هذا الفصل في بيان كيفية الإحرام
قوله: (إذا أراد الإحرام: قص شاربه، وقلم أظفاره، وحلق عانته) وهذا مستحب، كما استحب استعمال الطيب، وكذلك ينتف إبطه ويسرح رأسه.
قوله: (ثم توضأ واغتسل، وهو أفضل) أي الغسل أفضل، لما روى زيد بن ثابت: "أنه ﵇ اغتسل لإحرامه" رواه الدارقطني والترمذي وقال: حديث حسن.
والمراد بهذا الغسل: تحصيل النظافة وإزالة الرائحة، لا الطهارة، حتى يؤمر به الحائض والنفساء، لما روي عن ابن عباس أنه قال ﵇: "إن النفساء والحائض تغتسل، وتحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت" رواه أبو داود والترمذي.
قوله: (ولبس إزارًا ورداء) لأنه ﵇ "لبسهما هو وأصحابه" رواه مسلم.
قوله: (جديدين) لأن الجديد أفضل، ولأنه أنظف، ولأنه لم تركبه النجاسة.
قوله: (أبيضين) لقوله ﵇: "خير ثيابكم البيض فالبسوا" رواه ابن ماجة.
قوله: (وهو أفضل) أي الجديد الأبيض: أفضل من العتيق، ومن غير الأبيض، لما ذكرنا.
قوله: (ويطيب) لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله لإحرامه قبل
[ ٢٩٣ ]
أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت" رواه مالك في الموطأ، والبخاري وأبو داود.
قوله: (وادهن) لما روي عن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم رأي وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك" رواه مسلم.
قوله: (وإن وجد) قيد للطيب والدهن جميعًا.
قوله: (وصلى ركعتين) يعني بعد اللبس والتطيب، لأنه ﵇ "صلى ركعتين" رواه مسلم والبخاري.
قوله: (ويسأل الله التيسير) لأنه الميسر لكل عسير.
قوله: (ثم لبى ناويًا نسكه) أي حال كونه ناويًا بالتلبية حجه، لما روي عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل" رواه أبو داود. قيد بقوله: (ناويًا) لأن النية شرط لجميع العبادات.
قوله: (رافعًا صوته) لقوله ﵇: "جاءني جبريل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج" رواه ابن ماجة.
[ ٢٩٤ ]
قوله: (والتلبية معروفة وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) كذا حكى ابن عمر تلبية النبي ﷺ، متفق عليه.
واختلفوا في الداعي، فقيل: هو الله تعالى، وقيل: هو رسول الله ﷺ، والأظهر: أنه الخليل ﵇.
ومعناها: أقيم في طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان ولب به: إذا أقام ولزمه ولم يفارقه.
قوله: (وهي) أي التلبية (مرة: شرط) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عباس: فرض الحج: الإهلال، وقال ابن عمر: التلبية، ولأن الحج يشتمل على أركان، فوجب أن يشترط في تحريمه ذكر يراد به التعظيم كالصلاة.
وعن أبي يوسف: يصير شارعًا بالنية وحدها من غير تلبية، وبه قال الشافعي. قوله: (والزيادة سنة) أي الزيادة على مرة: سنة، لأنها ذكر وتعظيم.
[ ٢٩٥ ]
ويصلي على النبي ﷺ بعد التلبية، لما روي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: "كان يستحب للرجال الصلاة على النبي ﷺ بعد التلبية" رواه أبي داود والدارقطني.
وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ: "أنه كان إذا فرغ من التلبية: سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار" رواه الدارقطني.
قوله: (ويتقي المحرم) أي يجتنب المحرم (الرفث والفسوق والجدال) لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. الرفث: الجماع، وقيل الفحش في الكلام، والفسوق: الخروج عن حدود الشريعة، وقيل: التساب والتنابز بالألقاب، والجدال: المراء مع الرفقاء والخدم والمكارين.
قوله: (وقتل صيد البر) أي ويتقي قتل صيد البر، والدلالة، والإشارة، لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ولحديث أبي قتادة: أنه ﵇ قال حين سألوه عن لحم حمار وحش اصطاده أبو قتادة قال: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ "
[ ٢٩٦ ]
قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه" رواه البخاري ومسلم. علق حله على عدم الإشارة والأمر، والإشارة: أن يشير إلى صيد باليد، والدلالة: أن يقول: إن في مكان كذا صيد.
فالإشارة تكون في الحضور، والدلالة تكون في الغيبة.
قوله: (ويباح له كل صيد البحر) مثل السمك وأنواعه، لأن المنهي عنه صيد البر.
قوله: (ويترك لبس المخيط) لأنه ممنوع منه (وكذلك يترك لبس العمامة والقلنسوة والخفين التامين) قيد بالتامين: لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين يجوز، لما روي عن ابن عمر أنه قال: سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلا أن لا يجد النعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: (وتغطية الرأس والوجه) لقوله ﵇ في المحرم الذي خر من بعيره: "لا تخمروا وجهه ولا رأسه" رواه مسلم وغيره.
قوله: (والدهن) أي يترك المحرم الدهن والتطيب، لقوله ﵇: "الحاج: الشعث التفل" رواه أبو ذر الهروي وغيره.
[ ٢٩٧ ]
وقال الشافعي: يجوز له الخضاب بالحنا، لأنه ليس بطيب.
ولنا: أنه ﵇ نهى المعتدة عن الكحل والخضاب بالحناء وقال: "الحناء طيب" رواه النسائي.
قوله: (وحلق الشعر وقصه) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والقص في معنى الحلق، وأما قص الظفر: فلأن فيه إزالة الشعث.
قوله: (ولبس المصبوغ) أي يترك لبس المصبوغ، لما روينا من حديث البخاري: (إلا مغسولًا لا بنفض) أي لا يفوح، وقيل: لا يتناثر، لأن النهي عن الطيب لا اللون.
قوله: (ولا يغسل شعره بخطمي) لأن فيه إزالة الشعث.
قوله: (ولا يحك رأسه إلا برفق إن كان عليه شعر) لأن الحك بغير رفق يزيل الشعث (وإن لم يكن عليه شعر: لا يحك).
قوله: (وله) أي للمحرم (أن يغتسل ويدخل الحمام) لأنه ﵇ "اغتسل وهو محرم" رواه مسلم.
وحكى أبو أيوب الأنصاري اغتسال رسول الله ﷺ، متفق عليه.
[ ٢٩٨ ]
قوله: (ويستظل) بالنصب، عطف على قوله: (أن يغتسل) أي وللمحرم أن يستظل بنبت أو خيمة أو محمل، لحديث أم الحصين قالت: "حججت مع رسول الله ﷺ فرأيت أسامة وبلالًا، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﵇، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: (ويشد الهميان) أي وله أن يشد الهميان في وسطه، لأنه ليس بلبس مخيط ولا في معناه، كوذا شد المنطقة، والسيف، والسلاح، والتختم بالخاتم.
قوله: (ويكثر التلبية بصوت رفيع بعد الصلاة) لما روي عن أبي بكر الصديق أنه ﵇: "سئل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج" رواه الترمذي، العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إسالة الدم.
قوله: (وكلما علا شرفًا) أي موضعًا عاليًا (أو هبط واديًا) أي نزل مكانًا سافلًا (أو لقي ركبًا) لما روي أنه ﵇ "كان يلبي إذا لقي ركبًا، أو صعد أكمة، أو هبط واديًا، وفي إدبار المكنوبة وآخر الليل" ذكره في الإمام.
[ ٢٩٩ ]
قوله: (وبالأسحار) أي وفي وقت الأسحار، وفي غير الأسحار أيضًا، لكن تخصيص الأسحار: لأنها وقت يستجاب فيه الدعاء.
قوله: (فإذا دخل مكة) اعلم أنه إذا دخل مكة: يستحب له أن يدخل من الثنية العليا وهي ثنية كدا من أعلى مكة على درب المعلى وطريق الأبطح، ويخرج من الثنية السفلى وهي ثنية كدا من أسفل مكة على درب اليمن، لما روي أنه ﵇ "كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى" رواه الجماعة إلا الترمذي.
ولا يضره: دخلها ليلًا أو نهارًا، لأنه ﵇ "دخلها ليلًا ونهارًا" رواه النسائي.
ويقول عند دخوله الحرم: "اللهم إن هذا أمنك وحرمك الذي من دخله كان آمنًا، فحرم لحمي ودمي وعظمي وبشري على النار، اللهم آمني من عذابك يوم تبعث عبادك، فإنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، وأسألك أن تصلي على سيدنا محمد وعلى آله".
ويقول عند دخوله مكة: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها وأعذني من الشيطان الرجيم".
قوله: (طاف للقدوم سبعة أشواط) لما روى عروة عن عائشة ﵂: "أن أول شيء
[ ٣٠٠ ]
بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت" الحديث، رواه البخاري ومسلم.
ويكون ملبيًا في دخوله، ويدخل من باب بني شيبة، ويقدم رجله اليمنى في دخوله ويقول: "بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها، اللهم إني أسألك في مقامي هذا أن تصلي على محمد عبدك ورسولك وأن ترحمني وتقيل عثرتي وتغفر ذنبي وتضع عني وزري"، فإذا وقع بصره على البيت: كبر وهلل ثلاثًا ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد بيتك هذا تعظيمًا وتشريفًا ومهابة، وزاد من شرفه وعظمه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا".
قوله: (وراء الحطيم، لأن الحطيم من البيت) لما روي عن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن الحجر من البيت هو؟ قال: "نعم" الحديث متفق عليه.
سمي حطيمًا: لأنه حطم من البيت أي: كسر، وسمي حجرًا: لأنه حجر من البيت: أي منع منه، وهو محوط ممدود على صورة نصف دائرة، خارج عن جدار البيت من جهة الشام تحت الميزاب، وليس كله من البيت، بل مقدار ستة أذرع منه من البيت، لحديث عائشة ﵂ "أنه ﵇ قال: ستة أذرع من الحجر من البيت، وما زاد ليس من البيت" رواه مسلم.
قوله: (يرمل في الثلاثة الأول منها) لما روى عن جابر: أنه ﵇ "لما قدم مكة أتى
[ ٣٠١ ]
الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا" رواه مسلم والنسائي.
وإذا حاذى الملتزم في أول طوافه، وهو بين الباب والحجر الأسود قال: "اللهم إن لك علي حقوقًا فتصدق بها علي"، وإذا حاذى الباب يقول: "اللهم هذا البيت بيتك وهذا الحرم حرمك وهذا الأمن أمنك وهذا مقام العايذ بك من النار فأعذني منها"،
وإذا حاذى المقام على يمينه يقول: "اللهم إن هذا مقام إبراهيم العايذ اللايذ بك من النار، حرم لحومنا وبشرتنا على النار"، وإذا أتى الركن العراقي يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشرك، والشك، والنفاق، والشقاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد"، وإذا أتى ميزاب الرحمة يقول: "اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك، واسقني بكأس محمد ﵇ شربة لا نظمأ بعدها أبدًا"، وإذا أتى الركن الشامي يقول: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور"، وإذا أتى الركن اليماني يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة".
قوله: (ثم يصلي ركعتين في المقام) وهذه الصلاة واجبة عندنا، خلافًا للشافعي، وقد مر في عد الواجبات.
ومن جملة سنن الطواف: أن يستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، لما روي أنه ﵇ "طاف على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر" رواه أحمد والبخاري.
ويستحب أن يستلم الركن اليماني، لما روي عن ابن عمر أنه قال: "ما تركت استلام هذين الركنين: الركن اليماني والحجر الأسود منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما" رواه مسلم وأبو داود.
[ ٣٠٢ ]
ولا يقبله، وعند محمد: هو سنة، فيقبله مثل الحجر الأسود، لما روي عن ابن عباس:
"أنه ﵇ كان يقبل الركن اليماني ويضع يده عليه" رواه الدارقطني.
وعن ابن عباس: "أنه ﵇: إذا استلم الركن اليماني قبله" رواه البخاري في تاريخه.
قوله: (ثم سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط) لما روي عن أبي هريرة: "أنه ﵇ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى رأى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله تعالى ويدعو ما شاء أن يدعو" رواه مسلم وأبو داود.
وروى جابر: "أنه ﵇ بدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، ووحد الله تعالى وكبره وقال: "لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا" رواه مسلم وغيره.
[ ٣٠٣ ]
قوله: (يهرول فيما بين الميلين الأخضرين) والهرولة: المشي بالسرعة، لما روى جابر "أنه ﵇ نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه: رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى" رواه أبو داود.
قوله: (ثم يقيم بمكة حرامًا) لأنه محرم بالحج، فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله.
قوله: (يطوف ما شاء) لأنه يشبه الصلاة (ولا يرمل ولا يسعى) لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة واحدة، والتنفل به غير مشروع، والرمل لم يشرع إلا مرة واحدة في طواف بعده سعي، ويختم كل طواف بركعتين على ما شاء.
قوله: (ثم يخرج غداة التروية إلى منى) ملا روى جابر "أنه ﵇ توجه قبل صلاة الظهر يوم التروية إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح" رواه مسلم وغيره، ويستحب أن ينزل عند مسجد الخيف.
قوله: (ثم يتوجه إلى عرفات) لما روى ابن عمر "أنه ﵇ غدا من منى حين طلع الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة " الحديث. رواه أحمد وأبو داود.
قوله: (فإذا زالت الشمس) أي شمس يوم عرفة (صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين) لما روى جابر في حجة النبي ﷺ "ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا" رواه مسلم.
قوله: (ولا يجمع المنفرد) هذا عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، والأصل في
[ ٣٠٤ ]
ذلك: أن الجمع بين الظهر والعصر إنما يجوز بشرط الإمام والإحرام عند أبي حنيفة، حتى لو صلاهما، أو صلى أحدهما منفردًا أو غير محرم: لم يجز له الجمع.
والمراد بالإحرام: إحرام الحج، ثم قيل: لابد من الإحرام قبل الزوال ليجوز الجمع، وإن لم يكن محرمًا قبل الزوال وأحرم بعده: لم يجز له الجمع، والصحيح أنه يكتفي بالتقديم على الصلاتين.
ومن شرط الجمع: أن تكون صلاة الظهر صحيحة، حتى لو تبين فسادها بعدما صلاهما: أعاد الظهر والعصر جميعًا.
وقال زفر: يراعي هذه الشرائط في العصر خاصة، وعندهما: لا يشترط الإمام في حق العصر، حتى يجوز للمنفرد أن يجمع، وعلى هذا الخلاف جواز الجمع للإمام وحده، فعنده: لا يجوز، خلافًا لهما، ولو نفروا عنه بعد الشروع: جاز له الجمع، واختلفوا فيما إذا نفروا عنه قبل الشروع على قوله، والمراد بالإمام: هو الإمام الأعظم أو نائبه، ولو مات الإمام وهو الخليفة: جمع نائبه أو صاحب شرطته، فافهم.
قوله: (ثم يقف الإمام بعرفة راكبًا بقرب الجبل) وهو الذي عند الصخرات السود الكبار، وهو الجبل الذي بوسط عرفات، يقال له: إلال على وزن هلال، والجبل يسمى: جبل الرحمة، والموقف الأعظم، وذلك لما روي أنه ﵇ "ركب القصواء، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس" رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
قوله: (وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) لقوله ﵇: "عرفات كلها موقف
[ ٣٠٥ ]
وارتفعوا عن بطن عرنة" رواه البخاري.
ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويلبي ويصلي ويدعو الله لحاجته، لقوله ﵇: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير" رواه مالك والترمذي وأحمد وغيرهم.
وكان ﵇ يجتهد في الدعاء في هذا الموقف، حتى روي أنه ﵇: "دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة، فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم، ثم أعاد الدعاء بالمزدلفة فأجيب حتى الدماء والمظالم" خرجه ابن ماجة.
قوله: (فإذا غربت الشمس أفاض) أي الإمام (إلى مزدلفة) لحديث علي ﵁ "أنه ﵇ دفع حين غابت الشمس" رواه أبو داود وغيره.
قوله: (ووقف بقرب قزح) والمراد من هذا الوقوف: النزول، لأن الوقوف لا يكون إلا بعد صلاة الفجر بغلس، وإنما ينزل هنا: لأنه الموقف، لما روي أنه ﵇ "لما أصبح وقف على قزح" رواه أبو داود.
[ ٣٠٦ ]
وقال في الصحاح: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال في الكشاف: المشعر الحرام: قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
قوله: (ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر) لقوله ﵇: "والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" رواه البخاري.
قوله: (ويصلي بالناس المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان وإقامة واحدة) وقال زفر: بأذان وإقامتين، واختاره الطحاوي.
ولنا: حديث ابن عمر "أنه ﵇ أذن للمغرب بجمع، فأقام ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى" قال ابن حزم: رواه مسلم.
قوله: (ومن صلى المغرب في الطريق) أي في طريق مزدلفة (أعاد) وكذا لو صلاها
[ ٣٠٧ ]
في عرفات، وقال أبو يوسف: يجوز، لأنه صلاها في وقتها المعهود، ولهما: حديث أسامة بن زيد "أن رسول الله ﷺ دفع من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسول الله قال: "الصلاة أمامك"، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ فأسبغ الوضوء " الحديث. رواه البخاري ومسلم.
قوله: (ويبيت بها) أي بالمزدلفة (ويصلي بهم الفجر بغلس) لما روي "أنه ﵇ صلاها يومئذ بغلس" متفق عليه.
قوله: (ثم يقف بالمشعر الحرام) وهو قزح، لما مر.
قوله: (ويدعو) لما روي "أنه ﵇ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده" رواه مسلم.
قوله: (فإذا أسفر جدًا) أي إذا أسفر الصبح إسفارًا كاملًا (أفاض إلى منى فرمى جمرة العقبة من بطن الوادي سبع حصيات) لما روي أنه ﵇ "لم يزل واقفًا حتى أسفل جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها- حصى الخذف- رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر" رواه مسلم.
[ ٣٠٨ ]
ولو دفع بليل لعذر به من ضعف أو علة: جاز ولا شيء عليه، لما روى ابن عمر أنه ﵇ "أذن لضعفة الناس أن يدفعوا بالليل" رواه أحمد.
قوله: (مثل حصى الخذف) بالخاء المعجمة، وهو الرمي برءوس الأصابع، يقال: الحذف بالعصا، والخذف بالحصى، الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالخاء المعجمة.
وكيفية الرمي: أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة، ومقدار الرمي: أن يكون بين الرامي وبينه: خمسة أذرع.
قوله: (يكبر مع كل حصاة) لما روينا، ولو سبح مكان التكبير: أجزأه، لحصول التعظيم بالذكر.
قوله: (ولا يقف عندها) أي عند جمرة العقبة، لما روي عن ابن عمر "أنه كان يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله" رواه البخاري.
قوله: (ويقطع التلبية مع أول حصاة) لما روي عن ابن عباس "أن أسامة كان رديف النبي صلى الله عليه وسلمن من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزل النبي ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: (ولو رمى السبع جملة) أي ولو رمى سبع حصيات جملة دفعة واحدة (فهي واحدة) لأن المنصوص عليه تفريق الأفعال.
[ ٣٠٩ ]
قوله: (ويجوز الرمي بجنس الأرض) كالحجر، والمدر، والطين، والمغرة والنورة، والزرنيخ، والملح الجبلي، والكحل، والقبضة من تراب، (والأحجار النفيسة) كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، والبلخش، والفيروزج، والبلور، والعقيق.
قوله: (لا بالذهب) أي لا يجوز بالذهب والفضة، وكذلك الخشب والعنبر واللؤلؤ والجواهر، لأنها ليست من جنس الأرض، أو لأنه نثار وليس برمي.
قوله: (ثم يذبح إن شاء) وهذا الذبح ليس بواجب على المفرد، أشار إليه بقوله: (إن شاء) ويجب على القارن والمتمتع.
قوله: (ثم يحلق ربع رأسه) لما روي عن أنس "أنه ﵇، أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، وقال للحلاق: "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس" رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
قوله: (وهو) أي الحلق (أفضل من التقصير) لما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﵇ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله: والمقصرين، قال: "وللمقصرين" متفق عليه.
قوله: (ويحل له كل شيء إلا النساء) لحديث عائشة أنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.
[ ٣١٠ ]
وعنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "إذا رميتم وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وحل لكم الثياب والطيب" رواه الدارقطني.
قوله: (ثم يطوف طواف الزيارة) لما روي في حديث جابر "أنه ﵇ أفاض إلى البيت يوم النحر فصلى بمكة بعدما طاف بالبيت" رواه مسلم.
قوله: (ووقته) أي وقت طواف الزيارة (أيام النحر وهي ثلاثة أيام) لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح والأكل منه بقوله: ﴿فَكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ فكان وقتهما واحدًا، وأولها أفضلها كما في النحر.
قوله: (ويحل له النساء) يعني بعدما طاف طواف الزيارة: يحل له النساء أيضًا، لإجماع الأمة على ذلك.
قوله: (ثم يعود إلى منى) لما روي "أنه ﵇ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" متفق عليه.
قوله: (ويرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم التالي).
اعلم: أنه يرمي الجمار الثلاث في ثاني النحر بعد الزوال، باديًا لما يلي المسجد، ثم بما يليها، ثم بجمرة العقبة، ووقف عند كل رمي بعده رمي، ثم غدًا كذلك، ثم بعد كذلك إن مكث، لما روت عائشة أنها قالت: "أفاض النبي ﷺ من يومه حتى صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، ثم يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها" رواه أبو داود.
[ ٣١١ ]
فإن لم يمكث في اليوم الرابع: يسقط عنه الرمي، لأنه مخير فيه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والأفضل أن يرمي، موافقة للنبي ﵇.
قوله: (فإذا أراد الرجوع إلى بلده طاف طواف الصدر) يعني إذا فرغ من رمي الجمار وأراد أن يرجع إلى بلده، نزل بالمحصب، وهو الأبطح، وتسمى الحصباء، والبطحاء، والخيف، وهو ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة، والجبل يقابله مصعدًا في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى، مرتفعًا عن بطن الوادي، وليست المقبرة من المحصب، لقوله ﷺ: "نحن نازلون عند الخيف، خيف بني كنانة " الحديث. رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي.
ثم يطوف طواف الصدر لما روي "أنه ﵇ صلى لظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت فطاف به" رواه البخاري.
قوله: (ومن وقف بعرفة لحظة) أي ساعة (ما بين الزوال يوم عرفة وفجر يوم النحر: أجزأه) لقوله ﵇: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم
[ ٣١٢ ]
حجه" روى بمعناه أبو داود وغيره وصححه الترمذي.
قوله: (ولو كان نائمًا) أي ولو كان الحاج حال الوقوف نائمًا (أو مغمى عليه أو جاهلًا بها) أي بعرفة، لأن الأحاديث مطلقة تعرف في موضعها.
قوله: (والمرأة في أفعال الحج كالرجل) لأن أوامر الشرع عامة جميع المكلفين ما لم يقم دليل الخصوص.
قوله: (إلا في كشف الرأس) يعني إلا أنها لا تكشف رأسها، ولكن تكشف وجهها، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه" رواه أبو داود وغيره.
[ ٣١٣ ]
وقوله: (ولبس المخيط) يعني إلا أن لها لبس المخيط، لأنه ﵇ "أباح السراويل والقميص للنساء المحرمات" رواه أبو داود.
ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمل ولا تهرول: للفتنة، ولا تحلق، ولكن تقصر، لما روى ابن عباس أنه ﵇ قال: "ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير" رواه أبو داود وأحمد وغيرهما.
والخنثى المشكل في جميع ما ذكرنا كالمرأة.
قوله: (فإنها تخالفه) أي فإن المرأة تخالف الرجل في جميع ما ذكرناه.
[ ٣١٤ ]