هذا الفصل في بيان الاحتكار وغيره
قوله: (ويحرم احتكار أقوات الناس) مثل الحنطة، والعدس، والحمص، ونحوها (وأقوات البهائم) مثل الشعير، والتبن، لقوله عليه السالم: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" رواه ابن ماجة.
قوله: (فقط) إشارة إلى تخصيص الاحتكار بأقوات بني آدم والبهائم، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: كل ما ضر بالعامة حبسه: فهو احتكار، وإن كان ثيابًا أو دراهم ونحوها.
ثم مدة الاحتكار: قبل أربعون ليلة، وقيل: شهر، وقيل: المدة للعاقبة في الدنيا، وأما الإثم فيحصل، وإن قلت المدة.
قوله: (في البلد الصغير) لأن الضرر يقع في هذا، حتى إذا كان البلد كبيرًا: لا يكون محتكرًا، لأنه حابس ملكه من غير إضرار لغيره، وتلقي الجلب على هذا التفصيل.
قوله: (ومن احتكر غلة أرضه، أو ما جلبه من بلد آخر: حل) لأنه خالص حقه، فلم يتعلق به حق العامة، فلا يكون احتكارًا.
وقال أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جلبه من بلد آخر.
قوله: (ويحرم التسعير) لقوله ﵇: "لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق".
[ ٤١٦ ]
قوله: (إلا إذا تعين) أي إلا إذا تعين التسعير: بأن كان أرباب الطعام يتحكمون على المسلمين، ويتعدون تعديًا فاحشًا، وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: فحينئذ يسعر، دفعًا للضرر العام.
ولو خاف الإمام الهلاك على أهل مصر: أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه، فإذا وجدوا: ردوا مثله.
قوله: (ويحرم بيع أرض مكة) لقوله ﵇: "إن الله حرم مكة فحرام بيع رباعها"، وهذا عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.
وكذلك يحرم إجارتها، لقوله ﵇: "من أكل أجور أرض مكة فكأنما أكل الربا".
قوله: (ولا يحرم بيع أبنيتها) لأن البناء ملك لمن بناه، ألا يرى أنه لو بنى في المستأجر أو في الوقف: صار البناء له، وجاز له بيعه.
قوله: (ويكره التعشير في المصحف والنقط) لقول ابن مسعود: "حمروا القرآن"، ولكن هذا كان في زمنهم، لأنهم كانوا يتلقونه عن النبي ﷺ كما أنزل،
[ ٤١٧ ]
وكانت القراءة سهلًا عليهم، ولا كذلك في زمننا: فيستحسن، والتساويد والنقط والتعشير: لعجز العجمي عن التعلم إلا به، إلى هذا أشار المصنف بقوله: (ويباح في زماننا).
وعلى هذا لا بأس بكتابة أسامي السور وعدد الآي، فهو وإن كان محدثًا: لمستحسن، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان والمكان.
قوله: (ويباح تحلية المصحف) لما فيها من تعظيمه (وكذا نقش المسجد وزخرفته) أي تزيينه بماء الذهب من غير مال الوقف، لأن في ذلك تعظيم بيت الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨].
ولا يجوز من مال الوقف، حتى إذا فعل منه: يلزم الضمان على الذي فعل.
قوله: (ويحرم استخدام الخصيان) لأن فيه تحريض الناس على الخصاء، وهو مثلة، وقد صح أنه ﵇: نهى عنها، فيحرم.
قوله: (ولا بأس بخصاء البهائم) لأنه ﵇ "ضحى بكبشين أملحين موجوءين".
قوله: (وإنزاء الحمير على الخيل) لأنه ﵇ "ركب البغلة واقتناه" ولو لم يجز: لما فعله، لأن فيه فتح بابه.
[ ٤١٨ ]
قوله: (ولا بأس بعيادة الذمي) لأنها نوع من البر، وقد قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. وأما المجوسي: فقد قيل: لا يعوده، لأنه أبعد من أهل الكتاب إلى الإسلام، وقيل: يعوده، لأن فيه إظهار محاسن الإسلام وترغيبه فيه وتأليفه، وقد ندبنا إليه.
واختلفوا في عيادة الفاسق أيضًا، والأصح: أنه لا بأس بها، لأنه مسلم.
قوله: (ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمعقد العز من عرشك) اعلم أن لهذه المسألة عبارتان: بمعقد: من العقد، وبمقعد: من القعود، تعالى الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
ولاشك في كراهية الثانية، لاستحالة معناها على الله ﷾، وكذا الأولى، لأنه يوهم أن (عز) متعلق بالعرش، والعرش حادث، وماي تعلق به يكون حادثًا، والله تعالى متعال عن تعلق عزه بالحادث، بل عزه قديم كذاته.
وعن أبي يوسف: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
قوله: (وبحق فلان) أي يحرم أن يقول في دعائه: بحق فلان، أو بحق أنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت، أو بحق المشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الله تعالى، وإنما يختص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه.
قوله: (ويحرم اللعب بالنرد) لقوله ﵇: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" رواه مالك وأحمد وابن ماجة.
(وكذا النردشير) لقوله ﵇: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم
[ ٤١٩ ]
الخنزير" رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
(وكذا الشطرنج) لقوله ﵇: "كل لعب ابن آدم حرام إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه لفرسه، ومناضلته بقوسه".
وأباح الشافعي: الشطرنج من غير قمار، ولا إخلال بحفظ الواجبات، ومن غير كلام بفحش.
قوله: (وكل لهو) أي يحرم كل لهو إلا المناضلة: وهي المراماة، والمسابقة بالخيل، ومداعبة الرجل أهله، لما روينا.
[ ٤٢٠ ]