المشترك عنده، خلافًا لهما، وبه قال الطحاوي.
قوله: (ولأنه)، أي: رأس المال (عين مستأجرة)، وفي بعض النسخ: (عين مستأجر) يعني استؤجر المضارب ليعمل هو لا غير، فلا يضمن، كأجير الواحد، وهذا التعليل يشير إلى أن المضارب أجير وجد من حيث إنه لا يمكنه أن يؤاجر نفسه لمستأجرين في الوقت الواحد.
قال أبو جعفر الهندواني: غير مضمون عند الكل، والفرق لهما بين الأجير
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٢٢).
[ ٧ / ٦٦ ]
وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ جَهَالَةٌ فِي الرِّبْحِ يُفْسِدُهُ لِاخْتِلَالِ مَقْصُودِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ لَا يُفْسِدُهَا،
المشترك، وبين المضارب؛ أن المضاربة متى فسدت فهي إجارة معنى من حيث إن المضارب ابتغى بعمله عوضًا ومضاربة لفظًا، فعملنا بالمعنى فأوجبنا له أجر المثل ربح أو لا، كما لو استأجره، وعملنا باللفظ وجعلنا المال أمانة في يده.
فأما الإجارة الفاسدة إجارة لفظًا ومعنى، فيكون المال مضمونًا عند الأجير المشترك عندهما، إلا أن يكون الهلاك بأمر لا يمكن التحرز عنه، كذا في الذخيرة.
قوله: (وكل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده) أي: عقد المضاربة، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك نحو أن شرط المضارب أن يسكن رب المال داره سنة، أو يزرع أرضه سنة؛ لأنه جعل نصف الربح عوضًا عن عمله وأجرة الدار، فصارت حصة العمل مجهولة، فلم يصح، وكذا لو تردد في الربح يفسد أيضًا، نحو أن يقول: لك نصفه، أو ربعه.
قوله: (وغير ذلك من الشروط الفاسدة)، أي: الشروط التي لا توجب الجهالة في الربح (لا يفسدها)، أي: المضاربة، بل يبطل نفس ذلك الشرط، وبه قال مالك (^١)، والشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وعن الشافعي وأحمد: يفسد العقد؛ لأنه شرط فاسد، فصار كما لو شرط لأحدهما دراهم مسماة.
وقلنا: لا تفسد بالشرط كالوكالة، ولأن صحتها تتوقف بالقبض، فلا تبطل بالشرط كالهبة، ولأنه لا يؤثر في جهالة الربح فلم تفسد به، كما لو شرط لزوم المضاربة، بخلاف شرط يوجب جهالة في الربح؛ لأن ذلك يمنع موجب العقد، فلا ينعقد العقد؛ إذ العقد شرع لإثبات، موجبه، ولهذا لو شرط عمل رب المال يفسد العقد وإن لم يوجب جهالة في الربح؛ لأنه شرط يمنع موجب العقد؛ إذ موجبه تسليم المال إلى المضارب وذا يمنعه، ذكره في الذخيرة.
_________________
(١) انظر: الكافي لابن عبد البر (٢/ ٧٥)، والذخيرة للقرافي (٦/¬٣٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٣١٠)، والمجموع للنووي (١٤/ ٣٦٨).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (٢/ ١٥٣)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٤٦٥).
[ ٧ / ٦٧ ]
وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الوَضِيعَةِ عَلَى المُضَارِبِ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المَالُ مُسَلَّمًا إِلَى المُضَارِبِ، وَلَا يَدَ لِرَبِّ المَالِ فِيهِ) لِأَنَّ المَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْمَالَ فِي المُضَارَبَةِ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، وَالعَمَلَ مِنْ الجَانِبِ الآخَرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْلُصَ المَالُ لِلْعَامِلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ. أَمَّا العَمَلُ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ الجَانِبَيْنِ، فَلَوْ شَرَطَ خُلُوصَ اليَدِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ تَنْعَقِد الشَّرِكَةُ، وَشَرْطُ العَمَلِ عَلَى رَبِّ المَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ خُلُوصَ يَدِ المُضَارِبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ المَقْصُودُ سَوَاءٌ كَانَ المَالِكُ عَاقِدًا أَوْ غَيْرَ عَاقِدٍ كَالصَّغِيرِ، … … .
قوله: (كاشتراط الوضيعة)، أي: الخسران (على المضارب).
وفي الإيضاح، والذخيرة عليهما، وفي التحفة: عليه أو عليهما (^١).
قوله: (ولا بد أن يكون المال مسلما إليه)، ولا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (لم تنعقد الشركة) لأن الشركة انعقدت على العمل منهما، فمتى شرط انتفاء تدرب المال لم ينعقد أصلا، كذا في الإيضاح.
قوله: (وشرط العمل على رب المال مفسد)؛ لما ذكرنا أنه شرط يمنع موجب العقد، ولا نعلم فيه خلافًا.
وفي الذخيرة: حكي عن الفقيه محمد بن إبراهيم الضرير أنه لو شرط رب المال لنفسه أن يتصرف في المال بانفراده متى بدا له، وأن يتصرف المضارب في جميع المال متى بدا له جازت المضاربة، وإنما لا يجوز شرط عمل رب المال مع المضارب إذا شرط العمل جملة؛ لأنه حينئذ لا يصير المال مسلما إلى المضارب.
قوله: (أو غير عاقد كالصغير)، صورته أن الأب أو الوصي لو دفع مال الصغير مضاربة وشرط عمل الصغير لا يجوز؛ لأن الصغير إذا كان مالكا كانت يده على المال بجهة الملك كالكبير، فبقاء يده يمنع كونه مسلما إليه.
_________________
(١) تحفة الفهاء للسمرقندي (٣/¬٢١).
[ ٧ / ٦٨ ]
لِأَنَّ يَدَ المَالِكِ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَبَقَاءُ يَدِهِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إِلَى المُضَارِبِ، وَكَذَا أَحَدُ المُتَفَاوِضَيْنِ وَأَحَدُ شَرِيكَي العِنَانِ، إِذَا دَفَعَ المَالَ مُضَارَبَةٌ وَشَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِهِ لِقِيَامِ المِلْكِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِدًا، وَاشْتِرَاطُ العَمَلِ عَلَى العَاقِدِ مَعَ المُضَارِبِ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكِ يُفْسِدُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ المُضَارَبَةِ فِيهِ كَالمَأْذُونِ، بِخِلَافِ الأَبِ وَالوَصِيِّ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ أَنْ يَأْخُذَا مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةٌ بِأَنْفُسِهِمَا، فَكَذَا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِمَا بِجُزْء مِنْ المَالِ.
قوله: (وَشَرَطَ عَمَلَ صاحبه)، أي: يفسد العقد؛ لأن للشريك فيه ملكا وإن لم يكن عاقدًا، فيمنع صحة الدفع مع قيام يد المالك.
قوله: (وإن لم يكن من أهل المضاربة فيه)، أي: في المال (كالمأذون) يدفع ماله مضاربة، ويشترط عمله مع المضارب، فيفسد العقد؛ لأن يد التصرف ثابتة له في هذا المال، ويده يد نفسه فينزل منزلة المالك فيما يرجع إلى التصرف، فكان قيام يده مانعا لصحة المضاربة.
ولو كان العاقد ممن يجوز أن يأخذ ذلك المال مضاربة لم تفسد المضاربة، كالأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة وشرطا أن يعملا بأنفسهما بجزء من الربح يصح، فكذا إذا شرطا عملهما مع المضارب بجزء من الربح؛ لأن كل مال يجوز أن يكون المرء فيه مضاربًا وحده جاز أن يكون مضاربًا فيه مع غيره، وهذا لأن تصرف الأب أو الوصي واقع للصغير حكما بطريق النيابة، فصار دفعه كدفع الصغير، وشرطه كشرطه، فتشترط التخلية من قبل الصغير؛ لأنه رب المال، وقد تحققت.
وفي الإيضاح: لو شرط المأذون عمل مولاه مع المضارب لا دين عليه يفسد العقد؛ لأن المولى مالك للمال، فإذا حصل في يده فقد وجد يد المالك، فلا تتم المضاربة، وإن كان عليه دين تصح المضاربة في قول أبي حنيفة؛ لأنه حق للمولى فيه، فصار كالأجنبي، أما لو شرط المكاتب عمل مولاه لا يفسد؛ لأن المولى لا يملك أن ينزع المال من يده أصلا، فكان كالأجنبي (^١).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٢/ ٨٨).
[ ٧ / ٦٩ ]
قالَ: (وَإِذَا صَحَّتْ المُضَارَبَةُ مُطْلَقَةً، جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ وَيُودِعَ) لِإِطْلَاقِ العَقْدِ، وَالمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِرْبَاحُ، وَلَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ، فَيَنْتَظِمُ العَقْدُ صُنُوفَ التِّجَارَةِ وَمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التَّجَّارِ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الإِبْضَاعُ وَالإِيدَاعُ وَالمُسَافَرَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ المُودِعَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَالمُضَارِبُ أَوْلَى، كَيْفَ وَأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ، وَهُوَ السَّيْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ. وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ إِنْ دَفَعَ فِي بَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ (*)، لِأَنَّهُ تَعْرِيضُ عَلَى الهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ دَفَعَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى بَلَدِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُرَادُ فِي الغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ.
قوله: (وإذا صحت المضاربة مطلقة)، أي: بأن لا تكون مقيدة بزمان ولا مكان.
في الذخيرة: دفع المال مضاربة بالنصف ولم يزد على هذا، فهذه مضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يعمل ما هو من عادة التجار، أن يبيع ويشتري بثمن المثل، وبما يتعين الناس فيه عند أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك، وأحمد؛ لأنه وكيل، وعند أبي حنيفة يجوز بأي ثمن كان. ولو باع بالنسيئة يجوز عندنا كما يجيء في فصل ما يفعله المضارب.
وعن أبي يوسف: ليس له أن يسافر بغير الإذن، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأن فيه تعريض المال على التوى بلا ضرورة.
قوله: (والظاهر ما ذكر في الكتاب) أي: ظاهر الرواية، وبه قال مالك، وهو أن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض إلى آخره، ولأن العادة جارية بالتجارة سفرا وحضرا، فتدخل تحت مطلق المضاربة، ولأن المودع يجوز أن يسافر بالو ديعة مع عدم تمكنه من التصرف فيه، فالمضارب أولى؛ لقدرته على التصرف فيه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ٧٠ ]
قَالَ: (وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ المَالِ أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي القُوَّةِ، … …
قوله: (ولا يضارب إلا بإذن رب المال)، وبه قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، ولا يعلم فيه خلاف عن غيرهم.
قوله: (اعمل برأيك)، يعني يجوز له أن يضارب حينئذ عندنا، وعند أحمد (^٣)، والشافعي (^٤): لا يجوز في هذه الصورة بغير الإذن أيضًا.
قوله: (لأن الشيء لا يتضمن مثله، أي: لا يستتبعه، التساويهما في القوة) كالوكيل لا يملك أن يوكل غيره.
وهذا بخلاف المستعير، والمكاتب والمستأجر؛ فإنه يجوز للمستعير أن يعير، وللمستأجر أن يؤاجر، وللمكاتب أن يكاتب، وكذا العبد المأذون يجوز له أن يأذن عبده في التجارة؛ لأن الكلام في التصرف نيابة، وهؤلاء يتصرفون بحكم المالكية؛ إذ المستعير والمستأجر ملكا المنفعة، والمكاتب صار حرًا يدا، والعبد المأذون يتصرف بحكم المالكية الأصلية؛ إذ الإذن بالتجارة فك الحجر عن التجارة، ثم بعد ذلك العبد يتصرف بحكم المالكية، ولهذا الإذن بالتجارة لا يتخصص عندنا.
أما المضارب يعمل بطريق النيابة؛ لأن في المضاربة معنى الوكالة والوديعة، والوكيل لا يوكل غيره، فكذا المضارب.
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٢٠٨)، والإقناع للماوردي (ص ١٠٩).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (٢/ ١٥٦)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٤٣٨).
(٣) قال ابن قدامة: وإن قال له: اعمل برأيك. جاز له أن يعمل كل ما يقع في التجارة، من الإبضاع، والمضاربة بالمال، والمشاركة به، وخلطه بماله، والسفر به، والإيداع، والبيع نساء، والرهن، والارتهان، والإقالة، ونحو ذلك؛ لأنه فوض إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة، فجاز له كل ما هو من التجارة. فأما ما كان تمسكًا بغير عوض؛ كالهبة، والحطيطة لغير فائدة، والقرض، والعتق، ومكاتبة الرقيق، وتزويجهم، ونحوه، فليس له فعله؛ لأنه إنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة، وليس هذا منها. المغني (٥/¬١٨).
(٤) انظر: الأوسط لابن المنذر (١٠/ ٥٧٩).
[ ٧ / ٧١ ]
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ أَوْ التَّفْرِيضِ المُطْلَقِ إِلَيْهِ وَكَانَ كَالتَّوْكِيلِ، فَإِنَّ الوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إِلَّا إِذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، بِخِلَافِ الإِيدَاعِ وَالإِبْضَاعِ، لِأَنَّهُ دُونَهُ فَيَتَضَمَّنُهُ، وَبِخِلَافِ الإِقْرَاضِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، لِأَنَّ المُرَادَ مِنهُ التَّعْمِيمُ فِيمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التَّجَارِ وَلَيْسَ الإِقْرَارُ مِنْهُ، وَهُوَ تَبَرُّعُ كَالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ وَهُوَ الرِّبْحُ، لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، أَمَّا الدَّفْعُ مُضَارَبَةٌ فَمِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالخَلْطُ بِمَالِ نَفْسِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا القَوْلِ.
ولأن الإذن في التجارة لما كان بناؤه على التعميم في أنواع التجارة يتناول الإذن أيضًا؛ لأن الإذن من صنيع التجارة، فملكه المأذون، أما المضاربة فليست من اقتضاء التعميم مثل الإذن، ألا ترى أنها تخصص بهما.
ولأن المضاربة وإن كانت تتناول المضاربة من حيث إنها من صنيع التجار لكن لا يتناولها من حيث إن فيها معنى الأمانة والوكالة، والأصل عدم التناول، فلا يتناول المضاربة بالشك، كذا في الذخيرة وغيرها.
فإن قيل: المضارب يأذن لعبد من مال المضاربة في التجارة، والإذن في التجارة بمنزلة الدفع أو فوقه، كما ذكرنا.
قلنا: قد روى ابن رستم، عن محمد أنه لا يملك الإذن في التجارة، بمنزلة الدفع مضاربة، والفرق على الظاهر أن المأذون لا يصير شريكا في الربح، فيكون الإذن نظير الإبضاع لا نظير الدفع مضاربة والشركة به، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لأنه لا تجوز الزيادة عليه) أي: على القرض، فإنه لو أقرض عشرة ليستوفي أحد عشر لا يجوز، فلما لم يحصل الربح به لا يكون من صنيع التجار، فلا تتناوله المضاربة.
قوله: (تحت هذا القول)، وهو قوله: اعمل برأيك؛ لأن الشركة والخلط من صنيع التجار، وقد يرى الخلط والشركة أصلح له، فيملك بهذا القول، وبه قال مالك، والثوري وأحمد، وقال الشافعي: ليس له الشركة والخلط، ولو فعل
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٣٩).
[ ٧ / ٧٢ ]
قَالَ: (وَإِنْ خَصَّ لَهُ رَبُّ المَالِ التَّصَرُّفَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ. وَفِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، فَيَتَخَصَّصُ، وَكَذَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِضَاعَةٌ إِلَى مَنْ يُخْرِجُهَا مِنْ تِلْكَ البَلْدَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِخْرَاجَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
يضمن؛ لأن ذلك ليس من التجارة.
قوله: (لم يجز أن يتجاوزها)، وبه قال أحمد (^١)، وقال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣): إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده لا تصح المضاربة؛ لأنه يمنع مقصود المضاربة، وهو التقلب وطلب الربح، فلم يصح، كما لو شرط أن لا يبيع ولا يشتري إلا من فلان، وأن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به فلان.
وقلنا: إنه يملك التصرف بتفويضه، فيتقيد بما فوض إليه، وهذا التقييد مفيد، وهذا معنى قوله: (وفي التخصيص (فائدة) والفائدة من وجوه:
أحدها: صيانة ماله عن خطر الطريق، فإن المال في السفر بعرضية التلف، إليه أشار النبي ﵊ في قوله: «المسافرُ وماله على قلب» - أي: هلاك - «إِلَّا ما وَقَاهُ اللهُ تَعَالَى».
وثانيها: صيانة ماله عن خيانة المضارب، فإنه لو عين عليه بلدًا لو قصد الخيانة لمنعه عنها.
وثالثها: أن الأسعار بحسب الغلاء والرخص تختلف باختلاف البلدان، وكذا النقود تختلف باختلافها، فكان الشرط مقيدًا، كذا ذكره المحبوبي، وقاضي خان (^٤).
وأما قولهم: إنه بمنع المقصود ممنوع، بل يقلله، وتقليله لا يمنع الصحة، كتخصيصه بالنوع، ويحترز بقوله: (في بلد بعينه) عن السوق بعينه، فإنه لا يتقيد
_________________
(١) انظر: الإنصاف للمرداوي (٥/ ٤١٩)، والإقناع للحجاوي (٢/ ٢٥٦).
(٢) انظر: الإقناع للماوردي (ص) (١٠٩)، والمجموع للنوي (١٤/ ٣٦٩).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (٣/ ٦٤٨).
(٤) انظر: فتاوى قاضي خان (٣/ ٨٠، ٨٢).
[ ٧ / ٧٣ ]
قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ البَلَدِ فَاشْتَرَى ضَمِنَ) وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ رِبْحُهُ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الكُوفَةِ وَهِيَ الَّتِي عَيَّنَهَا بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، كَالمُودَعِ إِذَا خَالَفَ فِي الوَدِيعَةِ ثُمَّ تَرَكَ وَرَجَعَ المَالُ مُضَارَبَةٌ عَلَى حَالِهِ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ بِالعَقْدِ السَّابِقِ، وَكَذَا إِذَا رَدَّ بَعْضَهُ وَاشْتَرَى بِبَعْضِهِ فِي المِصْرِ، كَانَ المَرْدُودُ وَالمُشْتَرَى فِي المِصْرِ عَلَى المُضَارَبَةِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ شَرَطَ الشَّرَاءَ بِهَا هَاهُنَا وَهُوَ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي كِتَابِ المُضَارَبَةِ: ضَمِنَهُ بِنَفْسِ الإِخْرَاجِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ بِالشِّرَاءِ يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ، لِزَوَالِ احْتِمَالِ الرَّدِّ إِلَى المِصْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ، أَمَّا الضَّمَانُ: فَوُجُوبُهُ بِنَفْسِ الإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ الشَّرَاءَ لِلتَّقَرُّرِ لَا لِأَصْلِ الوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ فِي سُوقِ الكُوفَةِ، حَيْثُ لَا يَصِحُ التَّقْيِيدُ، لِأَنَّ المِصْرَ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُفِيدُ التَّقْيِيدُ، إِلَّا إِذَا صَرَّحَ بِالنَّهْيِ.
بذلك بالإجماع إلا إذا صرح التخصيص بالنهي صريحا، بأن قال: لا تعمل في غير هذا السوق، فحينئذ يتقيد كما يجيء.
قوله: (فاشترى ضمن) لم يرد به ابتداء، بل الضمان واجب عليه بمجرد الإخراج، لكن أراد به استقرار الضمان على ما ذكر في الكتاب.
(وكان ذلك) أي: المشترى (له)، أي: للمضارب خاصا.
(لأنه تصرف)، أي: الإخراج أو الشراء تصرف في ملك غيره، (بغير أمره) فيصير غاصبا، فلم يبق مضاربا.
(واشترى ببعضه في المصر)، أي: في المصر الذي عينه.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لبقائه في يده بالعقد السابق).
قوله: (إلا إذا صرح بالنهي) إلى آخره. فإن قيل: يشكل على هذا ما ذكره في الذخيرة أنه قال: بع بالنسيئة [ولا تبع بالنقد، أو اعكس حيث لو باع بالنقد أو بالنسيئة] (^١) لا يكون مخالفا، مع صريح
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٧٤ ]
بِأَنْ قَالَ: اعْمَلْ فِي السُّوقِ وَلَا تَعْمَلْ فِي غَيْرِ السُّوقِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالحَجْرِ وَالوِلَايَةُ إِلَيْهِ، وَمَعْنَى التَّخْصِيصِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ كَذَا أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا المَالَ تَعْمَلُ بِهِ فِي الكُوفَةِ، لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ،
النهي، إذا كان السعر بالنقد، والنسيئة لا يتفاوت (^١).
قلنا: هذا مخالفة بالخبر، فلا يكون يتخالفه، خلافًا لزفر؛ [وهذا كما لو وكله بأن يبيع عبده بألف فباعه بألفين يجوز عندنا خلافًا لزفر لأنه مخالفة بالخبر] (^٢).
ولأن التقييد بالسوق، والنهي عن غير السوق مفيد من وجه، من حيث إن الكوفة ذات أماكن مختلفة حقيقةً وحكمًا، فإنه إذا شرط الحفظ على المودع في محلة ليس له أن يحفظها في محلة أخرى، وقد تكون الأسعار مختلفة باختلاف الأماكن في مصر واحد.
وغير مفيد من وجه من حيث إن المصر مع تباين أطرافها كبقعة واحدة، كما في السلم إذا شرط الإيفاء صح وإن لم يبين المحلة.
فلما كان كذلك اعتبرنا ذكر السوق حالة النهي، ولا نعتبره حالة الأمر، بخلاف الأمر بالبيع نسيئة، والنهي عن البيع بالنقد، فإنه غير مفيد من كل وجه، فلم يعتبر في الحالتين؛ كالأمر بحفظ الوديعة، والنهي عن الوضع عن يده ليلا ولا نهارًا، وهذا النهي لغو، كذا هذا، كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي (^٣).
قوله: (ومعنى التخصيص)، أي: اللفظ الذي يستفاد منه التخصيص هذه الألفاظ: دفعت إليك المال مضاربة على أن تعمل به بالكوفة، أو: لتعمل به بالكوفة، أو: لتعمل به بالكوفة، مجزومًا أو مرفوعًا، أو قال: فاعمل به بالكوفة، أو قال: دفعته مضاربة بالنصف بالكوفة.
وقوله: (تعمل) يجوز مرفوعًا على الحال، ومجزوما على جواب الأمر.
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٤٠٣).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٤٠٣).
[ ٧ / ٧٥ ]
أَوْ قَالَ: فَاعْمَلْ بِهِ فِي الكُوفَةِ، لِأَنَّ الفَاءَ لِلْوَصْلِ. أَوْ قَالَ: خُذْهُ بِالنِّصْفِ بِالكُوفَةِ، لِأَنَّ البَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا المَالَ وَاعْمَلْ بِهِ بِالكُوفَةِ: فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ الوَاوَ لِلْعَطْفِ،
ثم اعلم أن مجموع الألفاظ ثمانية، ستة تعتبر شرطًا، وهو قوله: دفعته إليك مضاربة بالنصيب على أن تعمل بها بالكوفة، أو لتعمل بها بالكوفة، أو: تعمل بالكوفة بالجزم أو تعمل بالرفع، أو فاعمل به بالكوفة، أو دفعته مضاربة بالنصف بالكوفة.
واثنان مشورة وهو قوله: خذه مضاربة بالنصف اعمل بالكوفة، بغير الواو، أو قال: واعمل بالكوفة، بالواو.
والضابط أن رب المال متى ذكر عقيب المضاربة ما لا يمكن التلفظ به ابتداء، ويمكن جعله مبنيا على ما قبله، يجعل مبنيا عليه كيلا يلغو الكلام، كما في الألفاظ الستة، وإن استقام الابتداء به لا يبنى على ما قبله، ويجعل مبتدأ؛ كما في اللفظين الأخيرين، وحينئذ تكون الزيادة مشورة، وكان له أن يعمل بالكوفة وبغيرها، فلا يصير ضامنًا بالإخراج منها إليه أشار في الذخيرة، وجامع المحبوبي (^١).
وفي المبسوط: في قوله: فاعمل به أن قوله: فاعمل به، تفسير لقوله خذه مضاربة، والكلام المبهم إذ أعقبه تفسير فالحكم لذلك التفسير، وقوله: (فاعمل به) في معنى التفسير أيضًا؛ لأن الفاء للوصل، والتعقيب الذي يتصل بالكلام المبهم ويتعقبه تفسيره، وكذا قوله: خذه مضاربة بالنصف بالكوفة؛ لأن الباء للإلصاق، فكذلك ينبغي أن يكون موجب كلامه ملصقا بالكوفة، وموجب كلامه العمل، وإنما يتحقق إلصاقه إذا عمل بها وكذا لو قال: خذه مضاربة بالنصف في الكوفة؛ لأن (في) للظرف والمكان، وإنما يكون ظرفًا للعمل إذا كان حاصلا فيه فهذا كله اشتراط العمل في الكوفة (^٢).
قوله: (لأن الواو للعطف)، والشيء لا يعطف على نفسه بل على غيره،
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٤٠٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٤١).
[ ٧ / ٧٦ ]
فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ المَشُورَةِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ فُلَانٍ وَتَبِيعَ مِنْهُ: صَحَّ التَّقْبِيدُ، لِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِزِيَادَةِ الثَّقَةِ بِهِ فِي المُعَامَلَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، …
وقد تكون الواو للابتداء خصوصًا بعد الجملة الكاملة.
وقوله: (خذه) مضاربة (بالنصف) (^١) جملة تامة.
وقوله: (واعمل به)، عطف عليه أو ابتداء فيكون مشورة أشار به لا شرطًا في الأمر الأول، ولا تجعل الواو للحال كما في قوله: أد إليَّ ألفًا وأنت حر؛ لأنه غير صالح هاهنا؛ لأن حال العمل لا يكون وقت الأخذ، وإنما يكون العمل بعد الأخذ، مع أن الواو للحال مجاز، وإنما يصار إليه عند تعذر العمل بالحقيقة، ولا حاجة هاهنا إلى حمل الواو على الحال، إليه أشار في المبسوط (^٢).
قوله: (صح التقييد) (^٣) وليس له أن يشتري به من غيره وبه قال أحمد وقال الشافعي ومالك: لا يصح، كما ذكرنا أنه مناف لمقتضى العقد فلا تصح المضاربة وقلنا: التقييد مفيد لتفاوت الناس في القضاء والاقتضاء ولا نسلم أنه مناف لمقتضى العقد.
قوله: (لأن فائدة الأول) (^٤)، وهو قوله: (أن تشتري بها من أهل الكوفة) التقييد بالمكان وهو الكوفة، حتى لو اشترى وباع بالكوفة من غير أهلها جاز، ولا يقال في هذا عدول عن ظاهر اللفظ؛ فإن ظاهره يقتضي شراءه من كوفي لا من غير كوفي، سواء كان في الكوفة أو في غيرها، لأنا نقول: نعلم من كمال عقل رب المال أن مراده ذلك، لا مقصوده حفظ ماله وذا فيما قلنا لا فيما يقتضيه ظاهر اللفظ، وذلك لأن أهل الكوفة جم غفير غير محصور فكانوا على آراء مختلفة، وطبائع مختلفة لا يتفقون في المعاملة في السهولة، بل منهم من يستقصي، ومنهم من يتساهل، فعلمنا بهذا أن مراده تقييد التصرف بالكوفة سواء كان تصرفه مع أهلها أو لا، إليه أشار في المبسوط (^٥)، وفيه نوع تأمل.
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٦.
(٢) انظر المتن ص ٧٨.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٤١).
(٤) انظر المتن ص ٧٨.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢٢/¬٤٢).
[ ٧ / ٧٧ ]
أَوْ دَفَعَ مالًا فِي الصَّرْفِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مِنْ الصَّيَارِفَةِ وَيَبِيعَ مِنْهُمْ: فَبَاعَ بِالكُوفَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ الصَّيَارِفَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الأَوَّلِ: التَّقْيِيدُ بِالمَكَانِ، وَفَائِدَةَ الثَّانِي: التَّقْيِيدُ بِالنَّوْعِ، وَهَذَا هُوَ المُرَادُ عُرْفًا لَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَّتَ لِلْمُضَارَبَةِ وَقْتًا بِعَيْنِهِ: يَبْطُلُ العَقْدُ بِمُضِيِّهِ) لِأَنَّهُ تَوْكِيلُ فَيَتَوَقَّتُ بِمَا وَقَّتَهُ، وَالتَّوْقِيتُ مُفِيدٌ، وَأَنَّهُ تَقْيِيدٌ بِالزَّمَانِ فَصَارَ كَالتَّقْبِيدِ بِالنَّوْعِ وَالمَكَانِ.
قوله: (وفائدة الثاني -، وهو قوله: (أن يشتري من الصيارفة) - التقييد)، أي: كان هذا من رب المال تخصيصا بالنوع، وهو بيع الصرف حتى كان له أن يشتري من غير الصيارفة ما بدا له من الصرف؛ لأنه لما لم يخص المعاملة بشخص بعينه، بل خص من يعامل بذلك النوع مع [أن] (^١) لهم آراء مختلفة علم أن مراده تخصيص بيع الصرف.
قوله: (لأنه)، أي: عقد المضاربة (توكيل وتوقيت)، أي: يصح توقيته، وبه قال أحمد في ظاهر روايته (^٢)، وقال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد في رواية (^٥): لا يصح توقيته؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بالعامل؛ لأنه قد يكون الربح في بيع المتاع بعد الوقت المعين، ولأنه ليس من مقتضى العقد ولا له فيه مصلحة؛ لأنه قد يكون المال ناضًا فيحتاج إلى البيع.
وقال بعض أصحاب الشافعي: إن شرط المدة على أن لا يبيع بعدها لم يصح، وإن شرط على أن لا يشتري بعدها صح.
وقلنا: في التوقيت فائدة فيصح؛ كالتوقيت بالنوع، ولرب المال منعه من البيع والشراء إذا رضي أن يأخذ برأس ماله عرضًا فقد شرط ما هو مقتضى العقد فيصح.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٥٠)، والفروع لابن مفلح (٧/ ٨٥).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٧/ ١٩٧)، والمجموع للنووي (١٤/ ٣٩٦).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (٢/¬٣٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٦/ ٢٠٦).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٥/¬٥٠)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٤٣٠).
[ ٧ / ٧٨ ]
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ المَالِ لِقَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) لِأَنَّ العَقْدَ وُضِعَ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ وَذَلِكَ بِالتَّصَرُّفِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ لِعِتْقِهِ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي المُضَارَبَةِ شِرَاءُ مَا لَا يُمْلَكُ بِالقَبْضِ كَشِرَاءِ الخَمْرِ وَالشَّرَاءِ بِالمَيْتَةِ بِخِلَافِ البَيْعِ الفَاسِدِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ فَيَتَحَقَّقُ المَقْصُودُ.
قَالَ: (وَلَوْ فَعَلَ: صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ دُونَ المُضَارَبَةِ).
قوله: (أو غيرها)، أي: غير القرابة كالمحلوف بعتقه، وبه قال أكثر الفقهاء إذا كان بغير إذن رب المال، وإن كان بإذنه يصح وتنفسخ المضاربة.
أما الوكيل بالشراء لو اشترى من يعتق على رب المال يصح ولا يصير مخالفًا؛ لأنه أطلق الوكالة إطلاقا، وفي المضاربة لم يطلق، بل قيدها بوصف وهو الشراء بما يظهر الربح فيه بالبيع، فإذا اشترى ما لا يقدر على بيعه فقد خالف فلا يقع على المضاربة.
ولهذا لو قيد الوكالة بقيد بأن قال: اشتر لي جارية، أو عبدا أبيعه، فاشترى عليه من يعتق عليه صار مخالفًا كما في المضاربة، كذا في شرح الطحاوي (^١).
وقوله: (بخلاف البيع الفاسد)، متعلق بقوله (شراء ما لا يملك بالقبض)، أي: لا يدخل في عقد المضاربة ذلك ويدخل البيع الفاسد؛ لأن المبيع يملك بالقبض فلا يكون المضارب مخالفًا بالبيع الفاسد، وعند الأئمة الثلاثة في البيع الفاسد لا يملك بالقبض كالباطل كما لو اشترى خمرا، أو خنزيرا، أو ميتةً، أو دما، أو مكاتبًا، أو أم ولد أو اشترى ثوبًا بميتة أو دم لأنها لا تملك بالقبض فلا يدخل تحت الإذن، أما لو اشترى ثوبًا بخمر، أو خنزير لا يكون مخالفًا عندنا، وعندهم يكون مخالفًا.
قوله: (ولو فعل)، أي: اشترى من يعتق على رب المال صار مشتريا لنفسه وضمن الثمن إن نقده من مال المضاربة، وقال مالك: إن كان العامل عالما موسرًا عتق وكان ولاؤه لرب المال، وعلى العامل غرم ثمنه، وإن كان العامل عالما معسرًا بيع منه بقدر رأس المال، وإن كان غير عالم عتق على رب المال ولا غرم على العامل، ولهذا لو ظهر ربح يرجع العامل على رب المال بحصته
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٢/ ١٦٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢٦).
[ ٧ / ٧٩ ]
لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَتَى وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى المُشْتَرِي نَفَذَ عَلَيْهِ كَالوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إِذَا خَالَفَ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ رِبْحٌ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَيُفْسِدُ نَصِيبَ رَبِّ المَالِ، أَوْ يُعْتِقُ عَلَى الاخْتِلَافِ المَعْرُوفِ، فَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فَلَا يَحْصُلُ المَقْصُودُ (وَإِنْ اشْتَرَاهُمْ ضَمِنَ مَالَ المُضَارَبَةِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيّا العَبْدَ لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُ بِالنَّقْدِ مِنْ مَالِ المُضَارَبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي المَالِ رِبْحٌ: جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ، إِذْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهِ لِيُعْتَقَ عَلَيْهِ … .
فيه، ذكره في الجواهر (^١).
وقلنا: هذا ضمان الإتلاف، ويستوي فيه العلم والجهل.
وفي المبسوط: رب المال مخير إن شاء ضمن البائع ويرجع البائع بمثله على المضارب، وإن شاء ضمن المضارب؛ لأنه قضى بمال المضاربة دينا عليه (^٢).
قوله: (متى وجد نفاذا)، قيد به لأنه إذا لم يجد نفاذا عليه يتوقف، كما لو اشترى العبد المحجور، والصبي المحجور شيئًا يتوقف شراؤهما على إجازة المولى والولي.
قوله: (من يعتق عليه)، أي: على المضارب لم يجز شراؤه، وبه قال الشافعي في قول، وقال في قول: يصح ولا يعتق؛ لأنه لا يملك الربح بمجرد الظهور، بل يملكه بالقسمة في وجه (^٣)، وبه قال أحمد في وجه (^٤)، ومالك وفي قول يصح (^٥).
ويعتق نصيبه، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وإن لم يكن في المال ربح يصح شراؤه بإجماع الأئمة الأربعة.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة للسعدي (٣/ ٩٠٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٢/ ١٦٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٦/ ٢٧٢)، والحاوي الكبير للماوردي (٧/ ٣٢٣).
(٤) انظر: المبدع لابن مفلح (٤/ ٣٧٣)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ٤٣٣).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (٣/ ٦٥٩)، والمقدمات الممهدات لابن رشد الجد (٤/¬١٩).
[ ٧ / ٨٠ ]
(فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمْ بَعْدَ الشَّرَاءِ: عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُمْ) لِمِلْكِهِ بَعْضَ قَرِيبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ لِرَبِّ المَالِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْ جِهَتِهِ فِي زِيَادَةِ القِيمَةِ وَلَا فِي مِلْكِهِ الزِّيَادَةَ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَثْبُتُ مِنْ طَرِيقِ الحُكْمِ فَصَارَ كَمَا إِذَا وَرِثَهُ مَعَ غَيْرِهِ (وَيَسْعَى العَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ) لِأَنَّهُ احْتُسِبَتْ مَالِيَّتُهُ عِنْدَهُ فَيَسْعَى فِيهِ كَمَا فِي الوَرَثَةِ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَ المُضَارِبِ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةٌ قِيمَتُهَا أَلْفٌ، فَوَطِئَهَا، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَادَّعَاهُ، ثُمَّ بَلَغَتْ قِيمَةُ الغُلَامِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالمُدَّعِي مُوسِرٌ،
قوله: (فإن زادت قيمتهم عتق نصيبه) أي نصيب العامل، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، ولا يضمن لرب المال شيئًا، وقال الشافعي وأحمد في وجه، ومالك في رواية: يضمن إن كان موسرًا.
وقلنا: لا صنيع له في تملكه الزيادة فصار كما لو ورثه مع غيره.
صورته: امرأة اشترت ابن زوجها، ثم ماتت وتركت هذا الزوج وأخا، يعتق نصيب الزوج، ولا يضمن شيئًا لأخيها.
قوله: (ويسعى العبد في قيمة نصيبه)، أي: نصيب رب المال، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، ومالك إن كان المضارب معسرا. (احتبست ماليته)، أي: مالية العبد (عنده)، أي: عند العبد.
قوله: (والمدعي موسر)، قيد به لنفي الشبهة، وهي أن الضمان بسبب دعوة المضارب ضمان إعتاق في حق المولى، وضمان الإعتاق يختلف باليسار والإعسار، فينبغي أن يضمن المضارب لرب المال إذا كان موسرًا، ومع ذلك لا يضمن.
وفي المغني لابن قدامة: إن ظهر الربح في المال تصح دعوته وتصير الجارية أم ولد له ويعتق الولد بالقيمة، وإن لم يظهر ربح قبل العلوق فالولد رقيق لأنه علقت منه في غير ملك، ولا شبهة ملك (^١).
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/¬٣٤).
[ ٧ / ٨١ ]
فَإِنْ شَاءَ رَبُّ المَالِ اسْتَسْعَى الغُلَامَ فِي أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَه) وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الدَّعْوَةَ صَحِيحَةٌ فِي الظَّاهِرِ حَمْلًا عَلَى فِرَاشِ النِّكَاحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفُذُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ المِلْكُ لِعَدَمِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي الْأُمَّ وَالوَلَدَ مُسْتَحَقُّ بِرَأْسِ المَالِ، كَمَالِ المُضَارَبَةِ إِذَا صَارَ أَعْيَانًا كُلُّ عَيْنٍ مِنهَا يُسَاوِي رَأْسَ
وقال مالك: يضمن قيمتها يوم الوطء - في رواية - إن ظهر ربح قبل العلوق حملًا على فراش النكاح وهو الاستيلاد بالنكاح.
(لكنه)، أي: ادعاء الولد لم ينفذ لفقد شرطه وهو الملك وشبهته فيكون الولد رقيقًا.
قوله: (إذا صار أعيانًا)، كما لو اشترى بمال المضاربة عبدًا، أو عبدًا (^١)، وقيمة كل واحد يساوي رأس المال لا يظهر الربح عندنا، وعند زفر يظهر لتعين الجارية لرأس المال.
وقلنا: ليس أحدهما بأولى من الآخر فلا يتعين، وإذا كان كذلك لا يكون للمضارب نصيب لا في الجارية ولا في ولدها، حتى لو أعتقهما المضارب لا ينفذ عتقه، فلم تصح الدعوة.
ويضمن المضارب عقر الجارية لاعترافه بوطء جارية مملوكة لرب المال، وقد امتنع وجوب الحد لمكان الشبهة، وكان العقر في المضاربة، وللمضارب أن يبيعها وولدها جميعًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة في رواية.
فإن قيل: يشكل على قوله أن مال المضاربة إذا صار أعيانا لا يظهر الربح إذا كان رأس المال ألف درهم فاشترى عبدًا يساوي ألفين كان له الربح، وكذا لو اشترى فرسين كل واحد يساوي ألفا كان له ربعها.
قلنا: هذا مما يتشبث به زفر في إثبات مذهبه.
وقلنا: إن الربح لا يظهر إلا بعد تحصيل رأس المال، ومن مذهب أبي حنيفة أن العبيد بين اثنين لا يقسمون جملة، بل كل واحد يكون بينهما على حياله، وإذا اعتبر وحده لم يفصل شيء عن رأس المال بخلاف الفرسين؛
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية في هذا الموضع سقط مقدار سطر.
[ ٧ / ٨٢ ]
المَالِ لَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ كَذَا هَذَا، فَإِذَا زَادَتْ قِيمَةُ الغُلَامِ الآنَ، ظَهَرَ الرِّبْحُ فَنَفَذَتْ الدَّعْوَةُ السَّابِقَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَ الوَلَدَ ثُمَّ ازْدَادَتْ القِيمَةُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْشَاءُ العِتْقِ، فَإِذَا بَطَلَ لِعَدَمِ المِلْكِ لَا يَنْفُذُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُدُوثِ المِلْكِ، أَمَّا هَذَا فَإِخْبَارٌ فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ عِنْدَ حُدُوثِ المِلْكِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ، وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَةُ وَثَبَتَ النَّسَبُ عَتَقَ الوَلَدُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي
بَعْضِهِ، وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّ المَالِ شَيْئًا.
لأنهما يقسمان جملة، وإذا اعتبرا جملة ظهر الربح، وكذا لو كان العبد واحدًا، أو عندهما العبيد بمنزلة أجناس مختلفة حكمًا، إلا أن يرى القاضي الصلاح في الجمع، أو يتراضوا على ذلك، ولم يوجد ذلك في مسألتنا، كذا في الأسرار.
قوله: (فنفذت الدعوة السابقة)، ويثبت النسب منه؛ لأن الدعوة كانت صحيحة حملا لأمره على الصلاح بحكم النكاح ولكن لم يعمل لعدم الملك، بخلاف ما إذا أعتق المضارب الولد، ثم ازدادت قيمة الولد فإنه لا يصح الإعتاق السابق لأنه إنشاء، فإذا بطل لعدم الملك لا ينفذ بعده.
(أما هذا)، أي: ادعاء النسب (إخبار)، إلى آخره عتق الولد عندهما، وفسد الملك في الباقي عنده.
قوله: (ولا يضمن لرب المال شيئًا)، موسرًا كان أو معسرا؛ لأن نفوذ العتق لمعنى حكمي لا صنع للمضارب فيه وهو ظهور الربح فيه، فصار كما لو ورث بعضه.
وقال الشافعي في وجه (^١)، وأحمد في رواية، ومالك: يضمن له حصته إن كان موسرا؛ لوجود الصنع منه وهو دعوة النسب فيضمن إذا ملكه.
وقلنا: الإفساد حصل هاهنا بالدعوة وبزيادة القيمة فكان الملك آخرهما وجودًا فيضاف الحكم إلى الملك.
أصله: مسألة السفيه والقدح الأخير.
ودليله: ما روي عن أبي بكر ﵁: أن رجلا أقر بين يديه بالزنا ثلاثا،
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٢١٩).
[ ٧ / ٨٣ ]
مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ، لِأَنَّ عِتْقَهُ ثَبَتَ بِالنَّسَبِ وَالمِلْكِ، وَالمِلْكُ آخِرُهُمَا فَيُضَافُ إِلَيْهِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا ضَمَانُ إِعْتَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَدِّي وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الغُلَامَ) لِأَنَّهُ احْتُبِسَتْ مَالِيَّتُهُ عِنْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَعْتِقَ، لِأَنَّ المُسْتَسْعَى كَالمُكَاتَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَسْتَسْعِيهِ فِي أَلْفِ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، لِأَنَّ الأَلْفَ مُسْتَحَقُّ بِرَأْسِ المَالِ، وَالخَمْسُمِائَةِ رِبْحٌ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا يَسْعَى لَهُ فِي هَذَا المِقْدَارِ.
ثُمَّ إِذَا قَبَضَ رَبُّ المَالِ الأَلْفَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ المُدَّعِيَ نِصْفَ قِيمَةِ الْأُمِّ، لِأَنَّ الأَلْفَ المَأْخُوذَ لَمَّا اسْتُحِقَّ بِرَأْسِ المَالِ لِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا فِي الاسْتِيفَاءِ، ظَهَرَ أَنَّ الجَارِيَةَ كُلَّهَا رِبْحٌ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَعْوَةٌ صَحِيحَةٌ لِاحْتِمَالِ الفِرَاشِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ وَتَوَقَّفَ نَفَاؤُهَا لِفَقْدِ المِلْكِ، فَإِذَا ظَهَرَ المِلْكُ نَفَذَتْ تِلْكَ الدَّعْوَةُ وَصَارَتْ الجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَضْمَنُ نَصِيبَ رَبِّ المَالِ، لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ تَمَلُّكٍ وَضَمَانُ التَّمَلُّكِ لَا يَسْتَدْعِي صُنْعًا كَمَا إِذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً بِالنِّكَاحِ ثُمَّ مَلَكَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ وِرَاثَةٌ: يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ كَذَا هَذَا؛ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْوَلَدِ عَلَى مَا مَرَّ.
فقال: إياك والرابعة فإنها الموجبة، وقد ثبت الملك للمضارب هاهنا بلا صنعة لحصوله بتغير السعر ولم يوجد أي التعدي إذ التعدي لا يثبت بغير صنعة.
قوله: (لأن الألف المأخوذ)، أي من الاستسعاء دراهم فكان هو من جنس حقه كان هو أولى بالاستيفاء من الجارية.
قوله: (بخلاف ضمان الولد) فإنه ضمان إعتاق فلا بد فيه من التعدي ولم يوجد، ولما صارت الجارية ربحًا فعقرها الواجب على المضارب يصير ربحًا أيضًا فيكون بينهما.
قوله: (على ما مر)، إشارة إلى قوله: (لأن عتقه بالنسب والملك، والملك آخرهما ولا صنع له فيه)، كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي، وقاضي خان، والله أعلم.
[ ٧ / ٨٤ ]