قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ وَقَبِلَ العَبْدُ ذَلِكَ:
(كِتَابُ الْمُكَاتَبِ)
أورد الكتابة بعد الإجارة لمناسبة أن كل واحد منهما عقد يستفاد به المال بمقابلة ما ليس بمال على وجه يحتاج فيه إلى ذكر العوض بالإيجاب والقبول بطريق الأصالة، وبهذا يحترز عن البيع، والطلاق والعتاق.
وقدم الإجارة لأنه أشبه بالبيع من حيث التمليك، والشرائط، وجريانه في غير المولى وعبده.
ثم من محاسنه أن العبد به يصل إلى شرف الحرية في الدنيا، ويكتسب أسباب السعادة العقباوية، والمولى يصل إلى المال مع الثواب.
ومن محاسنه أيضًا: الاستنان بسنة الله فإن الخلق كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه، ولكن أعطاهم من حرية اليد والملك الظاهر بقدر ما يسعون في فكاك رقبتهم، وبدل كتابهم الوفاء بعهوده بائتمار أوامره والانزجار عن نواهيه، فمن وفي بعهوده خلص من عقابه.
ثم الكتابة لغةً: مأخوذ من الكتب، وهو الجمع والضم، يقال: كتبتُ البغلة إذا ضممت بين شفريها بحلقة والشفران طرفا الفرج، أو القربة، أو حرزتها، ومنه كتب الكتاب، أي: جمع الحروف والكتيبة الطائفة من الجيش لانضمام بعضهم إلى بعض.
ويسمى هذا العقد كتابة لما فيه ينضم النجم إلى النجم، أو لأنه يوثق بالكتابة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وشرعًا: عقد بلفظ الكتابة، أو بلفظ يؤدي معناه يوجب التحرير يدًا في الحال، ورقبة في المال، ولا يلزم عليه تعليق العتق على مال؛ لأنه لا يحتاج فيه
[ ٧ / ٣٤٣ ]
صَارَ مُكَاتَبًا) أَمَّا الجَوَازُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبِ، … .
إلى لفظ الكتابة، بل يحصل بقوله: أعتقتك على كذا، والفرق بينهما في الحكم أن الكتابة عقد يُقالُ ويفسخ ولا يُملَكُ بيع المكاتب، والإعتاق على مال من جانب المولى يمين والمكاتِبُ يَمْلك كتابة عبده، ولا يملك الإعتاق على مال، ذكره في المبسوط (^١).
وسبب الكتابة: الرغبة الباعثة للمولى والعبد على مقصودهما الذي ذكرناه في محاسنها.
وركنها: الإيجاب والقبول.
وشرطها: قيام الرق في المحلّ، وكون المال المسمى معلوم القدر والجنس أيضًا.
وحكمها: ثبوت حرية اليد للعبد في الحال، وثبوت حرية الرقبة عند أداء البدل، ومن جانب المولى: ثبوت ولاية المطالبة ببدلها في الحال، وثبوت الملك فيه إذا قبضه.
قوله: (أما الجواز)، اعلم أن الكتابة جائزة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وقوله ﵊: «من أعانَ غارِمًا أو غازيًا أو مُكاتبًا في كِتَابَتِهِ أَظلَّهُ اللهُ يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (^٢)، ولقوله ﵊: «أَيُّما عَبْدٍ كَتَبَ» (^٣)، والأحاديث في الباب كثيرة، وأجمعت الأمة على جوازه.
وبقوله: (بإجماع الفقهاء) يحترز عن قول داود ومن تابعه، وعمرو بن دينار، وعطاء، ورواية صاحب التقريب من أصحاب الشافعي، رواية عن أحمد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬٢).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٧) رقم (١٦٠٢٩)، والحاكم (٢/ ٢١٨) رقم (٢٨٦٠) من حديث سهل بن حنيف ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٣) تقدم تخريجه في المتن.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الحَمْلِ عَلَى الإِبَاحَةِ إِلْغَاءُ الشَّرْطِ إِذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ، أَمَّا النَّدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهِ، وَالمُرَادُ بِالخَيْرِ المَذْكُورِ عَلَى مَا قِيلَ: أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ العِتْقِ،
فإنهم قالوا: تجب الكتابة إذا سأل العبد إن كان العبد ذا أمانة وذا كسب؛ إذ الأمر يفيد الوجوب على تقدير علم الخيرية.
قلنا: الوجوب يبطل أثر الملك، واحتكم المماليك على المالكين وهذا خلاف الأصول، وفيه نوع تأمل.
وشنع ابن حزم على الفقهاء في هذه المسألة، وهذا من غاية تعصبه، وقال: إن عمر جبر أنسًا على كتابة سيرين.
وقلنا: فعل أنس يخالف قول عمر.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعض مشايخنا أنه قال: أمر إباحة، وقوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] مذكور على وفاق العادة؛ لأن المولى إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرًا لأن فيه إلغاء الشرط إذ الإباحة ثابتة بدون هذا الشرط، وكلام الله تعالى منزه عن هذا.
(أما الندبية متعلقة به)، أي: بعلم الخير؛ لأن المولى إنما يندب أن يكاتب عبده إذا علم فيه خيرًا، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (والمراد بالخير المذكور على ما قيل) إلى آخره، وفسر الشافعي الخيرية بالأمانة والكسب، وبه قال مالك، وعمرو بن دينار، وأحمد، وهو قولنا أيضًا.
وعن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء: الخير: الكسب خاصة، وعن الثوري، والحسن البصري أنه الأمانة والدين خاصة.
وقيل: الخير: الوفاء بالأمانة والصلاح.
ولو فقد الأمانة والكسب لا تكره الكتابة عندنا، والشافعي، ومالك، وقال أحمد وإسحاق، وأبو الحسين بن القطان من أصحاب الشافعي: يكره.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬٣).
[ ٧ / ٣٤٥ ]
فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ، فَالأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُ لَوْ فَعَلَهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ قَبُولِ العَبْدِ: فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التِزَامِهِ وَلَا يُعْتَقُ إِلَّا بِأَدَاءِ كُلِّ البَدَلِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» وَقَالَ ﵊: المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَا اخْتَرْنَاهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَيُعْتَقُ بِأَدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ المَوْلَى إِذَا أَدَّيْتِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، لِأَنَّ مُوجِبَ العَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ
ويشترط قبول العبد البدل بلا خلاف، ولا يعتق إلا بأداء كل البدل، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(وفيه) أي: في وقت عتق العبد (اختلاف الصحابة)، فقال ابن عباس: كما أخذ الصحيفة من مولاه عتق، يعني يعتق بنفس العقد وهو غريم المولى، وقال ابن مسعود: إذا أدى قدر قيمة نفسه يعتق، وفيما زاد يكون المولى غريما من غرمائه.
وقال علي: يعتق بقدر ما أدى، وبه قال أصحاب الظاهر.
وقال زيد بن ثابت مثل قولنا، واخترنا قوله لأنه مؤيد بما روينا، وهو قوله ﵊: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، رواه أبو داود (^١)، وبالمعنى فإن أحد البدلين لم يدخل في ملك المالك فلا يخرج البدل الآخر عن ملكه، ولأن بالكتابة يثبت للعبد ملك اليد، فأما العتق فمتعلق بشرط الأداء، والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله جزءًا، فما لم يُؤَدِّق جميع البدل لم يعتق، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (ويعتق بأدائه)، أي: بأداء البدل وإن لم يقل المولى: إذا أديتها فأنتَ حرّ، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي: لا يعتق ما لم يقل: كاتبتك على كذا، إن أديته فأنتَ حرّ.
وفي شرح الوجيز: ولو لم يصرح بتعليق العتق بالأداء ولكن نواه بقلبه:
_________________
(١) تقدم تخريجه في المتن.
(٢) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٠٦).
[ ٧ / ٣٤٦ ]
التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا فِي البَيْعِ، وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ البَدَلِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ.
كاتبتك على كذا، صحت الكتابة، وإن لم يصرح بالتعليق ولا نواه لم يحصل العتق ولم تصح الكتابة (^١).
وعن بعض أصحابه: إن كان الرجل فقيها صحت كتابته بمجرد لفظ: كاتبتك على كذا، وإلا فلا بد من تعليق الحرية، أو بينة.
وأصل الاختلاف راجع إلى تفسير الكتابة شرعًا، فعنده: ضم نجم إلى نجم، فلو صرح وقال: ضربت عليك ألفًا على أن تؤديها إليَّ في كل شهر كذا، لا يعتق، وكذا إذا قال: كاتبتك، ولم يقل: إن أدّيتَ فأنتَ حرّ، لا يعتق، فكذا هنا.
وعندنا تفسيرها ضم حرية اليد (^٢) إلى حرية الرقبة عند الأداء، فلا يحتاج إلى تعليق العتق بالأداء؛ لأن العتق عند الأداء حكم العقد، وحكم العقد يثبت بدون التصريح به كما في البيع، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (ولا يجب حط شيء من البدل)، بل هو مندوب، وبه قال مالك، والثوري، وقال الشافعي، وأصحاب الظاهر، وأحمد: يجب.
وفي وقت وجوبه وجهان، أحدهما: بعد العتق والثاني: بعد أداء أكثر البدل.
وقدره قد نص الشافعي أنه يجزئ ما يقع عليه اسم المال، للشافعي قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، ومطلق الأمر للوجوب، وعن علي مرفوعًا وموقوفًا أنه ﵊ قرأ هذه الآية وقال: «هُوَ ربع بدل الكتابة».
واختلف أقوال الصحابة في قدر المحطوط فنأخذ بالأقل لأنه متيقن، وعند أحمد: يجب قدر ربع البدل بأثر علي.
ولنا أن هذا عقد معاوضة فلا يجب الحط فيه كما في سائر المعاوضات، وهذا لأن الكتابة موجب للبدل فلا يجوز أن تكون موجبًا إسقاطه إذ الشيء لا
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٣/ ٤٤٣).
(٢) في الأصل: (البدل)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ المَالَ حَالًا، وَيَجُوزُ مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ حَالًا، وَلَا بُدَّ مِنْ نَجْمَيْنِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي زَمَانٍ
يتضمن ضده، والأمر في قوله ﴿وَآتُوهُمْ﴾ للندب؛ لأنه معطوف على الأمر بالكتابة؛ لأن الأصل أن يكون حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، كذا في المبسوط (^١).
ورد عليه بأن هذه جملة تامة فلا توجب المشاركة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
وأجيب: ليس هذا مثل تلك الجملة؛ لأن الثانية مرتبطة بالأولى برجوع الضمير إليها فلم تكن مستبدة بنفسها فصح الاستدلال بالعطف، وفيه نوع تأمل.
وعن الكلبي: المراد بالإيتاء دفع الصدقة إليهم، رواه عن جماعة من الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن الإيتاء يدل على التمليك، وذا في التصدق عليهم؛ لأن الحط لا يكون إيتاء، ولا يطلق عليه اسم الإيتاء.
وقال ابن حزم في المُحلَّى: الشافعي ناقض فحمل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية على الندب، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُم﴾ على الوجوب، وهذا تحكم، وأبو حنيفة ومالك قالا كلاهما: للندب ﴿وَآتُوهُم﴾ الآية أمر للسيد وغيره بالإيتاء، وهو باطل؛ لأنه معطوف على قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ فيكون المأمورون بالكتابة هم المأمورون بالإيتاء (^٢).
قلنا: نعم مأمورون بالإيتاء من مال الصدقة لا بالحط من البدل كما روي عن جماعة من الصحابة.
قوله: (وقال الشافعي لا يجوز حالا)، فلا بد أن يكون منجما، وأقله نجمان اتباعًا للسلف فإنهم لم يعقدوا الكتابة إلا على عوض مؤجل، وبه قال أحمد في ظاهر روايته.
ولأنه على تقدير الحلول تتوجه المطالبة في الحال وهو لا يقدر على أدائه لأنه كان مملوكًا لا يقدر على شيء، وفي زمان يسير لا تثبت القدرة عادة على
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٠٧).
(٢) المحلى (٨/ ٢٥٣).
[ ٧ / ٣٤٨ ]
قَلِيلٍ، لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ قَبْلَهُ لِلرِّقِّ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ فَكَانَ احْتِمَالُ القُدْرَةِ ثَابِتا، وَقَدْ دَلَّ الإِقْدَامُ عَلَى العَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ. وَلَنَا: ظَاهِرُ مَا تَلَوْنَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّنْجِيمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي البَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِنَا، لِأَنَّ المُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الكِتَابَةِ عَلَى المُسَاهَلَةِ فَيُمْهِلُهُ المَوْلَى ظَاهِرًا، بِخِلَافِ السَّلَمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى المُضَايَقَةِ وَفِي الحَالِ كَمَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ يُرَدُّ
الكسب على مال كثير، والعجز الطارئ يبطل الكتابة، فلأن يمنع انعقادها أولى. (بخلاف السلم)، أي: الحال (على أصله)، أي: أصل الشافعي حيث جوزه لأنه عقد جرى بين الحُرَّيْنِ، والظاهر هو القدرة على ما التزمه لكونه أهلًا للملك قبل العقد، وقد قام دليل القدرة وهو الإقدام على العقد.
ولنا ظاهر ما تلونا وهو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ من غير قيد التأجيل والتنجيم، فلا يزاد على النص بالرأي، وبقولنا قال مالك.
ذكر في الجواهر: قال أبو بكر: ظاهر قول مالك أن التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: علماؤنا النظار يقولون إن الكتابة الحالة جائزة ويسمونها قطاعة، وهو القياس (^١).
(ولأنه) أي: عقد الكتابة عقد معاوضة، والبدل معقود به كالثمن في البيع حتى صح الاستبدال به قبل القبض والقدرة على تسليم الثمن في البيع ليس بشرط بالإجماع، فكذا القدرة على تسليم بدل الكتابة لا يشترط.
بخلاف السلم على أصلنا؛ لأن المسلم فيه معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط لنهيه ﵊ عن بيع ما ليس عند الإنسان (^٢)، فشرطنا الأجل في السلم لتثبت القدرة على التسليم في المدة.
(لأن مبناه) أي: مبنى السلم (على المضايقة) والمماكسة، فالظاهر أنه لا
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (٣/ ١٢٠٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٣ رقم ٣٥٠٥)، والترمذي (٢/ ٥٢٥) رقم (١٢٣٢)، والنسائي (٧/ ٢٨٩ رقم ٤٦١٣)، وابن ماجه (٢/ ٧٣٧ رقم ٢١٨٧) من حديث حكيم بن حزام ﵁. وحسنه الترمذي.
[ ٧ / ٣٤٩ ]
إلى الرق.
قَالَ: (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ العَبْدِ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الشَّرَاءَ وَالبَيْعَ) لِتَحَقُّقِ الإِيجَابِ
يؤخر عند توجه المطالبة نحوه.
فإن قيل: الخصم استدل بالقياس أيضًا فكانا متعارضين، فأين يثبت رجحان دليلكم؟
قلنا: رجحان دليلنا ظاهر؛ لأن ما استدللنا به دائر بين شرط الجواز وعدمه، وما استدل به الخصم بين علامة الوجود وعدمه، والشرط أكثر تأثيرًا في الحكم من العلامة، يعني قول الخصم: أن الظاهر من حال العبد أنه مفلس؛ لأنه لم يكن مالكًا لشيء قبل العقد، فقد التزم الأداء بالعقد، فيجب أن يكون قادرًا على الأداء حتى يتحقق ما هو المقصود للمولى في هذا العقد بخلاف المسلم إليه فإنه حر، فبالتزامه يعلم أنه قادر على تسليم المسلم إليه.
وقلنا: عدم قدرة العبد ممتدًا إلى مقدار نجمين ليس بأمر لازم؛ لأن الجائز أن يرزق العبد بعد العقد مالا بطريق الهبة، والزكاة، والوصية، أو بالتجارة، أو جرى عقد الكتابة على المملحة (^١) على قدر من الملح فيمكن تسليم الملح عقيب العقد.
وما قال بعض أصحاب الشافعي أن الملك بالهبة، أو الوصية، أو التجارة يحتاج إلى القبول - وذلك يتأخر عن العقد، وكذا لا يملك الملح بدون الأخذ فيتأخر عن العقد - غير قوي؛ لأن الأداء بعد العقد والقدرة شرط للأداء، ولئن سلم إفلاسه فإفلاسه واقع في المعقود به وذلك غير مضر لصحة العقد كما في البيع.
أما السلم فيجب أن يكون مؤجلا لأن الأجل هناك قائم مقام المسلم فيه وهو المعقود عليه، وملك المعقود عليه شرط لصحة العقد كما في البيع، فما كان قائما مقامه وهو الأجل ينبغي أن يكون شرطًا لأن ما هو شرط لصحة الشيء فالذي يقوم مقامه عند عدمه شرطًا أيضًا كالتيمم للصلاة عند عدم الماء، أو
_________________
(١) في النسخة الثانية: (المصلحة).
[ ٧ / ٣٥٠ ]
وَالقَبُولِ، إِذْ العَاقِلُ مِنْ أَهْلِ القَبُولِ وَالتَّصَرُّفُ نَافِعُ فِي حَقِّهِ. وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ،
الوضوء، كذا في المبسوط.
يؤيده ما روي عن ابن عباس أنه قال: حدثني سلمان: أن رجلا من بني قريظة ابتاعني فأسلمت وشغلني الرق حتى فاتتني بدر، ثم قال لي رسول الله ﷺ: «كاتب»، فسألت صاحبي ذلك حتى كاتبني على أن أحيي له ثلاثمائة نخلة بأربعين أوقية من ذهب، فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: «إذا أَرَدْتَ أن تَضَعَها فَلا تَضَعْها حتّى تأتينِي فَتُؤْذِنِّي فأكون أنا الذي وَضَعَها»، فأعانني أصحابي حتى حَبِيْتُ، ثم جئت رسول الله ﷺ قلت: بقيت الذهب، فبينا رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المعادن، فقال ﵊: «ما فعل الفارسي المكاتب المسكين، ادعوه»، فَدُعيتُ فجِئتُ، فقال ﵊: «اذْهَبْ بهذه فأدها مما عليك مِنَ المالِ»، فوالذي نفسي بيده لقد وزنت منها أربعين أوقية حتى أوفيه الذي عليَّ، قال: فأُعتِقَ سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله ﵊ (^١).
قال ابن حزم: لا نظر مع صحة الخبر.
فإن قيل: عتق سلمان باعتبار أن سيده كافر فعتق بذلك.
قلنا: عتق العبد المسلم بكفر سيده عرف من عبيد أهل الطائف، والطائف بعد الخندق، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] بعد الخندق، نقل من المحلى (^٢).
قوله: (والشافعي يخالفنا فيه) حتى لم يُجَوِّز كتابة العبد الصغير المميز بإذن وليه، أو بغير إذن وليه، وكتابة السيد إذن له على القبول، وكذا على مال يجوز بإذن وليه في القبول خلافًا للشافعي، أما الصغير غير المميز والمجنون لا تجوز
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٤١ رقم ٢٣٧٨٨). قال الهيثمي: رجالها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع. مجمع الزوائد (٩/ ٣٣٦).
(٢) المحلى لابن حزم (٨/ ٢٢٥).
[ ٧ / ٣٥١ ]
وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ إِذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ، لِأَنَّ القَبُولَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنهُ فَلَا يَنْعَقِدُ العَقْدُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ غَيْرُهُ لَا يَعْتِقُ وَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: جَعَلْتُ عَلَيْكَ أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إِلَيَّ نُجُومًا، أَوَّلُ النَّجْمِ كَذَا وَآخِرُهُ كَذَا، فَإِذَا أَدَّيْتِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْتَ فَأَنْتَ رَقِيقٌ فَإِنَّ هَذِهِ مُكَاتَبَةٌ) لِأَنَّهُ أَتَى بِتَفْسِيرِ الكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْت إِلَيَّ أَلْفًا، كُلَّ شَهْرٍ مِائَةٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذِهِ مُكَاتَبَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَنَّ التَّنْجِيمَ يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالكِتَابَةِ.
كتابته بالإجماع.
قوله: (حتى لو أدى عنه) أي: عن الصغير غير المميز، وقيل مولاه (لم يعتق)؛ لأن أداء البدل إنما يتصور في عقد منعقد لا في عقد باطل، ويرد المال على صاحبه لأنه أداه باعتبار سبب باطل.
قوله: (لأنه) أي: المولى أتى بتفسير الكتابة، وفي الكافي: صح استحسانًا، والقياس أن لا يصح؛ لأن ذكر النجوم فضل في الكتابة عندنا، وجود ذكرها كعدمها، فبقي قوله: قد جعلت عليك ألف درهم، وهو بظاهره ضريبة، وقوله: إن أدَّيتَ فأنت حر، هو تعليق.
وجه الاستحسان أن العبرة في العقود للمعاني، ألا ترى أن المضاربة بشرط الربح كله لرب المال بضاعة، وبشرطه الضمان إقراض، وقد وجد معنى الكتابة هنا؛ لأن معنى الكتابة سنة وعادة، هذا وعند الإطلاق يصح فعند التفسير أولى.
ولا بد من ذكر قوله: فإن أديت فأنت حر، هنا بخلاف قوله: كاتبتك، فإن الاحتمال ينعدم هاهنا إذ موجب الكتابة العتق عند الأداء صرح بقوله: إن أديت فأنت حُرٌّ ولم يصرح، وأما قوله: إن عجزت فأنتَ رقيق، فضل غير محتاج إليه لا هنا ولا في قوله: كاتبتك، وإنما ذكره للتفسير، وحث العبد على أداء المال عند النجوم، كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة السرخسي.
قوله: (لأن التنجيم يدل على الوجوب)؛ إذ التنجيم يستعمل للتيسير، وذا إنما يكون عند الوجوب؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا إلا في
[ ٧ / ٣٥٢ ]
وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ: لَا تَكُونُ مُكَاتَبَةٌ اعْتِبَارًا بِالتَّعْلِيقِ بِالأَدَاءِ مَرَّةً.
قَالَ: (وَإِذَا صَحَّتْ الكِتَابَةُ: خَرَجَ المُكَاتَبُ عَنْ يَدِ المَوْلَى، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) أَمَّا الخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ: فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الكِتَابَةِ، وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ إِلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ، أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الكِتَابَةِ، وَهُوَ أَدَاءُ البَدَلِ فَيَمْلِكُ البَيْعَ وَالشَّرَاءَ وَالخُرُوجَ إِلَى السَّفَرِ وَإِنْ نَهَاهُ المَوْلَى، وَأَمَّا عَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ: فَلِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمَبْنَاهُ عَلَى المُسَاوَاةِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِتَنَجَّزِ العِتْقِ، وَيَتَحَقَّقُ بِتَأَخُرِهِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ نَوْعُ مَالِكِيَّةٍ وَيَثْبُتُ لَهُ فِي الذِّمَّةِ حَقٌّ مِنْ وَجْهِ … … … ..
الكتابة، فعرف أن المولى قصد بالتنجيم إيجاب المال بطريق الكتابة، كذا ذكره شيخ الإسلام.
قوله: (وفي نسخ أبي حفص) أي: روايته: (لا تكون مكاتبة)، قال فخر الإسلام في مبسوطه: وهو الأصح؛ لأن التنجيم ليس من خصائص الكتابة حتى يجعل تفسيرًا للكتابة؛ لأن الكتابة تخلو من التنجيم فيكون إذنا لا كتابةً، كما لو قال: إذا أديت ألفًا في هذا الشهر فأنت حر.
قوله: (ولم يخرج عن ملكه)، يحترز عن قول ابن عباس بأن عَتَقَ بمجرد العقد كما ذكرنا.
قوله: (والخروج إلى السفر وإن نهاه المولى)، وبه قال أحمد، والشافعي في قول، وقال في قول: لا يخرج إلى السفر بغير إذن السيد، وهو قول مالك.
وفصل بعض أصحاب الشافعي فقال: إن كان السفر طويلا لا يخرج بغير إذن السيد لتضرر السيد به، وإن كان قصيرا يخرج.
وقلنا: مقصود المولى من إثبات المالكية له بالعقد أن يتمكن من أداء البدل، وربما لا يتمكن من الأداء إلا بالخروج للسفر.
وقوله: (لما روينا)، إشارة إلى قوله: «المُكاتب عبد ما بَقِيَ عَلَيهِ درهم» (^١)، وذلك أي: المساواة على تأويل التساوي.
قوله: (ويثبت له في الذمة حق من وجه)، يعني أصل البدل يجب للمولى
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/¬٢٠، رقم ٣٩٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٢٤ رقم ٢١٤٢٧).
[ ٧ / ٣٥٣ ]
(فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ) لِأَنَّهُ مَالِكُ لِرَقَبَتِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الكِتَابَةِ لِأَنَّهُ مَا التَزَمَهُ إِلَّا مُقَابَلًا بِحُصُولِ العِتْقِ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ دُونَهُ. قَالَ: (وَإِذَا وَطِئَ المَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ: لَزِمَهُ العُقْرُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إِلَى المَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ، وَهُوَ الوُصُولُ إِلَى البَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ وَإِلَى الحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَمَنَافِعُ البُضْعِ مُلْحَقَةٌ بِالأَجْزَاءِ وَالأَعْيَانِ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَتْهُ الجِنَايَةُ) لِمَا بَيَّنَّا … .
في ذمته بنفس العقد، ولكنه ضعيف لا يتم ملكه فيه إلا بالقبض؛ لأن ثبوته في ذمته مع المنافي إذ المولى لا يستوجب على عبده دينا، ولهذا لا تصح الكفالة به، فيثبت للعبد بمقابلته مالكية ضعيفة أيضًا، فإذا تم الملك للمولى بالقبض تم المالكية للعبد، وتمام مالكيته لا يكون إلا بالعتق فيعتق لضرورة إتمام المالكية.
(فإن أعتقه)، أي: قبل أداء البدل (عتق)؛ لأنه مالك لرقبته.
قوله: (لزمه العقر)، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا عقر عليه، وقال أحمد: أن يثبت على المكاتبة أن يطأها لا عقر عليه، وإلا يجب ويؤدب لا وطء حرام، وعن الحسن البصري أنه قال: يجب الحدّ، لا وطء في غير ملكه (^١).
وعندنا والشافعي إذا شرط وطأها تفسد الكتابة، وعند مالك يفسد الشرط ويصح العقد، وعند أحمد يصح العقد؛ لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكها فصار كما لو شرط خدمتها شهرا.
وقلنا: هو شرط على خلاف مقتضى العقد إذ مقتضى العقد أن يكون أخص بمكاسبها وأجزائها ليتوسل (^٢) إلى المقصود بالعقد وهو العتق بأداء البدل، ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء فيكون شرطًا على خلاف مقتضاه فيكون مفسدا؛ لأن فيه نفعا لأحد العاقدين.
قوله: (بناء عليه) أي: على الوصول إلى البدل.
وقوله: (لما بينا)، إشارة إلى قوله: (لأنها صارت أخص بأجزائها)؛ إذ لو لم يجعل كذلك لأتلفها المولى على تأويل أنه ملكه فلا يحصل مقصود العقد.
_________________
(١) في النسخة الثانية: (لأنه وطء في غير ملكه).
(٢) كذا بالمخطوط والصواب: (ليتوصل).
[ ٧ / ٣٥٤ ]
(وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا لَهَا غَرِمَ) لِأَنَّ المَوْلَى كَالأَجْنَبِي فِي حَقِّ أَكْسَابِهَا وَنَفْسِهَا، إِذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ لَأَتْلَفَهُ المَوْلَى فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الغَرَضِ المُبْتَغَى بِالعَقْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.