كتاب الهبة
وقد ذكرنا وجه المناسبة في العارية وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ولأن العارية كالمفرد والهبة كالمركب؛ لأن فيها تمليك العين مع المنفعة.
ثم محاسن الهبة لا تحصى، ولا تخفى على ذي النهى، فقد وصف الله تعالى ذاته بالوهاب فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، وهذا يكفي لمحاسنها.
ثم الهبة لغةً: أصلها من الوَهَب، والوَهْب بتسكين الهاء وتحريكها، وكذلك في كل معتل الفاء؛ كالوعد والعدة، والوعظ والعظة، فكانت من المصادر التي تحذف أوائلها، وتعوض في آخرها التاء.
ومعناه: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالا أو غير مال، يقال: وهبت له مالًا وهبًا وهبةً، ويقال: وهب الله فلانًا ولدًا صالحًا، قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ويقال: وهبه مالًا، ولا يقال: وهبت منه، وسمي الموهوب هبة، وموهبة، والجمع هبات، ومواهب، واتَّهَبَه منه قبله، واستوهبه طلب الهبة.
وشرعًا: تمليك العين بلا عوض.
ودليل جوازها: الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنيئًا مريا﴾ [النساء: ٤]، وإباحة الأكل بالوصف الحميد دليل جوازها، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِنَحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والمراد بالتحية العطية، وقيل: المراد السلام والأول أظهر؛ فإن قوله ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يتناول ردها بعينها، وذا إنما يتحقق في العطية؛ لأن رد عين الكلام غير ممكن، كذا في المبسوط (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/¬٤٧).
[ ٧ / ١٦٤ ]
الهِبَةُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» «»، وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ (وَتَصِحُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ وَالقَبْضِ) أَمَّا الإِيجَابُ وَالقَبُولُ فَلِأَنَّهُ
والسنة: قال ﵊: «تَهادَوا تَحابُّوا» (^١)، الحديث، آخره: «كونوا عباد الله إخوانًا مُؤْتَلِفِين» (^٢).
وإجماع الأمة، والدليل المعقول أنها من باب الإحسان، واكتساب سبب التودد بين الإخوان، وكل ذلك مندوب إليه بعد الإيمان.
وسببها: إرادة الثواب، إما ثواب دنياوي كالعوض، وحسن الثناء، والمحبة، وإما عقباوي.
وشرائط صحتها أنواع منها في الواهب وهو أن يكون من أهل الهبة، وحرا، عاقلا بالغا، مالكا للموهوب.
ومنها في الموهب: بأن يكون مقبوضًا لا يكون متصلا بشيء، ولا مشغولا به ومتميزا عن غير الموهوب له، وفي بعضها خلاف، وسيجيء بيانه.
وركنها: الإيجاب والقبول.
وحكمها: ثبوت الملك للموهوب له غير لازم إلا بموانع، وعند الشافعي لازم إلا في هبة الوالد لولده.
وألفاظها: تجيء بعد ذلك، وقوله ﵇: «تهادوا»، أمر من التهادي، وهو أن يهدي بعضهم بعضًا.
وقوله: «تحابوا» صيغة خطاب في المضارع الجزم بجواب الأمر، وسقط إحدى التائين للتخفيف من التحاب، وكان لفظ جمع الماضي، ولفظ جمع الأمر ولفظ جمع مخاطب المضارع المجزوم على صيغة واحدة.
قوله: (ويصح بالإيجاب)؛ كقوله: وهبت ونحوه كما يجيء، أي: يصح في حق الواهب بمجرد الإيجاب، وفي حق الموهوب له بالقبول والقبض؛ لأن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) هذا حديث آخر أخرجه البخاري (٨/¬١٩ رقم ٦٠٦٤)، ومسلم (٤/ ١٩٨٥ رقم ٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إياكم والظَّنَّ، فإنّ الظن أكذب الحديث، ولا تَحسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا».
[ ٧ / ١٦٥ ]
عَقْدٌ، وَالعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالإِيجَابِ، وَالقَبُولِ، وَالقَبْضُ لَا بُدَّ مِنهُ لِثُبُوتِ المَلِكِ.
وَقَالَ مَالِكُ: يَثْبُتُ المِلْكُ فِيهِ قَبْلَ القَبْضِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّدَقَةُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا تَجُوزُ الهِبَةُ إِلَّا مَقْبُوضَةٌ» وَالمُرَادُ نَفْيُ
الهبة عقد تبرع فيتم بالمتبرع، فصار هو عندنا بمنزلة الإقرار والوصية، ولكن الموهوب له لا يملك إلا بالقبول والقبض
. وثمرة ذلك فيمن حلف لا يهب فوهب فلم يقبل الموهوب له يحنث، أو حلف على أن يهب فلانًا فوهبه ولم يقبل، بر في يمينه عندنا.
وقال مالك: يثبت الملك قبل القبض بمجرد الإيجاب والقبول (^١)، وبه قال أبو ثور، والشافعي في القديم لعموم قوله ﵊: «العائد في هبته كالعائِدِ في قَيئِهِ» (^٢)، ولأنه إزالة ملك بغير عوض فلا يعتبر فيه القبض؛ كالوصية والوقف، ولأنه عقد لازم ينقل الملك فلم يتوقف لزوم على القبض كالبيع.
وبقولنا قال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤)، وأكثر الفقهاء والتابعين، إلا أن أحمد يقول: إن كانت الهبة عينًا يصح بدون القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا يصح بدون القبض (^٥).
ويتفرع على الأقوال أن الزيادات الحادثة بين العقد والقبض لمن تكون، ولو باع الواهب الهبة بين العقد والقبض، أو مات بينهما فالملك للواهب عندنا، وعند مالك لا يصح بيعه، والهبة لوارث الموهوب له، وعند الشافعي في أصح قوليه إذا مات الواهب ينقلب إلى اللزوم ولا تنفسخ الهبة حتى يجبر الوارث في الإقباض، وإن مات المتهب قبضه وارثه إن أقبضه الواهب.
قوله: ولنا قوله ﵊: «لا تجوز الهبة» (^٦) الحديث،
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/ ٤١٢)، والكافي لابن عبد البر (٢/ ٩٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٥٨ رقم ٢٥٨٩)، ومسلم (٣/ ١٢٤١ رقم ١٦٢٢) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: الأم للشافعي (٤/ ٦٤)، والبيان للعمراني (٨/ ١١٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٦/¬٤١)، والإنصاف للمرداوي (٧/ ١١٨).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (٢/ ٢٦٠)، والإنصاف للمرداوي (٧/ ١٢٠).
(٦) تقدم تخريجه في المتن.
[ ٧ / ١٦٦ ]
المِلْكِ، لأَنَّ الجَوَازَ بِدُونِهِ ثَابِتٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعِ، وَفِي إِثْبَاتِ المِلْكِ قَبْلَ القَبْضِ إِلْزَامُ المُتَبَرِّعِ شَيْئًا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ فَلَا يَصِحُ، بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ المِلْكِ فِيهَا بَعْدَ المَوْتِ وَلَا الْزَامَ عَلَى المُتَبَرِّعِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ، وَحَقُّ الوَارِثِ مُتَأَخِّرُ عَنْ الوَصِيَّةِ فَلَمْ يَمْلِكُهَا.
قَالَ: (فَإِنْ قَبَضَهَا المَوْهُوبُ لَهُ فِي المَجْلِسِ بِغَيْرِ أَمْرِ الوَاهِبِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا (وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الافْتِرَاقِ: لَمْ يَجُزْ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الوَاهِبُ فِي القَبْضِ) وَالْقِيَاسُ:
والمراد نفي الملك [الأن] (^١) جواز العقد قبل القبض ثابت بالإجماع.
وقيل: هذا الحديث غير مرفوع، بل هو قول علي وعمر، ولئن كان فهو حجة أيضًا لأنه مما لا يمكن معرفته بالقياس، وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، ولم يعرف لهم في الصحابة مخالف فحل محل الإجماع.
وما روي عن علي وعمر أنهما قالا: " إذا أعلمت الصدقة جازت" محمول على صدقة الأب على ابنه الصغير، أو على الصدقة الموقوفة فإنها تجوز بلا قبض عند أبي يوسف إن صح توفيقا بين أقاويل الصحابة، كذا في المحيط.
وفي المبسوط (^٢)، والمغني لابن قدامة (^٣)، وكتب أصحاب الشافعي (^٤): أن أبا بكر نحل عائشة ﵂ جذاذا عشرين وسقا بالعالية من ماله، فلما مرض قال: يا بنية ما أحد أحب إليَّ منك، ولا أحد أعز عليَّ فقرًا منك، وكنت نحلتك جذاذا عشرين وسقا وإنك ما قبضتيه ولا حزتيه، وهو اليوم مال الوارث، فاقتسموا على كتاب الله ﷿، فدل أن القبض شرط.
ولا تتم الهبة فيما يحتمل القسمة إلا بالقسمة؛ لأنه قال: ما قبضتيه ولا حزتيه "، وكان المراد بالحيازة القسمة؛ إذ لو حملناه على القبض كان تكرارًا، وحمل الكلام على الإفادة أولى من الإعادة.
_________________
(١) في الأصل: (لاجواز)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/¬٤٩).
(٣) المغني لابن قدامة (٦/¬٤١).
(٤) انظر: الأم للشافعي (٤/ ٦٥، ٧/ ١٢١).
[ ٧ / ١٦٧ ]
أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ؛ لِأَنَّ القَبْضَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الوَاهِبِ، إِذْ مِلْكُهُ قَبْلَ القَبْضِ بَاقٍ فَلَا يَصِحُ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَلَنَا: أَنَّ القَبْضَ بِمَنْزِلَةِ
وفيه دليل أن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تكون باطلة لمباشرة أبي بكر، وفيه دليل أن الرجوع في الهبة قبل القبض يصح، ولأنه عقد تبرع فلو ثبت الملك بلا قبض تتوجه المطالبة عليه بالتسليم كما في البيع فيؤدي إلى إيجاب شيء لم يتبرع به، وهو خلاف موضوع التبرعات، بخلاف المعاوضات.
ولا يقال: إن الملك يقع على وجه لا يوجب التسليم لأنه لا يفيد، إذ فائدة الملك التمكن من التصرفات، وذا إنما يكون إذا كان بسبيل من قبضه، ولا يصح القياس على الوقف والوصية؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، أو التصدق بمنفعته، وفيه لا يشترط القبض، وكذا في الوصية ثبت الملك بعد الموت، ولا مطالبة ولا إلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم حينئذ، والوارث لم يملك.
هذا جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: إن انعدم أهلية الموصي فوارثه يخلفه في ملكه، فكان ينبغي أن يتوقف ملك الموصى له إلى وقت التسليم، فأجاب عنه بأن حق الوارث متأخر عن الوصية فلا يصح تسليمه فيما صح فيه الوصية.
فإن قيل: الشروع في عقد الهبة التزام التسليم تبعًا كالشروع في صلاة النفل، وصوم النفل وكالتزام الصلاة بالنذر فإنه يلزمه الوضوء تبعا لما أنها لا تصح ولا تتم إلا به، فكذا هاهنا الشروع في الهبة لا يتم المقصود منه إلا بالتسليم فينبغي أن يجب التسليم.
قلنا: في الشروع في صلاة النفل إنما يلزمه الركعة الثانية، والإمساكات الباقية صيانة لما مضى عن البطلان، والوضوء تبع للصلاة فكان النذر بها نذرا به، ولا كذلك هاهنا لأن للهبة صحة بدون القبض، وإنما القبض للزوم العقد، وعقد الهبة بعد القبض غير لازم حتى يصح الرجوع، فكيف يكون لازما قبل القبض؟ إليه أشار في الأسرار.
(وهو) أي: القياس (قول الشافعي)، وبه قال أحمد.
و(لنا أن القبض)، إلى آخره.
[ ٧ / ١٦٨ ]
القَبُولِ فِي الهِبَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ وَهُوَ المِلْكُ، وَالمَقْصُودُ مِنْهُ إِثْبَاتُ المِلْكِ فَيَكُونُ الإِيجَابُ مِنهُ تَسْلِيطًا عَلَى القَبْضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبَضَ بَعْدَ الافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالقَبُولِ، وَالقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالمَجْلِسِ، فَكَذَا مَا يُلْحَقُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَهَاهُ عَنْ القَبْضِ فِي المَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ.
قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ الهِبَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَأَعْطَيْتُ)؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالثَّانِي مُسْتَعْمَلُ فِيهِ. قَالَ ﵊: «أَكُلَّ أَوْلَادِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟»
وقوله في الهبة متعلق بالقبض لا بالقبول، أي: القبض في الهبة بمنزلة القبول في البيع، وبه صرح في المبسوط، وأشار إليه في الإيضاح.
فكما أن الإيجاب في البيع يكون تسليطا على [القبول، فكذا الإيجاب في الهبة يكون تسليطا على] (^١) القبض الذي نزل منزلته.
فإن قيل: لو كان القبض بمنزلة القبول ينبغي أن لا يصح الأمر بالقبض بعد المجلس، كذا في مختلفات الغني.
قوله: (والمقصود منه)، أي: من عقد إثبات الملك فيكون الإيجاب منه تسليطا على القبض وإن لم يأذن بالقبض صريحًا ليحصل مقصوده بخلاف البيع فإن القبض في البيع لإسقاط حق البائع في الحبس لثبوت الملك قبل القبض، وليس مقصود البائع بالبيع إسقاط حقه في الحبس، بل مقصوده أن يسلم العوض له وذلك بالحبس فلم يجعل البائع بإيجاب البيع راضيًا بإسقاط حقه في القبض، إليه أشار في المبسوط (^٢).
وكذا القبض في الصدقة، والقرض، والرهن، والبيع الفاسد في المجلس يصح بلا إذن لافتقار الكل إلى القبض كالهبة.
قوله: (لأن الأول صريح فيه)، أي: في عقد الهبة، (والثاني)، أي: نحلت مستعمل فيه أي عقد الهبة، روي عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي غلامًا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٥٧).
[ ٧ / ١٦٩ ]
وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ، يُقَالُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ وَوَهَبَكَ اللَّهُ: بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَكَذَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: أَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ، وَجَعَلْتُ هَذَا الثَّوْبَ لَك، وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ، إِذَا نَوَى بِالحَمْلِ الهِبَةَ أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الإِطْعَامَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ العَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ فَيَكُونُ المُرَادُ أَكْلَ غَلَّتِهَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ حَرْفَ اللَّامِ لِلتَّمْلِيكِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ
وأنا ابن سبع سنين فأبت أمي إلا أن يشهد على ذلك رسول الله ﷺ، فحملني أبي على عاتقه إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﵊: «ألك ولدٌ سِواهُ؟» فقال: نعم، فقال: «أَكُلُّ نَحَلْتَ مثل هذا؟» فقال: لا، فقال: «هذا جورٌ» (^١)، كذا في المبسوط (^٢)، ويجيء بعد.
قوله: (لأن عينه)، أي: عين الأرض على تأويل المذكور، وفي بعض النسخ: (عينها لا تطعم) فكان معناه أطعمتك ما يحصل منها فكان تمليكا لمنفعة الأرض دون عينها فلأن حرف اللام للتمليك فكان معنى كلامه ملكت هذا الثوب لك، ألا ترى أن في التمليك ببدل لا فرق بين لفظ الجعل والتمليك، فكذا في التمليك بغير بدل، قال ﵊: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى» (^٣)، الحديث، يقال: أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلا إذا أعطيته إياها وقلت هي لك عُمرى أو عُمرُك فإذا من رجعت إليَّ.
قال لبيد:
ما المالُ إِلا مُعمَراتٌ وَدَائِعُ
والاسم: العُمْرَى، كذا في الصحاح (^٤)، والمغرب (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٥٧ رقم ٢٥٨٦)، ومسلم (٣/ ١٢٤١ رقم ١٦٢٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ١٦٥ رقم ٢٦٢٥)، ومسلم (٣/ ١٢٤٦ رقم ١٦٢٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٤) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٢/ ٧٥٧).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٢٨).
[ ٧ / ١٧٠ ]
لِلْمُعَمَّرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَكَذَا إِذَا قَالَ: جَعَلْت هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرَى لِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَلِأَنَّ الحَمْلَ هُوَ الإِرْكَابُ حَقِيقَةٌ، فَيَكُونُ عَارِيَّةٌ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الهِبَةَ، يُقَالُ: حَمَلَ الأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسٍ، وَيُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ.
(وَلَوْ قَالَ: «كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ» يَكُونُ هِبَةٌ)؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]
وَيُقَالُ كَسَا الأَمِيرُ فُلَانًا ثَوْبًا: أَيْ مَلَّكَهُ مِنهُ (وَلَوْ قَالَ: مَنَحْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ كَانَتْ عَارِيَّةٌ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ.
قوله: (ولورثته بعده)، أي: لورثة المعمر له بعد موته، يعني معناه وهَبْتُها لك، فإذا مِتَّ فهي لي، فهذا تمليك صحيح في الحال، وشرط الرجوع إليه وإلى ورثته باطل، ذكره في المبسوط (^١).
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهية التفضيل، والخلاف في كيفية التسوية، فعندنا والشافعي، ومالك يسوي بين الذكر والأنثى، وعند أحمد التسوية المستحبة أن يقسم بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وبه قال محمد، وعطاء، وشريح.
ولو فاضل بينهم جاز، ولا يجب أن يسترجع، وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري، وقال أحمد، وداود: يجب أن يسترجع لحديث النعمان بن بشير؛ فإنه قال في رواية: «فأرجِعْهُ»، وفي رواية: «فَارْدُدْهُ»، فإنه سماه جورًا، وأمر برده.
وقلنا: في حديثه: «أشْهِدْ عَلَى هَذا غَيْرِي»، فقد أمره بتأكيدها، وهذا دليل عدم وجوب الرجوع، ولهذا خص أبو بكر ﵁ لعائشة عداد عشرين (^٢) وسقا ثم قال: "ما قبضتيه "، فعلم أن بالقبض لا يجب الرجوع، قال تعالى: ﴿أو كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والكفارة لا تتأدى إلا بتمليك العين بالإجماع.
(لما روينا)، وفي بعض النسخ: (لما روينا من قبل)، وأراد بهما ذكر في كتاب العارية المنحة مردودة ناقلا عن المغرب (^٣): أن المنحة هي الشاة، أو الإبل، يعطيها الرجل آخر ليشرب لبنها ثم يردها، ثم كثر استعماله حتى قيل في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٥).
(٢) في الأصل: (عشر)، والمثبت من النسخة الثانية، وقد تقدم هذا الأثر.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٤٧).
[ ٧ / ١٧١ ]
(وَلَوْ قَالَ: دَارِي لَكَ هِبَةٌ سُكْنَى، أَوْ سُكْنَى هِبَةٌ: فَهِيَ عَارِيَّةٌ)؛ لِأَنَّ العَارِيَّةَ مُحْكَمٌ فِي تَمْلِيكِ المَنْفَعَةِ، وَالهِبَةُ تَحْتَمِلُهَا وَتَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ العَيْنِ، فَيُحْمَلُ المُحْتَمَلُ عَلَى المُحْكَمِ، (وَكَذَا إِذَا قَالَ: عُمْرَى سُكْنَى، أَوْ نُحْلَى سُكْنَى، أَوْ سُكْنَى صَدَقَةٌ،
كل من أعطى شيئًا: مَنَحَ، فعلم أن العارية معناه اللغوي، والشرع مبني عليه، ولكن إذا نوى التمليك يثبت لأنه يحتمله.
قوله: (داري لك هبة ب) نصب هبة على الحال، وكذا في قوله: (سكنى هبة) بالنصب على الحال، أو بالتمييز فيهما فهي عارية، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد وأكثر أهل العلم؛ لأن قوله (داري لك ظ) اهرة في تمليك الرقبة، ويحتمل تمليك المنفعة، ألا ترى أنه ﵊ مر بحائط فأعجبه فقال: «لِمَنْ هَذا؟» قال: رافع بن خديج لي استأجرته، فقال ﵊: «لا تَسْتأجِرْهُ بشَيْءٍ مِنْهُ»، ولهذا لو حلف لا أسكن دار فلان يحنث بالإجارة والإعارة، فثبت أن لام الملك تحتمل تمليك المنفعة، فكان أول كلامه محتملا تمليك السكني.
وقوله: (سكنى محكم في تمليك المنفعة)؛ لأنه لا يحتمل تمليك الرقبة، وأنه خرج تفسيرًا لأول الكلام فيعتبر به حكم أول الكلام، وصار المحكم قاضيًا على المحتمل وكأنه قال: سكنى داري لك، فيكون عارية.
قوله: (لأن العارية محكم)، ومن حق الكلام أن يقول: لأن السكنى محكم في تمليك المنفعة كما ذكره في المبسوط، فإنه ذكر: لأن السكنى محكم، ولكن ذكر بعد هذه المسائل.
وكذا لو قال: هي لك هبة عارية، أو عارية هبة فهي عارية، قدم لفظ الهبة أو أخره لأنه محتمل يجوز أن يكون مراده هبة العين، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة، وقوله: عارية تفسير لذلك المبهم لأنه في نفسه محكم (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٦) وفيه: (وقوله: هبة سكنى، أو سكنى هبة، أو سكني صدقة، فهذا كله عارية؛ لما بينا أن قوله: سكنى تفسير للمجمل من كلامه؛ ألا ترى أنه لو قال: هي لك فاقبضها: كانت هبة، ولو قال: هي لك سكنى كانت عارية، وجعل قوله: سكني تفسيرا، وكذلك إذا زاد لفظة العُمرَى والهبة والصدقة، وإن قال: هي لك هبة عارية، أو هي عارية
[ ٧ / ١٧٢ ]
أَوْ صَدَقَةٌ عَارِيَّةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ هِبَةٌ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ. (وَلَوْ قَالَ: هِبَةٌ تَسْكُنُهَا … فَهِيَ هِبَةٌ)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى المَقْصُودِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: هِبَةُ سُكْنَى؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الهِبَةُ فِيمَا يُقْسَمُ إِلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةٌ، وَهِبَةُ المُشَاعِ فِيمَا لَا
ولما كان كذلك جاز أن يقع في قلب المصنف أنه ذكر لفظ العارية مقرونا بلفظ الهبة كما علل في المبسوط فذكر هكذا، أو تقدير الكلام: لأن السكنى الموضوعة للعارية محكم في تمليك المنفعة.
وقوله: (هبة تسكنها) في المبسوط: ولو قال: داري لك هبة تسكنها، أو قال: عُمْرَى تسكنها وسلمها إليه فهي هبة؛ لأن قوله تسكنها ليس بتفسير؛ إذ الفعل لا يصلح تفسيرًا للاسم، لكنه مشورة أشار عليه في ملكه، فإن شاء قبل مشورته وسكنها، وإن شاء لم يقبل، وهو بيان لمقصوده أنه ملك الدار عمره ليسكنها وإن لم يذكره لا يتغير به حكم التمليك، بمنزلة قوله: هذا الطعام لك تأكله، وهذا الثوب لك تلبسه، بخلاف قوله: هبة سكنى، أو سكنى هبة فإنه عارية لا تفسير له، فيجوز أن يتغير أول الكلام بآخره كما في الاستثناء والشرط.
قوله: (إلا محوزة)، ويعني بالمحوزة أن يكون مفرغًا عن أملاك الواهب حتى لا تصح هبة الثمر على رأس الشجر، والزرع في الأرض بدون الشجر والأرض، وكذا العكس عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يجوز في الوجهين.
فقوله: (مقسومة) احترازًا عن المشاع، قيل: في الفرق بين ما يقسم وما لا يقسم كل شيء يضره التبعيض، ويوجب نقصانا في ماليته فإنه لا يحتمل القسمة؛ كالدرهم، والدينار، فهبة بعضه جائز بلا خلاف.
وقيل: كل ما يفوت بالقسمة منفعته أصلا كالعبد، أو حبس منفعته كالحمام، والرحى فهو لا يحتمل القسمة.
_________________
(١) = هبة: فهي عارية، قدَّم لفظة الهبة، أو أخرها؛ لأنه محتمل لجواز أن يكون مراده هبة العين، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة، وقوله: عارية تفسير لذلك المبهم؛ لأنه في نفسه محكم لا يتناول إلا المنفعة).
[ ٧ / ١٧٣ ]
يُقْسَمُ جَائِزَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكِ، فَيَصِحُ فِي
وقيل: كل مشترك بين اثنين لو طلب أحدهما قسمته وأبى الآخر فالقاضي لا يجبره على القسمة فهو مما لا يحتمل القسمة.
ثم الشيوع المقارن للهبة فيما يحتمل القسمة مفسد لا الطارئ، حتى لو وهب شيئًا فرجع في بعضه تصح الهبة والعبرة في الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، حتى لو وهب مشاعًا، وسلم مقسومًا يجوز، وكذا لو وهب نصف الدار ولم يسلم ثم وهب النصف الآخر وسلمه جملة جازت الهبة، أو وهب تمرًا في نخل، أو زرعًا في أرض ثم سلم بعد ذلك مفرزًا يجوز، كذا في الذخيرة، وشرح الطحاوي، والإيضاح.
فعلى هذا قوله: (لا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة مقسومة) (^١) معدول عن ظاهره معناه: لا تثبت الهبة الملك فيما يقسم إلا محوزة مقسومة؛ لأن الهبة في نفسها فيما يقسم وقعت جائزة، ولكن غير مثبتة للملك قبل تسليمه مفرزا، ويتوقف ثبوت الملك إلى أمر آخر لا يسمى أن العقد غير جائز كالبيع بشرط الخيار.
قوله: (وقال الشافعي يجوز في الوجهين)، أي: فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل، وبه قال مالك، وأحمد واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فهذا يقتضي أن الصداق لو كان عينًا يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ويندب كل واحد من الزوجين إلى ترك الكل لآخر، وذلك من كل واحد هبة في المشاع.
وبما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي ﷺ وقد جاءه رجل معه كبة من شعر فقال: أخذت هذه من المغنم لأصلح بها برذعة، فقال ﵊: «ما كانَ لِي وَلِبَنِي عبد المطلب فهو لك» (^٢)، وبما روي أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من النبي ﵊ أن يرد
_________________
(١) انظر المتن ص ١٧٣.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٦٣ رقم ٢٦٩٤)، وأحمد (٢/ ١٨٤ رقم ٦٧٢٩). قال الهيثمي: رواه أبو داود باختصار كثير. رواه أحمد، ورجال أحد إسناديه ثقات. مجمع الزوائد (٦/ ١٨٨).
[ ٧ / ١٧٤ ]
المُشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المُشَاعَ قَابِلٌ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ المِلْكُ فَيَكُونُ مَحَلَّا لَهُ، وَكَوْنُهُ تَبَرُّعًا لَا يُبْطِلُهُ الشُّيُوعُ كَالقَرْضِ وَالوَصِيَّةِ. وَلَنَا: أَنَّ القَبْضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الهِبَةِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُهُ، وَالمُشَاعُ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا بِضَمٌ غَيْرِهِ إِلَيْهِ،
عليهم ما غنمه منهم فقال ﵊: «ما كانَ لِي وَلِبَنِي عبد المطلب فهو لَكُمْ»، رواه البخاري (^١)، وهذا هبة مشاع، ولأن الشائع محل لما هو موجب هذا العقد وهو الملك فيكون محلا للعقد؛ إذ الشرط في محل أضيف إليه العقد أن يكون محلا لحكم العقد وقد وجد، ولهذا يجوز فيما لا يحتمل القسمة بالإجماع.
قوله: (كالبيع بأنواعه)، أي: من الصحيح، والفاسد، والصرف، والسلم وغيرها.
قوله: (قابل لحكم) التمليك.
وقوله: (وكونه تبرعًا) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: البيع لا يفتقر إلى القبض بخلاف الهبة فإنه عقد تبرع، ويحتاج إلى القبض، فلو قلنا بجوازه في المشاع يلزم في ضمنه وجوب ضمان القسمة ولم يتبرع به، فقال: كونه عقد تبرع لا يمنعه الشيوع؛ كالقرض، والوصية؛ فإنه لو دفع ألفًا إلى رجل على أن يكون نصفه قرضًا ويعمل في النصف الآخر بشركته يجوز ذلك، مع أن القبض شرط لوقوع الملك في القرض.
ثم لا تشترط القسمة وكذا الوصية تبرع بعد الموت، والشيوع لا يمنعه، وكذا القبض شرط في البيع الفاسد عندكم، مع أنه يصح في الشائع، وكذا في بدل الصرف ورأس مال السلم فإن القبض شرط، والمشاع يصلح رأس مال السلم وبدل الصرف، وكذا يصح في المشاع الذي لا يحتمل القسمة مع أن القبض شرط.
قوله: (أن القبض منصوص عليه)، وهو قوله ﵊: «لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ٩٩) رقم (٢٣٠٧) بنحوه من حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة ﵂. وأخرجه أبو داود (٣/ ٦٣ رقم ٢٦٩٤)، والنسائي (٦/ ٢٦٢) رقم (٣٦٨٨) بلفظه من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃
[ ٧ / ١٧٥ ]
وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ، وَلِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إِلْزَامَهُ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَهُوَ مُؤْنَةُ القِسْمَةِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ جَوَازُهُ قَبْلَ القَبْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّسْلِيمُ بِخِلَافِ مَا لَا يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّ القَبْضَ القَاصِرَ هُوَ المُمْكِنُ فَيُكْتَفَى بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ القِسْمَةِ.
تجوز الهبةُ إِلَّا مَقبوضةٌ» (^١)، فيراعى وجوده على أكمل الجهات؛ كشرط استقبال القبلة في الصلاة لمّا كان منصوصًا عليه يشترط الكمال فيه، حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته لأنه من البيت بالسنة، وهذا لأن الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا، وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال.
ثم القبض مع الشيوع ثابت من وجه دون وجه؛ لأن القبض عبارة عن الحيازة وهو أن يصير الشيء في حيز القبض، والمشاع في حيزه من وجه دون وجه؛ لأنه في يده من وجه، وفي يد شريكه من وجه، فتمام الحيازة بالقسمة فيما يحتمل القسمة؛ لأنها إقرار في مكان عين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاجتماع، ولا اجتماع إلا بالحيازة، فما لم يجتمع لا يصير محوزه على الحقيقة في يده.
(وذلك)، أي: المجتمع في ملكه غير موهوب؛ لأنه غير مشاع والموهوب مشاع، فيمتنع تمام الحيازة لما هو له، ولأن ما للغير غير محوز له من طريق الحكم، فإذا لم تتحقق الحيازة في حق ملك الغير وحقه لا يصير محوزًا إلا بغيره صارت الحيازة ناقصة، فلا تنهض لإفادة الملك.
(ولأن في تجويزه)، أي: في تجويز عقد الهبة في المشاع (التزامه)، أي: للواهب المتبرع شيئًا لم يلزمه فيصير عقد التبرع سببًا لوجوب الضمان على المتبرع؛ لأنه لو ملك قبل القبض لطالبه بالتسليم إليه، وكذا لو ملكه قبل القسمة لطالبه بالقسمة، فيصير عقد التبرع (^٢) موجبًا ضمان المقاسمة عليه وهو خلاف موضوع التبرع، بخلاف ما لم يقسم؛ لأن القبض لا يتصور فيه إلا ناقصا فيكتفى به؛ لأنا لو اعتبرنا الكمال فيه لانسد باب الهبة فيه، أما فيما يحتمل القسمة فيتصور التسليم فوقه فلا يكتفى بالقاصر منه.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) وقع في الأصل تكرار مقدار سطر، وضبطناه من النسخة الثانية.
[ ٧ / ١٧٦ ]
وَالمُهَايَأَةُ تَلْزَمُهُ فِيمَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَهُوَ المَنْفَعَةُ، وَالهِبَةُ لَاقَتْ العَيْنَ، وَالوَصِيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا القَبْضُ، وَكَذَا البَيْعُ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا البَيْعُ الفَاسِدُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَالقَبْضُ فِيهَا غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا عُقُودُ ضَمَانٍ فَتُنَاسِبُ لُزُومَ مُؤْنَةِ القِسْمَةِ، وَالقَرْضُ
وقوله: (والمهايأة)، إلى آخره جواب سؤال يرد على قولنا أنه يلزم في جواره مؤنة القسمة وهو لم يتبرع به، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأنه يلزم المهايأة وهو لم يتبرع به.
فقال: المهايأة تلزمه في المنفعة لا في العين، فلم يكن ذلك ضمانًا في عين ما تبرع به بل هذه من ضرورات الانتفاع بملكه.
ولا يردّ على هذا ما لو أتلف الموهوب بعد التسليم حيث يضمن قيمته للموهوب له، لأن ذلك الضمان يلزمه بالإتلاف لا بعقد التبرع، وضمان المقاسمة هاهنا وإن كان بالملك فذلك الملك حكم الهبة فلا يمنع إضافة الضمان إلى الهبة، كما أن شراء القريب إعتاق وإن كان العتق بسبب الملك؛ لأن ذلك الملك حكمه، كذا في المبسوط (^١).
وهذا التعليل لا يتمشى في جميع الفصول ذكره في المبسوط وأجيب بأن وجود العلة يراعى في جنس الحكم لا في كل صورة، وإليه أشار في الكتاب بقوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع).
قوله: (فالقبض فيها، أي: في العقود الثلاثة غير منصوص عليه)؛ لأن النص جاء باشتراط القبض فيها، أما قوله ﵊: «بعد أن يكون يدا بيد» (^٢) لبيان التعيين، إلا أن التعيين في الثمنين لا يحصل إلا بالقبض، وكذا في السلم قبض رأس المال للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، فإذا لم يكن منصوصًا لا يشترط كماله، بل يراعى وجوده فقط؛ لأن القبض فيها شرط بقاء العقد على الصحة لا شرط الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٥).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١) رقم (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
[ ٧ / ١٧٧ ]
تَبَرُّعُ مِنْ وَجْهِ وَعَقْدُ ضَمَانٍ مِنْ وَجْهِ، فَشَرَطْنَا القَبْضَ القَاصِرَ فِيهِ دُونَ القِسْمَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، عَلَى أَنَّ القَبْضَ غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ.
قوله: (تبرع من ووجه) بدليل أنه لا يصح ممن لا يصح منه التبرع؛ كالصبي والعبد.
وعقد ضمان من وجه بدليل أن المستقرض مضمون بالمثل، فلا يبعد أن يتعلق به ضمان المقاسمة، ثم لشبهه بالتبرع شرطنا فيه القبض، ولشبهه بعقد الضمان لا يشترط فيه القسمة عملا بالشبهين، ولأن شرط القبض فيه غير منصوص عليه ليراعى وجوده على أكمل الجهات، كذا في المبسوط (^١).
وأما الجواب عن الآية أن المعقول حقيقة وذلك في الدين دون العين، وإسقاط الدين جائز مشاعًا كان أو غير مشاع؛ لأنه غير محتاج إلى القبض.
ثم في العين كل واحد منهما مندوب إلى العفو عندنا، ولكن بطريقة وذلك بأن يهب نصيبه لصاحبه بعد القسمة، وليس في الآية ما يمنع ذلك.
وكذا الجواب عن حديث وفد هوازن، يعني: «مَا كانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطلب بعدَ القِسْمَةِ لَكُمْ» (^٢)، مع أن هذا امتناع عن تمام الملك بالقبض.
وعن حديث الكبة الشعر (^٣)، إنما قال ذلك ﵊ على وجه المبالغة في النهي عن الغلول، أي: لا أملك إلا نصيبي فكيف أطيب لكم هذه الكبة من الغنيمة.
ألا ترى أنه لا يصح لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة؛ لأنه لا يدري أين يقع نصيبه؟ وكان ذلك مما لا يحتمل القسمة؛ فإن الكبة من الشعر إذا قسمت بين جند عظيم لا يصيب كل واحد منهما ما ينتفع به.
وأما الجواب عن قياسه بالبيع وغيره فقد ذكرنا الفرق بين الهبة وغيرها، فلا يصح القياس مع وجود الفارق المانع عن القياس، إليه أشار في المبسوط، والأسرار (^٤).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٦).
[ ٧ / ١٧٨ ]
(وَلَوْ وَهَبَ مِنْ شَرِيكِهِ لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّ الحُكْمَ يُدَارُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا مُشَاعًا فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ. قَالَ: (وَلَوْ وَهَبَ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ، أَوْ دُهْنَا فِي سِمْسِمِ: فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ فَإِنْ طَحَنَ وَسَلَّمَ: لَمْ يَجُزْ) وَكَذَا السَّمْنُ فِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ المَوْهُوبَ مَعْدُومٌ،
قوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع)، وهذا في الحقيقة جواب عن قول ابن أبي ليلى فإن عنده هبة المشاع فيما يحتمل القسمة يجوز في الشريك لعدم استحقاق ضمان القسمة على المتبرع.
فقلنا: إن الحكم يدار على الشيوع فلا يلزم وجود حكمة الحكم في كل الصور، أو لعدم جواز الهبة في المشاع سببان، أحدهما: استحقاق ضمان القسمة، والثاني: أن القبض ناقص في الشائع، ولهذا قلنا إن التعليل بنقصان القبض يتمشى في كل الصور.
قوله: (فالهبة فاسدة)، وفي النهاية: لفظ الفساد هاهنا معدول عن ظاهره، بل معناه الهبة لا تثبت الملك، كما ذكرنا في أول المسألة.
ومعنى قوله: (جاز)، أي: يثبت الملك حينئذ.
ثم في الهبة الفاسدة لو قبضه مشاعًا هل يضمنه الموهوب له عند الهلاك؟ ذكر ابن رستم أنه يضمن ولا يفيد الملك، وبه أخذ الطحاوي، وقال عصام: يفيد الملك ولا تكون مضمونة في يده، وبه أخذ بعض المشايخ، كذا في فتاوى قاضي خان (^١).
قوله: (لأن الموهوب معدوم)، والعقد المضاف إلى المعدوم لغو، فلا ينعقد العقد إلا بالتجديد.
فإن قيل: الدهن إن لم يكن موجودًا في السمسم قبل العصر وجب أن يجوز بيع الدهن بالسمسم مطلقا بلا اشتراط أن يكون الدهن الصافي أكثر مما في السمسم، ويجوز بيعه بالاعتبار، فدل أن الدهن موجود فيه.
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (٣/ ١٤٦).
[ ٧ / ١٧٩ ]
وَلِهَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَهُ الغَاصِبُ بِمِلْكِهِ، وَالمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلِّ لِلْمِلْكِ، فَوَقَعَ العَقْدُ بَاطِلًا، فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ المُشَاعَ مَحَلُّ لَلتَّمْلِيكِ، وَهِبَةُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ، وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّمْرِ فِي النَّخِيلِ: بِمَنْزِلَةِ المُشَاعِ؛
قلنا: حدوث الدهن يضاف إلى العصر لأنه آخر المدارين، إلا أنه لا بد من وجود الدهن لا محالة فتثبت شبهة ثبوته بالسمسم قبل العصر، والشبهة كالحقيقة في باب الربا ولكن لا يكتفى لصحة الهبة.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز البيع بالاعتبار أيضًا؛ لأن العقد لا ينعقد إلا في الموجود.
قلنا: هذا لا يلزمنا لأن كل واحد من الدهن والسمسم موجود فلا يكون بيع الموجود بالمعدوم، وفيه نوع تأمل.
بخلاف ما تقدم وهو المشاع فإنه ينقلب العقد جائزا لأن المشاع موجود وقت العقد، ويتصور القبض منه لكن لا على سبيل الكمال، ولهذا يصح بيعه بالإجماع.
قوله: (وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم) إلى قوله: (بمنزلة المشاع)، يعني لا يجوز كما في المشاع، ويجوز عند الأئمة الثلاثة.
ثم عندنا إذا حلب اللبن، وجز الصوف وسلّمه، وقبضه الموهوب له يملكه استحسانًا؛ كما في المشاع إذا وهبه وسلّمه، وكذا لو قطع الثمر والزرع وسلمها؛ لأن امتناع الجواز للاتصال لا لكونها معدومًا، بدليل أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل للتمليك حتى يجوز الصلح عليه عند أبي يوسف، وباعتبار كونه بمنزلة الشائع وبالفضل ينعدم الشيوع، كذا في المبسوط (^١).
وفي الذخيرة: الأصل في جنس هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام القبض، والقبض الناقص يمنع صحة الهبة؛ كما في المشاع
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٧).
[ ٧ / ١٨٠ ]
لِأَنَّ امْتِنَاعَ الجَوَازِ لِلاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ القَبْضَ كَالشَّائِعِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ العَيْنُ فِي يَدِ المَوْهُوبِ لَهُ: مَلَكَهَا بِالهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا
عندنا، وذلك لأن الموهوب ما دام مشغولًا بملك الواهب كانت يد الواهب قائمة عليه، وقيام يده عليه تمنع تمام يد الموهوب، فيمنع إتمام قبضه.
فإذا ثبت هذا لو وهب دارًا فيها متاع الواهب، أو وهب جرابًا أو جوالقا فيها طعام الواهب فالهبة غير تامة فتقع فاسدة، ولا معتبر بالشغل وقت العقد إذا وقع التسليم فارغا مفرزًا، ويعتبر الإذن بالقبض بعد التفرغ، ولا يكفي قوله: سلمتها إليك، مع الشغل.
أما لو وهب ما في الدار وما في الجوالق والجراب من الطعام فالهبة تامة؛ لأن الموهوب هاهنا شاغل لملك الواجب، وليس بمشغول بملكه، وذلك لا يوجب يدا للواهب أكثر ما فيه أن يد الواهب قائمة على الدار، والجوالق والجراب والمتاع والطعام فيها، إلا أن هذه الأشياء تابعة، وآلة تحفظ ما فيها، وقيام اليد على التبع لا يوجب قيام اليد على الأصل، ولا كذلك المسألة الأولى.
ونظيره ما لو وهب جارية وعليها حُلِيّ فوهبها دون حليها وسلّمها، فالهبة فيها تامة، وكذا الدابة وعليها سرج أو لجام، أو وهب السرج واللجام دون الدابة.
قوله: (وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها)، ولا يعلم فيه خلاف، والأصل أنه متى تجانس القبضان ناب أحدهما عن الآخر؛ لأن التجانس دليل التشابه والمتشابهان ينوب كل واحد عن الآخر، وإذا تغايرا ناب الأعلى عن الأدنى؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة، فوجد القبض المحتاج إليه وزيادة شيء.
والأدنى لا ينوب عن الأعلى؛ لأن الأدنى مع الأعلى قدر بعضه، والمحتاج إليه كله ولم يوجد فلا ينوب وهذا معنى قولهم: ومتى اختلف القبضان ناب المضمون عن غير المضمون، ولا ينوب غير المضمون عن المضمون، فعلى هذا لو كانت في يده وديعة أو عارية أو أمانة فوهبه منه يملكه،
[ ٧ / ١٨١ ]
قَبْضًا)؛ لِأَنَّ العَيْنَ فِي قَبْضِهِ وَالقَبْضُ هُوَ الشَّرْطُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ مِنهُ؛ لِأَنَّ القَبْضَ فِي البَيْعِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ الأَمَانَةِ، أَمَّا قَبْضُ الهِبَةِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَيَنُوبُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ الأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ هِبَةٌ: مَلَكَهَا الِابْنُ بِالعَقْدِ)؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الأَبِ، فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الهِبَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ مُودِعِهِ؛
ولا يحتاج إلى قبض آخر، ولو باعه منه لا ينوب هذا القبض عن قبض البيع؛ لأن قبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان، كذا في شرح الطحاوي، والذخيرة (^١).
وذكر أبو نصر في شرحه: لو كان مضمونًا في يده بغيره كالمبيع والمرهون لا ينوب عن قبض الواجب بالهبة، ولا بد من تجديد القبض، ولو كان مضمونًا في يده بالقيمة والمِثْل كالمقبوض على سوم الشراء والمغصوب فوُهِبَ له، ثبت الملك، ولا يحتاج إلى تجديد القبض؛ لوجود أصل القبض وزيادة، والقبض الجديد أن يرجع إلى موضع فيه العين ويمضي وقت يتمكن من قبضه.
قوله: (ولو وهب لابنه الصغير) إلى آخره، وفي المبسوط: وهب لابنه شيئًا معلوما في يده جاز ذلك، وقبض الأب يكفي فيه بلا قبول الأب، والإشهاد عليه للاحتياط والتحرز عن جحود سائر الورثة بعد موته، أو بعد إدراكه (^٢).
وفي الذخيرة: تصح الهبة من غير قبول الأب إذ كل عقد يتولاه الواحد يكتفى فيه بالإيجاب؛ كبيع الأب ماله لابنه الصغير.
(لأنه في قبض الأب،) أي: الموهوب في قبضه فينوب عن قبض الابن الصغير ولا يعلم فيه خلاف.
وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض جديد (^٣).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٥/ ٢٤٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٨/ ١٦٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦١).
(٣) التمهيد (٧/ ٢٤١).
[ ٧ / ١٨٢ ]
لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ مَبِيعًا بَيْعًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ،
أما هل يحتاج إلى القبول لابنه فقال الشافعي، والقاضي الحنبلي: لا بد أن يقول بعد قوله: وهبته له، قبلته، وظاهر مذهب أحمد لا يحتاج إلى هذا كقولنا (^١)، وقال مالك: لو وهبه ما لا يعرف بعينه كالأثمان، إلا أن يضعها على يد غيره ويشهد عليه، وعند القاضي لا فرق بين الأثمان وغيرها (^٢).
قوله: (لأن يده)، أي: يد المودع (كيده)، أي: كيد المودع حكما فيمكن أن يجعل قابضًا لولده باليد التي هي قائمة مقام يده.
فإن قيل: لو وهب الوديعة من المودع يجوز، فلو كانت يده كيد المودع لم يكن قابضًا لنفسه.
قلنا: اليد للمودع حقيقة، فباعتبار هذه الحقيقة نجعله قابضًا لنفسه بحكم يده، ويده قامت مقام يد المودع ما دام هو في الحفظ عاملًا للمودع، وذا قبل التمليك بالهبة، فأما بعده فهو عامل لنفسه.
قوله: (لأنه في يد غيره)، أي: غير الأب فلا ينوب قبض المرتهن والغاصب عن قبض الهبة للولد.
وقوله: (لأنه في يده) كلام تام باسم أن وخبره: (أو في ملك غيره)، أي: الموهوب في ملك غير الأب، أي: في البيع الفاسد فلا ينوب قبض المشتري بالشراء الفاسد عن قبض الهبة للولد.
وفي الذخيرة: أرسل غلامه في حاجة، ثم بعد الإرسال وهبه صحت الهبة إذ بعد الإرسال في يد مولاه حكمًا، فلو لم يرجع العبد حتى مات الأب فالعبد للولد، ولا يصير ميرانا، وكذا لو وهب عبدًا آبقا له من ابنه الصغير، فما دام مترددًا في دار الإسلام تجوز الهبة، والأب قابض له بنفس الهبة.
وفي المنتقى عن محمد لو وهبه داره لابنه الصغير وفيها ساكن بأجر لا
_________________
(١) انظر: الإنصاف للمرداوي (٧/ ١٢٥).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (٤/ ٤٠٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١٣/ ٣٥٩).
[ ٧ / ١٨٣ ]
وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا مِثْلُ الهِبَةِ، وَكَذَا إِذَا وَهَبَتْ لَهُ أُمُّهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهَا وَالْأَبُ مَيِّتٌ وَلَا وَصِيَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَعُولُهُ.
(وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ هِبَةٌ: تَمَّتْ بِقَبْضِ الأَبِ)؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَلَيْهِ الدَّائِرَ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّائِرِ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَ المَنَافِعَ.
يجوز، ولو كان بغير أجر يجوز؛ إذ يد الساكن بأجر يمنع قبض غيره فيمنع تمام الهبة، وبغير أجر لا يمنع فلا يمنع تمام الهبة.
قوله: (وكذا كل من يعوله)؛ كالأخ، والعم والأجنبي، أي: قبض الهبة يصح لأجل اليتيم كل من يعوله، وعند الأئمة الثلاثة: إذا وهب للصبي غير الأب من الأولياء لا بد أن يوكل من يقبله له، ويقبضه له؛ ليكون الإيجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع، بخلاف الأب فإنه يجوز أن يوجب، ويَقْبَلَ، ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه.
قال ابن قدامة الحنبلي: والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء، كقولنا لأنه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله فجاز له أن يتولى طرفيه كالأب، بخلاف البيع فيكون عاقد لنفسه (^١).
وفي النهاية: أطلق في الكتاب فقال: يصح من كل من يعوله، ولكن ذكر في الإيضاح: إذا كان الأب أو وصيه، أو الجد أو وصيه في الحياة لا يجوز قبض غيرهم ممن يعوله من الأجنبي، أو ذي رحم محرم؛ لأن ولاية التصرف لهؤلاء الأربعة، فقيام ولاية من يملك التصرف في ماله تمنع ثبوت حق القبض له لغيرهم.
فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من في عياله؛ لأنه إذا كان في عياله فله عليه ضرب ولاية، ولهذا يؤدبه، ويسلمه في الصناعة، وله حق الحضانة، ولا يجوز قبض من ليس في عياله وإن كان ذا رحم محرم لفوات الولاية، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعندهم يجوز للحاكم أو أمينه بأمره أن يقبض للصبي.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٦/ ٥١).
[ ٧ / ١٨٤ ]
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ لِلْيَتِيمِ هِبَةٌ فَقَبَضَهَا لَهُ وَلِيُّهُ، وَهُوَ وَصِيُّ الأَبِ أَوْ جَدُّ اليَتِيمِ أَوْ وَصِيُّهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الأَبِ (وَإِنْ كَانَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ فَقَبْضُهَا لَهُ جَائِرٌ)؛ لِأَنَّ لَهَا الوِلَايَةَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِهِ وَحِفْظِ مَالِهِ. وَهَذَا مِنْ بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى إِلَّا بِالمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ وِلَايَةِ التَّحْصِيلِ (وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَجْنَبِيٌّ يُرَبِّيهِ)؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ مَا يَتَمَتَّضُ نَفْعًا فِي حَقِّهِ (وَإِنْ قَبَضَ الصَّبِيُّ الهِبَةَ بِنَفْسِهِ: جَازَ) مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا؛ لِأَنَّهُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ. وَفِيمَا وُهِبَ لِلصَّغِيرَةِ: يَجُوزُ قَبْضُ زَوْجِهَا لَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ لِتَفْوِيضِ الأَبِ أُمُورَهَا إِلَيْهِ دَلَالَةٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الرِّفَافِ،
قوله: (وهو) أي: الصبي (من أهله)، أي: من أهل تصرف يتمحض بفعاله.
وفي المبسوط: هذا جواب الاستحسان وهو قولنا، أما في القياس لا يجوز قبضه بنفسه وإن كان عاقلا، وهو قول الشافعي لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ؛ لأن ولاية الغير عليه لا تزول عنه قبل البلوغ، خصوصا فيما يمكن تحصيله بفعل الغير؛ لأن اعتبار عقله للضرورة، ولا ضرورة فيما يمكن تحصيله بفعل الغير، وفيما لا يمكن تحصيله بفعل الغير كإسلامه، واختياره أحد الأبوين، ووصيته يعتبر عقله لدفع الضرر عنه.
وجه الاستحسان: أن عدم اعتبار عقله للنظر ودفع الضرر عنه، وذلك فيما كان مترددًا بين النفع والضرر، أما في النافع المحض يعتبر عقله، ويلحق بالبالغ كما في كسبه للمباحات (^١)، وبه قال أحمد، وفي رواية عن أحمد: إن قبضه بإذن الولي صح.
قلنا: يصح قبضه بحضور الأب وبغير حضوره لأنه ينفتح عليه بأمان في تحصيل هذه المنفعة ولهذا يملك بقبض الأب أيضًا.
قوله: (بعد الزفاف)، لأن قبل الزفاف لا يكون له عليها يد مستحقة، وبعده
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٢).
[ ٧ / ١٨٥ ]
وَيَمْلِكُهُ مَعَ حَضْرَةِ الأَبِ، بِخِلَافِ الأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْرِيضِ الأَبِ، وَمَعَ حُضُورِهِ لَا ضَرُورَةَ.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ)؛ لِأَنَّهُمَا سَلَّمَاهَا جُمْلَةٌ، وَهُوَ قَدْ قَبَضَهَا جُمْلَةٌ، فَلَا شُيُوعَ (وَإِنْ وَهَبَهَا وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
يكون له عليها يد مستحقة؛ لأنه يعولها، فقد ذكر الزفاف في الكتاب، وذكر في الإيضاح الدخول.
وفي الذخيرة وشرط في قبض الزوج على زوجته الصغيرة أن يكون يجامع مثلها، حتى لو لم يجامع مثلها لا يصح قبض الزوج عليها عند بعض أصحابنا، والصحيح أنه إذا كان يعولها يصح قبضه عليها يجامع مثلها أو لا (^١)؛ لأنه لما زفت إليه أقام الأب الزوج مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها، وقبض الهبة من باب الحفظ، ولكن بهذا لا تمتنع ولاية الأب، حتى إذا قبض الأب صح أيضًا لقيام ولايته، وليس هذا كصغير سلمه أبوه إلى أجنبي يعوله؛ لأنه لا يثبت له عليه استحقاق اليد، ولا كذلك الزوج، ولو أدركت لم يجز قبض الزوج والأب لأنها صارت ولية نفسها حتى بلغت عاقلة، كذا في المبسوط (^٢).
وقوله: (في الصحيح) متعلق بقوله: (ويملكه) أي الزوج مع (حضرة الأب)، وهذا احترازًا عما ذكر في الإيضاح بقوله: وتأويل المسألة أن قبض الزوج إنما يصح إذا لم يكن الأب حيا، هكذا ذكر في الحاكم في مختصره.
وبقوله: (لا بتفويض الأب) يحترز عن تصرف الزوج، لما ذكرنا أن ولاية الزوج بتفويضه أمورها دلالة إليه، أما قبض غير الأب عليه إنما يصح للضرورة، ولا ضرورة عند حضور من له ولاية عليه، كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (وإن وهب اثنان لواحد) إلى آخره لا خلاف فيه لأحد.
_________________
(١) الذخيرة البرهانية لابن مازة (٩/¬٣٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٢).
[ ٧ / ١٨٦ ]
وَقَالَا: يَصِحُ) (*)؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ الجُمْلَةِ مِنهُمَا، إِذْ التَّمْلِيكُ وَاحِدٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، كَمَا إِذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ. وَلَهُ: أَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ فَقِبَلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ، وَلِأَنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُهُ، وَعَلَى هَذَا الاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ
قوله: (وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(كما إذا رهن من رجلين)، يعني رهن داره من رجلين مشاع لا تحتمل القسمة، ولأن الشيوع إنما يؤثر إذا وجد في الطرفين جميعًا، فأما إذا حصل في أحد الطرفين فلا يؤثر؛ لأنه لا يلحق بالمتبرع ضمانًا، وأبو حنيفة يقول - وهو قول زفر -: إن هذه هبة النصف، ولهذا يثبت الملك في النصف لهذا، وفي النصف لهذا بالإجماع، ومتى ثبت الملك لهما شائعًا ثبت أن التمليك وقعه شائعًا إذ الملك حكم التمليك، ومتى حكمنا بثبوت الملك في النصف لهذا، وفي النصف لهذا فقد حكمنا بأنه تمليك النصف من هذا، والنصف من هذا فقد تحقق الشيوع، وذلك غير موجب للملك فيما يحتمل القسمة، وصار كما لو وهب النصف لكل واحد بعقد على حدة.
فإن قيل: التمليك يحصل بالتسليم، ولا شيوع فيه دون القبض، والملك يتعلق بالقبض لنفي الضمان عن المتبرع فوجب أن يعتبر جانبه - وهو التسليم - لا جانب القبض.
قلنا: التسليم إنما يعتبر إذا حصل به التمكن من القبض على سبيل الكمال، ولأنه طريق للقبض، فإذا لم يتمكن هو من القبض بصفة الكمال لم يعتبر التسليم، كذا في المبسوط، والإيضاح (^١).
قوله: (ولهذا لو كانت)، أي: الهبة فيما لا يحتمل القسمة فقبل أحدهما صح وإن لم يقبل الآخر، بخلاف ما إذا باع من اثنين فقبل أحدهما حيث لا يصح.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٧).
[ ٧ / ١٨٧ ]
الشُّيُوعُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الحَبْسُ، وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا، إِذْ لَا تَضَايُفَ فِيهِ فَلَا شُيُوعَ، وَلِهَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى مُحْتَاجَيْنِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا جَازَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَنِيَّيْنِ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا: لَمْ يَجُزْ، وَقَالَا: يَجُوزُ لِلْغَنِيَّيْنِ أَيْضًا) جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازًا عَنْ الآخَرِ، وَالصَّلَاحِيَّةُ ثَابِتَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ فِي الحُكْمِ.
قوله: (بخلاف الرهن لأن حكمه الحبس)، ويتصور أن يكون ملك الحبس ثابتًا لكل واحد على الكمال؛ إذ لا تضايق في الحبس، فيجوز أن يكون العين محبوسًا بحق هذا على الكمال، وبحق هذا على الكمال بخلاف ملك العين فإنه لا يتصور إثباته لكل واحد على الكمال، وبخلاف الإجارة من رجلين فإنها جائزة عنده، مع أن إجازة نصف الدار باطلة؛ لأن المانع ثمة استحقاق عود المستأجر إلى يد المؤجر في مدة الإجارة بحكم المهايأة، وذا لا يوجد في الإجارة من اثنين.
ولهذا جاز إجارة أحد الشريكين من شريكه بخلاف الهبة، ولأن المانع من إجارة المشاع تعذر استيفاء المنفعة التي ينالها العقد من الجزء الشائع وذلك لا يوجد في الإجارة من اثنين، وعدم جواز الهبة من اثنين باعتبار نقصان القبض بسبب الشيوع لا باعتبار ضمان المقاسمة على المتبرع، والدليل على أنه لا اعتماد هنا على انتفاء ضمان المقاسمة عن الواهب أن اثنين لو وهبا لاثنين على أن يكون نصيب أحدهما لأحدهما بعينه، ونصيب الآخر للآخر بعينه لا يجوز بالإجماع، وليس على الواهبين ضمان المقاسمة، كذا في المبسوط وغيره (^١).
قوله: (جعل)، أي: أبو حنيفة، (وفرق)، أي: أبو حنيفة في رواية الجامع بين الصدقة والهبة في الحكم حيث جوز الصدقة على الفقيرين، ولم يجوز الهبة على الغنيين.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٦٨).
[ ٧ / ١٨٨ ]
وَفِي الأَصْلِ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ مَانِعٌ فِي الفَصْلَيْنِ، لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى القَبْضِ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالهِبَةُ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ الغَنِيٌّ وَهُمَا اثْنَانِ. وَقِيلَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالمُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي الأَصْلِ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيْنِ.
(وفي الأصل)، أي: المبسوط (سوى)، حيث لم يجوز الصدقة على شخصين مطلقًا بقوله: (وكذلك الصدقة)، أي: لا تجوز الصدقة على رجلين عنده كما لا تجوز الهبة والظاهر أن المراد الصدقة على الفقيرين، وكان لفظ الصدقة هاهنا حقيقة.
قال الحاكم: يحتمل أن يكون مراده من قوله (وكذلك الصدقة) على الغنيين فيكون ذلك بمنزلة الهبة؛ لأن فعل الهبة للفقير صدقة، والصدقة على الغني هبة، والأظهر أن في المسألة روايتين، ووجه رواية الأصل ما بينا أن تمام الصدقة بالقبض كالهبة، وقبض كل واحد يلاقي شائعًا فلا تتم به الصدقة كما تتم به الهبة.
قوله: (على هذه الرواية) أي: رواية الجامع الصغير أن الصدقة تقع الله تعالى، ولهذا لم يكن فيها رجوع، وإنما للفقير نيابة عن الله تعالى بحكم الرزق الموعود، وهو واحد لا شريك له، فلا يتمكن الشيوع فيها؛ كالهبة إذا وقعت لواحد وقبضها اثنان بحكم الوكالة عن الموهوب له فلا يمكن الشيوع، بخلاف الهبة.
ألا ترى أن جهالة المتصدق عليه لا تمنع الهبة، حتى إذا أوصى بثلث ماله على الفقراء يجوز بخلاف ما لو أوصى لقوم لا يحصون من الفقراء وكذا إذا أوصى بعين لفلان وللفقراء فنصفه لفلان ونصفه للفقراء باعتبار أن الصدقة لله تعالى لا للفقير.
قوله: (وقيل …، والمراد من المذكور في الأصل الصدقة على غَنِيَّين) فكان لفظ الصدقة حينئذ مجازا عن الهبة، فعلى هذا التأويل لا مخالفة بين الروايتين فلا يحتاج إلى الفرق.
[ ٧ / ١٨٩ ]
وَلَوْ وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ دَارًا لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَاهَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا: لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ. وَلَوْ قَالَ: لِأَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرِ نِصْفُهَا، عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَكَذَا مُحَمَّدٌ.
قوله: (وقال محمد يجوز)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (عن أبي يوسف فيه روايتان)، وفي الذخيرة، والإيضاح وغيرهما: حاصل هذه المسائل عند أبي يوسف هو إن وهب لرجلين وأجمل ثم فصل - بالصاد المهملة -، وكان تفصيله على طريق التفاضل؛ كالثلث، والثلثين لا يجوز عنده، ولو فصل وسوى النصيبين يجوز عندهما خلافًا لأبي يوسف.
ولو ابتدأ بالنصف من غير سابقة الإجمال بأن قال: وهبت لهذا نصفها، ولهذا نصفها لم يجز بلا خلاف، ولكن ذكر في الكتاب عن أبي يوسف روايتان.
أما لو فصل ابتداءً على طريق التفاضل لم يذكر في هذا الكتاب فينبغي أن لا يجوز عندهما، كما لو فصل ابتداءً وسوى بين النصيبين على ما ذكره في عامة النسخ. قوله: (فأبو حنيفة مر على أصله، وكذا محمد)، لأن هذه هبة واحدة من رجلين نص على التفاضل، أو التساوي أو لا، ألا ترى أن في البيع من رجلين يجعل بيعًا واحدًا منهما نص على التفاضل أو لا، فكذا هاهنا.
وأبو يوسف يقول: إنما جوزنا الهبة لاثنين على تقدير أنه لم يقصد به إثبات الحكم في الأبعاض، فإذا نص على الأبعاض على التفاوت علمنا أن قصده إثبات الحكم في البعض لهذا، والبعض لهذا فيدخل فيه الشيوع، ولهذا جوزنا الرهن من اثنين عند عدم التعرض للأبعاض، وإذا تعرض بأن قال: رهنتكما هذا الشيء على أن يكون النصف رهنا عند هذا، والنصف الآخر عند هذا كان فاسدا؛ لأن بالتفصيل يتفرق العقد، فكذا هاهنا.
أما إذا نص على التناصف فقد أمكن تصحيح العقد بجعل هذا مجازا عن موجب العقد؛ لأن مطلق العقد يقتضيه، فلا تكون حالة التفصيل مخالفا لحالة الإجمال فيصير التفصيل لغوا فلا يختلف العقد، فلم يعتبر شيوعًا في العقد، بخلاف ما إذا نص على التفاوت في العقد حيث يفسد العقد؛ لأن التفصيل
[ ٧ / ١٩٠ ]
وَالفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الأَبْعَاضِ يَظْهَرُ أَنَّ قَصْدَهُ ثُبُوتُ المِلْكِ فِي البَعْضِ، فَيَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، وَلِهَذَا: لَا يَجُوزُ إِذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَصَّ عَلَى الْأَبْعَاضِ.
مخالف الإجمال فيجب اعتباره فيتفرق العقد.
وفي الأسرار: وكلام محمد أوضح؛ لأن افتراق الملك في الهبة ثابتة بنفس العقد هاهنا، ولا يثبت بالتفصيل كما لو قال نصفين، وإنما يثبت بالتفصيل التفاصيل في النصيب والمبطل للهبة نفس الشيوع لا شيوع بأنصباء متفاوتة، وتأخير دليل محمد في المبسوط دليل على أن اختياره قول محمد.
وفي النهاية: في تعليل أبي يوسف في قوله: (أن التنصيص بالأبعاض يظهر)، إلى آخره نوع إخلال حيث لم يعلم بما ذكر ما فيه موضع خلافه من الأبعاض، وما فيه خلاف من الأبعاض، فإنه لو نص على الأبعاض بطريق التنصيص بعد الإجمال كما لو قال: وهبتكما لهذا نصفها، ولهذا نصفها فهو جائز على ما ذكر في الأسرار، والذخيرة، والإيضاح، وإنما لا يجوز عنده التنصيص بالأبعاض إذا لم يتقدمه إجمال، وفي التنصيص بالأبعاض على التفاضل غير مشروط تقدم الإجمال، وأنه لا يجوز عنده.
وفي النتف: هبة رجل من رجلين على أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون العقد مختلفًا والقبض مختلفًا.
وثانيها: أن يكون العقد معا، والقبض مختلفًا، وكلاهما لا يجوز.
وثالثها: أن يكون العقد مختلفًا، والقبض معا.
ورابعها: أن يكون كلاهما معًا بأن يقولا: قبلناها وقبضناها فهما لا يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهبة العين الواحدة لاثنين من اثنين لا يجوز عنده خلافًا لهما، ولو كان من واحد لثلاثة جاز عنده خلافًا لهما، قال صاحب المجتبى: وفيه نظر.
ولو وهب لابنيه صغير وكبير لا يجوز بالاتفاق لتفرق القبض.
وفي الكافي: وهب متاعًا في داره، وطعامًا في جرابه وسلّمهما بما فيه
[ ٧ / ١٩١ ]