هذا الفصل في بيان أنواع الأكل وآدابه ونحوها
قوله: (والأكل على ثلاث مراتب: فرض) أي المرتبة الأولى: فرض (وهو أن يأكل بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه) ويمكنه معه الصلاة قائمًا، لأنه سبب يتوصل به البدن إلى إقامة الفرائض، فيكون فرضًا، حتى أنه لا يحاسب على هذا المقدار، لأن ما هو سبب للثواب لا يكون سببًا للحساب، وهو مأجور فيه.
قوله: (ومباح) أي المرتبة الثانية: مباح (وهو أدنى الشبع) بنية أن يتقوى به على العبادة، وهذا القسم لا أجر فيه ولا وزر، ولكن يحاسب فيه حسابًا يسيرًا إن كان من حل، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قوله: (وحرام) أي المرتبة الثالثة: حرام (وهو أكل ما زاد على ذلك) أي على أدنى الشبع. لقوله ﵇: "إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة" رواه ابن ماجة.
قوله: (إلا للصوم في غد، أو لموافقة الضيف) يعني الأكل فوق الشبع يباح في هذين الموضعين، أما في الأول: فلأن نيته بذلك التقوي على تحصيل العبادة، وأما في الثاني: فلئلا يمسك الضيف عن الطعام حياء وخجلًا، ويكون هذا بإمساكه: ممن أساء القرى، وإساءة القرى مذمومة.
قوله: (ولا تحل الرياضة بتقليل الأكل إلى أن يضعف عن العبادات) لقوله ﵇: "إن نفسك مطيتك فارفق بها، ومن الرفق ألا تجيعها".
وقال ﵇: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".
[ ٤٧٠ ]
وقيل: لا بأس إذا خاف من فرط الشهوة أن يقع في الفاحشة، والأول: أصح، لأن هذا الخوف يندفع بالنكاح.
قوله: (ولو وصل أربعين يومًا) أي ولو راض الجوع حتى وصل أربعين يومًا (فمات: مات عاصيًا) لما فيه من إهلاك نفسه باختياره.
قوله: (ولو مرض فترك المعالجة توكلًا على الله فمات: لم يمت عاصيًا) لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس، لأنه ربما يصح من غير معالجة، وربما لا تنفعه المعالجة.
ثم التداوي جائز، لقوله ﵇: "تداووا فإن الله ﷿ لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم" رواه أبو داود.
وقال ﵇: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" رواه ابن ماجة.
[ ٤٧١ ]
قوله: (والتنعم بأنواع الفاكهة: مباح) لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
قوله: (وتركه أفضل) لئلا ينقص من درجاته، لأنه متى أذهب طيباته في حياته واستمتع بها، نقص من درجاته في الآخرة.
قوله: (والجمع بين أنواع الأطعمة: حرام) لأن ذلك غسراف، وهو حرام، قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
قوله: (وكذا وضع الخبز على المائة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون) لأنه إسراف فيكون حرام.
قول (وكذا رفع الخبز على الخوان) أي وكذا رفع الخبز على الخوان: حرام، لما روي عن قتادة عن أنس ﵁ قال: "ما علمت النبي ﷺ أكل على سكرجة قط ولا خبز له مرقق، ولا أكل على خوان، قيل لقتادة: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر" رواه البخاري.
[ ٤٧٢ ]
الخوان بكسر الخاء وفتح الواو الخفيفة: طبق كبير من نحاس، تحته كرسي ملزوق به، وأصله: اسم أعجمي، قال في المجمل: سمي به لأنه يتخون ما عليه: أي ينتقص.
قوله: (ووضعه تحت القصعة ليعدل) أي وكذا وضع الخبز تحت القصعة والزبدية، ونحوهما ليستقيم: حرام، لأن في ذلك استخفافًا، وقد أمرنا بتكريمه، لقوله ﵇: "أكرموا الخبز فإن الله أخرجه فيما بين بركات السماء والأرض" وكذا: مسح الأصابع والسكين بالخبز ووضع المملحة عليه، وأكل وجهه خاصة، كل ذلك مكروه لما قلنا.
قوله: (ومن سنن الأكل غسل يديه قبله وبعده) لقوله ﵇: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم".
والأدب في غسل الأيدي قبل الطعام: أن يبدأ بالشباب، ثم بالشيوخ، وبعده
[ ٤٧٣ ]
بالشيوخ، ثم بالشباب، ولا يمسح يده قبل الطعام بالمنديل، لكن يترك ليجف، ليكون أثر الغسل باقيًا وقت الطعام، وبعده: يمسح ليكون أثر الطعام زائلًا بالكلية. ويلعق أصابعه قبل المسح، لما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها" رواه البخاري.
قوله: (والتسمية قبله) أي من سنن الطعام: الشكر بعده، وهو أن يشكر الله ويحمده ويدعو، لما روي أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" رواه البخاري.
وروي عن أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا أكل طعامًا قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" رواه ابن ماجة.
قوله: (ومن اشتد جوعه وعجز عن كسب قوته: يجب على كل من علم بحاله إطعامه) لأنه أشرف على الهلاك، فيجب على من يعلم به: صونه عن الهلاك: بإطعامه
[ ٤٧٤ ]
بنفسه أو يدل آخر عليه، كمن لقي لقيطًا أشرف على الهلاك، أو أعمى كاد أن يتردى في البئر: يفترض عليه دفع الهلاك عنه، وإذا أعمه واحد: سقط عن الباقين، لحصول المقصود.
قوله: (وإن لم يعلم به أحد: يجب عليه أن يسأل ويعلم بحاله) وإن كان في السؤال ذل، ولكنه أهون من الهلاك، فيلزمه أن يختار الأهون، كالإمام في الأسارى في النسوان والذراري: يلزمه الاسترقاق، وإن كان إهلاكًا كالقتل، لأنه أهونهما، فكذا هذا.
قوله: (فإن لم يفعل) يعني إن لم يسأل ولم يعلم حاله للناس (حتى مات: كان قاتل نفسه) لأنه يفترض على كل إنسان أن يدفع الهلاك عن نفسه ما أمكنه، وقد ترك، فصار قاتل نفسه.
قوله: (ومن له قوت يوم: لا يحل له السؤال) لأنه يستذل نفسه بلا ضرورة. وإنه حرام، لقوله ﵇: "حرام على المؤمن أن يذل نفسه" ولكنه يباح له الأخذ من غير سؤال.
قوله: (والسائل في المسجد قيل: يحرم إعطاؤه) وهو قول أبو مطيع البلخي، لأنه روي عن الحسن البصري أنه قال: "ينادي يوم القيامة منادي: ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المسجد" (والمختار: أنه إن كان لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافًا: يباح إعطاؤه) لأن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله في المسجد.
قوله: (وإن كان السائل يفعل واحدًا من هذه الثلاثة) وهو إما أن يتخطى رقاب الناس، أو يمر بين يدي المصلي، أو يسأل الناس إلحافًا: أي إلحاحًا (حرم إعطاؤه) لأنه إعانة على أذى الناس، ولهذا قال خلف بن أيوب: "لو كنت قاضيًا: لم أقبل شهادة من يتصدق عليه" وقال إسماعيل المستملي: "هذا فلس واحد يحتاج إلى سبعين فلسًا للكفارة".
[ ٤٧٥ ]
قوله: (والمعطي للصدقة أفضل من آخذها) لقوله ﵇: "واليد العليا خير من السفلى) أي اليد المعطية خير من اليد الآخذة، وإليه أشار المصنف بقوله: (ويده هي العليا) أي: يد المعطي هي اليد العليا، ولأن نفع الإعطاء يتعدى إلى غيره، ونفع الآخذ يقتصر عليه.
قوله: (والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر) لأنه ﵇ اختار الفقر فقال: "أحيني مسكينًا".
قوله: (وقيل: على العكس) أي قيل: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، لأن مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال إنما توجد من الغني لا من الفقير، بإيصال النفع وبره وإحسانه.
قال المصنف: (والأول عندي أصح) قلت: الثاني عندي أصح في هذا الزمان.
قوله: (واختلفت الصحابة في جواز قبول هدية الأمراء الظلمة وأكل طعامهم) فكان
[ ٤٧٦ ]
ابن عباس وابن عمر: يقبلان هدية المختار، وكان أبو ذر وأبو الدرداء لا يجوزان ذلك، حتى روي أن أميرًا أهدى إلى أبي ذر مائة دينار فقال: هل أهدى إلى كل مسلم مثل ذلك؟ فقيل: لا، فردها وقال: كلا إنها لظى نزاعة للشوى.
(والمختار: أنه إن كان أكثر ماله حلالًا) بأن كان صاحب تجارة أو زرع (حل قبول هديته، وأكل طعامه) ولا جرم أن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام وتخلو عن كثير، فكانت العبرة للغالب، والأحوط أن لا يقبل، لأن شبهة الحرام ربما توقعه في أخذ الحرام.
قوله: (وطعام الولادة والعقيقة والختان وقدوم المسافر والموت ليس بسنة).
العقيقة: طعام يتخذ عند حلق رأس المولود في اليوم السابع، وطعام المسافر يسمى نقيعة، وطعام الموت يسمى: وضيحة.
وعند الشافعي: العقيقة سنة، وعندنا: السنة هي الوليمة فقط لقوله ﵇: "أولم ولو بشاة" رواه البخاري وابن ماجة.
والوليمة: هي أن يدعو الجيران والأقرباء والأصدقاء، ويصنع لهم طعامًا، ويذبح لهم، وينبغي للرجل أن يجيب، وإن لم يفعل فقد أثم لقوله ﵇: "إذا دعي أحدكم إلى
[ ٤٧٧ ]
وليمة عرس فليجيب" رواه ابن ماجة.
ومحلها: أول اليوم، لقوله ﵇: "الوليمة أول يوم: حق، والثاني: معروف، والثالث: رياء وسمعة".
قوله: (ويكره الضيافة بعد الثلاث في الموت) لأن الضيافة تتخذ عند السرور والفرح، لا عند الحزن والترح.
قوله: (ويكره رفع الزلة) أي يحرم رفع الزلة (إلا بإذن المضيف) لأنه مأذون بالأكل لا بالرفع.
قوله: (ويحل للضيف في الأصح أن يطعم ضيفًا آخر) لأنه مأذون فيه عادة لتعامل الناس في ذلك، قيد بقوله: (في الأصح) تنبيهًا إلى رواية في ذلك وهي رواية محمد: أنه لا يحل، لأنه مأذون بالأكل لا بالطعام.
قوله: (وأن يطعم) أي يحل للضيف أيضًا أن يطعم (الخادم الواقف على المائدة) لما ذكرنا.
قوله: (ولا يحل له) أي للضيف (أن يعطي سائلًا أو رجلًا داخلًا هناك لحاجته) لأنه لا إذن له في ذلك، وكذلك لا يحل له أن يعطي كلبًا أو هرة لصاحب الضيافة، وإن أطعم الكلب أو الهرة خبزًا محترقًا أو فتات المائدة: حل ذلك، لأنه مأذون فيه عادة.
[ ٤٧٨ ]