قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عُلُوّ لِرَجُلٍ وَسُفْلٌ لِآخَرَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتَدًا، وَلَا يَنْقُبَ فِيهِ كُوَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ العُلْوِ (وَقَالَا: يَصْنَعُ مَا لَا يَضُرُّ بِالعُلْوِ) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا أَرَادَ صَاحِبُ العُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلْوِهِ. قِيلَ: مَا حُكِيَ عَنْهُمَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَلهُ فَلَا خِلَافَ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا الإِبَاحَةُ،
ويصير كالقاضي، ولو أمر القاضي رجلًا لم يجز إلا بإذن الإمام، إلا أن يجيزه القاضي بعد الحكم، أو يتراضى به الرجلان بعد الحكم، ولو حكما رجلًا فأخرجه القاضي من الحكومة فَحَكَم بعده فأجاز جاز، وليس للحكم أن يفوّض التحكيم إلى غيره، ولو فوّض وحكم الثاني بغير رضاهما فأجاز الأول - لم يجز، إلا أن يجيزا بعد الحكم.
وقيل: ينبغي أن يجوز كالوكيل الأول إذا أجاز بيع الوكيل الثاني، ولو حكمًا واحدًا فحكم لأحدهما، ثم حكمًا آخر ينفذ حكم الأول إن كان جائزا عنده، وإن كان جورًا أبطله، وكتاب الحكم إلى القاضي لا يجوز، كما لا يجوز كتاب القاضي إليه، ولا يحكم الحكم كتاب قاضٍ إلا إذا رضي الخصمان.
مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ
دأب المصنفين تأخير مسائل متفرقة تتعلق بما قبله من الكتاب.
قوله: (ولا ينقب كوة) وكذا لا يفتح بابا، ولا يدخل جذعًا فيه، ولا يهدم سفله، وكذا لم يكن لصاحب العلو أن يحدث على بنائه، ولا أن يضع عليه جذعًا، ولا كنيفا لم يكن (^١).
قوله: (فلا خلاف) لأنه إنما يُمنع؛ لما فيه من ضرر ظاهر لا ما لا ضرر فيه، فيكون متفقا عليه.
وقيل: لا، بل بينهما خلاف، وثمرته تظهر في وقوع الشك في الضرر، وهذا لأن (الأصل عندهما الإباحة) أي: إباحة التصرف؛ لأنه
_________________
(١) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ١٠٩)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٢٩).
[ ٦ / ٤٤١ ]
لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَالمِلْكُ يَقْتَضِي الإِطْلَاقَ، وَالحُرْمَةُ بِعَارِضِ الضَّرَرِ فَإِذَا أُشْكِلَ لَمْ يَجُزُ المَنْعُ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ: الحَظْرُ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَحَلٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُحْتَرَمٌ لِلْغَيْرِ، كَحَقِّ المُرْتَهِنِ وَالمُسْتَأْجِرِ، وَالإِطْلَاقُ بِعَارِضِ، فَإِذَا أُشْكِلَ لَا يَزُولُ المَنْعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ ضَرَرٍ بِالعُلْوِ مِنْ تَوْهِينِ بِنَاءٍ أَوْ نَقْضِهِ فَيُمْنَعُ عَنْهُ.
يلاقي ملكه؛ إذ حائط السفل ملك صاحب السفل (والحرمة بعارض الضرر).
(فإذا أشكل) أي: الضرر (لم يجز المنع) إذ اليقين لا يزول بالشك، وهذا كما لو باع نصيبه من العبد المشترك يجوز، ولو كان نصيبه منه كان لشريكه حق الفسخ.
(والأصل عنده) أي: عند أبي حنيفة (الحظر) لتعلق حق صاحب العلو به، ولهذا يمنع من الهدم بالاتفاق، وتعلق حق الغير بملكه يمنع تصرفه فيه، كما في المرهون والمستأجر.
وقال قاضي خان (^١): لو تصرف صاحب السفل في ساحة السفل بأن حفر بئرًا أو ما أشبهه، ويتضرر به صاحب العلو - له ذلك عند أبي حنيفة (^٢)، وعندهما الحكم معلول بعلة الضرر، وبه قال الشافعي (^٣) ومالك (^٤) وأحمد (^٥)، والأصل فيه قوله ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ» (^٦).
وفي الأقضية: لو انهدم السفل لا يجبر صاحب السفل على البناء، وبه قال الشافعي (^٧) في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وقالوا في رواية أخرى: يجبر؛ لأن صاحب العلو في القرار، وقد فات من غير تعد من صاحب السفل، فلا تجب عليه الإعادة، ولكن يجبر صاحب العلو فإن شاء بنى السفل
_________________
(١) انظر: فتاو قاضي خان (٢/ ٣٧٤).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٥/¬١٦)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٢٦٤).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٠٧)، نهاية المحتاج شرح المنهاج (٥/ ٣٣٦).
(٤) انظر: المدونة (٤/ ٣١٤)، الذخيرة (٦/ ١٦٧، ١٧٧).
(٥) انظر: المغني (٤/ ٣٨٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٣).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤ رقم ٢٣٤١)، وأحمد (١/ ٣١٣ رقم ٢٨٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال البوصيري: هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم …، وله شاهد من حديث أبي صرمة. مصباح الزجاجة (٨٢٨).
(٧) انظر: الأم (٣/ ٢٣١)، الحاوي الكبير (٦/ ٤٠١).
[ ٦ / ٤٤٢ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ زَائِغَةً مُسْتَطِيلَةٌ تَنْشَعِبُ مِنهَا زَائِعَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ وَهِيَ غَيْرُ نَافِذَةٍ فَلَيْسَ لِأَهْلِ الزَّائِغَةِ الأُولَى أَنْ يَفْتَحُوا بَابًا فِي الزَّائِغَةِ القُصْوَى) لِأَنَّ فَتْحَهُ لِلْمُرُورِ
إلى موضع علوه، ثم يبني علوه، ويمنع صاحب السفل عن السكني فيه حتى يؤدي قيمة السفل.
والصحيح أنه يعتبر قيمته وقت البناء لا وقت الرجوع، بخلاف ما لو انهدم دار مشتركة، فبنى أحدهما بغير إذن صاحبه - لا يرجع على صاحبه بشيء، وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن هنا غير مضطر في البناء في نصيب شريكه؛ لأنه يمكنه أن تقاسم الساحة، ولهذا لا يجبر الشريك على بناء الجدار أو المشترك بعد انهدامه عندنا (^١)، وبه قال الشافعي (^٢) في قول، وأحمد (^٣) ومالك (^٤) في رواية، أما هنا بخلافه، حتى لو كان بيتًا صغيرًا فانهدم، ولا يمكن قسمة الساحة فلا يكون متبرعًا في البناء، وهكذا نقول في الطاحون والحمام، حتى لو انهدم بعضه يرجع بحصة صاحبه عليه، ولو انهدم كله؛ فلو أمكن البناء بعد القسمة يكون في البناء متطوعًا، وإلا لا (^٥). كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (إذا كانت زائغة) أي: سكة (مستطيلة) أي: طويلة، من زاغت الشمس: مالت، وسمى المحلة والسكة زائغة؛ لميلها من طرف إلى طرف، والمستطيلة من استطال، بمعنى طال.
(وهي) أي: الزائغة المتسعة (غير نافذة)، وكذا الزائغة الأولى أيضًا غير نافذة، هكذا ذكر التمرتاشي والفقيه أبو الليث حيث قالا: سكة طويلة غير نافذة، وسكة أخرى عن يمينها أو شمالها غير نافذة، ولكن في أكثر الكتب لم يقيد الأولى بكونها غير نافذة، وتعليل الكتاب يقتضي ذلك (^٦).
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء (١٩١٣)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٢٦٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٠١)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٢/ ٢٢٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٢)، المغني (٤/ ٣٨٣).
(٤) انظر: الذخيرة (٦/ ١٨٠)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٥/ ١٥٠).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٦٦)، فتح القدير (٧/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٦٦، ٦٧)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٥/ ٤٥٥).
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي المُرُورِ، إِذْ هُوَ لِأَهْلِهَا خُصُوصًا حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَهْلِ الأُولَى فِيمَا بِيعَ فِيهَا حَقُّ الشَّفْعَةِ، بِخِلَافِ النَّافِذَةِ، لِأَنَّ المُرُورَ فِيهَا حَقُّ العَامَّةِ. قِيلَ: المَنْعُ مِنْ المُرُورِ لَا مِنْ فَتْحِ البَابِ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ جِدَارِهِ.
وَالأَصَحُ: أَنَّ المَنْعَ مِنْ الفَتْحِ: لِأَنَّ بَعْدَ الفَتْحِ لَا يُمْكِنُهُ المَنْعُ مِنْ المُرُورِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَلِأَنَّهُ عَسَاهُ يَدَّعِي الحَقَّ فِي القُصْوَى بِتَرْكِيبِ البَابِ (وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَدِيرَةً قَدْ لَزِقَ طَرَفَاهَا فَلَهُمْ أَنْ يَفْتَحُوا بَابًا)، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّ المُرُورِ فِي كُلِّهَا، إِذْ هِيَ سَاحَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِهَذَا يَشْتَرِكُونَ فِي الشَّفْعَةِ إِذَا بِيعَتْ دَارٌ مِنهَا.
قوله: (لا من فتح الباب لأنه رفع بعض جداره)، وله أن يرفع جميع جداره بالهدم، فأولى أن ينقض بعضه.
قوله: (والأصح)، قال شمس الأئمة (^١): الأظهر المنع من تركيب الباب، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٢)؛ لأنه إذا فعل وتقادم العهد، ربما يدعي شركة في الطريق في تلك الزائغة، ويستدل على ذلك بتركيب الباب، ويكون القول له إذا لم يُعرف كيف كان الحال؟ فهو بتركيب الباب يثبت لنفسه حقًا فيها، فيمتنع منه، ولو فتح الباب للاستضاءة أو للريح لا يمنع؛ لأنه لا يستدل بها على حق المرور، ولا يتضرر به أحد، ولا خلاف فيه.
قوله: (وإن كانت مستديرة) أي: وإن كانت الزائغة الغير النافذة مستديرة بهذه الصورة، أما لو كانت المستديرة نافذة كانت لجماعة المسلمين، فلا يمنع بلا خلاف فيها (^٣).
قوله: (فلهم أن يفتحوا) أي: فلكل واحد أن يفتح بابه في أي موضع شاء؛ لأنها سكة واحدة من أولها إلى آخرها، وهي بينهم على الشركة.
وفي الحيطان أراد أن يبني في داره تنورًا للخبز الدائم، كما يكون في الدكاكين، أو رَحَى للطحن أو مدقات القصار - لم يجز، ويمنع من ذلك؛ لأن
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٧/ ٩٣).
(٢) انظر: الذخيرة (٦/ ١٧٨)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٥/ ١٧١)، الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤٦٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢١)، كشاف القناع على متن الإقناع (٣/ ٤٠٨).
(٣) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٣٢).
[ ٦ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك يضر بجيرانه ضررًا فاحشًا لا يمكن التحرز عنه (^١)، وبه قال أحمد (^٢) في رواية، وقال الشافعي (^٣) وأحمد (^٤) في رواية: لا يُمنع؛ لأنه تصرف في ملكه المختص به، ولم يتعلق به حق غيره، وأجمعوا أنه يمنع من الدق الذي يهدم الحيطان ويثيرها، ولنا قوله ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» (^٥)، وهذا إضرار بجيرانه، فمنع منه، كالدق الذي يهز الحيطان.
وله أن يتخذ في بيته حمامًا؛ لأن ذلك لا يضر إلا بالنداوة، والتحرز عنها ممكن بأن يبني بين نفسه وبين جاره حائطا بنورة.
قال الصدر الشهيد: الجملة في هذا أن في القياس له ذلك كله؛ لأنه تصرف في ملكه، ولكن ترك القياس وأخذ بالاستحسان لأجل المصلحة، قال: وكان والدي يفتي: إذا كان ضررًا بَيِّنا يُمنع، وبه يُفتى.
وعن أبي يوسف: اتخذ داره حمامًا، وتأذي الجيران من دخانها - فلهم منعه، إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخانهم (^٦)، ولو اتخذ داره حظيرة غنم، والجيران يتأذون من نتن السرقين ليس لهم في الحُكْم منعه، وبه قال الشافعي (^٧) وأحمد، ولو حفر في داره بئرًا، فنز منها حائط جاره لم يكن له منعه بلا خلاف.
وقيل: إذا كان يعلم ذلك لا محالة فله منعه وهو خلاف قول أصحابنا (^٨)، ولو سقط حائط بين دارين، ولأحدهما عورات، فطلب من جاره أن يساعده في
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٣٢، ٣٣)، الدر المختار وحاشية بن عابدين (٥/ ٤٤٨).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٣)، كشاف القناع على متن الإقناع (٣/ ٤٠٨).
(٣) انظر: أسنى المطالب في روض الطالب (٢/ ٤٤٦)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٥/ ٣٣٧).
(٤) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٥/ ٥١)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٥/ ٢٦٠)
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤ رقم ٢٣٤١)، وأحمد (١/ ٣١٣ رقم ٢٨٦٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال البوصيري: هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم …، وله شاهد من حديث أبي صرمة. مصباح الزجاجة (٨٢٨).
(٦) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٣٣).
(٧) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (٥/ ٢٨٥)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٢/ ٤٤٦).
(٨) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٢٧).
[ ٦ / ٤٤٥ ]
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى فِي دَارٍ دَعْوَى
البناء، قال أصحابنا: لا يجبر، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^١)، وقال الفقيه أبو الليث: في زماننا يجبر.
وقيل: إن كان بصره يقع في الصعود في دار جاره فله منعه عن الصعود حتى يتخذ سترة، وإن كان يقع في سطحه فلا. ذكره التمرتاشي.
قوله: (ومن ادعى في دار دعوى) إلى آخره، قيل: أراد به: إذا كان المدعى به مقدارًا معلومًا كالثلث ونحوه حتى تكون الدعوى صحيحة؛ لأن الصلح عن الدعوى إنما يصح إذا كانت الدعوى صحيحة، أما إذا كانت فاسدة فلا يصلح؛ لأن الصلح إنما يصح لافتداء اليمين، والافتداء إنما يكون إذا توجهت اليمين، واليمين لا تتوجه إلا بصحة الدعوى، أو بحمله إذا ادعى إقرار صاحب الدار بحق فيها حتى تصح الدعوى، فإنه لو ادعى أنه أقر له بشيء - يصح.
وفي الفوائد الظهيرية: كان والدي يقول: الصلح عن الإنكار افتداء اليمين، واليمين يتوجه بالدعوى الصحيحة، فإذا كانت الدعوى غير صحيحة لا يتوجه اليمين، فلا يكون افتداء لليمين.
ولكن هذا على أصل أبي حنيفة مشكل بأن الرجل إذا ادعى امرأة نكاحًا، وأنكرت، ثم صالحته على مال بذلته صح الصلح، وهاهنا لا يكون افتداء لليمين؛ لأنها لا تستحلف على قوله؛ بل يجب أن يقال: الصلح إنما يصح لدفع الشغب وقطع الخصام، وفي هذا المعنى لا يتفاوت بين الدعوى الصحيحة والفاسدة، فالمدعي يمكنه إزالة الفساد بإعلام المدعي، فيتحقق معنى الشغب والخصام، وهذا يندفع بالصلح، وبقيت المسألة الصلح على الإنكار، فإنه جائز عندنا (^٢).
_________________
(١) انظر: الذخيرة (٦/ ١٨٠)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٥/ ١٥٠)، الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٢)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٢/ ٢٢٤)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ١٢٢)، المغني ٤/ ٣٨٥.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٦٨)، فتح القدير (٧/ ٣٢٧).
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وَأَنْكَرَهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنهَا، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ عَلَى (الإِنْكَارِ) وَسَتَذْكُرُهَا فِي الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالمُدَّعِي وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَالصُّلْحُ عَلَى مَعْلُومٍ عَنْ مَجْهُولٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا، لِأَنَّهُ جَهَالَةٌ فِي السَّاقِطِ فَلَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ عَلَى مَا عُرِف.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ فِي وَقْتِ كَذَا، فَسُئِلَ البَيِّنَةَ فَقَالَ: جَحَدَنِي الهِبَةَ فَاشْتَرَيْتِهَا مِنهُ، وَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي يَدَّعِي فِيهِ الهِبَةَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) لِظُهُورِ التَّنَاقُضِ، إِذْ هُوَ يَدَّعِي الشِّرَاءَ بَعْدَ الهِبَةِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ بِهِ قَبْلَهَا، وَلَوْ شَهِدُوا بِهِ بَعْدَهَا تُقْبَلُ لِوُضُوحِ التَّوْفِيقِ، وَلَوْ كَانَ ادَّعَى
ومالك (^١) وأحمد (^٢) خلافًا للشافعي (^٣).
وقوله: (والصلح على معلوم عن مجهول) إلى آخره: يدل على أن صحة الدعوى ليس بشرط لصحة الصلح، وقال الشافعي (^٤): لا يصح الصلح عن دعوى شيء مجهول على معلوم فشرط صحة الدعوى.
قوله: (وهبها له في وقت) أي: وهبها صاحب اليد هذا إليَّ منذ شهر، وسلمها إليَّ، وقبضتها لنفسي، وهذه الدار التي في يده ملكي بهذه الطريقة، فطلب القاضي البيّنة على دعواه هذه، فقال المدعي: لم يكن لي بينة في حق الهبة، ولكن لي بينة على الشراء منه؛ لأني طلبتها وقلت: إنها ملكي بطريق الهبة والتسليم، فجحد المدعى عليه هذا دعوى الهبة، فاضطررت إلى شرائها منه؛ لإنكاره الهبة، فاشتريتها منه ولي شهود على الشراء، فشهدوا عليه قبل الوقت الذي يدعي فيه الهبة - لا يقبل لظهور التناقض، والتناقض يمنع صحة الدعوى.
(يشهدون به) أي: الشراء (قبلها) أي: قبل عقد الهبة، وهذا التناقض قد يكون من المخالفة بين الدعوى والشهادة، وقد يكون من المناقضة في دعواه
_________________
(١) انظر: المدونة (٣/ ٣٧٨، ٣٧٩)، الذخيرة (٥/ ٣٥١، ٣٥٢).
(٢) انظر: المغني (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨)، الشرح الكبير على متن المقنع (٥/¬٩، ١٠).
(٣) انظر: الأم (٧/ ١١٨، ١١٩)، نهاية المحتاج شرح المنهاج (٤/ ٣٨٧).
(٤) انظر: الأم (٣/ ٢٢٦)، الحاوي الكبير (٦/ ٣٦٩).
[ ٦ / ٤٤٧ ]
الهِبَةَ ثُمَّ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ: جَحَدَنِي الهِبَةَ، فَاشْتَرَيْتِهَا، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا، ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لِأَنَّ دَعْوَى الهِبَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالمِلْكِ لِلْوَاهِبِ عِنْدَهَا، وَدَعْوَى الشِّرَاءِ رُجُوعٌ عَنْهُ فَعُدَّ مُنَاقِضًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى الشَّرَاءَ بَعْدَ الهِبَةِ، لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عِنْدَهَا.
نفسها؛ لأنه حينئذ يكون قائلا: وهب هذا الشيء، وكان لي ملكًا بالشراء قبل، فلا يثبت الملك بالهبة بعد الشراء، وكان مناقضا.
أما لو لم يذكر للشراء تاريخا تُقبل البينة، كما لو ذكر تاريخا بعد الهبة؛ لإمكان الحمل على ما تبقى به التناقض؛ لما أن الشراء حادث، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات، وهو ما بعد تاريخ الهبة، وبهذا يتبين أن التناقض إنما يمنع صحة الدعوى إذا لم يمكن التوفيق، أما إذا أمكن لا يمنع كذا في الجامع والفوائد الظهيرية.
قال شيخ الإسلام: إذا أمكن التوفيق تصح الدعوى ولا يرد، وإن لم يدَّعِ المدعي التوفيق.
وفي المحيط (^١): قيل: ما قالوا يوفق بغير دعوى المدعي، وما قالوا لا يوافق بدون دعواه التوفيق - استحسان، وفي دعوى المبسوط إشارة إلى أنه لم يقبل بينة إلا أن يوفق المدعي، وكان التوفيق من المدعي شرطًا في رواية، وغير شرط في رواية.
قوله: (لأنه) أي: المدعي (^٢) (تقرر ملكه عندها) أي: عند الهبة.
فإن قيل: ينبغي ألا تقبل بينة؛ لأنه ادعى شراء باطلا؛ لأنه ادعى ما يملكه بالهبة.
قلنا: لما جحد الهبة فقد فسخها؛ إذ جحود ما عدا النكاح من العقود فسخ له؛ لأنه إنكار للعقد من الأصل، بخلاف النكاح؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فانفسخت الهبة في حق المدعى عليه، وتوقف الفسخ في حق المدعي على
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٩٤).
(٢) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (لأنه).
[ ٦ / ٤٤٨ ]
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشتريتَ مِنِّي هَذِهِ الجَارِيَةَ، فَأَنْكَرَ الآخَرُ إِنْ أَجْمَعَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا) لِأَنَّ المُشْتَرِي لَمَّا جَحَدَهُ كَانَ فَسْخًا مِنْ جِهَتِهِ، إذ الفَسْخُ يَثْبُتُ بِهِ كَمَا إِذَا تَجَاحَدًا، فَإِذَا عَزَمَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ ثُمَّ الفَسْخِ،
رضاه، فإذا أقدم على الشراء منه فقد رضي بذلك الفسخ فيما بينهما، فانفسخت الهبة بتراضيهما، فإذا اشترى منه بعد ذلك فقد اشترى ما لا يملكه، فصح (^١). إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
قوله: (فأنكر) أي: الآخر المخاطب (إن أجمع البائع) أي: قصد (وسعه) أي: للبائع أي: حل (وطؤها) وبه قال الشافعي (^٢) في وجه، وأحمد في رواية، وقال زفر: لا يَحِلّ، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن البائع متى باعها بقيت على ملك المشتري ما لم يبعها أو لم يتقايلا.
وقلنا: متى ترك الخصومة، وأكد ذلك بإمساكها - فقد وجد منه ما يدل على الفسخ؛ إذ لا يحل بدون الفسخ (^٣).
قوله: (إذ الفسخ يثبت به) فصار كالجحود؛ لأن الفسخ رفع العقد من الأصل، والجحود إنكار من الأصل، فيجعل أحدهما مجازا عن الآخر (^٤). كذا في الفوائد الظهيرية.
وفيه: ويبتنى عليه مسألة ذكرها في الجامع (^٥): اشترى عبدا بألف ثم باعه من آخر، فجحد المشتري الثاني البيع، فخاصمه المشتري الأول إلى القاضي، ولم يكن له بينة، فعزم المشتري الأول على ترك الخصومة، ثم وجد عيبًا كان عند البائع الأول، وأراد الرد، فاحتجه البائع الأول ببيعه الثاني، فلو عزم المشتري على ترك الخصومة بعد تحليف الثاني يرده، وقبله لا يرده؛ لأنه غير مضطر في فسخ البيع الثاني، بخلاف ما لو جحد الزوج النكاح وحلف.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٦٩)، فتح القدير (٧/ ٣٢٩).
(٢) انظر: الأم (٧/¬٤٢)، الحاوي الكبير (١٥/¬١٧).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٦٩)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٦/ ١١٤).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٢٩)، البناية شرح الهداية (٦/ ٧٠).
(٥) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (٢/ ٨٩).
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وَبِمُجَرَّدِ العَزْمِ، إِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ الفَسْخُ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِالفِعْلِ وَهُوَ إِمْسَاكُ الجَارِيَةِ وَنَقْلُهَا وَمَا يُضَاهِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّرَ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ المُشْتَرِي فَاتَ رِضَا البَائِعِ فَيَسْتَبِدُّ بِفَسْخِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،
عندهما، وعزمت المرأة على ترك الخصومة - لم يكن لها أن تتزوج؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب، فكذا هذا (^١).
قوله: (وبمجرد العزم) إلى آخره جواب شبهة ذكرها المحبوبي صريحًا، فقال: فإن قيل: الفسخ لا يثبت بمجرد العزم على الفسخ، ألا ترى أن من له خيار الشرط إذا عزم بقلبه على فسخ العقد لا ينفسخ العقد بمجرد عزمه.
قلنا: نحن لا نثبته بمجرد العزم، بل بالعزم وبفعل اقترن به، وهو إمساك الأمة ونقلها إلى بيته؛ إذ إمساكها لا يحل بدون الفسخ، فيتحقق الانفساخ لوجود الفسخ منهما دلالة، كمن قال لآخر: آجرتك هذه الدابة يوما بكذا لتركبها إلى مكان كذا، فأخذ المشتري ليركبها كان ذلك قبولا دلالة؛ لأن الأخذ والاستعمال لا يحل بدون القبول، كذا هذا (^٢).
وفي المحيط (^٣): تفسير العزم على ترك الخصومة بالقلب عند بعضهم، وقبل أن يشهد بلسانه على العزم بالقلب، ولا يكتفى بمجرد النية.
قوله: (ونقلها) أي: نقل الجارية من موضع الخصومة إلى بيته (وما يضاهيه) أي: يشابهه من الأفعال، كالاستخدام (^٤).
قوله: (من أقر أنه قَبَضَ) أي: قبض بسبب من الأسباب؛ من استقراض أو ثمن سلعة أو غصب أو وديعة.
وفي جامع العتابي: رجل له على آخر عشرة جياد، فقبض الدراهم، ثم قال: إنها زيوف.
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٣٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٠)، فتح القدير (٧/ ٣٣٠).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٥).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٢٩)، البناية شرح الهداية (٩/ ٧٠).
[ ٦ / ٤٥٠ ]
ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ: صُدِّقَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: اقْتَضَى، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ القَبْضِ أَيْضًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، إِلَّا أَنَّهَا مَعِيبَةٌ، وَلِهَذَا: لَوْ تَجَوَّزَ بِها فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَم جَازَ، وَالقَبْضُ لَا يَخْتَصُّ بِالجِيَادِ فَيُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ قَبْضَ حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الجِيَادَ أَوْ حَقَّهُ أَوْ الثَّمَنَ أَوْ اسْتَوْفَى لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الجِيَادِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةٌ.
وفي المبسوط (^١): أقر الطالب أنه قبض مما له على فلان مائة، ثم قال: وجد زيوفًا، فالقول له، وصل أم فصل.
(قوله في الكتاب): (ثم ادعى أنها زيوف صُدِّقَ) محمول على هذا، أي: وصل أم فصل، وبه صرح المحبوبي في جامعه، فقال: ثم هو مصدق في مسألة الكتاب، وصل أم فصل.
وفي المبسوط في باب الإقرار بالدين: لو قال: لفلان علي ألف من ثمن بيع، إلا أنها زيوف أو نبهرجة لم يُصدق في دعوى الزيافة، وصل أم فصل، في قول أبي حنيفة، وعندهما يصدق إن وصل، ولا يصدق أن فصل، ولو أقر بالمال غصبًا ووديعة، وقال: هي نبهرجة أو زيوف صدق، وصل أم فصل.
فلو قال: عليّ ألف، من غير ذكر التجارة والغصب، فقال بعض [مشايخنا] (^٢): فهو على الخلاف أيضًا؛ لأن مطلق الإقرار بالدين ينصرف إلى الالتزام بالتجارة؛ إذ هو اللائق بحال المسلم.
وقيل: يصدق هاهنا إذا وصل بالاتفاق؛ لأن صفة الجودة تصير مستحقة بعقد التجارة، فإذا لم يُصرِّح في كلامه بجهة التجارة لا تصير صفة الجودة مستحقة، وهذا والحجج من الجانبين تجيء في باب الإقرار إن شاء الله تعالى.
وقال الشافعي (^٣) وأحمد (^٤): إذا فصل لا يُقبل في جميع الصور؛ لأنه كما
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/¬١٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الأم (٦/ ٢٣٩)، الحاوي الكبير (٧/ ٥٣، ٥٤).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٠٦)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٤٧٠، ٤٧١).
[ ٦ / ٤٥١ ]
فَلَا يُصَدَّقُ، وَالنَّبَهْرَجَةُ كَالزُّيُوفِ،
أقر بعشرة وأطلق يفهم منه الجياد الكاملة، فلما سكت تلزمه الكاملة، وهي الجياد، ثم بقوله: هي زيوف أو نبهرجة يرجع عن بعض ما أقر به ويرفعه، فلم يقبل، كالاستثناء المنفصل.
وقلنا: إنه أقر بالقبض، وقَبْض الدراهم لا يختص بالجياد؛ لأن اسم الدراهم يقع على الزيوف والنبهرجة، ولا يتعين بالجياد لعدم العرف لها، فإذا قال: هي زيوف أو نبهرجة أنكر قبض حقه، فيصدّق مع يمينه، بخلاف ما إذا أقر أنه قبض الجياد.
إلى قوله: (فلا يصدق) أي: فيما إذا ادعى الزيافة بعد ذلك؛ لأنه مناقض، أما في الأول فظاهر، وكذا في غيره؛ لأن حقه في الجياد فكان الإقرار بقبض حقه مطلقا إقرارًا بقبض الجياد، والاستيفاء عبارة عن القبض بوصف التمام، فكان عبارة عن قبض حقه أيضًا (^١).
قال شيخي العلامة في النهاية: جمع المصنف بين هذه المسائل الأربع في الجواب بأنه لا يصدق، وليس الحكم فيها على السواء، فإنه إذا أقر بقبض الجياد ثم ادعى أنها زيوف لا يصدق، لا مفصولًا ولا موصولا، وفيما بقي يصدق موصولًا، ولا يصدق مفصولًا، والفرق أن في قوله: قبضت ما لي عليه، أو حقي عليه - جعل مقرا بقبض القدر والجودة بلفظ واحد، فإذا استثنى الجودة فقد استثنى البعض من الجملة، فصح موصولًا، كما لو قال: علي ألف إلا مائة، أما لو قال: قبضت عشرة جيادًا، فقد أقر بالقدر بلفظ على حدة، وبالجودة بلفظ على حدة، فإذا قال: إلا أنها زيوف، فقد استثنى الكل من الكل في حق الجودة، وذلك باطل، كما لو قال: علي مائة درهم ودينار إلا دينارًا - كان الاستثناء باطلا، وإن ذكره موصولا، كذا هنا (^٢).
فإن قيل: ينبغي ألا يصح استثناء الجودة، وإن دخلت يجب الإقرار بلفظ واحد؛ لأن الجودة تبع وصفه للدراهم، واستثناء التبع موصولا لا يصح، كاستثناء البناء من الدار موصولًا.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٠، ٣٣١)، فتح القدير (٧/ ٣٣٢).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣١)، فتح القدير (٧/ ٣٣٢).
[ ٦ / ٤٥٢ ]
وَفِي السَّتُّوقَةِ: لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، حَتَّى لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا لَا يَجُوزُ.
وَالزَّيْفُ مَا زَيَّفَهُ بَيْتُ المَالِ، وَالنَّبَهْرَجَهُ مَا يَرُدُّهُ التَّجَّارُ، وَالسَّتُّوقَةُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ
قلنا: استثناء البناء من الدار إنما لا يصح؛ لأن البناء دخلت اسم الدار تبعًا، فلا يجوز إخراجه موصولًا، أما الجودة دخلت تحت اللفظ مقصودًا كالوزن؛ لأنه أقر بقبض ما عليه، وعليه تسليم الوزن والجودة، وكانت داخلا مقصودًا لا تبعًا، فيجوز استثناؤه موصولا، كذا قيل، وفيه نوع تأمل (^١).
قوله: (وفي الستوقة لا يصدق (^٢) لأنه ليس من جنس الدراهم)، ليس هذا الحكم على إطلاقه، فإنه ذكر في المبسوط (^٣) في الإقرار: لو أقر أنه قبض خمسمائة مما له على المديون، ثم قال بعد ما سكت: هي رصاص - لم يصدق؛ لأن اسم الدراهم لا يتناول الرصاص حقيقة، وإن قال: موصولًا فالقول قوله؛ لأن الرصاص من الدراهم صورة، وإن لم يكن من الدراهم معنى، وكان بيانًا مغيرًا لظاهر كلامه إلى ما هو محتمل، فيصح موصولًا، وكذلك في الستوقة؛ لأن الرصاص أبعد من الستوقة في اسم الدراهم، والحكم في الرصاص هكذا، فيجب أن يكون كذلك بالطريق الأولى، وذكر المحبوبي في جامعه مصرحًا، وقال شيخ الإسلام: ذكر محمد أنه يصح إن كان موصولًا.
قوله: (ما زَيَّفَه بيت المال) أي: رده.
وفي المغرب (^٤) زافت عله دراهمه أي: صارت مردودة عليه؛ لغش فيها.
وقيل: هي دون النهبرجة في الرداءة؛ لأن الزيف ما يرده بيت المال، والنبهرجة ما رده التجار.
النبهرج: الدراهم الذي فضته دريئة، وقيل: الذي فيه الغلبة للفضة، وقد استعير لكل باطل، ومنه بهرج دمه: إذا بطل.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣١)، فتح القدير (٧/ ٣٣٢، ٣٣٣).
(٢) في الأصل: (لا يصح)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٨/ ١٩٠).
(٤) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٢١٥)، (١/ ٥٤).
[ ٦ / ٤٥٣ ]
الغِشُّ. قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ فِي مَكَانِهِ: بَلْ لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ هُوَ الأَوَّلُ، وَقَدْ ارْتَدَّ بِرَدِّ المُقَرِّ لَهُ، وَالثَّانِي: دَعْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ الحُجَّةِ أَوْ تَصْدِيقِ خَصْمِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرَيْت وَأَنْكَرَ الآخَرُ لَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ، لِأَنَّ أَحَدَ المُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَتَفَرَّدُ بِالفَسْخِ كَمَا لَا يَتَفَرَّدُ بِالعَقْدِ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ حَقَّهُمَا فَبَقِيَ العَقْدُ فَعَمِلَ التَّصْدِيقُ، أَمَّا المُقَرُّ لَهُ: يَتَفَرَّدُ بِرَدِّ الإِقْرَارِ فَافْتَرَقَا.
الستوق، بالفتح: أردأ من النبهرجة، وعن الكرخي: الستوق عندهم ما كان فيه الصفر أو النحاس غالبًا، وقيل: هو تعريب (سه تو).
وفي المبسوط (^١): الستوقة كالفلوس، فإنه صفر مموه من الجانبين، وقيل: معرب (سه طاقة) أي: الطاق الأعلى والأسفل فضة، والأوسط صفر.
قوله: (فليس عليه) أي: على المُقر (شيء) لأن المقر به يحتمل الإبطال بالرد إذا كان مالا، ولا خلاف لأهل العلم، فارتد الإقرار برده، وفي رد المقر له المال لا يتفاوت بين أن يقول: ليس لي أو قال: بل هو لك، أو قال لفلان؛ لأنه لما كذبه فقد بطل إقراره، أما لو صدقه ثم رد إقراره - لم يرتد (^٢).
ولو أعاد المقر الإقرار بعد رد المقر له مرة، فقال: بل لك علي ألف، وقال المقر له: أجل هو لي عليك أخذتها؛ لأن الإقرار وإن بطل بالتكذيب بقي الإقرار الثاني، وقد اتصل التصديق به، فيؤاخذ به استحسانًا، والقياس ألا يلزمه بالإقرار الثاني شيء (^٣).
ولو وهبت المرأة صَدَاقَها، فقبل الزوج ثم رده - كان رده باطلا، وكذا لو قبل المديون البراءة ثم رده، وكذا قال لعبده: وهبت لك رقبتك فرد - لا يرتد بالرد، هذا كله في رد المقر له الإقرار (^٤).
أما لو رد المقر إقرار نفسه، بأن أقر بقبض الثمن ثم ادعى أنه لم يقبض،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/¬١٥).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٣)، فتح القدير (٧/ ٣٣٤).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٧٣)، فتح القدير (٧/ ٣٣٣).
(٤) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٣٤).
[ ٦ / ٤٥٤ ]
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَقَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ، فَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى أَلْفٍ، وَأَقَامَ هُوَ البَيِّنَةَ عَلَى القَضَاءِ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ) وَكَذَلِكَ عَلَى الإِبْرَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ القَضَاءَ يَتْلُو الوُجُوبَ وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَيَكُونُ مُنَاقِضًا.
وأراد تحليف المشتري - لا يحلف عند أبي حنيفة ومحمد، ويحلف عند أبي يوسف، وبه قال الشافعي (^١) وأحمد (^٢) في رواية.
وكذا لو أقر بالبيع ثم قال: كنت أقررت به لكن لم أقبض، أو أقر بدين ثم ادعى أنه أقر كاذبًا، فأراد تحليف المقر له - لم يحلف عندهما في المسائل كلها، وبه قال أحمد (^٣) في رواية؛ لأن الدعوى فاسدة؛ للتناقض، كما لو قال: ليس لي على فلان شيء، ثم ادعى عليه مالًا وأراد تحليفه، أو قال: هذا الشيء لفلان، ثم قال: هو لي، وأراد تحليفه - ليس له ذلك، كذا هنا، وقال أبو يوسف: يحلف لجريان العادة بالإشهاد على هذه الأشياء قبل تحققها احترازًا عن امتناع الآخر عن الإشهاد بعد التسليم والانتقاد، وهذا كما لو قال المقر بالبيع والتسليم: إني فعلت ذلك لكن البيع يلجئه، وطلب ثمن الآخر - حلف عليه، كذا هذا.
قال شيخ الإسلام وكذا هذا الخلاف في كل من أقر ثم ادعى أنه أقر كاذبا.
قال الصدر الشهيد (^٤): الرأي في التحليف للقاضي. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي والمحبوبي.
قوله: (وأنكر) يعني أقر بالشراء منه، وأنكر المقر له، ثم عاد إلى تصديقه، فإنه يصح؛ لأن المقر له يستبد بإبطال المقر له (لأن أحد العاقدين لا ينفرد بفسخه) إلى آخره.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ٤٠١)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ المعين (٣/ ٢٣١).
(٢) انظر: المغني (٥/ ١٥٧)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١٢/ ١٩٥).
(٣) انظر: المغني (٥/ ١٥٦)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١٢/ ١٩٥).
(٤) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ١٥١).
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وَلَنَا: أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنُ لِأَنَّ غَيْرَ الحَقِّ قَدْ يُقْضَى وَيَبْرَأُ مِنْهُ دَفْعًا لِلْخُصُومَةِ وَالشَّغَبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ قَضَى بِبَاطِلٍ، وَقَدْ يُصَالَحُ عَلَى شَيْءٍ فَيَثْبُتُ ثُمَّ يُقْضَى، وَكَذَا إِذَا قَالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ أَظْهَرُ (وَلَوْ قَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ وَلَا أَعْرِفُكَ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَى القَضَاءِ) وَكَذَا عَلَى الْإِبْرَاءِ، لِتَعَذَّرِ
الكافي: ذكر في الهداية (^١) أن أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ إلى آخره، وذكر قبله: (ولأنه لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري فات رضا البائع، فيستبد بفسخه) والتوفيق بين كلامه صعب (^٢).
قوله: (ولنا أن التوفيق ممكن) إلى آخره، دلت المسألة على قبول البينة من غير دعوى التوفيق، وفي بعض المواضع شرط دعوى التوفيق كما بينا أن محمدًا ذكر دعوى التوفيق في بعض المواضع ولم يذكر في البعض، فقيل: يشترط دعوى التوفيق في الكل، ويحمل ما سكت على ما ذكر، حتى قال في الأقضية: لا ينبغي للقاضي أن يوفق؛ لأنه نُصب لفصل الخصومات لا لإنشائها، ولأن القاضي لا يدري ما يوفقه المدعي.
وفي الفوائد الظهيرية: وكان والدي يفتي بأن التوفيق إذا كان ممكنا يجب على الحاكم التوفيق؛ حتى لا تتعطل حجج الشرع (^٣).
قوله: (لأن التوفيق أظهر) لأنه يقول: ليس لك علي شيء في الحال؛ لأني قد قضيت حقك، أو لأنك أبرأتني، ألا ترى أنه لو صرح به يصح! وهذا لأن (ليس) لنفي الحال (^٤).
قوله: (ولا أعرفك) أو قال: ولا رأيتك، أو: ولا جرى بيني وبينك مخالطة ولا خلطة، ولا أخذ ولا إعطاء، أو: ولا اجتمعت أنا وأنت في موضع، وما أشبهه، ثم أقام بينة على القضاء أو الإبراء (^٥).
_________________
(١) الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ١١٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٣)، فتح القدير (٧/ ٣٣٤).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٥)، فتح القدير (٧/ ٣٣٥).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٤)، فتح القدير (٧/ ٣٣٥).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٣٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ٧٤).
[ ٦ / ٤٥٦ ]
التَّوْفِيقِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَخْذُ وَإِعْطَاءٌ وَقَضَاءٌ وَاقْتِضَاءٌ وَمُعَامَلَةٌ بِدُونِ المَعْرِفَةِ. وَذَكَرَ القُدُورِيُّ لَهُ: أَنَّهُ تُقْبَلُ أَيْضًا، لِأَنَّ المُحْتَجِبَ أَوْ المُخَدَّرَةَ قَدْ يُؤْذَى بِالشَّغَبِ عَلَى بَابِهِ فَيَأْمُرُ بَعْضَ وكَلَائِهِ بِإِرْضَائِهِ وَلَا يَعْرِفُهُ ثُمَّ يَعْرِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمْكَنَ التَّوْفِيقُ.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ بَاعَهُ جَارِيَتَهُ فَقَالَ: لَمْ أَبِعْهَا مِنْكَ قَطُّ، فَأَقَامَ المُشْتَرِي البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ فَوَجَدَ بِهَا أُصْبُعًا زَائِدَةً، فَأَقَامَ البَائِعُ البَيِّنَةَ أَنَّهُ بَرِئَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ البَائِعِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرْنَا.
قوله: (وذكر القدوري) أي: عن أصحابنا أن بينة القضاء تقبل أيضًا إلى آخره.
وفي جامع قاضي خان (^١): فعلى هذا قالوا: لو كان المدعى عليه ممن يتولى الأعمال بنفسه لا تقبل بيّنته.
وفي الشافي قال: لم أدفع إليه شيئًا، ثم ادعى الدفع - لم يسمع؛ لأنه يستحيل أن يقول: لم أدفع إليه شيئًا وقد دفعته، أما لو ادعى إقراره بالدفع إليه أو القضاء ينبغي ألا يسمع؛ لأن المناقض هو الذي يجمع بين كلامين، وهنا لم يجمع، ولهذا لو صدقه المدعي عيانًا لا يكون مناقضًا. كذا ذكره التمرتاشي.
وقيل: تقبل البينة على الإبراء في هذا الفصل باتفاق الروايات؛ لأن الإبراء يتحقق بلا معرفة.
قوله: (فأقام البينة على الشراء) أي: أقام من ادعى المبيع، وهو المشتري، على الشراء منه (فوجد) أي: المشتري (بها) أي: بالجارية (أصبعًا زائدة) خص هذا العيب بالذكر دون عيب آخر؛ لما أنه عيب قديم لا يحدث مثله في مثل تلك المدة (^٢).
قوله: (اعتبارًا بما ذكرنا) وهو التوفيق في الدين، ثم وجه التوفيق هاهنا هو أن يكون البائع وكيلا من المالك في البيع، فكان المالك في قوله: (ما بعتها) صادقا، ثم المالك في دعواه البراءة من كل عيب لا يكون مناقضًا.
_________________
(١) انظر: فتاو قاضي خان (٢/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٥)، ٧/ ٣٣٦.
[ ٦ / ٤٥٧ ]
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ شَرْطَ البَرَاءَةِ تَغْيِيرٌ لِلْعَقْدِ مِنْ اقْتِضَاءِ وَصْفِ السَّلَامَةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ البَيْعِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَكَانَ مُنَافِضًا، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقْضَى وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (ذِكْرُ حَقٌّ كَتَبَ فِي أَسْفَلِهِ: «وَمَنْ قَامَ بِهَذَا الذِّكْرِ الحَقِّ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى»، أَوْ كَتَبَ فِي شِرَاءٍ: فَعَلَى فُلَانٍ خَلَاصُ ذَلِكَ وَتَسْلِيمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
ونظيره ما ذكر التمرتاشي: أقام بينة على الشراء، وذو اليد ينكر، ثم أقام المنكر بينة على أن المدعي رد المبيع عليَّ قبلت، ولا يبطل إنكاره البيع ببينته؛ لأنه يقول: أخذها مني ببينة كاذبة، ثم استقلته فأقالني، فإذا أمكن الجمع بينهما جمع.
(تغيير للعقد) أي: شرط البراءة عن العيب تغيير لصفة العقد عن اقتضاء وصف السلامة إلى غيره، وذلك لا يتصور بدون البيع؛ لأن الصفة بدون الموصوف لا تتصوّر، فإذا بطل التوفيق لزم التناقض، بخلاف الدين، فإن هناك تقبل بينة المطلوب على القضاء والإبراء بعد إنكاره أصل الدين؛ إذ التوفيق ممكن بأن يقول: ما كان لك علي شيء قط غير أني دفعت المال قطعًا للخصومة والملامة، فلما جحدتني أثبته (^١). كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (ذكر حق) أي: صك، يعني لو كتب صك الشراء ثم كتب في آخره: من قام بذكر هذا الحق فهو ولي ما فيه أو كتب: ما أدرك فلانا فعلي خلاصه، ثم كتب: إن شاء الله، فعند أبي حنيفة يبطل الصك كله، حتى يبطل الدين الذي فيه ونقد الشراء والخلاص، وعندهما الدين لازم والشراء ثابت.
وقوله: (إن شاء الله) ينصرف إلى قوله: ومن قام يذكر هذا الحق وعلي الخلاص؛ لأن الأصل أن الاستثناء يصرف إلى ما يليه، خصوصًا إذا قامت الدلالة عليه، وقد قامت هنا؛ لأن الصك إنما يُكتب للتوثق، وصرف الاستثناء
_________________
(١) (*) الراجح: هو ظاهر الرواية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٥)، فتح القدير (٧/ ٣٣٦، ٣٣٧).
[ ٦ / ٤٥٨ ]
تَعَالَى»، بَطَلَ الذِّكْرُ كُلُّهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هُوَ عَلَى الخَلَاصِ وَعَلَى مَنْ قَامَ بِذِكْرِ الحَقِّ، وَقَوْلُهُمَا: اسْتِحْسَانُ ذَكَرَهُ فِي الإِقْرَارِ (*) لِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يَلِيهِ لِأَنَّ الذِّكْرَ لِلاسْتِيثَاقِ، وَكَذَا الأَصْلُ فِي الكَلَامِ الاسْتِبْدَادُ، وَلَهُ: أَنَّ الكُلَّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِحُكْمِ العَطْفِ فَيُصْرَفُ إِلَى الكُلِّ، كَمَا فِي الكَلِمَاتِ المَعْطُوفَةِ مِثْلِ قَوْلِهِ: عَبْدُهُ حُرٌّ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَعَلَيْهِ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلَوْ تَرَكَ فُرْجَةً قَالُوا: لَا يَلْتَحِقُ بِهِ وَيَصِيرُ كَفَاصِلِ السُّكُوتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
إلى الكل يبطل التوثق، ولأن في ظاهر حال الناس أن الاستثناء في الكلمات إلى ما يليه.
ألا ترى أنه لو كتب كتابًا إلى بعض وكلائه، وقال في آخره: أن يقول كذا وكذا إن شاء الله ينصرف إلى ما يليه دون الكل، ولأبي حنيفة أن الكل كشيء واحد بحكم العطف، وما قالاه من العادة في الكتب أن يترك فرجة، أو يكتب بخط على حدة، فإن فعل كذلك لا ينصرف إلى الكل، ولهذا لو قرئ على المقر ما في الصك فقال: نعم، ينصرف قوله إلى جميع ما في الصك، حتى يحل للسامع أن يشهد بجميع ما في الصك، ولم يقتصر قوله: (نعم) على ما يليه، فكذا الاستثناء.
والمراد من الفُرجة: هو أن يترك شيئًا من البياض قبل قوله: ومن قام بذكر هذا الحق، ويجعل الفُرجة فصلا؛ إذ الفرجة في الصكوك كالسكوت في المنطق (^١).
فإن قيل: ينبغي ألا يكتب قوله: ومن قام، إلى آخره؛ لأنه توكيل، ولا يصح التوكيل على هذا الوجه؛ لأنه توكيل المجهول، والمجهول لا يصلح وكيلا.
قلنا: الغرض من كتابته إثبات رضا المُقر بتوكيل من يوكله المقر له بالخصومة، فيسقط امتناع المديون عن استماع خصومة الوكيل؛ إذ التوكيل بغير رضا الخصم لا يلزم عند أبي حنيفة، وعلى تقدير الرضا هنا يلزم التوكيل بلا
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٧٦)، فتح القدير (٧/ ٣٣٨).
[ ٦ / ٤٥٩ ]