ثُمَّ لِلرُّجُوعِ مَوَانِعُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا) لِحُصُولِ المَقْصُودِ (أَوْ تَزِيدَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى الرُّجُوعِ فِيهَا دُونَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ الإِمْكَانِ
(ثم للرجوع موانع ذكر بعضها)، أي: القدوري، وقيل: الموانع سبعة، جمعها القائل في قوله:
ومانع من الرجوع في الهبة يا صاحبي … حُروفٌ: دَمع خة
فالدال: الزيادة، والميم: موت الواهب أو الموهوب، والعين: العوض، والخاء: الخروج عن ملك الموهوب له، والزاي الزوجية، والقاف: القرابة، والهاء: هلاك الموهوب.
أحدها: قبض العوض لما روينا، ولأن حق الرجوع كان لخلل في مقصوده، وقد عدم ذلك بوصول العوض إليه فهو كالمشتري يجد بالمبيع عينا فيزول العيب قبل أن يرده.
وثانيها: الزيادة المتصلة؛ كالغرس والبناء، والسّمن، وبه قال أحمد في رواية، وقال في رواية: لا يمنع الرجوع في هبة الوالد لولده كالزيادة المنفصلة، وبه قال الشافعي بما فيها زيادة في الموهوب فلا يمنع الرجوع؛ كالزيادة قبل القبض، والزيادة المنفصلة.
وقيد بالزيادة لأن النقصان لا يمنع بالإجماع، وقيد بالمتصلة لأن المنفصلة لا تمنع الرجوع بلا خلاف.
وفي الذخيرة: لو ولدت الجارية بعد الهبة يرجع فيها دون الولد (^١)، وقال أبو يوسف إنما يرجع فيها إذا استغنى الولد عنها (^٢).
والمراد بالزيادة في نفس الموهوب له شيء يوجب زيادة في قيمته، أما لو زاد في نفسه ولا يوجب ذلك زيادة في قيمته - كما لو طال الغلام - لا يمنع؛ إذ تلك الزيادة توجب نقصًا فيه فلا يمنع الرجوع، والزيادة من حيث السعر لا تمنع أيضًا، وكذا الحكم في جميع الحيوانات وغير ذلك، ذكره في المحيط.
_________________
(١) في مطبوع الذخيرة: (ذكر الحاكم إذا ولدت الجارية الموهوبة ولدًا فله أن يرجع في ولدها).
(٢) الذخيرة البرهانية لابن مازة (٩/ ١٤٧).
[ ٧ / ١٩٦ ]
وَلَا مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ العَقْدِ.
قوله: (لعدم دخولها)، أي: الزيادة في العقد، وليست بموهوبة فلم يصح الرجوع فيها، والفصل غير ممكن ليرجع في الأصل دون الزيادة، فامتنع الرجوع أصلا.
فإن قيل: حق الرجوع ثابت في حق الأصل فيسري إلى أوصافه.
قلنا: ثبوت الحكم في التبع ثبوته في الأصل؛ لأنه عرض قائم بالواهب، وليس بوصف للمحل ولا يقال: الملك لا بوصف اللزوم من أوصاف الأصل؛ لأن العدم ليس بشيء حتى يعد من أوصافه، كذا قيل.
في الذخيرة: الزيادة من حيث السعر لا تمنع لأنها ليست بزيادة في العين بل هي زيادة رغبات الناس، والعين بحالها.
ولو علمه القرآن، أو الحرفة، أو أسلم، أو قضى دينه فهذا لا يمنع الرجوع عند أبي حنيفة وزفر؛ لأنها ليست بزيادة في العين كالسعر، وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد، تُمنع لأنها زيادة معنوية، وهذا بخلاف الرد بالعيب في المبيع فإن الزيادة المتصلة لا تمنع الرد والمنفصلة تمنع؛ لأنه لو رد الولد لا يمنع إما أن يرده مقصودًا أو تبعًا لأمه فلا وجه للأول؛ لأن الرد فسخ العقد والفسخ إنما يرد فيما يرد فيه العقد، والعقد لم يرد في الولد، ولا وجه لفسخه تبعًا؛ لأن الولد بعد الانفصال ليس بتبع للأم حقيقة، ولا حكمًا، فإن شيئًا من أحكام البيع لا يثبت في الولد الحادث بعد القبض.
ولا وجه لفسخ العقد في حق الأصل دون الولد؛ لأن الولد مبيع من وجه؛ لأنه متولد منها، والمتولد من الشيء يحدث على صفة الأصل؛ كالمتولد من المدبر، والمكاتب، وما يكون مبيعًا من كل وجه لا يسلم للمشتري بعد الفسخ مجانًا لأنه ربا، فكذا ما يكون مبيعًا من وجه، وههنا هكذا بعد الفسخ في الأصل فإن الولد يسلم للمشتري مجانا في ضمن البيع وهو عين الربا، وهذا المعنى لا يمكن اعتباره في الهبة لعدم لزوم الربا.
أما الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة؛ لأن الزيادة غير موهوبة فلا يمكن الرجوع فيها بطريق التبعة لعدم رضى الموهوب له في الرجوع بخلاف رد
[ ٧ / ١٩٧ ]
قَالَ: (أَوْ يَمُوتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ)؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ المَوْهُوبِ لَهُ يَنْتَقِلُ المِلْكُ إِلَى الوَرَثَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا انْتَقَلَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ الوَاهِبُ فَوَارِثُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ العَقْدِ إِذْ هُوَ مَا أَوْجَبَهُ. قَالَ: (أَوْ تَخْرُجَ الهِبَةُ عَنْ مِلْكِ المَوْهُوبِ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطِهِ فَلَا يَنْقُضُهُ، وَلِأَنَّهُ تَجَدُّدُ المِلْكِ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ.
المبيع مع الزيادة المتصلة؛ لأن من له الحق في الزيادة - وهو المشتري - راض بكون الزيادة تبعًا للأصل؛ لأنه هو الذي يرده بدون اختيار البائع، إليه أشار في الذخيرة (^١)، والإيضاح.
ولو اختلفا في الزيادة فالقول للواهب؛ لأنه ينكر لزوم العقد، وعند زفر القول للموهوب له؛ لأنه ينكر حق الواهب في الرجوع.
قوله: (إذا ما أوجبه)، أي: ما أوجب الملك للموهوب له فلا يكون له حق الرجوع بالنص؛ لأنه أوجب الرجوع للواهب وهو ليس بواهب، ولأنه ربما كان غرض الواهب إظهار الجود والسخاء، ورجوع الوارث يبطل عليه ذلك.
وعند الأئمة الثلاثة في هبة الولد يمنع الرجوع إذا خرجت عن ملك الولد ببيع، أو هبة، أو وقف، أو إرث أو غير ذلك كمذهبنا.
(لأنه)، أي: خروج ملك الموهوب عن ملك الموهوب له (حصل) بتسليط الواهب فلا ينقضه؛ لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، ولا يبدل الملك كتبدل العين وقد يبدل الملك بتجدد السبب.
ولو وهب لمكاتب رجل ثم عجز المكاتب فليس له أن يرجع فيها عند محمد؛ لأن هذه هبة للمكاتب وكان حقيقة، ولهذا كان حق القبول للمكاتب فكان ملكا له، ولهذا يتصرف فيه تصرف الملاك، وبالعجز انتقل ملكه إلى مولاه فصار كانتقاله إلى إنسان آخر.
وعند أبي يوسف له الرجوع؛ لأن الهبة وقعت للمكاتب من وجه وللمولى من وجه وبالعتق يصير ملكا له من كل وجه، وبالعجز لسيده من كل وجه، ثم إذا
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية لابن مازة (٩/ ١٤٨).
[ ٧ / ١٩٨ ]
قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَ لِآخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ، فَأَنْبَتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنهَا نَخْلًا، أَوْ بَنَى بَيْتًا، أَوْ دُكَّانًا، أَوْ آرِيًّا، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهَا: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنهَا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وَقَوْلُهُ: «وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِيهَا»؛ لِأَنَّ الدُّكَّانَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا حَقِيرًا لَا يُعَدُّ زِيَادَةً أَصْلًا، وَقَدْ تَكُونُ الأَرْضُ عَظِيمَةً … يُعَدُّ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي قِطْعَةٍ مِنهَا،
عتق له أن يرجع، فكذا إذا عجز، ولو وهب دارًا أو قبضها فباع نصفها له الرجوع في الباقي.
قوله: (أو آريا) الآريُّ هو المعلف عند العامة وهو مراد الفقهاء، وعند العرب: الآري وهي عروة حبل تشد إليها الدابة في محبسها، فاعول من تأرى بالمكان إذا أقام فيه، كذا في المغرب (^١).
قوله: (وكان ذلك زيادة)، الواو للحال، أي: وقد كان.
وفي الذخيرة: وإن كان ذلك لا يعد زيادة كالآري، أو يعد نقصا كالتنور في الكاشانة لا يمنع الرجوع (^٢).
وفي جامع أبي اليسر: وقوله وكان ذلك زيادة يريد بهذا أن بنى دكانا بعد ذلك زيادة في الدار؛ لأن الزيادة في جانب الدار تعد زيادة في كل الدار فإن القيمة تزداد بها فيها، كما لو كان في إحدى عيني الجارية بياضًا فزال يعد ذلك زيادة، وإن كان في موضع خاص.
وفي الفتاوى: قصر الثوب يمنع الرجوع وغسله لا، ولو علق سلسلة أو (حبلا) (^٣) في المسجد، أو وضع فيه بواري، أو بابا، أو خصص ليس له الرجوع لأنها تترك عادة، ولو وضع فيه خباء، أو علق قنديلا له الرجوع، والفتل والثقب في اللؤلؤة إن كان يزيد في الثمن يسقط الرجوع، ولو وهب عبدًا صغيرًا فشاخ ونقصت قيمته سقط الرجوع؛ لأنه زاد في يده، ولو ازداد قيمته بالنقل إلى بلد آخر سقط بخلاف ما إذا غلا السعر ثم في الهبة لذي رحم محرم لا رجوع
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٤).
(٢) الذخيرة البرهانية لابن مازة (٩/ ١٤٥).
(٣) في المخطوط (حبا).
[ ٧ / ١٩٩ ]
فَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِهَا. قَالَ: (فَإِنْ بَاعَ نِصْفَهَا غَيْرَ مَقْسُومٍ: رَجَعَ فِي البَاقِي)؛ لِأَنَّ الاِمْتِنَاعَ بِقَدْرِ المَانِعِ (وَإِنْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنهَا: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِهَا)؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّهَا فَكَذَا فِي نِصْفِهَا بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى. قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ هِبَةٌ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهُ: فَلَا رُجُوعَ) فِيهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا كَانَتْ الهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا»؛ وَلِأَنَّ المَقْصُودَ فِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَلَ وَكَذَلِكَ مَا
فيها عندنا وبه قالت الأئمة وفي هبة أحد الزوجين لا رجوع فيها عندنا، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية: يرجع في هبة المرأة لزوجها دون العكس.
قوله: (لقوله ﵇: «إذا كانت الهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ») (^١) الحديث قيل هذا قول عمر ذكره مالك في الموطأ وقلنا: هذا مما لا يعرف بالرأي فقاله سماعا وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة السلام قال: «لا يَرجِعُ واهب في هِبَتِهِ لذِي الرَّحِمِ المُحَرَّم».
قوله: (وقد حصل)، أي المقصود، وكل عقد أفاد مقصوده يلزم فإن وهب لقن أخيه أو لأخيه القِنِّ يرجع، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يرجع في الأولى؛ لأن الملك يقع لمولاه وهو أخوه.
ولأبي حنيفة أن الهبة تقع للمولى من وجه وهو ملك الرقبة، وللعبد من وجه وهو ملك اليد، ألا ترى أنه أحق به ما لم يفضل عن حاجته، فلو اعتبرنا أحد الجانبين يلزم ولو اعتبرنا الجانب الآخر لا يلزم فلا يلزم بالشك في المسألتين.
قوله: (لأن المقصود فيها)، أي: هبة أحد الزوجين لآخر (الصلة)؛ لأن الزوجية نظير القرابة القريبة، ولهذا يتعلق بها التوارث من الجانبين من غير حجب، ويمتنع قبول شهادة أحدهما للآخر، وكان المقصود بالهبة تحقيق ما بينهما من معنى السكن والازدواج، وفي الرجوع إيقاع العداوة بينهما والنفرة،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٦١ رقم ٢٩٧٣)، والحاكم (٢/ ٥٢) رقم (٢٣٤٢) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ)؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ فِيهَا الصِّلَةُ كَمَا فِي القَرَابَةِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى هَذَا المَقْصُودِ وَقْتَ العَقْدِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ لَهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ أَبَانَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ فَلَا رُجُوعَ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ: خُذْ هَذَا عِوَضًا عَنْ هِبَتِكَ، أَوْ بَدَلًا
والزوجية لمعنى الألفة والمودة فلا يجوز لأحدهما الإقدام على ما يضاده كما في بين القرابات، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (بعدما تزوج)، أي: بعد ما تزوج ووهب، وفي بعض النسخ: (بعدما وهب)، وهو ظاهر فلا رجوع لأنه علم أنه لم يكن مقصوده العوض بخلاف ما لو تزوجها بعد الهبة فإنه يعلم أن مقصوده العوض لوقوع الهبة لأجنبية، ولم ينل ذلك فله الرجوع.
وفي جامع قاضي خان: وهبت لزوجها ضيعة على أن لا يطلقها وقتًا معلومًا فطلقها قبله فالهبة باطلة، وإن لم يؤقت ثم طلقها فالهبة صحيحة؛ لأنه وفي بالشرط.
قوله: (خذ هذا عوضًا) إلى آخره، ولا خلاف فيه، وفي جامع قاضي خان، وفتاواه: صورة التعويض أن يذكر لفظا يعلم الواهب أنه عوض هبته بأن يقول الموهوب: خذ هذا عوضًا، أو جزاء هبتك، أو ثواب هبتك.
أما إذا وهب شيئًا ولم يعلم الواهب أنه عوض هبته كان لكل واحد منهما الرجوع في هبته (^٢).
وفي المبسوط: سواء كان الهبة شيئًا قليلًا أو كثيرًا، من جنس الهبة، أو من غير جنسها؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة فلا يتحقق فيه الربا وإنما هو لقطع حق الرجوع (^٣).
ويشترط شرائط الهبة في العوض من القبض، والإقرار لأنه تبرع، ولابد أن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٥١).
(٢) فتاوى قاضي خان (٣/ ١٥٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٨).
[ ٧ / ٢٠١ ]
عَنْهَا، أَوْ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَقَبَضَهُ الوَاهِبُ: سَقَطَ الرُّجُوعُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَهَذِهِ العِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنَى وَاحِدًا (وَإِنْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ المَوْهُوبِ لَهُ مُتَبَرِّعًا، فَقَبَضَ الوَاهِبُ العِوَضَ: بَطَلَ الرُّجُوعُ)؛ لِأَنَّ العِوَضَ لِإِسْقَاطِ الحَقِّ فَيَصِلُّ مِنْ الأَجْنَبِيِّ كَبَدَلِ الخُلْعِ وَالصُّلْحِ: قَالَ: (وَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الهِبَةِ: رَجَعَ بِنِصْفِ العِوَضِ)؛ لِأَنَّهُ
يكون العوض من مال غير الموهوب له، حتى لو عوض شيئًا من الموهوب بأن كانت الهبة ألف درهم والعوض درهم واحد من تلك الدراهم لا يجوز، وكذا لو كانت الهبة دارًا والعوض بيت منها لا يجوز، وعند زفر يجوز؛ لأن ملك الموهوب له تم في الهبة بالقبض فالتحق بسائر أمواله.
ولنا أن المقصود لا يحصل بهذا للواهب لأنا نعلم يقينا أنه بهبته ما قصد تحصيل درهم من تلك الدراهم؛ لأن ذلك كان سالمًا له فعلم أن قصده العوض الآخر.
وقوله: (متبرعًا) ما هو قيد فإن الحكم في غير المتبرع كذلك، حتى لو عوضه الأجنبي بأمر الموهوب له، أو عوضه بشرط أن يرجع على الموهوب له بطل الرجوع، وإنما ذكر هذا ليعلم بطلان الرجوع في غير المتبرع بالطريق الأولى، ولكن لو عوضه بأمر الموهوب له لا يرجع بالعوض عليه إلا أن يضمنه الموهوب له صريحًا، بخلاف قضاء الدين فإنه لو قضى دين آخر بأمره يرجع عليه سواء ضمنه صريحا أو لا.
والفرق أن الأداء في قضاء الدين مستحق عليه فكان في الأمر بالأداء إسقاط المطالبة بمال مستحق فيملك ما في ذمته فيرجع عليه، أما العوض في الهبة غير مستحق على الموهوب له فإنما أمره بأن يتبرع عنه بمال نفسه، والتبرع بمال نفسه على غيره لا يثبت حق الرجوع من غير ضمان، ألا ترى أنه فيما فوق هذا لا يرجع بالأمر بدون شرط الضمان نحو ما إذا قال: كفر يميني من طعامك، وأد زكاة مالي، فهذا أولى، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لإسقاط) أي: لإسقاط حق الرجوع لا لتمليك العين.
قوله: (والصلح) أي: الصلح عن دم العمد، أو كصلح الأجنبي مع
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٦).
[ ٧ / ٢٠٢ ]
لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَهُ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ العِوَضِ لَمْ يَرْجِعْ فِي الهِبَةِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَرْجِعُ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ اعْتِبَارًا بِالعِوَضِ الْآخَرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ
صاحب الدين من دينه على مال نفسه يجوز ويسقط الدين (^١) عن المديون، ذكره في المبسوط (^٢).
فهذا مثله لأنه بدل ماله لإسقاط حق فصح من الأجنبي كما صح ممن عليه الحق.
قوله: (اعتبارًا بالعوض الآخر)، وهو الهبة، وهذا لأن كل واحد منهما صار مقابلا بالآخر؛ كبيع العرض بالعرض فيرجع في نصف الهبة كالعكس. (ولنا أنه)، أي: الباقي يصلح عوضًا للكل من الابتداء، والمستحق خرج من أن يكون عوضًا فصار كأنه عوضه ابتداء بهذا النصف، ولو كان كذلك لم يرجع في شيء من الهبة فكذا ههنا.
وإنما يمكن الخلل في رضى الواهب به فكان تأثيره في إثبات الخيار له في العوض بين أن يرد الباقي ويرجع في الهبة، وبين أن يمسك ما بقي ولم يرجع بشيء، كذا في المبسوط (^٣).
وفي الأسرار: بخلاف ما إذا كان العوض مشروطًا في العقد؛ لأنها تتم بيعًا ومبادلة فيعود البدل على المبدل.
أما في مسألتنا فالسقوط حكم، والعوض علة، والحكم يثبت بالعلة ولا يتوزع على العلل وإن كثرت، فلا يبطل شيء من الحكم بذهاب بعض ما يصلح علة إذا بقي ما يصلح علة، وبخلاف ما إذا استحق بعض الهبة؛ لأن المعوض ما ملكه العوض إلا جزاء فيعتبر حكم المقابلة في حقه، أما الواهب فملك الهبة ابتداءً من غير أن يقابله شيء فلم يعتبر معنى المقابلة، وهذا جواب قياس زفر.
ولأن للعوض شبه ابتداء الهبة من حيث أن المعوض مختار فيه متبرع، وشبه المبادلة من حيث إنه ملكه مضافًا إلى الهبة، فلشبهه بالمبادلات
_________________
(١) كررت في الأصل.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٧).
[ ٧ / ٢٠٣ ]
يَصْلُحُ عِوَضًا لِلْكُلِّ مِنَ الابْتِدَاءِ، وَبِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا عِوَضَ إِلَّا هُوَ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَّا لِيَسْلَمَ لَهُ كُلُّ العِوَضِ وَلَمْ يَسْلَمْ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ.
قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ دَارًا فَعَوَّضَهُ مِنْ نِصْفِهَا رَجَعَ الوَاهِبُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُعَوِّضْ)؛ لِأَنَّ المَانِعَ خَصَّ النِّصْفَ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ)؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وَفِي أَصْلِهِ: وَهَاءُ، وَفِي حُصُولِ المَقْصُودِ وَعَدَمِهِ: خَفَاءٌ، فَلَا بُدَّ
من إذا استحق الكل رجع في الهبة، ولشبهه بابتداء الهبة إذا استحق النصف لا يرجع في شيء من الهبة إلا أن يرد ما بقي، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لأن المانع خص النصف)، فإن قيل: لما كان العوض لإسقاط حق الرجوع حتى يصح من الأجنبي كبدل الخلع والصلح فينبغي أن يعمل في كله؛ لأن الإسقاطات لا تتجزأ كما في الطلاق.
قلنا: إن كان في العوض معنى الإسقاط، لكن فيه شبه آخر كما ذكرنا من شبهة الهبة وشبهة المبادلة، فمن هذين الشبهين كان التعويض محتملا للتجزيء، فإذا أضافه إلى البعض اقتصر الحكم عليه، وذلك لأنه يجوز أن يثبت حق الرجوع في النصف دون النصف ابتداء؛ كما لو وهبه النصف وتصدق عليه بالنصف كذا قيل، وإليه أشار في المبسوط (^٢).
قوله: (إلا بتراضيهما أو بحكم)، حتى لو استردها بغير قضاء ولا رضى كان غاصبا، فلو هلك في يده يضمن قيمته للموهوب له، وقال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤): يجوز الرجوع بدون القضاء أو الرضا؛ لأنه خيار في فسخ العقد فلا يفتقر إلى القضاء أو الرضا؛ كالفسخ بخيار الشرط.
وقلنا (إنه) أي: الرجوع (مختلف بين العلماء، وفي أصله الرجوع وهاء)
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٧٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٢١)، والمجموع للنووي (١٥/ ٣٧٩).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٥٩)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (٦/ ٢٨٤).
[ ٧ / ٢٠٤ ]
الفَصْلِ بِالرِّضَا أَوْ بِالقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الهِبَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ القَضَاءِ، نَفَذَ، وَلَوْ مَنَعَهُ فَهَلَكَ: لَمْ يَضْمَنْ؛ لِقِيَامِ مِلْكُهُ فِيهِ، وَكَذَا إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ القَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ القَبْضِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَهَذَا دَوَامٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى، وَإِذَا رَجَعَ بِالقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي يَكُونُ فَسْخًا مِنْ الأَصْلِ حَتَّى لَا يَشْتَرِطُ قَبْضَ الوَاهِبِ
هكذا وقع في أكثر النسخ، وفي بعض النسخ: (وهي)، في المغرب: وهاء، أي: ضعف بالمد خطأ، وإنما هو الوهي مصدر وهي الحبل يهي وهيا إذا ضعف (^١).
وفي حصول المقصود وعدمه خفاء؛ لأنه يحتمل أن يكون غرض الواهب العوض الدنياوي، ويحتمل أن يكون غرضه ثواب الآخرة، ويحتمل أن يكون غرضه إظهار الجود والسماحة، فعلى الوجهين الأخيرين ليس الرجوع (^٢) لحصول مقصوده، وعلى الوجه الأول له الرجوع، فلما تردد بين الأمرين احتاج إلى القضاء ليترجح جانب الرجوع على عدمه.
وكذا اختلاف العلماء في جواز الرجوع وعدمه دليل على أن صحة حكم الرجوع ليس بقطعي فلا بد أن يتصل بالقضاء حتى يكون قطعيا، ولأن الرجوع فسخ العقد فلا يصح إلا ممن له ولاية العامة وهو القاضي، أو منهما لولايتهما على أنفسهما كالرد بالعيب بعد القبض.
قوله: (الرجوع بالتراضي فسخًا من الأصل)، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال زفر: الرجوع بغير القضاء بمنزلة الهبة المبتدأة لعود الملك إليه بتراضيهما فيعتبر عقدًا جديدًا في حق ثالث فأشبه الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء.
وقلنا: عقد الهبة وقع جائزا موجبًا حق الفسخ، فكان الواهب بالفسخ مستوفيا حقًا ثابتًا له فيظهر على الإطلاق؛ لأن استيفاء الحق لا يتوقف على القضاء إذ حقه مقصور على العين، وفي مثله القضاء وعدمه سواء كالأخذ بالشفعة، وهذا لأنهما فعلا بدون القاضي عَيْنَ ما أمَرَ به القضاء أن لو رفعا إليه،
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٩٩).
(٢) هكذا في الأصول الخطية، ولعلها: (ليس له الرجوع).
[ ٧ / ٢٠٥ ]
وَيَصِحُ فِي الشَّائِعِ؛ لِأَنَّ العَقْدَ وَقَعَ جَائِزا مُوجِبًا حَقَّ الفَسْخِ، فَكَانَ بِالفَسْخِ مُسْتَوْفِيًا حَقًّا ثَابِتًا لَهُ فَيَظْهَرُ عَلَى الإِطْلَاقِ،
وإنما يكون التراضي موجبًا ملكًا مبتدأ إذا تراضيا على سبب موجب للملك كالهبة، والصدقة، والوصية، وههنا تراضيا على رفع السبب الأول، وذلك لا يصلح موجبا ملكًا مبتدأ، بخلاف الرد بالعيب بغير القضاء فإن حق المشتري في عين الرد بل بالمطالبة بالجزء الفائت.
ولهذا لو تعذر الرد يرجع بحصة (^١) العيب من الثمن، وإذا كان حقه في وصف السلامة وكذا لو زال العيب قبل الرد لا تكون ولاية الرد، فإذا لم يكن سليما وفات المشروط كان له أن لا يرضى فيثبت حق الفسخ ضرورة، فيتوقف لزوم موجب الفسخ في حق الثالث على القضاء لعموم ولايته وقصور ولايتهما عليهما.
ولا يلزم على هذا الرد في المرض فإنه لو رد في مرضه بغير قضاء يعتبر من الثلث، ولو كان الرد بالتراضي فسخًا من الأصل لاعتبر ذلك من جميع ماله كما في الرد بالقضاء؛ لأن فيه روايتين.
وعن ابن سماعة في المسألة قياس واستحسان في القياس يعتبر، وفي الاستحسان من الثلث؛ لأنه تمليك مبتدأ، ولكن الرد في مرضه باختياره يتهم بالقصد إلى إبطال حق الورثة عما تعلق حقهم، فلرد قصده جعل معتبرا من الثلث لا لأنه تمليك مبتدأ، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (ويصح في الشائع)، أي: الرجوع يصح في الشائع الذي يحتمل القسمة بأن وهب دارًا أو نحوها ورجع في نصفها، ولو كان الرجوع هبة مبتدأ كما قال زفر ينبغي أن لا يصح، وحيث يصح فعلم أنه فسخ، كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (فيظهر)، أي: الفسخ في الرجوع (على الإطلاق)، أي: من كل وجه في الصورتين وهما: بالرد بالقضاء، والرضا.
_________________
(١) في الأصل (بصحة).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٨٢).
[ ٧ / ٢٠٦ ]
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ بَعْدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ هُنَاكَ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ لَا فِي الفَسْخِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَإِذَا تَلِفَتِ العَيْنُ المَوْهُوبَةُ وَاسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌ، وَضَمِنَ المَوْهُوبُ لَهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الوَاهِبِ بِشَيْءٍ)؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ، وَالغُرُورُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ سَبَبُ الرُّجُوعِ لَا فِي غَيْرِهِ.
(بخلاف الرد بالعيب بعد القبض)، قيد به لأن الرد بالعيب قبل القبض فسخ من الأصل سواء كان بالقضاء، أو الرضى.
قوله: (كما في العارية) حيث لا يرجع المستعير بضمان الاستحقاق على المعير (وهو) أي: الموهوب له (غير عامل له) أي: للواهب فلا يرجع، ويحترز به عن المودع فإنه يرجع بما ضمن على المودع؛ لأن المودع عامل للمودع في الحفظ.
وقوله: (والغرور) إلى آخره جواب عما قال الشافعي إنه يرجع على الواهب لأنه غره بالهبة؛ كالبائع إذا غر المشتري.
قلنا: مجرد الغرور لا يثبت حق الرجوع ما لم يوجد ضمان السلامة إما نصا، أو في ضمن عقد المعاوضة، حتى لو ضمن الواهب سلامة الموهوب للموهوب له نصا يرجع على الواهب، ذكره في الذخيرة.
ولهذا لو وهب الغاصب ما غصب، أو باع، أو تصدق، أو أجر، أو رهن، أو أودع، أو أعار فهلك ضمنوا، ولا يرجع الموهوب له على الغاصب والمتصدق عليه على الغاصب، ويرجع المستأجر والمرتهن ويرجع المشتري بالثمن، ولا يرجع السارق من الغاصب، ولا غاصب الغاصب، كذا في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِي.
وفي المبسوط: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع، فإن من أخبر إنسانًا بأمن الطريق فسلك فيه فأخذه اللصوص لم يرجع على المخبر بشيء، وإنما يثبت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة لأن صفة السلامة مستحقة (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٧٨).
[ ٧ / ٢٠٧ ]
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ العِوَضِ: اُعْتُبِرَ التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ فِي العِوَضَيْنِ، وَتَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ)؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ ابْتِدَاءً فَإِنْ تَقَابَضَا: صَحَّ العَقْدُ وَصَارَ فِي حُكْمِ البَيْعِ، يُرَدُّ بِالعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَتُسْتَحَقُّ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ انْتِهَاءً. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: هُوَ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى البَيْعِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ بِعِوَضٍ، وَالعِبْرَةُ فِي العُقُودِ لِلْمَعَانِي، وَلِهَذَا كَانَ بَيْعُ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إِعْتَاقًا.
وَلَنَا: أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَدْ
قوله: (وإذا وهب بشرط العوض) إلى آخره، قال المحبوبي في جامعه: هذا إذا ذكر بكلمة (على)، أما لو ذكره بحرف الباء بأن قال: وهبتك بهذا الثوب، أو بألف درهم، وقبله الآخر يكون بيعًا ابتداءً وانتهاء بالإجماع.
قوله: (والعبرة في العقود للمعاني)، ألا ترى أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، وكذا الحوالة بشرط عدم الأصيل كفالة، ولو وهب ابنته لرجل كان نكاحًا، ولو وهب امرأته لنفسها كان طلاقًا، ولو وهب عبده لنفسه كان إعتاقًا، ولو وهب الدين لمن عليه كان إبراء، فاللفظ واحد، والعقود مختلفة لاختلاف المعنى والمقصود.
وقوله: (بيع العبد) من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول، أي: بيع المولى العبد من نفسه.
قوله: (عملا بالشبهين)؛ كالإقالة لما اشتملت على معنى البيع والفسخ جمعنا بينهما، وقد أمكن الجمع ههنا كما ذكر في المتن، وهذا لأن اللفظ قالب المعنى فلا بد من اعتباره، إلا إذا تعذر الجمع للمنافاة كما فيما ذكرا من المسائل فوجب اعتبار المعنى وسقط اعتبار اللفظ ترجيحا للمعنى عليه، ولا منافاة ههنا.
فإن قيل: المنافاة ههنا ثابتة لأن قضية البيع اللزوم، وترتب الملك عليه بلا فصل، وحكم الهبة على عكسه، وتنافي اللازمين مستلزم لتنافي الملزومين فتتحقق المنافاة بين البيع والهبة ضرورة.
قلنا: البيع قد يكون غير لازم كالبيع بالخيار، وقد لا يترتب الملك عليه كما في البيع الفاسد؛ لتوقفه على القبض، فلم يكن اللزوم والترتب من لوازمه ضرورة.
[ ٧ / ٢٠٨ ]
أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الهِبَةَ مِنْ حُكْمِهَا تَأَخُرُ المِلْكِ إِلَى القَبْضِ، وَقَدْ يَتَرَاضَى عَنْ البَيْعِ الفَاسِدِ وَالبَيْعُ مِنْ حُكْمِهِ اللُّزُومُ، وَقَدْ تَنْقَلِبُ الهِبَةُ لَازِمَةً بِالتَّعْوِيضِ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ بَيْعِ نَفْسِ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ البَيْعِ فِيهِ، إِذْ هُوَ لَا يُصْلَحُ مَالِكًا لِنَفْسِهِ.