هذا الفصل في بيان أحكام من أدرك الإمام، وأحكام المسبوق
قوله: (ومن دخل مسجدًا قد أذن فيه: كره خروجه) أي من المسجد (قبل الصلاة) لما روي عن أبي الشعثاء قال: "كنا مع أبي هريرة في المسجد، فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم" رواه أبو داود.
قوله: (إلا أن يكون إمامًا أو مؤذنًا فذهب إلى جماعته) لأن لهما حاجة، فلا يلامان، لقوله ﵇: "من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة: فهو منافق" رواه ابن ماجة.
قوله: (أو قد يكون قد صلى الفرض فخرج) لأن الأذان دعاء لمن لم يصل لا لمن صلى، إلا أن يقام للصلاة قبل خروجه: فحينئذ يقتدي بالإمام تطوعًا إن كان في الظهر والعشاء، موافقة للجماعة، ويخرج في العصر والفجر، لأن التطوع بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر مكروه، وفي المغرب أيضًا، لأن التنفل بالثلاث بتيراء، وهو منهي عنه، ويمكن أن يصلح هذا بضم ركعة أخرى بعد سلام الإمام.
قوله: (ولو جاء رجل والإمام) أي والحال أن الإمام (في صلاة الفجر، إن خاف فوت ركعة واحدة مع الإمام: صلى السنة خارج المسجد ثم اقتدى بالإمام، وإن خاف فوت الركعتين: ترك السنة واقتدى به).
الأصل في ذلك: أن سنة الفجر لها فضيلة عظيمة، قال ﵇: "لا تدعوهما وإن
[ ١٩٥ ]
طردتكم الخيل" رواه أبو داود.
وللجماعة فضيلة عظيمة لقوله ﵇: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" رواه مسلم.
فإذا تعارضتا: يعمل بهما بقدر الإمكان، فمتى أدرك ركعة مع السنة: كان أحق من تفويت أحدهما، لأن بإدراك ركعة مع الإمام يكون مدركًا للصلاة مع الجماعة، قال ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" رواه مسلم وابن ماجة. وإذا خشي فوتهما: دخل مع الإمام، لأنه تعذر إحراز الفضيلتين، فيحرز أهمهما: وهو الجماعة، لأن ثوابها أعظم من ثواب السنة لما رويناه.
ولأن في تركها وعيدًا شديدًا، وهو ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم" رواه أبو داود.
قوله: (ولم يقضها) أي سنة الفجر بعد الفراغ من الصلاة لا قبل طلوع الشمس ولا بعده خلافًا لمحمد، وقد مر.
[ ١٩٦ ]
قوله: (وسنة الظهر يتركها في الحالين) يعني سواء خاف فوت ركعة أو ركعتين أو أكثر، لأنه ليس لسنة الظهر فضيلة سنة الفجر، ثم يقضيها بعد الفراغ من الفرض فيقدمها على الركعتين عند أبي يوسف، خلافًا لمحمد، وقد مر في فصل السنن.
قوله: (ومن أدرك مع الإمام ركعة: حصل له ثواب الجماعة) لأن من أدرك آخر الشيء فقد أدركه، ولهذا لو حلف لا يدرك الجماعة: يحنث إذا أدرك الإمام في آخر الصلاة ولو في التشهد.
قوله: (ولو أدرك الإمام راكعًا) أي حال كون الإمام راكعًا (فكبر) أي المقتدي (ووقف حتى رفع الإمام رأسه: لم يصر مدركًا لتلك الركعة) لأن الشرط هو المشاركة للإمام في أفعال الصلاة، ولم يوجد لا في القيام ولا في الركوع.
وقال زفر والشافعي: يصير مدركًا لتلك الركعة.
قوله: (ولو أدركه) أي الإمام (وهو في القيام ولم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع المقتدي: صار مدركًا لها) أي لتلك الركعة، لأنه أدرك حقيقة القيام، هذا بالاتفاق.
قوله: (ولو ركع قبل الإمام فأدركه الإمام فيه) أي في الركوع (صح) لوجود المشاركة في جزء واحد (وكره للمخالفة) وقال زفر: لا يصح.
قوله: (والمسبوق يقضي فائته بعد فراغ الإمام بقراءة) لأنه منفرد فيما سبق، فيأتي بالقراءة ولو كان قرأ مع الإمام، بخلاف ما لو قنت معه، فإنه لا يقنت فيما يقضي.
[ ١٩٧ ]
والفرق بينهما: أن القراءة مع الإمام غير معتد بها، لعدم الوجوب عليه خلف الإمام، وإذا قام لقضاء ما سبق: انفرد، فيجب عليه حينئذ، بخلاف القنوت، فإن قراءته خلف الإمام معتد بها، فلا يعيد في قضاء ما سبق من الوتر.
قوله: (ولو أدرك الإمام ثالثة المغرب: قضى الأوليتين) أي الركعتين الأوليتين (بجلستين، يجلس على رأس كل ركعة) لأن ما صلى مع الإمام أول صلاته وهو ركعة، ويتشهد عقيبها لموافقة الإمام، فإذا صلى ركعة أخرى يتشهد، ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد أيضًا، لأنها آخر صلاته.
قوله: (وما يقضيه المسبوق أول صلاته حكمًا) يعني لا حقيقة، لأن أول صلاته ما صلى مع الإمام حقيقة.
قوله: (فيستفتح فيه) - فائدة ما قبله- أي يستفتح في قضاء ما سبق، لا فيما أدرك مع الإمام، لأن الاستفتاح يكون في أول الصلاة، وأول صلاته ما يقضيه حكمًا.
قوله: (ويتشهد) أي المسبوق (مع إمامه) للموافقة (ولا يدعو) لأن الدعاء محلها آخر الصلاة. والله أعلم.
[ ١٩٨ ]