قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، أَوْ اسْتَعَارَهَا: فَأَحْرَقَ الحَصَائِدَ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ
معكم؟ وهل استعد للخروج؟ فإن قالوا: نعم، ثبت العذر، وإلا فلا.
وهذا لأن الخروج لا بد له من الاستعداد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦].
وقيل: القاضي يحكم بزيه وثيابه، فإن كانت ثيابه ثياب السفر يجعله مسافرًا إذا نوى والسيما حجة عند اشتباه الحال.
وقيل: لو أنكر المؤجر السفر فالقول له.
وقيل: القاضي يُحَلِّف المستأجر: بالله إنك عزمت على السفر، وإليه مال القدوري، والكرخي.
وكذا لو خرج من المصر ثم عاد يحلف بالله: إنك قد خرجت قاصدًا إلى الموضع الذي ذكرت، ولو أراد رب العبد السفر لا يكون ذلك عذرًا لأنه يمكنه إيفاء المعقود عليه من غير أن يحبس نفسه في مكان معين بأن يخرج إلى السفر، ويخلي بين المستأجر وبين العبد.
مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ
حصد الزرع: جزه، من باب طلب وضرب والحصائد جمع حصيد،
[ ٧ / ٣٣٩ ]
أَرْضِ أُخْرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، فَأَشْبَهَ حَافِرَ البِئْرِ فِي دَارِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ هَادِئَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُضْطَرِبَةٌ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُوقِدَ النَّارِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقْعَدَ الخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ العَمَلَ بِالنِّصْفِ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الوُجُوهِ فِي الحَقِيقَةِ، فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ، فَيَنْتَظِمُ بِذَلِكَ المَصْلَحَةُ، فَلَا تَضُرُّهُ الجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمِلًا وَرَاكِبَيْنِ إِلَى مَكَّةَ: جَازَ، وَلَهُ
وهو الزرع المحصود، وأريد هاهنا ما بقي من أصول القصب المحصود في الأرض، كذا في المغرب (^١).
لأنه غير متعد في هذا التسبيب فإنه مسبب لا مباشر، والضمان بطريق التسبيب يعتمد التعدي في التسبيب.
ألا ترى أن من حفر بئرا في ملكه فوقع فيها إنسان فهلك لا يضمن، ولو رمى سهما في ملكه فأصاب إنسانًا أو مالا فهلك يضمن؛ لأنه مباشره فلم يتوقف على التعدي، وهذا لأن المباشرة علة فلا يبطل حكمها بعذر، فأما التسبيب فليس بعلة فلا بد من صفة العدوان ليلحق بالعلة.
وإحراق الحصائد هنا مباح وليس بتعد فلا يضاف التلف إليه.
وقيل هذا إذا كانت الرياح هادنة (^٢) حين أوقد النار، وقائله شمس الأئمة السرخسي، وهادنة بالنون: ساكنة من هدن إذا سكن، وفي نسخة: (هادئة) من هدأ بالهمز أي سكن.
قوله: (إنها)، أي: النار لا تستقر في أرضه، ولكن الريح تذهب بها إلى أرض الجيران فصار كأنه ألقاها في أرضهم.
قوله: (فهو جائز)، أي: استحسانًا لأنا إذا وجدنا سبيلا إلى الحكم بجوازه وهو شركة التقبل لا الإجارة، لأن تفسير شركة التقبل أن يكون ضمان العمل عليهما وأحدهما يتولى القبول من الناس، والآخر يتولى العمل لحذاقته وهو
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١١٧).
(٢) كتب تحت حرف النون نقطتان للدلالة على ورودها بالوجهين.
[ ٧ / ٣٤٠ ]
المَحْمِلُ المُعْتَادُ) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ، لِلْجَهَالَةِ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى المُنَازَعَةِ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الرَّاكِبُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَالمَحْمِلُ تَابِعٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ الجَهَالَةِ يَرْتَفِعُ بِالصَّرْفِ إِلَى المُتَعَارَفِ، فَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إلَى المُنَازَعَةِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَرَ الوَطَاءَ وَالدُّثُرَ.
متعارف - وجب القول بصحته، والقياس يأبى جوازه؛ لأنه إن كان شركة فرأس مال صاحب الدكان المنفعة، والمنافع لا تصلح رأس مال الشركة، وإن كان إجارة فاستأجره بنصف ما يخرج من عمله وهو مجهول.
وفي الاستحسان: هذا شركة الوجوه في الحقيقة فيجوز عندنا خلافًا للشافعي، والطحاوي أخذ في هذه المسألة القياس وقال: عندي القياس أولى من الاستحسان.
قوله: (وفي القياس لا يجوز، وهو قول الشافعي)، وأحمد لجهالة المحمل فإنه يتفاوت فيفضي إلى المنازعة فلا يجوز، كما في البيع.
وجه الاستحسان: أن المقصود هو الراكب وهو معلوم لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب، وحكي ذلك عن مالك، والمحمل تابع للراكب، وجهالته ترتفع بالصرف إلى المعتاد فلا يفضي إلى المنازعة.
قوله: (إذا لم ير الوطاء والدثر)، الوطاء: الفرش المفروشة، وبالفارسية: (يستر كسترده)، والدثار: كل ما كان من الثياب فوق الشعار، وبالفارسية: (جامة بزتر جامه)، والشعار: (جامه ايد روني).
وفي المحيط: استأجر بعيرين إلى مكة ليحمل على أحدهما محملًا فيه رجلان ومالهما من الوطاء والدثر، ولم ير الحمال الوطاء والدثر، وعلى الآخر زاملة عليه كذا مختوما من السويق، وما يصلحه من الزيت والخل، وما يكفي من الماء، ولم يبين قدره، وما يصلح من الحبل والمعاليق من القربة والمضاءة والمطهرة ولم يبين وزنه، أو شرط أن يحمل من هدايا مكة ما يحمل الناس، فهذا جائز استحسانًا للتعارف، وله أن يحمل ما هو متعارف (^١).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٧/ ٤٦٥).
[ ٧ / ٣٤١ ]
قَالَ: (وَإِنْ شَاهَدَ الجَمَّالُ المَحْمِلَ: فَهُوَ أَجْوَدُ)؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ وَأَقْرَبُ إِلَى تَحَقَّقِ الرِّضَا. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنْ الزَّادِ، فَأَكَلَ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ: جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَ مَا أَكَلَ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ حِمْلًا مُسَمًّى فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (وَكَذَا غَيْرُ الزَّادِ مِنْ المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ) وَرَدُّ الزَّادِ مُعْتَادُ عِنْدَ البَعْضِ كَرَدٌ المَاءِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ العَمَلِ بِالإِطْلَاقِ.
وحكي مثله عن مالك، وقال الشافعي وأحمد لا بد من معرفة المحمل، والوطاء، والدثر، والمعاليق، وتقدير الزاملة لما ذكرنا أنه مجهول جهالة تفضي إلى المنازعة وهو القياس.
واختلف أصحاب الشافعي في المعاليق كالقدر ومثله، فقيل: لا يجوز حتى يعرف قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان أحدهما: يفتقر إلى المعرفة، والثاني: لا يفتقر ويحمل على العرف فيها.
قوله: (جاز له أن يرد عوض ما أكل)، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وفي قول: يعتبر العرف، إن جرى بالاستبدال يستبدل، وإلا لا، وبه قال مالك.
وهذا الخلاف إذا أطلق، أما إذا شرط الاستبدال يستبدل بلا خلاف، ولو شرط عدم الاستبدال لا يستبدل بلا خلاف، ولو سرق أو هلك بغير أكل، أو بأكل غير معتاد يستبدل بلا خلاف.
قوله: (ورد الزاد معتاد عند البعض) جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: مطلق العقد محمول على العادة، وفي عادة المسافرين لا يردون شيئًا مكان ما أكلوا، فقال في جوابه: العرف مشترك فإنه معتاد عند بعض الناس، فكان العمل بالإطلاق أولى وهو أن المكاري قَبِلَ حمل المسمَّى من موضع إلى موضع، وإنما يكون ذلك بِرَدّ ما انتقص والإشكال مع جوابه مذكور في شرح الأقطع.
وفي المحيط: اشترط عقبة الأجير، وهو أن يستأجرها اثنان ينزل أحدهما ويركب الآخر، ولم يبينا مقدار ركوب كل واحد جاز للعرف، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وقال المزني: لا يجوز اكتراء العقبة إلا مضمونة في الذمة، وهو أن يبين مقدار ركوب كل واحد بالزمان، أو الفرسخ.
والحاصل أن اكتراء الظهر مبني على العرف إذ المعروف كالمشروط.
[ ٧ / ٣٤٢ ]