كِتَابُ الْوَكَالَةِ
قيل: وجه مناسبته بالشهادات أن الشهادة والوكالة صفة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقيل: هو أن كلا منهما إيصال النفع إلى الغير بالإعانة في إحياء حقه، أو كل واحد يصلح سببًا لاكتساب الثواب، والصيانة عن العقاب في المعاملات.
ثم محاسن الوكالة ظاهرة؛ لما فيها من إيصال النفع وقضاء حوائج المحتاجين.
والوكالة لغةً: الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى، بمعنى الحافظ، ولهذا قلنا: إذا قال: (وكلتك بمالي) إنه يملك الحفظ فقط.
والوكالة - بفتح الواو وكسرها -: اسم للتوكيل، من قولك: وَكَلْتُك توكيلا، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على الغير، والاسم: التكلان، والتركيب يدل على التفويض والاعتماد، يقال: على الله توكلنا، أي: فوضنا أمورنا إليه، والوكيل: هو القائم بما فُوّض إليه، والجمع: الوكلاء، كأنه (فعيل) بمعنى (مفعول)، واتَّكَلت على فلان في أمري: أي: اعتمدت، وأصله (اوْتَكَلْت) قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء، فأدغمت في تاء الافتعال. كذا في الصحاح والمغرب (^١).
وشرعًا: إقامة الإنسانِ غيرَه مُقام نفسه في تصرف معلوم.
والوكالة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]
_________________
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمُطَرِّزِيّ (ص ٤٩٤)، والصحاح للجوهري (٥/ ١٨٤٥).
[ ٦ / ٦٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَصَّ الله تعالى عن الأمم الماضية بلا إنكار، فيكون شريعة لنا ما لم يظهر ناسخه.
وأما السنة: فما روي أنه ﵇ وكل حكيم بن حزام بشراء الأضحية (^١)، وعروة البارقي به أيضًا (^٢).
ووكل عمرو بن أُميّة الضّمري بقُبُولِ نِكَاحِ أَمْ حَبيبَة بِنتِ أَبِي سُفَيان، وأبا رافِعٍ بِقُبول نِكَاحِ مِيمُونَةَ (^٣).
وعن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر، فذكر به لرسول الله ﷺ، فقال: «إِذَا لَقِيت وكيلي فخُذْ مِنهُ خمسَةَ عَشَر وَسَفًا، فإِن ابْتَغَى منك آيةً فَضَعْ يَدَك على تَرْقُوَتِهِ» (^٤).
وأجمعت الأمة على جوازها، وكذا المعقول يدل عليه؛ إذ الإنسان قد يعجز عن حفظ ماله عند خروجه للسفر، وقد يعجز عن التصرف في ماله؛ إما لقلة هدايته، أو لكثرة أشغاله، أو لكثرة ماله، أو لضعفه، أو لوجاهته لا يتولى الأمور بنفسه، فاقتضى هذا المعنى جوازها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٥٦، برقم ٣٣٨٦)، والترمذي (٣/ ٥٥٠، برقم ١٢٥٧)، والدارقطني (٣/ ٣٩٢ رقم ٢٨٢٣). قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٣٩٢ رقم ٢٨٢٤)، وأحمد (٤/ ٣٧٦ رقم ١٩٣٨١) من حديث عن عروة بن أبي الجعد البارقي قال: عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني دينارًا، وقال: «أي عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة»، فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما، أو فلقينى رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، وهذه شاتكم، قال: «وصنعت كيف؟» قال: فحدثته الحديث، فقال: «اللهم بارك له في صفقة يمينه»، فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فاربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي، وكان يشترى الجواري ويبيع.
(٣) أخرجه الحاكم (٤/¬٢٢ رقم ٦٧٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٢٥ رقم ١٣٧٩٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣١٤ رقم ٣٦٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٣٢ رقم ١١٤٣٢). قال ابن حجر: رواه أبو داود وصححه. بلوغ المرام (٨٨٧)، وقال أيضًا: أخرجه أبو داود من طريق وهب بن كيسان عنه بسند حسن التلخيص الحبير (٣/ ١٢٣).
[ ٦ / ٦٣٥ ]
قَالَ: (كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ
وسببها ما هو السبب في سائر المعاملات، وهو تعلق بقاء المقدور (^١) بتعاطيها.
وركنها: الألفاظ التي تثبت بها الوكالة من قوله: وكلتك في كذا، واقترن به قبول المخاطب.
روى بشر عن أبي يوسف: لو قال لغيره: أحببتُ أن تبيع عبدي هذا، أو قال: هَوِيتُ، أو قال: رضيتُ، أو قال: شئتُ، أو قال: أردتُ، أو قال: وافقت (^٢)، فهذا كله توكيل.
ولو قال: لا أنهاك عن طلاق امرأتي؛ لا يكون هذا أمرًا وتوكيلا، حتى لو طلق لا يقع، وكذا لو قال لعبده: لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذونا.
وقال أبو الليث: الجواب في الوكالة كذلك، أما في الإذن يجب أن يصير العبد مأذونا عندنا؛ لأنه بسكوت المولى يكون مأذونا، وهذا فوق السكوت. كذا في الذخيرة.
وقال المحبوبي: لو قال: أنت وكيلي في كل شيء كان وكيلا بالحفظ، إلا إذا زاد فقال: أنت وكيلي في كل شيءٍ، جائز صنعُك؛ فعند محمد يصير وكيلا في البياعات والإجارات والهبات والطلاق والعتاق، وعند أبي حنيفة وكيلا في المعاوضات دون غيرها.
وشرطها: ما ذكر في الكتاب.
وصفتها: أنها من العقود الجائزة.
وحكمها: جواز تصرف الوكيل فيما وكل به.
قوله: (كل عقد جاز أن يعقده) إلى آخره، فإن قيل: يلزم على طرده الاستقراض، فإنه لو استقرض بنفسه يجوز، وتوكيل غيره بالاستقراض يقع على المستقرض الذي هو الوكيل لا على الموكل.
_________________
(١) في الأصل: (المعذور) والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في النسختين: (وافقني) والمثبت أولى.
[ ٦ / ٦٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: ذكر في الذخيرة: لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مُخرَج الرسالة بأن قال: فلان يستقرض منك كذا، ففعل المقرض تكون الدراهم للأمر [حتى] (^١) لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه.
ولو أخرج الكلام مُخرج الوكالة بأن قال: أقرضني عشرة فالعشرة للوكيل، وله أن يمنعها من الأمر؛ لأن التوكيل بالاستقراض باطل، بخلاف الرسالة؛ إذ الرسالة موضوعة لنقل العبارة، والوكيل غير ناقل للعبارة.
وإنما صح التوكيل بالبيع وغيره؛ لأن محل التصرف ملك الموكل، والتوكيل بالشراء صح من حيث إنه أمر بإيجاب الثمن في ذمة الموكل، وذمته ملكه، وهذا المعنى لا يتحقق في الاستقراض؛ لأن البدل في باب القرض يجب دينًا في ذمة المستقرض بالقبض لا بالعقد، فلا بد من تصحيح الأمر أولا بالقبض؛ حتى يستقيم الأمر بإيجاب المثل في ذمته، والأمر بالقبض لم يصح؛ لأنه ملك الغير، فتعذر تصحيح هذه الوكالة باعتبار جانب التملك، وباعتبار جانب العبارة، فبطل.
ثم ذكر في الذخيرة: لو وكله بما لا يملكه الموكل لا يصح؛ لأن التوكيل إثبات ولاية التصرف، وإثبات الولاية بما لا ولاية له باطل.
ثم قال: هذا عندهما، أما عند أبي حنيفة شرط صحة التوكيل كون التوكيل بما يملكه الوكيل، وكون الموكل مالكًا ليس بشرط عنده، حتى لو وَكَّل المسلم الذمي ببيع خمر وشرائه جائز عنده.
قال شيخي صاحب النهاية: فعلى هذا يحمل إطلاق ما ذكر في رواية على قولهما.
وفي الكافي: قيل: المراد من قوله: أن يكون مالكًا للتصرف بالنظر إلى أصل التصرف، وإن امتنع لعارض وبيع الخمر يجوز للمسلم في الأصل، وإنما امتنع بعارض النهي.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٣٧ ]
الإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكَّلَ بِهِ غَيْرَهُ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ المُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأَحْوَالِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَيَكُونَ بِسَبِيلٍ مِنهُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ وَبِالتَّزْوِيجِ عُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂.
قَالَ: (وَتَجُوزُ الوَكَالَةُ بِالخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الحُقُوقِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الحَاجَةِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَهْتَدِي إِلَى وُجُوهِ الخُصُومَاتِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ وَكَّلَ عَقِيلًا، وَبَعْدَمَا أَسَنَّ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ﵁ (وَكَذَا بِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَإِنَّ الوَكَالَةَ لَا تَصِحُ بِاسْتِيفَائِهَا مَعَ غَيْبَةِ المُوَكِّلِ عَنْ المَجْلِسِ) لِأَنَّهَا
قوله: (على اعتبار بعض الأحوال) بأن يكون مريضًا، أو شيخا فانيًا، أو ذا وجاهة لا يتولى الأمور بنفسه، والتوكيل صحيح بدون هذه العوارض؛ لأن حكمة الحكم تراعى في الجنس لا في الأفراد، كالسفر مع المشقة.
قوله: (وبالتزويج عمرَ بنَ أمّ سلمة) أي: وكله بتزويج أمه من النبي ﵊.
قوله: (في سائر الحقوق) أي: جميعها.
وفي الصحاح: سائر الناس: أي: جميعهم (^١).
وقوله: (لما قدمنا) إشارة إلى قوله: (لأن الإنسان قد يعجز) إلى آخره.
قوله: (وكل عقيلا) أي: في الخصومات، وإنما اختار عقيلا؛ لأنه كان ذكيا حاضر الجواب، حتى حُكِي أن عليا استقبله يومًا ومعه عنز له، فقال على سبيل الدعابة: أحد الثلاثة أحمق، فقال عقيل: أما أنا وعنزي فعاقلان، فلما كبر عقيل وأسن وكل عبد الله بن جعفر الطيار؛ إما لأنه وقره لكبر سنه، أو لنقصان ذهنه، فوكل عبد الله بن جعفر، وكان شابا ذكيا. كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (مع غيبة الموكل) قيد به؛ لأنه يجوز استيفاء القصاص والقذف في حضوره بإجماع الأئمة الأربعة، وفي غيبته لا يجوز في الأصح، ومالك (^٣)
_________________
(١) الصحاح للجوهري (٢/ ٦٩٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (٣/¬١٩).
(٣) انظر: شرح التلقين للمازري (٢/ ٨٠٥).
[ ٦ / ٦٣٨ ]
تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَشُبْهَةُ العَفْوِ ثَابِتَةٌ حَالَ غَيْبَةِ المُوَكِّلِ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِلنَّدْبِ الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ غَيْبَةِ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَبِخِلَافِ حَالَةِ الحَضْرَةِ لانْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الاسْتِيفَاءَ.
فَلَوْ مُنِعَ عَنْهُ يَنْسَدُّ بَابُ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ الوَكَالَةُ بِإِثْبَاتِ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ بِإِقَامَةِ
وأحمد (^١) يُجوز له استيفاء القصاص والقذف في غيبة الموكل؛ لأنه حق العبد، ويجوز استيفاؤه في حضوره، فكذا في غيبته.
وقلنا: إنه عقوبة تسقط بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة في حال غيبته؛ لجواز أن الموكل قد عفا بنفسه، والوكيل لا يشعر به، بل هو الظاهر؛ إذ العفو مندوب إليه شرعًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] بخلاف ما لو كان الموكل حاضرًا؛ لأنه لا تتمكن فيه شبهة العفو، وقد يحتاج الموكل إلى ذلك؛ لقلة هدايته في الاستيفاء، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك، وبخلاف الاستيفاء في غيبة الشهود؛ لأن رجوعهم نادر؛ إذ الأصل في العدول الصدق.
قوله: (وليس كل أحد إلى آخره) جواب إشكال، وهو أن يقال: لما حضر الموكل لم يحتج إلى التوكيل باستيفاء القصاص؛ بل يستوفيه بنفسه؛ لما أن في التوكيل شبهة البدلية، واستيفاء القصاص مما لا تجرى فيه الأبدال، فأجاب عنه بهذا، وهو ما ذكرنا من قلة هدايته، إلى آخره.
قوله: (وهذا الذي ذكرناه) أي: جواز التوكيل بإثبات كل الحقوق، سواء كان في الحدود والقصاص، أو غيرها (قول أبي حنيفة) وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٢)، وعند أبي يوسف: لا يجوز في إثبات الحدود والقصاص.
في المبسوط: وكل رجلا بطلب قصاص في نفس أو ما دونها - لا يجوز، وإن وكله بإقامة البينة على ذلك جاز عند أبي حنيفة ومحمد، إلا عند أبي حنيفة عند مرض الخصم أو غيبته، وعند محمد على كل حال، وبه قالت الأئمة
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٦٧).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٥/¬٨)، والتنبيه للشيرازي (ص ١٠٨)، والهداية للكلوذاني (ص ٢٧٧).
[ ٦ / ٦٣٩ ]
الشُّهُودِ أَيْضًا) وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: مَعَ أَبِي يُوسُفَ ﵏، وَقِيلَ: هَذَا الاخْتِلَافُ فِي غَيْبَتِهِ دُونَ حَضْرَتِهِ (*)، لِأَنَّ كَلَامَ الوَكِيلِ يَنْتَقِلُ إِلَى المُوَكِّلِ عِنْدَ حُضُورِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ مُتَكَلِّمُ بِنَفْسِهِ. لَهُ: أَنَّ التَّوْكِيلَ إِنَابَةٌ وَشُبْهَةُ النِّيَابَةِ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي هَذَا البَابِ، كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكَمَا فِي الاسْتِيفَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ تَلهُ: أَنَّ الخُصُومَةَ شَرْطٌ مَحْضُ، لِأَنَّ الوُجُوبَ مُضَافٌ إِلَى الجِنَايَةِ، وَالظُّهُورَ إِلَى الشَّهَادَةِ، فَيَجْرِي فِيهِ التَّوْكِيلُ كَمَا فِي سَائِرِ الحُقُوقِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: التَّوْكِيلُ بِالجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الحَدُّ وَالْقِصَاصُ.
الثلاثة، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز التوكيل بذلك، وعلى هذا الخلاف إثبات حد السرقة والقذف.
(له) أي: لأبي يوسف أن الوكيل بمنزلة البدل عن الموكل، ولا مدخل للأبدال فيها، ولهذا لا تثبت بالشهادة على الشهادة، وبكتاب القاضي إلى القاضي، وبشهادة النساء مع الرجال، وبالإشارة من الأخرس التي هي بدل من العبارة، ولأن المقصود من الإثبات الاستيفاء، فإذا لم يصح التوكيل بالاستيفاء فلا يصح التوكيل بالإثبات أيضًا، وهذا حجة على أبي حنيفة ومحمد، لا على الأئمة الثلاثة.
وقلنا: إنه وكله بما يملك مباشرته، وهي الخصومة، فصح توكيله، وما يثبته ليس بحد ولا قصاص، ولا يضاف إليه الحد؛ لأن وجوب الحد مضاف إلى الجناية، وظهوره مضاف إلى الشهادة، والخصومة شرط محض لا أثر لها في الوجوب والظهور، والحكم لا يضاف إلى الشرط المحض.
قوله: (وقول محمد مع قول أبي حنيفة) وهو الأظهر.
قوله: (لأن كلام الوكيل ينتقل إلى الموكل) إذا لم يكن فيه عهدة على الوكيل، كما مر في النكاح.
قوله: (من جانب من عليه الحد) يعني إذا وكل المطلوب بالقصاص أو القذف وكيلا بالخصومة في دفع ما يطالب به.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٦٤٠ ]
وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَمْنَعُ الدَّفْعَ، غَيْرَ أَنَّ إِقْرَارَ الوَكِيلِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ عَدَمِ الأَمْرِ بِهِ.
(وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالخُصُومَةِ إِلَّا بِرِضَا الخَصْمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ
قوله: (وكلام أبي حنيفة) أي: في التوكيل من جانب من عليه الحد (أظهر) لأن التوكيل وقع هنا بدفع دعوى القصاص، والحدود دَفْعُها يثبت مع الشبهات، حتى يثبت العفو عن القصاص بالشهادة على الشهادة، وبشهادة النساء مع الرجال.
قوله: (لما فيه) أي: في الإقرار (شبهة عدم الأمر به) أي: بالإقرار، يعني لو حملنا التوكيل على الجواب فيجب أن يصح إقراره على الموكل.
وفي المبسوط (^١): لو أقر في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله يصح قياسًا؛ لأنه قام مقام الموكل كما في سائر الحقوق.
وفي الاستحسان لا يجوز؛ لأنَّا [حملنا] (^٢) التوكيل على الجواب؛ لأن جواب الخصم من الخصومة، ولكن هذا نوع مجاز، وفي الحقيقة الإقرار ضدُّ الخصومة، فيصير ذلك شبهة فيما يَنْدَرِى بالشبهات لا فيما يثبت الشبهات.
ولو وكل بإثبات المال دون طلب الحد في السرقة يجوز بلا خلاف؛ لأن المقصود المال.
وفي الكافي: ولا يجوز التوكيل بإثبات حد الزنا وشرب الخمر بالاتفاق؛ لأنه لا حق لأحد فيه، وإنما تقام البينة على وجه الحسبة، فإذا كان أجنبيا عنه لا يصح توكيله إياه.
قوله: (إلا برضا الخصم) سواء كان التوكيل من جانب المدعي أو من جانب المدعى عليه، ويستوي عنده الموكل إذا كان رجلا أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٠٦).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٤١ ]
المُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا. وَقَالَا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الخَصْمِ) (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَلَا خِلَافَ فِي الجَوَازِ إِنَّمَا الخِلَافُ فِي اللُّزُوم.
لَهُمَا: أَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا غَيْرِهِ كَالتَّوْكِيلِ بِتَقَاضِي الدُّيُونِ.
قوله: (وهو) [أي] (^١): قول أبي يوسف ومحمد (قول الشافعي) (^٢) وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤).
وفي فتاوى قاضي خان (^٥): كان أبو يوسف أولا يقول: لا تقبل الوكالة بغير رضا الخصم من الرجال، وتقبل من النساء، ثم رجع وقال: تقبل من الرجال والنساء، ويستوي فيه الوضيع والشريف، وهو قول محمد والشافعي، وبه أخذ الصفار.
وقال الإمام السرخسي: إذ علم القاضي التعنت من المدعي في إباء التوكيل يقبل التوكيل بغير رضاه، وهو الصحيح عندي، وإن علم القصد إلى الإضرار من الموكل بالمدعي ليشتغل الوكيل بالحيل والأباطيل والتلبيس لا يقبل.
قوله: (ولا خلاف في الجواز، وإنما الخلاف في اللزوم)، يعني هل تَرْتَدُّ الوكالة بِرَدِّ الخصم أم لا؟ عنده ترتد، خلافًا لهما.
وفي فتاوى العتابي: بغير رضا الخصم لا يجوز، معناه: لا يجبر خصمه على قبول الوكالة وهو المختار، ويستوي فيه الوضيع والشريف، فكان معنى قوله: (لا يجوز) (^٦): لا يلزم.
قوله: (في خالص حقه) أي: حق الموكل، وهذا لأنه وكله إما بالجواب أو بالخصومة، وكلاهما حق الموكل، فإن الخصومة من خالص حق الموكل، حتى لا يجبر المدعي على الخصومة، وكذا الجواب؛ لأنه إما إنكار أو إقرار، كما
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: حلية العلماء للشاشي (٥/ ١٢٣).
(٤) انظر: الذخيرة للقرافي (٥/¬٨)، ومواهب الجليل للحطاب (٥/ ١٨٤).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٦٥)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٥/ ٢٠٦).
(٦) فتاو قاضي خان (٣/¬٣).
(٧) انظر المتن ص ٦٤١.
[ ٦ / ٦٤٢ ]
وَلَهُ: أَنَّ الجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الخَصْمِ، وَلِهَذَا يَسْتَحْضِرُهُ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الخُصُومَةِ، فَلَوْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاهُ كَالعَبْدِ المُشْتَرَكِ إِذَا كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا يَتَخَيَّرُ الْآخَرُ، بِخِلَافِ المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، لِأَنَّ الجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٌ عَلَيْهِمَا هُنَالِكَ، ثُمَّ كَمَا يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُ مِنْ المُسَافِرِ يَلْزَمُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ … … ..
في استيفاء الدين وإيفائه، وقبضه وتقاضيه.
(وله) أي: ولأبي حنيفة أنه قصد بهذا التوكيل الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه، وهو الجواب، فلا يملكه إلا برضاه، كالحوالة بالدين، وهذا لأن الحضور والجواب مستحق عليه، بدليل أن القاضي يقطعه عن أشغاله، ويحضره ليجيب خصمه والناس يتفاوتون في هذا الجواب، فرب إنكار يكون أشد دفعًا للمدعي من إنكار.
والظاهر أن الموكل إنما يقصد بهذا التوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل؛ ليدفع الخصم عن الموكل، وفيه إضرار بالخصم نعم توكيل بما هو خالص حقه، لكن لما كان يتصل به ضرر الغير لا يملكه بلا رضاه، كمن استأجر دابة بركوبه، أو ثوبًا للبسه - لا يملك أن يؤجره لغيره وإن كان يتصرف في ملكه، وهو المنفعة، لكن يتصل به ضرر بملك الغير، وهو العين؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس.
وكأحد شريكي العبد إذا كاتبه كان للآخر فسخه، وإن حصل تصرفه في خالص ملكه؛ لأن الآخر يتضرر به بخلاف التوكيل بالقبض والإيفاء، فإن الحق معلوم الحقيقة، فلا يتصل بهذا التوكيل ضرر بالآخر، وكذا التقاضي له حد معلوم يمنع الوكيل عن مجاوزته، فلا يتضرر به الخصم، فأما الخصومة فليس لها حد معلوم يعرف ذلك، حتى يمنع الوكيل عن محاورته، وبعضهم أَلْحَنُ بحُجَّتِه، فيحتال في الإثبات، فيتضرر الخصم، فيشترط رضاه.
قوله: (ولهذا يستحضره) أي: للمدعي ولاية إحضار المدعى عليه إلى مجلس القاضي، يعلم أن الجواب مستحق عليه.
قوله: (غير مستحق عليهما) أي: غير واجب على المسافر والمريض؛
[ ٦ / ٦٤٣ ]
لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، وَلَوْ كَانَتْ المَرْأَةُ مُخَدَّرَةٌ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهَا بِالبُرُوزِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الحُكْمِ، قَالَ الرَّازِي لَهُ: يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ، لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَنْطِقَ بِحَقِّهَا لِحَيَائِهَا فَيَلْزَمُ تَوْكِيلُهَا. قَالَ:
لعجز المسافر لغيبيته، وعجز المريض لمرضه، فلا يملك الخصم إحضارهما لعجزهما، فلا يكون في التوكيل إسقاط حق مستحق.
وفي فتاوى قاضي خان (^١): ثم المريض إذا كان لا يستطيع أن يمشي على قدميه، ولكن يمكنه بركوب الدابة، أو أيدي الناس، فإن ازداد مرضه بالركوب صح توكيله بغير رضا الخصم، وإن كان لا يزداد؛ اختلفوا فيه، قيل: على الخلاف أيضًا، وقيل: له أن يوكل بغير رضاه، وهو الصحيح.
قوله: (لتحقق الضرورة) إذ لو لم يجز يلحقه الحرج بالانقطاع عن مصالحه.
وفي فتاوى قاضي (^٢): لكن لا يصدق أنه يريد السفر، ولكن القاضي ينظر إلى زيه وعدة سفره، أو يسأل عمن يريد أن يخرج معه، فيسأل عن رفقائه، كما في فسخ الإجارة.
قوله: (ولو كانت المرأة مُخَدَّرَة)، قال البزدوي: المخدرة: هي التي لا يراها غير المحارم من الرجال، أما التي جلست على المنصة فرآها [الأجانب فلا] (^٣) تكون مخدرة.
فلو وكلت بالخصومة فوجب عليها اليمين وهي لا تعرف بالخروج ومخالطة الرجال في الحوائج يبعث الحاكم إليها ثلاثة من العدول، ويستحلفها أحدهم ويشهد الآخران على حلفها، وكذا في المريضة إذا وجب عليها يمين؛ لأن النيابة لا تجري في الأيمان، هكذا ذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي، وذكر فيه: وإن كان يبعث إلى المخدرة والمريضة أو إلى المريض خليفة فيفصل الخصومة هنالك يجوز؛ لأن مجلس الخليفة كمجلسه، وإن لم يكن للحاكم أن يستحلف يبعث أمينًا ومعه أمينان يعرفان المريض أو المرأة؛ حتى يمكنهما الشهادة على حلفهما.
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (٣/¬٣).
(٢) فتاوى قاضي خان (٣/¬٣).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٤٤ ]
وَهَذَا شَيْءٌ اسْتَحْسَنَهُ المُتَأَخِّرُونَ.
أما لو أقر المريض أو المرأة بدعوى الخصم شهد الأمينان على ذلك، وقالا للمريض: وكل وكيلا يحضر مع خصمك مجلس الحكم، فإذا فعل ذلك حضر الشاهدان فشهدا عند القاضي بما أقر، ولو جحد المريض ولم يحلف ونكل، فأمره أيضًا أن يوكل وكيلًا حتى يحضر مجلس القاضي، وشهدا عليه عند القاضي بمحضر من وكيله بنكوله حكم القاضي عليه بالدعوى وألزمه ذلك.
قال شمس الأئمة السرخسي: هذا اختيار صاحب الكتاب، حيث لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، فأما غيره من المشايخ يشترطون القضاء بالنكول أن يكون على إثر النكول، فكيف يصنع على قولهم؟
اختلفوا؛ قيل: الأمين يحكم عليها بالنكول، ثم ينقل الشاهدان ذلك إلى مجلس القاضي مع وكيلهما، فالقاضي يمضي ذلك، فيكون هذا إمضاء لذلك الحكم.
وقيل: إن القاضي يقول للمدعي أتريد حَكَمًا يحكم بينكما بذلك ثمة؟ فإذا رضي يبعث أمينا إلى الخصم فيخبره بالحكم، فإذا رضي بحكم الحاكم بينهما؛ فإن كان حكمه شيئًا لا يختلف الفقهاء فيه نفذ، وإن كان فيه اختلاف يتوقف على إمضاء القاضي.
وفي الذخيرة: ومن الأعذار التي توجب لزوم التوكيل بغير رضا الخصم عند أبي حنيفة؛ الحيض في المرأة إذا كان القاضي يقضي في المسجد.
وهذه المسألة على وجهين: إن كانت الحائض طالبة؛ قبل منها التوكيل بغير رضا الخصم، وإن كانت مطلوبة؛ إن أخرها الطالب حتى يخرج القاضي من المسجد - لا يقبل توكيلها بغير رضا خصمه، وإلا يقبل.
ولو كان الموكل محبوسًا، فهو على وجهين: إن كان محبوسًا في سجن هذا القاضي لا يقبل التوكيل بلا رضا خصمه؛ لأن القاضي يخرجه حتى يخاصم ثم يعيده إلى السجن، وإن كان محبوسًا في سجن الولي، ولا يمكنه الوالي من الخروج يلزمه توكيله بغير رضا خصمه (وهذا شيء استحسنه المتأخرون) وألحقوها بالمريضة لعجزها عن الأداء بحجتها لمكان الحياة، واختاروه للفتوى.
[ ٦ / ٦٤٥ ]
قَالَ: (وَمِنْ شَرْطِ الوَكَالَةِ: أَنْ يَكُونَ المُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الأَحْكَامُ) لِأَنَّ الوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ المُوَكِّلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ مَالِكًا لِيُمَلِّكَهُ مَنْ غَيْرَهُ.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ (الوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ العَقْدَ
قوله: (ممن يملك التصرف) أي: التصرف الذي وكل به. وفي الذخيرة: هذا القيد وقع على قولهما لا على قول أبي حنيفة، فإن عنده شرط الوكالة كون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل، وقد مر.
فإن قيل: يشكل بما لو قال رجل لغيره: خذ عبدي هذا وبعه بعبد، أو قال: اشتر لي به عبدًا صح التوكيل، وإن لم تصح مباشرة الموكل في مثل هذا التصرف، فإنه من قال لغيره: بعتك هذا العبد أو قال: اشتريت منك بهذا العبد عبدا لا يجوز. ذكره في الذخيرة.
قلنا: يملك مباشرة بيع هذا العبد أو شرائه، أما إذا باعه بنفسه لا يجوز؛ لجهالة الثمن أو المبيع جهالةً مُفضِيةً الى المنازعة، أما الجهالة لا تمنع التوكيل؛ لأنه ليس بأمر لازم، والمانع من الصحة المنازعة لا نفس الجهالة.
ثم إذا صح التوكيل؛ فإن كان قد وكله بالشراء، فاشترى عبدًا بغير عينه لا يجوز، كما لو اشترى الموكل بنفسه، وإن اشترى عبدًا بعينه؛ إن كانت قيمته مثل قيمة هذا العبد أو أقل بقدر العين اليسير يجوز، وإن كان أقل بقدر الغبن الفاحش لا يجوز، وكذا في جانب الوكالة بالبيع. ذكره في الذخيرة.
قوله: (وتلزمه الأحكام)، قيل: هذا احتراز عن الوكيل، فإن الوكيل لا يثبت له حكم تصرفه، حتى [لا] (^١) يملك الوكيل بالشراء المبيع، ولا الوكيل بالبيع الثمن، فلا يصح توكيل الوكيل غيره.
وقيل: احتراز عن الصبي المحجور والعبد المحجور، فإنهما لو اشتريا شيئًا لا يملكانه، فلذلك لم يصح توكيلهما.
قوله: (ممن يعقل العقد)، وفي الذخيرة: يَعرِف أن الشراء جالب للمبيع وسالب للثمن، والبيع على عكسه، ويَعرِف الغبن اليسير من الفاحش.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٤٦ ]
وَيَقْصِدُهُ) لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ المُوَكِّلِ فِي العِبَارَةِ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونًا كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا. (وَإِذَا وَكَّلَ الحُرُّ العَاقِلُ البَالِغُ أَوْ المَأْذُونُ مِثْلَهُمَا جَازَ) لِأَنَّ المُوَكَّلَ مَالِكٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالوَكِيلَ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ (وَإِنْ وَكَّلَا صَبِيًّا مَحْجُورًا يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا جَازَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الحُقُوقُ وَيَتَعَلَّقُ بِمُوَكِّلِهِمَا) لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ؛ … .
(ويقصده) أي: يقصد بمباشرة السبب ثبوت الحكم، ولا يكون هازلا فيه؛ لأنه يقوم مقام الموكل في العبارة، فلا بد من أن يكون من أهلية العبارة، وأهلية العبارة بالعقل؛ لأن المراد بالكلام ما يكون له صورة ومعنى، وكل محدث يكون موجودًا بصورته ومعناه، ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالعقل والتمييز؛ لأن كلام غير المميز كألحان الطيور.
قوله: (مثلهما جاز) هذا غير منحصر في المثلية في صفة الحرية والرقية؛ بل يجوز للموكل أن يوكل من فوقه كتوكيل العبد المأذون الحر، أو من دونه، كتوكيل الحر العبد المأذونَ؛ لأن التعليل بقوله: (لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة) يشمل الأوجه الثلاثة من المثلية والفوقية والدونية.
قوله: (وإن وكلا صبيا محجورًا) إلى آخره، وعند الشافعي لا يجوز.
ذكر في الوجيز (^١): يشترط في الوكيل صحة العبارة، وكذلك التكليف، فلا يصح توكيل الصبي إلا في الإذن، وإيصال الهدية على رأي، وفي العبد المحجور له قولان؛ لأن الوكيل إذا ملك التصرف بنفسه يملكه نيابة عن غيره، وبه قال مالك، وإلا لا ولاية، ذكر في الكتاب بقوله: (لأن الصبي من أهل العبارة) وبقولنا: قال أحمد.
قوله: (لا تتعلق الحقوق بهما) كالقاضي وأمينه، إشارة إلى أنهما لو كانا مأذونين تتعلق الحقوق بهما لا بموكلهما، ولكن فيه [تفصيل] (^٢) ذكره في الذخيرة: الصبي المأذون في التجارة إن كان وكيلا بالبيع بثمن حال أو مؤجل لزمه العهدة.
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢١٧).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٤٧ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيْهِ، وَالعَبْدَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ مَالِكٌ، لَهُ وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي حَقِّ المَوْلَى، وَالتَّوْكِيلُ لَيْسَ تَصَرُّفًا فِي حَقِّهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُ مِنْهُمَا التِزَامُ العُهْدَةِ. أَمَّا الصَّبِيُّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ، وَالعَبْدُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَتَلْزَمُ المُوَكِّل.
وإن كان وكيلا بالشراء؛ إن كان بالشراء بثمن مؤجل لا تلزمه العهدة قياسًا واستحسانًا؛ بل العهدة على الآمر، وذلك لأن ما يلزم من العهدة ضمان كفالة لا ضمان ثمن؛ لأن الملك لا يفيد للضامن في المشتري (^١)؛ بل يلزم مالا في ذمته استوجبه مثل ذلك على موكله، وهو معنى الكفالة، ولا يلزمه ضمان الكفالة.
وإن كان الشراء بثمن حال لا تلزمه العهدة قياسًا لا استحسانًا.
وجه الاستحسان: أن ما يلزمه ضمان ثمن؛ لأنه يملك المشترى من حيث الحكم، فإنه يحبسه بالثمن حتى يستوفي من الموكل، كما لو اشترى لنفسه ثم باع منه.
والصبي المأذون من أهل أن يلزم ضمان الثمن، بخلاف ما إذا كان الثمن مؤجلا، فإنه لا يملك حقيقة ولا حكمًا؛ لأنه لا يملك حبسه بذلك، فكان ضمان كفالة من حيث المعنى.
وفي الكافي: فإن كانا مأذونين في التجارة لزمهما الثمن، ورجعا به على الأمر استحسانًا.
ثم ذكر في جامع قاضي خان والمبسوط: أن العبد المحجور إذا أعتق تلزمه العهدة، والصبي المحجور إذا أعتق (^٢) لا تلزمه العهدة؛ لأن قول العبد ملزم في حق نفسه لكونه مخاطبًا، وإنما لا تلزمه العهدة لحق المولى، وقد سقط بالعتق، أما قول الصبي فليس بملزم في حقه نفسه، فلا تلزمه العهدة بعد البلوغ.
_________________
(١) كذا في الأصل، وسقط هذا الموضع من النسخة الثانية، وفي العناية للبابرتي (٧/ ٥١٤): (لأن ضمان الثمن لا يفيد الملك للضامن في المشترى).
(٢) كذا في الأصل: (إذا أعتق)، وفي المبسوط (١٩/¬٤٥): (إذا بلغ)، وهو أشبه.
[ ٦ / ٦٤٨ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: أَنَّ المُشْتَرِيَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ البَائِعِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لَهُ خِيَارُ الفَسْخِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي العَقْدِ عَلَى أَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالعَاقِدِ، فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ يَتَخَيَّرُ كَمَا إِذَا عَثَرَ عَلَى عَيْبٍ.
قَالَ: (وَالعَقْدُ الَّذِي يَعْقِدُهُ الوُكَلَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الوَكِيلُ إِلَى نَفْسِهِ كَالبَيْعِ وَالإِجَارَةِ، فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالوَكِيلِ دُونَ المُوَكِّلِ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَقَلَهُ: تَتَعَلَّقُ بِالمُوَكَّلِ؛ لِأَنَّ الحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَالحُكْمُ وَهُوَ المِلْكُ يَتَعَلَّقُ بِالمُوَكِّلِ، فَكَذَا تَوَابِعُهُ وَصَارَ كَالرَّسُولِ وَالوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ.
ثم قبضهما الثمن وتسليمهما المبيع يعتبر وإن لم يتعلق بهما الحقوق، ويجيء في فصل الشراء في التوكيل.
وفي المبسوط: إن كان الوكيل مرتدًا جاز بيعه؛ لأنه من أهل عبارة معتبرة، ولكن يتوقف حكم العهدة عند أبي حنيفة؛ فإن أسلم كانت عليه، وإلا على الأمر، وبه قال الشافعي في وجه، وعندهما العهدة عليه على كل حال، وبه قال الشافعي في قول، وهو نظير قولهم في تصرفات المرتد بيعًا وشراء (^١)، وقد مرّ في السير.
قوله: (أو مجنون).
قيل: في حاشية نسخة المصنف (أو محجور) وفي متنها: (مجنون) وفي بعض النسخ: (أو عبد محجور) ولهذا قال في الكافي: ثم اعلم أنه صبي محجور أو عبد محجور.
قوله: (عثر على عيب)، والجامع بينهما عدم الرضا.
قوله: (فحقوقه تتعلق بالوكيل)، وعن هذا ذكر في الإيضاح: للوكيل أن يوكل غيره في الحقوق التي يوجبها العقد عليه، ولو وكل الموكل لم يجز؛ لأن الوكيل أصل في الحقوق، فيمتلك التفويض إلى الغير.
قوله: (وقال الشافعي: تتعلق بالموكل) وبه قال مالك، وأحمد.
(وصار كالرسول) بأن قال لآخر: كن رسولي في بيع عبدي.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٤٥).
[ ٦ / ٦٤٩ ]
وَلَنَا: أَنَّ الوَكِيلَ هُوَ العَاقِدُ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ العَقْدَ يَقُومُ بِالكَلَامِ، وَصِحَّةُ عِبَارَتِهِ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَى المُوَكِّلِ، وَلَوْ كَانَ سَفِيرًا عَنْهُ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ كَالرَّسُولِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَصِيلًا فِي الحُقُوقِ فَتَتَعَلَّقُ
(ولنا: أن الوكيل هو العاقد) إلى آخره، أي: الوكيل أصل في العقد، كما لو عقد لنفسه؛ لأن العقد يقوم بالكلام، وصحة الكلام باعتبار كونه آدميا عاقلا أهلا للتصرف، فقضيته تستدعي أن يكون الحاصل بالتصرف وأفعاله، غير أن الموكل لما استنابه في تحصيل الحكم جعلناه نائبا في حق الحكم، وراعينا الأصل في حق الحقوق، والدليل عليه أنه مستغن عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو كان سفيرا كما زعم الخصم لما استغنى عن ذلك كالرسول، وكالوكيل في النكاح، حتى لو أضاف النكاح إلى نفسه كان العقد له دون الموكل.
وفي التتمة: وحقيقة الفرق أن كل عقد يجوز أن ينتقل موجبه من شخص إلى شخص فـ (الوكيل) فيه كـ (العاقد) لنفسه، وكل عقد لا يجوز أن ينتقل منه فـ (الوكيل) فيه سفير، فموجب النكاح تملك البضع، وهو لا يحتمل النقل، وموجب الشراء ملك الرقبة، وهو يحتمل النقل منه، فيجعل كأن الوكيل يملكه بالشراء، ثم ملكه من الموكل، هذا على طريقة الكرخي حيث يقول: بأن الملك يقع أولا للوكيل ثم ينتقل عنه، أما على طريقة أبي طاهر الدباس: الملك يقع للموكل، ولكن يعقد الوكيل على سبيل الخلافة عنه، وملك النكاح لا يحتمل هذه الخلافة، وملك المال يحتمل، ألا ترى أن بعقد العبد الملك لمولاه، وبعقد المورث الملك لوارثه بعد موته، فلهذا كان الوكيل بمنزلة العاقد لنفسه في الحقوق.
وقال شمس الأئمة السرخسي: قول أبي طاهر أصح، ولهذا لو كان المشترى منكوحة الوكيل أو قريبة لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه.
وذكر الصدر الشهيد أن القاضي أبا زيد خالفهما، وقال: الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في حق الحقوق، فإن الحقوق تثبت له ثم تنتقل إلى الموكل، فوافق الكرخي في حق الحقوق، وأبا طاهر في حق الحكم، وهذا حسن، وهكذا ذكر في الإيضاح.
[ ٦ / ٦٥٠ ]
بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الكِتَابِ (يُسَلِّمُ المَبِيعَ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ إِذَا اشْتَرَى، وَيَقْبِضُ المَبِيعَ وَيُخَاصِمُ فِي العَيْبِ وَيُخَاصَمُ فِيهِ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الحُقُوقِ وَالمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةٌ عَنْهُ، اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ كَالْعَبْدِ يَتَّهِبُ وَيَصْطَادُ ويَحْتِطِبُ هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَفِي مَسْأَلَةِ العَيْبِ تَفْصِيلُ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ كَالنِّكَاحِ وَالخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ، فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالمُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ، فَلَا يُطَالَبُ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالمَهْرِ، وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلَ المَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا)؛ لِأَنَّ الوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَى المُوَكِّلِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ كَانَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الحُكْمَ فِيهَا
قوله: (ولهذا قال) أي: محمد (في الكتاب) أي: الجامع الصغير أو المبسوط.
وقوله: (والملك يثبت فيه خلافة) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لما ثبت الملك للموكل ينبغي أن تثبت الحقوق له كما قال الشافعي، فأجاب عنه بهذا، وقال: نعم يثبت له ابتداء؛ لكن بطريق الخلافة عن الوكيل لا أصالة، فكان الوكيل أصلا في الحقوق، فلذا تضاف الحقوق إلى الوكيل.
وفي المبسوط (^١): الموكل خلف عن الوكيل في حق الملك، كالعبد يقبل الهبة يثبت الملك للمولى ابتداء.
(هو الصحيح) وهو احتراز عن قول الكرخي، وقوله كما ذكرنا.
قوله: (وفي مسألة العيب تفصيل نذكره) أي: في باب الوكالة بالبيع والشراء في قوله: (وإذا اشترى الوكيل ثم اطلع على عيب) إلى آخره.
قوله: (لأن الوكيل فيها سفير محض) والسفير هو الذي يحكي عن الغير، ومن حكى حكاية الغير لا يلزم عليه حكم قول الغير، كما لو حكى قذف الغير لا يكون قاذفا، ومن حكى كفر الغير لا يكفر.
قوله: (فصار كالرسول) أي: في باب البيع (لأن الحكم فيها) أي: في هذه
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٢٠٤).
[ ٦ / ٦٥١ ]
لَا يَقْبَلُ الفَصْلَ عَنِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ فَيَتَلَاشَى فَلَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ شَخْصٍ وَثُبُوتُ حُكْمِهِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ سَفِيرًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَخَوَاتِهِ العِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَالكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ.
فَأَمَّا الصُّلْحُ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى البَيْعِ فَهُوَ مِنْ الضَّرْبِ الأَوَّلِ، وَالوَكِيلُ بِالهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ وَالإِعَارَةِ وَالإِيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِقْرَاضِ سَفِيرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الحُكْمَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالقَبْضِ، وَأَنَّهُ يُلاقِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا، … … …
العقود، وهي النكاح وأمثاله (لا يقبل الفصل عن السبب) ولهذا لم يدخل فيها خيار الشرط؛ لأنها من قبيل الإسقاطات، فلا تقبل تراخي الحكم بالخيار وغيره، أما غير النكاح فظاهر، وكذا النكاح؛ لأنه مسقط لمعنى المالكية الذي كان ثابتًا للحرة بطريق الأصالة؛ إذ الحرية تستدعي انتفاء ورود الملك عليها، إلا أن الشارع أثبت نوع تملك عليها بالنكاح تحقيقا لمعنى النسل. كذا نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري، أو لأن الإيضاع الحرمة، فكان النكاح إسقاطا للحرمة نظرا إلى الأصل.
وفي الكافي: وإنما يثبت الملك عليها ضرورة التمكن من الوطء، ولهذا لا يظهر في حق الفسخ والتمليك من الغير، ففيما وراء ذلك هو إسقاط جريًا على الأصل؛ لأن الحرية تنافي الملك.
قوله: (فلا يتصور صدوره) أي: صدور السبب بطريق الأصالة (من شخص وثبوت حكمه لغيره (سفيرًا) بخلاف البيع، فإن حكمه يقبل الفصل عن السبب، كما في البيع بشرط الخيار، فجاز أن يصدر السبب من شخص أصالة ويقع الحكم لغيره خلافة، وقيدنا بقوله: أصالة؛ إذ السبب يصدر من الوكيل نيابة في النكاح.
قوله: (من أخواته العتق) أي: من أخوات الضرب الثاني العتق.
(لأن الحكم فيما) أي: في العقود المذكورة (يثبت بالقبض، وأنه) أي: القبض يلاقي محلا مملوكًا للغير).
وفي الإيضاح: وكل غيره أن يهب عبده لفلان، أو يتصدق به عليه، أو
[ ٦ / ٦٥٢ ]
وَكَذَا إِذَا كَانَ الوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ المُلْتَمِسِ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالمُضَارَبَةُ، إِلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ المِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فِيهِ.
==
يعيره، أو يودعه، أو يرهنه، فقبض الوكيل وفعل ما أمر به، فهو جائز على الموكل، وليس للوكيل المطالبة برد شيء من ذلك إلى يده، ولا أن يقبض الوديعة والعارية والرهن والقرض ممن عليه؛ لأن أحكام هذه العقود إنما تثبت بالقبض، فلا يجوز أن يكون الوكيل فيه أصيلا، إلا أنه أجنبي عن المحل الذي يلاقيه القبض، فكان سفيرًا ومعبرًا عن المالك، فأما التصرفات التي تقوم بالقبول، ولا تتوقف على القبض، فالوكيل يجب أن يكون أصيلا فيه؛ لأنه أصل في التكلم، فكلامه مملوك له، إلا أنا فصلنا بين الحكم والحقوق فأظهر ناقضية (^١) الولاية الأصلية، فيما يرجع إلى الحقوق، وفي هذه العقود وإن كانت تقوم باللفظ؛ لكن الحكم لا يتأتى إلا بالقبض والقبض تصرف في المحل ولا ملك له فيه، فلا يمكن أن يجعل أصلا بوجه ما.
قوله: (وكذا إذا كان جانب الملتمس) يعني لو كانت هذه الوكالة من الملتمس لذلك، نحو أن وكله بالاستعارة أو الارتهان أو الاستيهاب، فالحكم والحقوق كلها تتعلق بالموكل.
قوله: (وكذا الشركة والمضاربة) أي: الوكالة بالشرك والمضاربة، يعني الوكيل فيهما يضيف العقد إلى الموكل لا إلى نفسه، إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل، وقد ذكرنا وجهه.
(بخلاف الرسالة فيه) أي: تصح الرسالة في الاستقراض بأن يقول: أرسلني فلان إليك ويستقرض منك، ويثبت الملك للمستقرض.
وفي الكافي: كان التوكيل بالاستقراض قياس التوكيل بالتكدي؛ لأن المستقرض يستلزم بدل القرض في ذمته، ولو قال: بع شيئًا من مالك على أن يكون ثمنه لي لا يصح، فكذا إذا قال: التزم عشرة في ذمتك على أن يكون عوضه لي، فكان كالتوكيل بالتكدي فكان باطلا، وما استقرض كان للوكيل، وله أن يمنعها من الأمر ولو هلك من ماله.
_________________
(١) في النسخة الثانية: (بين الحكم والعقوبة فأظهر ناقصة).
[ ٦ / ٦٥٣ ]
قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُوَكِّلُ المُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إِيَّاهُ)؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ العَقْدِ وَحُقُوقِهِ لِمَا أَنَّ الحُقُوقَ إِلَى العَاقِدِ (فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ ثَانِيًا)؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ المَقْبُوضِ حَقَّهُ وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي الأَخْذِ مِنهُ ثُمَّ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى المُوَكِّلِ دَيْنٌ يَقَعُ المُقَاصَّةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ يَقَعُ المُقَاصَّةُ بِدَيْنِ المُوَكِّلِ أَيْضًا دُونَ دَيْنِ الوَكِيلِ، وَبِدَيْنِ الوَكِيلِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ إِنْ كَانَ يَقَعُ المُقَاصَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (*) رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ عِنْدَهُمَا،
قوله: (فله أن يمنعه) خلافًا للأئمة الثلاثة؛ لما أن الحقوق ترجع إلى الموكل عندهم.
قوله: (فإن دفعه) أي: الثمن إليه (جاز) بخلاف الوكيل في بيع الصرف، فإن هناك لو قبض الموكل بدل الصرف لا يجوز؛ لأن بيع الصرف يتعلق بالقبض، فكان القبض فيه بمنزلة الإيجاب والقبول، ولو ثبت للوكيل حق القبول وقبل الموكل لا يجوز، فكذا إذا ثبت له حق القبض وقبض الموكل لا يجوز، فأما قبض الثمن في عين الصرف فليس بمنزلة الإيجاب والقبول؛ لما أن نفس الثمن المقبوض حق الموكل، وقد وصل إليه فيجوز إليه أشار في الذخيرة.
ونقل من مختلف الرواية أن المشتري من الوصي لو دفع الثمن إلى الصبي فللوصي أن يرجع إلى المشتري.
قوله: (ولو كان له) أي: للمشتري (عليهما) أي: على الموكل والوكيل (دين تقع المقاصة بدين الموكل لا الوكيل) لأن المقاصة إبراء بعوض، فتعتبر بالإبراء بغير عوض.
ولو أبرأ المشتري عن الثمن وخرج الكلامان معًا، فالمشتري يبرأ ببراءة الأمر لا ببراءة المأمور، حتى لا يرجع الأمر على المأمور بشيء، فكذا هاهنا، ولأنا لو جعلنا قصاصًا بدين الوكيل احتجنا إلى قضاء آخر، فإن الوكيل يقضي
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٦ / ٦٥٤ ]
وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الفَصْلَيْنِ.
للموكل، ولو جعلنا قصاصا بدين الموكل لا نحتاج إلى قضاء آخر، فجعلنا قصاصا بدين الموكل قصرًا للمسافة.
ولأنا لو جعلنا قصاصًا بدين الموكل فقد أثبتنا حكمًا مجمعًا عليه، فإن الموكل يملك إسقاط الثمن بالإجماع، ولو جعلنا قصاصا بدين الوكيل أثبتنا حكمًا مختلفًا، فكان ما قلنا أولى. كذا ذكره شيخ الإسلام.
وفي الذخيرة والتتمة: ما ذكره شيخ الإسلام يصير حيلة في موضعين: فيما إذا كان لرجل على آخر دين ولا يؤديه، فيتوكل الدائن عن الغير (^١) في شراء عين من مديونه، فإذا اشترى تقع المقاصة بين دين الوكيل على البائع وبين دين وجب للبائع على الوكيل، ثم الوكيل يأخذ الثمن من موكله.
والثاني: أن يوكل رب الدين غيره بالشراء من المديون، فتقع المقاصة بين دين الموكل وبين ما وجب على الوكيل.
قوله: (ولكنه يضمنه) أي: لكن الوكيل يضمن الثمن (في الفصلين) أي: في فصل الإبراء وفصل المقاصة.
ولا يقال: ينبغي ألا يجوز من الوكيل بالبيع مثل هذا البيع الذي يوجب المقاصة بدين الموكل؛ لأنه خالف الموكل؛ لأنه وكله ببيع فصل الثمن إليه، وهاهنا لا يصل، فإذا خالف ينبغي ألا يجوز هذا البيع.
لأنا نقول: وصل إليه الثمن قبل البيع؛ لأنه بالبيع صار دينه قصاصا بدين الأمر بالإجماع. كذا في الذخيرة.
وفي المبسوط (^٢): قال أبو يوسف: لا يجوز إبراء الوكيل للمشتري عن الثمن؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ إذ الثمن ملك الموكل، ولهما: الإبراء إسقاط بحق القبض، والقبض خالص حق الوكيل، حتى لا يمنعه الموكل عن ذلك، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية.
_________________
(١) في النسخة الثانية: (الصغير).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٣٥).
[ ٦ / ٦٥٥ ]