هذا الفصل في بيان ما يكره
من الصلاة ما لا يكره، وما يفسدها وما لا يفسدها
قوله: (يستحب أن يكون نظر المصلي في قيامه إلى موضع سجوده) وذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، قال أبو طلحة: ما الخشوع يا رسول الله؟ قال: "أن يكون منتهى بصر المصلي: موضع سجوده، وفي الركوع: إلى ظهر قدميه، وفي السجود: إلى أرنبة أنفه، وفي القعود: إلى حجره، وعند التسليمة الأولى: إلى كتفه الأيمن، وعند الثانية: إلى كتفه الأيسر".
قوله: (ولا يلتفت) لقوله ﵇: "لا يزال الله ﷿ مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه" رواه أبو داود والنسائي.
وحد الالتفات المكروه: أن يلوي عنقه، حتى يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة القبلة، فأما لو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه: فلا يكره، لأنه ﷺ "كان يلاحظ أصحابه في صلاته بموق عينيه".
[ ١٥٦ ]
قوله: (ولا يعبث بثوبه وعضوه) لقوله ﵇: "إن الله كره ثلاثًا: الرفث في الصوم والعبث في الصلاة والضحك في المقابر" وإذا انتقض كور عمامته فسواها: فصلاته تامة.
وإن عبث بلحيته أو حك بعض جسده: لا تفسد صلاته، وعلى قياس ما حكي عن عن أبي نصر: أن من نتف شعره ثلاثًا: فسدت صلاته، وكذا إذا حك جسده أو عبث بلحيته ثلاثًا، وكذلك إذا لبس المصلي الخفين، والمرأة إذا تخمرت: فسدت صلاتها.
قوله: (ويكره تغميض عينيه) لقوله ﵇: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه".
قوله: (ويكره سبقه الإمام) أي سبق المقتدي الإمام (في الأفعال) بأن يركع قبل أن يركع الإمام، أو يرفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام، لأنه مخالفة، وهو مأمور بالموافقة، لقوله ﵇: "لا تبادروني بالركوع والسجود" رواه أبو داود، وروى أبو داود أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أما يخشى، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار".
[ ١٥٧ ]
وهذا فيما إذا وجدت المشاركة مع الإمام، وأما إذا لم توجد أصلًا: تفسد صلاته.
قوله: (وعد الآي) أي يكره عد الآي والتسبيح، هذا عند أبي حنيفة، لأنه ليس من أعمال الصلاة، وعندهما: لا بأس به، وبه قال الشافعي.
قيل: الخلاف في المكتوبة، ولا خلاف في التطوع أنه لا يكره، وقيل: بالعكس.
والغمز برءوس الأصابع أو الحفظ بالقلب: لا يكره اتفاقًا، وأشار في الإيضاح: إلى أن يكره العد بالقلب أيضًا. (وحمل شيء) أي يكره حمل شيء في يده أو فمه، لأنه نوع عبث، ومنه قلب الحصى، إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرة، لأنه جاء في الخبر عن سيد البشر في تسوية الحجر: "يا أبا ذر، مرة أو ذر".
قوله: (وتطويل الإمام) أي يكره تطويل الإمام (الركوع لداخل يعرفه) لأن العبادة ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى، وفيه نوع اشتراك، حتى قيل: تفسد صلاته، وقيل: يخشى عليه الكفر، وإذا لم يعرف الداخل: لا يكره، وقيل: إن كان الداخل غنيًا: يكره، وإن كان فقيرًا: لا يكره.
قوله: (ويكره افتتاح الصلاة وبه حاجة) أي إلى الخلاء من البول أو الغائط، لما
[ ١٥٨ ]
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" ولأنه يشغله، ولا يتفرغ قلبه إلى الصلاة.
قوله: (ويكره الصلاة خلف صف وحده مهما وجد فرجة) أي موضعًا خاليًا في الصف، لتخلفه عن الجماعة بانفراده، حتى إذا لم يجد فرجة: لا يكره، للضرورة.
قوله: (ولو صلى في مكان طاهر في الحمام ولا صورة فيه: لا يكره) وقيل: يكره مطلقًا، فقيل: لأنه موضع الشياطين، وقيل: لأنه مصب الغسلات، والأصح أنه لا يكره، ولكن بشرط أن يستر عورته، وأن يصلي في مكان نظيف، والاستدلال على الكراهة بأنه موضع الشياطين: ممنوع، فإن جميع المواضع لا تخلو عنهم، فينبغي أن تكره الصلاة خارج الحمام أيضًا، وليس كذلك، والاستدلال عليهما بأنه مصب الغسلات: مدفوع بالمكان الطاهر، وإنما قيد بقوله: (ولا صورة فيه) لأنه إذا كان فيه صورة: يكره.
قوله: (وتكره القراءة في الحمام جهرًا لا سرًا) قلت: ينبغي أن لا تكره مطلقًا، لأن من يكرهها جهرًا يستدل بأنه موضع الشياطين، وقد قلنا أن جميع المواضع لا تخلو عنهم، فيلزم أن تكره القراءة جهرًا في سائر المواضع، والأمر بخلافه.
قوله: (وتكره صورة ذي الروح) مثل صورة الأسد والفيل والآدمي والخيل والطير التي ينقشها المصورون في الجدران والسقوف، وينسجها النساج في البسط والفرش. قيده بقوله: (ذي روح) لأن صورة غير ذي روح: لا يكره، كالشجر ونحوه، لأنه لا يعبد.
[ ١٥٩ ]
قوله: (في كل جهات المصلي) يعني سواء كانت في يمينه أو يساره أو أمامه أو وراءه أو فوقه أو تحته، وذلك لحديث جبريل ﵇: "إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة" رواه مسلم. وبيت لا تدخله الملائكة شر البيوت، وأشدها كراهة أن يكون أمام المصلي، ثم فوق رأسه، ثم يمينه، ثم يساره، ثم خلفه.
قوله: (إلا ممحوة الرأس) لأن الصورة لا تعبد بلا رأس.
وممحوة الرأس: أن تكون مقطوعة الرأس، أو يمحى رأسها بخيط يخاط عليها، حتى لم يبق للرأس أثر أصلًا، ولو خيط ما بين الرأس والجيد: لا يعتبر، لأن من الطيور ما هو مطوق.
قوله: (أو الصغيرة جدًا) وهذا أن يكون بحيث لا يبدو للناظر إلا بتأمل، لأن الصغيرة جدًا لا تعبد، وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان ولو صلى على بساط مصور: لا يكره إن لم يسجد عليها، لأنه إهانة وليس بتعظيم، ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة أو بساط مفروش: لم يكره، لأنها توطأ، فكان استهانة بالصورة، بخلاف ما لو كانت الوسادة منصوبة كالوسائد الكبار، أو كانت على الستر، لأنه تعظيم لها، ولو لبس ثوبًا مصورًا: كره لشبهه بحامل الصنم، ولا تفسد صلاته في كل الفصول.
قوله: (ولو استقبل تنورًا متقدًا) أي يشعل فيه نار (أو كانونًا فيه نار: يكره) لأنه يشبه عبادتها، بخلاف الشمع والسراج والمصحف والسيف ونحوها، لأن هذه الأشياء لا تعبد غالبًا.
قوله: (والعمل الكثير يقطع الصلاة) أي يبطلها، وهو ما لا يوجد إلا باليدين، ويتفرع عليه مسائل منها:
إذا وقعت عمامته من رأسه في الصلاة، فإن وضعها على رأسه بيده الواحدة: لا تفسد، وإن وضعها بيديه: تفسد. ومنها: إذا ألجم الدابة في الصلاة: تفسد، لأن
[ ١٦٠ ]
الإلجام لا يكون إلا باليدين، بخلاف ما إذا خلعها، لأن الخلع يمكن بيد واحدة.
ومنها: إذا عقد إزاره في الصلاة، فإن عقدها بيده الواحدة: لا تفسد، وإن عقدها بيديه: تفسد.
وقيل: العمل الكثير ما اشتمل على العدد الثلاث، ويتفرع عليه مسائل منها: أن المصلي إذا تروح بمروحة مرتين: لا تفسد صلاته، وإن تروح ثلاثًا: فسدت.
وقيل: العمل الكثير: كل عمل يكون مقصودًا للفاعل، على أن يفرد له مجلس على حدة، ويتفرع عليها مسائل منها:
أن المصلية إذا لمسها زوجها أو قبلها بشهوة: تفسد صلاتها.
ومنها: أن الصبي إذا مص ثديها وخرج اللبن: فسدت صلاتها.
وقيل: العمل الكثير هو ما يجزم الناظر إليه أنه ليس في الصلاة.
قال الصدر الشهيد: هو الصواب، واختاره الفضلي، وأشار المصنف إليه بقوله: (وهو المختار) فاستخرج ما يتفرع عليه من المسائل إن كنت على ذكر منها.
قوله: (ومن صلى في الصحراء: نصب بين يديه سترة) لقوله ﵊: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها: لا يقطع الشيطان عمله" رواه أبو داود.
قوله: (قدر ذراع فصاعدًا) لما روي أنه ﵇ قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" أخرجه مسلم والترمذي. وروى صاحب السنن: أن آخر الرحل ذراع فما فوقه.
[ ١٦١ ]
قوله: (ويجعلها بحذاء أحد حاجبيه) لما روي عن المقداد أنه قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا" رواه أبو داود. لكي لا يقابله مستويًا مستقيمًا بل كان يميل عنه.
قوله: (ولا عبرة بالإلقاء ولا بالخط) يعني إذا تعذر غرز العود: لا يلقي ولا يخط، لأن المقصود لا يحصل به، وقيل: يضعه طولًا، وقيل: إن لم يكن معه ما يستتر به: يخط طولًا. وقيل: شبه المحراب.
قوله: (ويأثم المار في موضع سجوده في الصحراء والمسجد الجامع) لقوله ﵇: "لو علم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف ولو أربعين" رواه أبو داود، وقال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة، وقدر في
[ ١٦٢ ]
رواية أبي هريرة بسنة. وإنما يأثم إذا مر في موضع سجوده في الأصح، لأن هذا القدر من المكان حقه، وفي تحريم ما وراءه تضييق على المارة، وقيل: بقدر الصفيين، هذا في الصحراء، فإن كان في المسجد: إن كان بينهما حائل كإنسان أو اسطوانة: لا يكره، وإن لم يكن بينهما حائل والمسجد صغير: كره، أي: في أي مكان كان، والمسجد الكبير كالصحراء، وقيل كالمسجد الصغير.
قوله: (ويدرأ المار) أي يدفعه (إن لم يكن له سترة أو مر بينه وبينها) أي بين السترة (بإشارة أو تسبيح) لقوله ﵇: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرأوا ما استطعتم فإنما هو شيطان".
قوله: (ولا يدرأ بهما) أي بالإشارة والتسبيح جميعًا لحصول المقصود بأحدهما، ثم الإشارة تكون بالرأس أو العين أو غيرهما.
قوله: (وإن تنحنح بغير عذر) بأن لم يكن مضطرًا إليه، بل كان لتحسين الصوت (فحصلت به) أي بالتنحنح (حروفًا) نحو: أح بالفتح والضم (بطلت) أي صلاته عندهما، خلافًا لأبي يوسف.
قوله: (وإن كان) أي التنحنح (بعذر) بأن كان مضطرًا إليه لاجتماع البزاق في حلقه (فلا) أي فلا تبطل وإن حصلت حروف، لأنه مضطر إليه طبعًا، فصار كالعطاس والجشأ لو حصلت.
[ ١٦٣ ]