هذا فصل في بيان ما يحل من اللباس وما لا يحل ونحوها
قوله: (ويحل لبس الحرير والقز للنساء لا للرجال) لما روي عن أبي موسى الأشعري "أن النبي ﷺ أحل الذهب والحرير للإناث من أمته، وحرم على ذكورها" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
قوله: (ولو كانوا) أي ولو كان الرجال (مقاتلين) هذا عند أبي حنيفة، لإطلاق النص، وقالا: يجوز ما داموا مقاتلين، لأنه أهيب لعين العدو.
قوله: (إلا العلم الحرير، أو المنسوج بالذهب قدر أربعة أصابع عرضًا) لما روي عن عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا: ورفع رسول الله ﷺ السبابة والوسطى وضمهما" رواه أحمد ومسلم والبخاري.
وفي لفظ "نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة" رواه مسلم وأحمد وأبو داود وجماعة أخر.
قوله: (ويحل توسده والنوم عليه لهما) أي للرجال والنساء، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه ﵇ جلس على مرفقة حرير، وقالا: يكره للرجال.
قوله: (بخلاف اللحاف) لأنه مثل اللبس في التنعم.
[ ٤٠٦ ]
قوله: (ويحل تعليق السترة على الباب للحاجة) مثل دفع الحر والبرد، أو لئلا يطلع عليه أحد داخل البيت. وهذا على الخلاف الذي في توسد الحرير.
قوله: (ويحرم تكة الحرير والديباج) لأنه في معنى اللبس.
قوله: (ولبنتهما) بكسر اللام وسكون الباء، أي يحرم لبنة الحرير والديباج، وهي قطعة من الحرير أو الديباج يعمل في جيب القميص أو الجبة.
قوله: (ويحل لبس ما سداه حرير مطلقًا) يعني سواء كان في دار الحرب أو لا، لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، وهو اسم للمسدى بالحرير.
قوله: (وما لحمته حرير: يحل في الحرب خاصة) لأن العبرة باللحمة، غير أن في الحرب ضرورة، وأما الحرير الخالص في الحرب: فغير جائز عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، وقد مر.
قوله: (ولا يحل للرجال من الذهب شيء) لما روينا (ويجوز لهم من الفضة: الخاتم والنمطقة وحلية السيف) وهذه مستثناة لمعنى النموذج، والفضة أغنت عن الذهب، لأنهما من جنس واحد.
قوله: (والتختم بالحجر والحديد والصفر: حرام للرجال والنساء) لما روي أنه ﵇ رأى على رجل خاتم صفر فقال: "ما لي أجد منك رائحة الأصنام". ورأى على آخر خاتم حديد فقال: "مالي أرى عليك حلية أهل النار".
قوله: (والمعتبر: الحلقة) لأن قوام الخاتم بها، ولا يعتبر بالفص حتى يجوز من الحجر.
قوله: (ويجعل الرجل الفص إلى باطن كفه) لما روي أنه ﵇ "كان يجعل فصه مما يلي كفه" رواه ابن ماجة.
[ ٤٠٧ ]
قيد بالرجل: لأن المرأة تختتم كيفما تشاء، لأنه للزينة في حقها.
قوله: (والأفضل لغير القاضي والسلطان ممن لا يحتاج إلى الختم: تركه) لعدم الاحتياج إليه.
قوله: (ولا يتجاوز وزنه) أي وزن الخاتم (مثقالًا) لقوله ﵇: "اتخذه من الورق ولا تزده على مثقال".
قوله: (ولا يشد السن المتحرك بالذهب: بل بالفضة) وهذا عند أبي حنيفة، لأن الحاجة تندفع بالأدنى، فلا يصار إلى الأعلى.
وقالا: يحل بالذهب أيضًا.
قوله: (ولو قطع أنفه أو سقط سنه: عوض بفضة) لاندفاع الحاجة بها (فإن أنتن: عوضه بالذهب) لما روي "أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم كلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن، فأمره ﵇ أن يتخذ أنفًا من ذهب".
قوله: (ويحرم إلباس الصبيان الذهب والحرير) لأنه لما ثبت التحريم في حق الذكور، وحرم اللبس: حرم الإلباس أيضًا، كالخمر لما حرم شربها: حرم سقيها الصبي، وكذا الميتة والدم.
قوله: (والإثم على الملبس) لأن الصبي مرفوع عنه القلم.
[ ٤٠٨ ]
قوله: (ويحرم حمل المنديل تكبرًا) لأنه يشبه زي الأعاجم.
قوله: (ويحل) أي يحل حمل المنديل (لمسح العرق وبلل الوضوء والمخاط والريق) لأن "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
وفي الجامع الصغير: "يكره حمل الخرقة التي يمسح بها العرق، لأنها بدعة محدثة" والأول أصح.
قوله: (كالتربع بحل للحاجة) مثل الضعف والعلة في الرجلين ونحوهما.
(ويحرم لأجل التكبر) وعلى هذا التفصيل: الاتكاء.
قوله: (ويحرم النظر إلى غير الوجه والكفين من الحرة الأجنبية) لقوله ﵇: "من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة".
واستثناء الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قال علي وابن عباس: ما ظهر منها: الكحل والخاتم، والمراد بهما موضعهما: وهو الوجه والكف.
قوله: (وفي القدم روايتان) في رواية: لا ينظر إليها، وفي رواية رواها الحسن عن أبي حنيفة: أنه يباح النظر إلى قدمها أيضًا.
[ ٤٠٩ ]
وعن أبي يوسف: أنه يباح النظر إلى ذراعها.
قوله: (فإن خاف الشهوة: لم ينظر إلى الوجه أيضًا) لما روينا، ولكن خرج منه بعض الأشياء للضرورة، فإذا خاف: لم ينظر أصلًا إلا للحاجة، مثل الحاكم ينظر للحكم، والشاهد ينظر للشهادة، والطبيب ينظر لموضع المرض.
قوله: (وكذا لو شك) يعني لو شك في الشهوة: لاي نظر أيضًا أصلًا، لأن الحرمة غالبة.
قوله: (ولا يحل للشاب مس الوجه والكفين، وإن أمن الشهوة) لوجود المحرم، وانعدام الضرورة.
قوله: (إلا من عجوز) يعني إذا كانت عجوزًا (لا تشتهي: فلا بأس بمصافحتها ومس يديها) لانعدام خوف الفتنة.
قوله: (وكذا لو كان شيخًا وأمن عليه وعليها) أي وكذا تحل المصافحة ونحوها لو كان الرجل شيخًا وأمن على نفسه وعلى نفسها، لانعدام الفتنة (حتى إذا خاف عليها: حرم) لما فيه من التعرض للفتنة.
قوله: (والصغيرة التي لا تشتهي: يحل مسها) لانعدام الشهوة، حتى إذا مات صغيرًا أو صغيرة: يغسله الرجل والمرأة ما لم يبلغ حد الشهوة.
قوله: (ويحل للقاضي عند الحكم، والشاهد عند الأداء خاصة، وللخاطب: النظر مع خوف الشهوة) وذلك للضرورة، فرخص لهم إحياء لحقوق الناس، ودفعًا لحاجتهم.
ولكن يقصد القاضي بالنظر: الحكم، والشاهد: إقامة الشهادة، والخاطب: إقامة السنة، بقدر الإمكان، لا قضاء الشهوة، تحرزًا عن القبيح بقدر الإمكان.
قيد بقوله: (عند الأداء خاصة) لأنه إذا خاف الشهوة: لا يحل له النظر إليها عند التحمل، لأنه يوجد من لا يشتهي.
قوله: (ويحل للطبيب النظر على موضع المرض منها) أي من المراة (إن لم يمكنه تعليم امرأة) اعلم أنه ينبغي للطبيب أن يعلم امراة إن أمكن، لأن نظر الجنس أخف، وإن لم يمكن: ستر كل عضو منها سوى موضع المرض، ثم ينظر ويغض بصره عن غير ذلك الموضع ما استطاع، لأن ما ثبت بالضرورة: يتقدر بقدرها.
[ ٤١٠ ]
قوله: (وكذا الحافظة) وهي التي تحفظ النساء: أي تقطع بصورهن (والخاتن) وهو الذي يختن الرجال (والحاقن) وهو الذي يعمل الحقنة.
يعني: هؤلاء ينظرون إلى موضع الختان، وموضع الاحتقان، لكن بطريق ما ذكرنا.
قوله: (وينظر الرجل من الرجل: إلى جميع بدنه إلا عورته، وهي ما بين السرة والركبة) وقد مر في كتاب الصلاة.
قوله: (ويمس ما ينظر إليه) أي يمس الرجل من أعضاء الرجل ما يجوز له النظر إليه.
قوله: (وتنظر المرأة من الرجل ذلك) أي جميع بدنه (غير عورته، إن أمنت الشهوة) لأن ما ليس بعورة لا يختلف فيه النساء والرجال.
قوله: (وفي رواية أنها) أي المرأة (لا تنظر منه) أي من الرجل (إلا إلى ما ينظر هو) أي الرجل (إليه من محارمه) فعلى هذه الرواية: لا تنظر المرأة إلى ظهره وبطنه أيضًا.
قوله: (وتنظر المرأة من المرأة: إلى ما ينظر الرجل إليه من الرجل) وهو جميع بدنها، إلا من سرتها إلى ركبتها.
قوله: (وينظر) أي نظر (الرجل من أمته التي تحل له، وزوجته: إلى جميع بدنها سواء كان بشهوة او غير شهوة) لقوله ﵇: "غض بصرك إلا عن زوجتك وأمتك". والأولى: ألا ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته وقت الوقاع، ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة.
وإنما قيد الأمة بقوله: (التي تحل له) احترازًا عن الأمة المجوسية والمشركة، فإنه لا يحل له النظر إلى فرجها.
قوله: (وينظر) أي الرجل ينظر (من محارمه: إلى ما ورا ءالبطن والظهر والفخذ)
[ ٤١١ ]
لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ولم يرد به نفس الزينة، لأن النظر إلى غير الزينة مباح مطلقًا، ولكن المراد موضع الزينة، فالرأس: موضع التاج، والشعر: موضع الكحل، والعنق والصدر: موضعا القلادة، والأذن: موضع القرط، والعضد: موضع الدملوج، والساعد: موضع السوار، والكف: موضع الخاتم والخضاب، والساق: موضع الخلخال، والقدم: موضع الخضاب، بخلاف الظهر والبطن والفخذ، لأنها ليست بمواضع الزينة.
قوله: (والمحرم كل من يحرم نكاحه على التأبيد بنسب، مثل: الأم والأخت والبنت والعمة والخالة ونحوهن، أو بسبب: كالرضاع والصهرية).
قوله: (ولو أنها) أي الصهرية (بزنا) وقيل: إذا كانت المصاهرة بزنا: لا يجوز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها كالأجنبية، والأول أصح، لأنها محرمة على التأبيد.
قوله: (ويمس ذلك أيضًا) أي يمس ما حل النظر إليه من محارمه، لتحقق الحاجة إلى ذلك في المسامرة والمخالطة.
قوله: (فإن خاف عليه) أي على نفسه (أو عليها) أي أو خاف على نفسها (لا ينظر ولا يمس) لقوله ﵇: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه".
فكان تحت كل واحد منها نوع زنًا، والزنا محرم بجميع أنواعه، وحرمة الزنا بالمحارم أشد وأغلظ.
[ ٤١٢ ]
قوله: (ولا بأس بالخلوة بها) أي بمحارمه، لقوله ﵇: "لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل، فإن ثالثهما الشيطان".
والمراد: إذا لم يكن محرمًا، لأن المحرم بسبيل منها، إلا إذا خاف عليه أو عليها لما قلنا.
قوله: (والسفر معها) أي مع محارمه، لقوله ﵇: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها".
قوله: (وينظر من أمة غيره إذا أمن الشهوة إلى ما ينظر إليه من محارمه) لأنها تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها في ثياب مهنتها، وحالها مع جميع الرجال: كحال المرأة مع محارمها.
قوله: (ولو كانت) أي ولو كانت الأمة (أم ولد لغيره، أو مكاتبته، أو مدبرته، أو مستسعاته، ففي الخلوة بها والسير معها قولان: في قول: يجوز) لوجود الحاجة، وقيام الرق فيهن (وفي قول: لا يجوز).
قوله: (ويحل له مس ذلك) أي الموضع الذي يجوز له أن ينظر إليه: كالصدر والساق والذراع والرأس (وقت الشراء وإن خاف الشهوة) للضرورة (وقيل: يحل له النظر إليها وقت الشراء مع خوف الشهوة، ولا يحل المس معه) أي مع خوف الشهوة، لاندفاع الحاجة بالنظر فقط.
[ ٤١٣ ]
قوله: (والخصي) وهو الذي قلعت خصيتاه (والمجبوب) وهو مقطوع الذكر والخصيتين، (والمخنث) وهو الذي يعمل الردي من الأفعال، وهو الذي يؤتى: (كالفحل في جميع الأحكام) لإطلاق النصوص، ولأن الخصي: ذكر يشتهي ويجامع، والمجبوب: يشتهي ويسحق وينزل، والمخنث: كغيرهمن الرجال، بل هو من الفساق، فيبعد عن النساء.
قوله: (والعبد كالأجنبي في رؤية سيدته) أي عبد المرأة: كالأجنبي من الرجال في رؤية مولاته، حتى لا يجوز لها أن تبدي من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا ما يجوز أن ينظر إليه من الأجنبية، لأنه فحل، غير محرم ولا زوج، والشهوة متحققة، والحاجة قاصرة، لأنه يعمل خارج البيت.
وقال مالك والشافعي: نظره إليها كنظر الرجل إلى محارمه.
قوله: (ويحل له) أي للعبد (الدخول على سيدته من غير إذن) للضرورة.
قوله: (ويعزل عن أمته بغير إذنها) لأنه لا حق لها في الوطء.
قوله: (وعن زوجته) أي ويعزل عن زوجته (الحرة بإذنها) لأن لها حقًا في الوطء، حتى كان لها المطالبة بقضاء الشهوة، وتحصيلًا للولد، ولهذا تخير في الجب والعُنة.
قوله: (ويعزل عن زوجته الأمة بإذن مولاها) هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يعزل إلا بإذن الأمة.
قوله: (ويكره تقبيل الرجل الرجل ومعانقته) لأنه ﵇ "نهى عن المكاعمة: وهي التقبيل، وعن المكامعة: وهي المعانقة" رواه الطحاوي.
[ ٤١٤ ]
وفي الجامع الصغير: "ويكره أن يقبل فم الرجل أو يده، أو شيئًا منه، أو يعانقه".
وذكر الطحاوي: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة.
وقالوا: الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، وإذا كان عليهما قميص أو جبة: فلا بأس به بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي.
قوله: (ولا بأس بالمصافحة) لأنها سنة قديمة متواترة في البيعة وغير ذلك، وقال ﵇: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" رواه ابن ماجة.
قوله: (وقيل: لا بأس بهما) أي بالمعانقة والمصافحة جميعًا (إذا قصد المبرة والإكرام).
قوله: (ولا بأس بتقبيل يد العالم، والسلطان العادل، على سبيل التبرك) وكذلك تقبيل يد الأبوين، والشيخ، والرجل الصالح. وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره: فهو مكروه، ولا رخصة فيه. وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلاطين: فحرام، والفاعل والراضي به: آثمان، لأنه يشبه عبادة الوثن.
وذكر الصدر الشهيد: "أنه لا يكفر بهذا السجود، لأنه يريد به التحية".
وقال السرخسي: "السجود لغير الله على وجه التعظيم: كفر".
وفي التتمة: "إذا سجد للسلاطين للتحية: لا يكفر" فيفهم من هذا القيد أنه إذا سجد للتعظيم: يكفر.
[ ٤١٥ ]