ولا بأس بالمسابقة في الرمي، والفرس، والإبل، إن شرط المال من جانب واحد، بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني: فلك كذا، وإن سبقتك: فلا شيء لي، لقوله ﵇: "لا سبق إلا في خف ونصل أو حافر" رواه أحمد وأبو داود وجماعة أخر.
وحرم: لو شرط المال من الجانبين، بأن يقول: إن سبق فرسك: أعطيتك كذا، وإن سبق فرسي: فأعطني كذا، إلا إذا أدخلا ثالثًا سهمًا، وقالا للثالث: إن سبقتنا: فالمالان لك، وإن سبقناك: فلا شيء لنا عليك، ولكن أيهما سبق صاحبه: أخذ المال المشروط.
وكذا المتفقة: إذا شرط لأحدهما الذي معه الصواب: صح، وإن شرطاه لكل واحد منهما على صاحبه: لا يجوز، كما في المسابقة.
واعلم أن رمي السهم له فضائل كثيرة، لقوله ﵇: "إن الله ليدخل بالسهم الواحد: الثلاثة الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به" رواه ابن ماجة.
وقال ﵇: "من رمى العدو بسهم، فبلغ سهمه العدو أصاب أو أخطأ: فيعدل رقبة" رواه ابن ماجة.
وقال ﵇: "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني" رواه ابن ماجة.
قوله: (ويباح السلام على المشغول بالشطرنج بنية التشويش) يعني ليشوشهم ليغلطوا في حسابهم، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل: لا يباح، تحقيرًا لهم.
وروي أن عليًا ﵁ مر بقوم يلعبون بالشطرنج ولم يسلم عليهم، فقيل له في ذلك،
[ ٤٢١ ]
فقال: "كيف أسلم على قوم يعكفون على أصنامهم"، وهذا قول أبي يوسف ومحمد.
قوله: (والجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد يؤكل) لأن ابن عمر ﵁: كان يشتري الجوز لصبيان وهم يلعبون، ثم يأكله معهم.
قوله: (إن لم يقامروا به) لأنهم إذا قامروا به: يكون حرامًا، لأن كل ما يكتسب من القمار حرام.
والقمار من القمر: وهو اليسر، سمي به: لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة، من غير كد ولا تعب.
قلت: وحكم البيض المسلوق الذي يلعب به الصبيان على هذا الحكم.
قوله: (وسماع صوت الملاهي كلها حرام) لقوله ﵇: "استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها من الكفر" رواه الصدر الشهيد في كراهية الواقعات.
والملاهي تشمل جميع أنواع اللهو، حتى التغني بضرب القضيب ونفخ القصب.
قوله: (فإن سمع بغتة: فهو معذور) لأنه لم يكن منه قصد، فيعذر فيه، ثم يجتهد أن لا يسمع بعد ذلك مهما أمكنه، لأن الإعراض عن سماعه واجب.
قوله: (ويحل ضرب الدف في العرس لإعلان النكاح) لقوله ﵇: "أعلنوا النكاح ولو بالدف" وقال ﵇: "فصل ما بين الحرام والحلال: الدف والصوت في النكاح" رواه ابن ماجة.
[ ٤٢٢ ]
قوله: (وضرب الطبل في الحج والغزوات: للإعلام لا للهو) أي يحل ضرب الطبل في الحج والغزوات لإعلام الرحيل والنزول، ولأنه هيبة للمسلمين على الأعداء. قيد بقوله: (لا للهو) لأن ضرب الطبل وغيره للهو: حرام، لأنه معصية.
قوله: (وما يأخذ المغني والنائحة من غير شرط: مباح) لأنه حصل برضا صاحبه، فيباح له.
قوله: (ومع شرط: حرام) لأن بالشرط يكون مقابلًا بالمعصية، فعليه رد ما أخذ على أربابه إن عرفهم، لأن الأخذ معصية، والسبيل في المعاصي: ردها، فكذلك هنا، وعليه أن يتصدق إن لم يعرف أربابه.
وذكر الحاكم في كسب المغنية: أنه إن قضي به دين: لم يسع لصاحب الدين أن يأخذه، لأنه بمنزلة الغصب، وأما في القضاء: فإنه يجبر على أخذه.
قوله: (ولا تركب المرأة على السرج) لقوله ﵇: "لعن الله الفروج على السروج".
قوله: (إلا للضرورة) يعني إذا كانت المرأة في سفر الحج وغيره، واضطرت للركوب على السرج، تركب مستديرة، لأن الضرورة تبيح المحظورة.
[ ٤٢٣ ]
قوله: (ومن رأى منكرًا وهو ممن يفعله: يلزمه النهي عنه) أي عن ذلك المنكر، لأن في الامتناع عنه يرتكب محظورين: فعل المنكر، وترك النهي عن المنكر، وفي إقدامه: يكتسب ثواب النهي عن المنكر.
والكف عن النهي عن المنكر: سبب لعموم العقوبات لجميع الناس، لقوله ﵇: "إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه: أوشك أن يعمهم الله بعقابه" رواه ابن ماجة.
قوله: (حامل اعترض الولد في بطنها وقت الولادة وخيف عليها) أي على الحامل (ولم يمكن إخراجه) أي إخراج الولد (إلا بقطعه: لم يجز قطعه) بأن تدخل القابلة يدها داخل الفرج فتقطعه بآلة ونحوها، لأن موتها موهوم، فبأمر موهوم لا يجوز إتلاف آدمي حي، حتى إذا كان ميتًا: يجوز أن يقطع لتتخلص أمه.
قوله: (حامل ماتت فتحرك في بطنها الولد، فإن غلب على الظن حياته وبقاؤه: يشق بطنها من الجانب الأيسر ويخرج منه) لأنه سبب إلى إحياء نفس محترمة، وقد فعل ذلك أبو حنيفة وعاش الولد. ولو دفنت، وقد أتى على الولد سبعة أشهر، وكان يتحرك في بطنها، فرئيت في المنام أنها تقول: ولدت: لا ينبش، لأن الظاهر موته.
قوله: (ويباح للمرأة إسقاط الولد ما لم يستبين شيء من خلقه) لأنه ليس بآدمي ما لم يستبن خلقه، ذكره في المحيط.
وإن شربت دواء لتصلح نفسها وهي حامل: فلا بأس بذلك، وإن سقط الولد فلا شيء عليها.
وإن أتى على حملها ستة أشهر، فأرادت أن تلقي العلق على ظهرها: سألت من الأطباء، فإن قالوا: لا يضر: فعلت، وإلا فلا، وكذلك الفصد والحجامة.
قوله: (رجل ابتلع درة أو ذهبًا لغيره، ثم مات ولم يترك شيئًا: لا يشق بطنه) لأنه أتلفه بابتلاعه، والحكم في المتلف أن يضمن قيمة ما تلف، فإن ترك شيئًا: فعليه قيمته، وإن لم يترك: فلا شيء في الدنيا.
[ ٤٢٤ ]
وروي عن الجرجاني: أنه يشق، لأن حق العبد مقدم على حق الله، وحق المظلوم على الظالم المعتدي.
قوله: (نعامة ابتلعت لؤلؤة) أي نعامة لرجل ابتلعت لؤلؤة (لرجل آخر، أو شاة لرجل نشبت رأسها) أي دخل رأسها (في آنية رجل، وتعذر إخراجه: ينظر إلى أكثرهما قيمة، فإن كانت قيمة النعامة أكثر من قيمة اللؤلؤة: يضمن صاحب النعامة قيمة اللؤلؤة لصاحبها، وإن كانت قيمة اللؤلؤة أكثر من قيمة النعامة: يضمن صاحب اللؤلؤة قيمة النعامة لصاحبها، وكذلك الحكم في الشاة مع الإناء) لأن في ذلك نظرًا للجانبين بطريق التعادل.
قوله: (ويصنع به ما شاء) أي يصنع الرجل الذي غرم بما غرم: ما شاء، لأنه ملكه بالضمان.
قوله: (ويكره قتل النملة، ما لم تبتدي بالأذى) لأن قتل الحيوان إنما يجوز لغرض صحيح، فإذا لم يؤذ: لا يقتل (بخلاف القملة) فإنه يجوز قتلها مطلقًا، سواء آذت أو لا، لأنها بالطبع مؤذية، وكذلك الراغيث.
قوله: (ويكره إحراق القملة والعقرب ونحوها) مثل الحية والأربعة والأربعين (بالنار) لقوله ﵇: "لا تعذبوا بعذاب الله" رواه ابن ماجة.
قوله: (وطرحها حية) أي طرح القملة حية (مباح) لأنها مستحقة للقتل، ولكنه ليس بأدب، لأن في ذلك هلاكها بالجوع.
قوله: (والختان للرجال سنة وللنساء مكرمة) هذا لفظ الحديث.
المكرمة: بفتح الميم وضم الراء.
وليس للختان وقت معلوم، قال الفقيه أبو الليث: والمستحب عندي إذا بلغ سبع سنين: يختتن ما بينه وبين عشر سنين.
[ ٤٢٥ ]
وقيل: وقته وقت البلوغ، وقيل: بتسع، وقيل: بعشر سنين، وقيل: متى كان يطيق ألم الختان: ختن وإلا فلا.
ولو ولد مختونًا: لا يقطع منه شيء حتى يكون ما يواري الحشفة.
قوله: (وتضرب الدابة على النفار دون العثار) والنفار: من النفرة، والعثار من العثرة، وإنما تضرب في النفار: لأنه من عادتها السيئة، بخلاف العثار: فإنه آفة تصيبها.
قوله: (وركض الدابة ونخسها) الركض: الضرب بالرجل، والنخس: الطعن بمهماز أو عصا أو نحوهما، كما يفعله الدلالون لأجل العرض على المشترين، أو يفعله أحد للهو (مكروه) لأنه تعذيب الحيوان بلا غرض صحيح، حتى يباح لأجل الجهاد وغيره، من غرض صحيح مثل: الفرار من العدو، أو الكرار إليه، ونحو ذلك.
قوله: (والسلام سنة) لقوله ﵇: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم" رواه ابن ماجة.
قوله: (ورده) أي رد السلام (فرض كفاية) حتى إذا رد واحد من الجماعة: يسقط عن الباقين، وأما كونه فرضًا: فلأن في الامتناع من الرد إهانة للمسلم واستخفافًا به، وأنه حرام.
قوله: (وثواب المسلم أكثر) لقوله ﵇: "للبادي من الثواب عشرة وللراد واحد" وفي رواية: "للبادي من الثواب عشرون وللراد عشرة".
[ ٤٢٦ ]
ولأن البادي بالسلام هو المسبب للجواب، وهو البادي بالإحسان، والراد يجازي إحسانه بالإحسان، والمجازاة للإحسان أفضل، ولكن ثواب المبتدي به أجزل.
ثم إنما يصح رد السلام إذا سمعه المسلم، لأن الرد جواب سلامه، والجواب إنما يكون جوابًا إذا سمعه المخاطب، إلا إذا كان المسلم أصمًا: فينبغي أن يريه بتحريك شفتيه.
ويسلم القوي على الضعيف، والراكب على الراجل، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والكثير على الواحد، وراكب الفرس على راكب الحمار، والبدوي على القروي، وقيل: بالعكس.
قوله: (ولا يجب رد سلام السائل) لأنه يسلم لأجل شيء، وكذلك لا يجب على القاضي رد سلام المتخاصمين.
قوله: (ولا ينبغي أن يسلم على من يقرأ القرآن) لأنه يشغله عن قراءته.
وإن سلم عليه: فالأصح أنه يجب عليه رده، لأنه فرض، وقراءة القرآن ليست بفرض، فلا يدع الواجب بانشغاله بالنفل، بخلاف ما لو سمع اسم النبي ﷺ: لا يجب عليه الصلاة، لأن قراءة القرآن على نظمه: أفضل من الصلاة على النبي ﷺ.
قوله: (وتشميت العاطس فرض كفاية) حتى إذا قام بها واحد من الجماعة سقط عن الباقين، لقوله ﷺ: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليرد عليه من حوله، يرحمك الله، وليرد عليهم: يهديكم الله ويصلح بالكم" رواه ابن ماجة.
[ ٤٢٧ ]
(ويكره تعليم البازي بالطير الحي) لأنه تعذيب الحيوان، مع حصول المقصود بالمذبوح.
قوله: (ويكره الغل في عنق العبد) لأنه عقوبة الكفار، فيكره كالإحراق بالنار.
قوله: (ولا يكره القيد لخوف الإباق) لأن القيد سنة السلف في السفهاء والدعار والعبيد، احتراز عن إباقهم والتمرد على مواليهم.
قوله: (ويباح الجلوس في الطريق للبيع إذا كان واسعًا، لا يتضرر الناس به) أي بجلوسه (ولو كان الطريق ضيقًا: لا يجوز) لأن المسلمين يتضررون بذلك. وقال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
قوله: (وتكره الخياطة في المسجد وكل عمل من أعمال الدنيا) لأن المساجد بنيت لأداء الفرائض، حتى أن أداء النوافل في البيت أفضل.
قوله: (ويكره الجلوس فيه) أي في المسجد (للمصيبة ثلاثة أيام) لما قلنا، ويباح في غير المسجد، والترك أولى، لما روي عن جرير بن عبد الله قال: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة" رواه ابن ماجة.
قوله: (ولو جلس فيه) أي في المسجد (معلم أو وراق، فإن كانت حسنة لله تعالى: لا بأس به) لأنه حينئذ لم يكن من أعمال الدنيا (وإن كان بأجرة: يكره، إلا عند ضرورة يكون بهما) أي بالمعلم أو الوراق.
قوله: (ويكره تمني الموت لضيق المعيشة أو للغضب من ولده أو غيره) مثل
[ ٤٢٨ ]
الخوف من سلطان جائر، أو من حادثة أصابته، لقوله ﵇: "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيًا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا ليه" رواه ابن ماجة.
قوله: (ولا بأس بتمنيه) أي تمني الموت (لتغير أهل الزمان وظهور المعاصي، خوفًا من الوقوع فيها) أي في المعاصي، لأن المؤمن المتقي في الزمان الذي ظهر فيه الفساد واشتهرت فيه المعاصي: حيران في أمر دينه، وكيف يحفظه، وكيف ينجو من شرهم، ففي هذا الزمان: يجوز تمني الموت، لقوله ﵇: "لتنتقون كما ينتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم وليبقين شراركم، فموتوا إن استطعتم".
قوله: (رجل يتردد على الظلمة ليدفع شرهم عنه، فإن كان مفتيًا أو مقتدى به: لا يحل له ذلك) لأن دفع شرهم عنه ممكن بغير التردد، ولأن فيه إهانة للعلم وأهله، (وإن كان غير مقتدى به: فلا بأس بتردده إليهم ليدفع شرهم) وأما إذا تردد لأجل أن يصيبه منهم دنيا: فلا يجوز، لقوله ﵇: "إن أناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك، كما لا يجتني من القتاد إلا شوك: كذلك لا يجتني من قربهم إلا الخطايا" رواه ابن ماجة.
والقتاد بفتح القاف، والتاء ثالث الحروف: ضرب من العضاة، وهي جمع عضة: وهي شجر من شجر الشوك ليس فيه إلا الشوك.
[ ٤٢٩ ]