لما كان أداء الصلاة على وجه الكمال بالجماعة، إذ هي من سنن الهدى، فصل لها فصلًا على حدة.
قوله: (هي) أي الجماعة (سنة مؤكدة)، لقوله ﵇: "الجماعة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق" هذا مأخوذ من حاصل حديث طويل أخرجه أبو داود والنسائي، والمراد منه جماعة الرجال، لأن جماعة النساء مكروهة، وفي رواية: الجماعة فرض كفاية، وهي قول الشافعي، وعند أحمد بن حنبل: فرض عين، لكن غير شرط للجواز.
قوله: (وتخفيفها مع الإمام سنة ثانية) أي تخفيف الصلاة مع إتمام ركوعها وسجودها وغير ذلك: سنة ثانية.
فإن قلت: قوله: (ثانية) يستدعي الأولى، لأن الثاني مبني على الأول، فالأولى ما هي ههنا؟
قلت: كون الجماعة سنة مؤكدة هو الأولى، وتخفيف الإمام الصلاة مع إتمام أركانها: هو الثانية، ولاشك أن كلًا منهما سنة، أما الأول: فلما روينا، وأما الثاني: فلقوله ﵇: "يا معاذ لا تكن فتانًا فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة" رواه أبو داود.
فإن قلت: لم؟ قيل: لتخفيف الصلاة سنة ثانية؟ قلت: لأن السنن على نوعين: سنة مؤكدة، وسنة الزوائد وهي السنة الثانية. ولاشك أن تخفيف الصلاة من السنن الزائدة فافهم. ورأيت في بعض النسخ (وتحقيقها مع الإمام) بالحاء المهملة والقافين، فحينئذ يكون الضمير عائدًا إلى الجماعة أي: تحقيق الجماعة مع الإمام، وهو ظاهر،
[ ١٦٤ ]
لأنه إذا اجتمع قوم في مكان، وصلوا فرادى: لا يكونون مقيمين حق الجماعة ولا مكتسبين ثوابها، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ (ثابتة)، بالباء المنقوطة بنقطة واحدة من تحت بعد الثاء المثلثة: من الثبوت.
قوله: (وأقلها) أي أقل الجماعة (في غير الجمعة: واحد مع الإمام) لقوله ﵇: "الاثنان جماعة فما فوقهما" رواه ابن ماجة.
وأما في الجمعة: فالشرط ثلاثة سوى الإمام كما يجيء في بابها إن شاء الله.
قوله: (والأولى بالإمامة الأفقه) إذا كان يحسن القراءة، ويجتنب الفواحش الظاهرة، وعن أبي يوسف: أن الأقرأ مقدم.
قوله: (ثم الأقرأ) أي فإن تساووا في العلم: فأقرأهم لكتاب الله.
قوله: (ثم الأورع) أي فإن تساووا في القراءة: فأورعهم أولى بالإمامة، لقوله ﵇: "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين ربكم".
قوله: (ثم الأكبر سنًا) أي فإن تساووا في الورع: فأكبرهم سنًا أحق بالتقديم، لما روي عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما" رواه أبو داود.
[ ١٦٥ ]
قوله: (ثم الأحسن خلقًا) أي فإن تساووا في السن: فأحسنهم خلقًا أولى بالإمامة (ثم الأشرف نسبًا) أي فإن تساووا في حسن الخلق: فأشرفهم نسبًا أحق بالتقديم، لزيادة فضله بشرف النسب.
قوله: (ثم الأصبح وجهًا) أي فإن تساووا في شرف النسب: فأصبحهم وجهًا أحق بالتقديم، ومعنى أصبحهم وجهًا: أكثرهم صلاة بالليل، وفي الحديث: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". ثم إن تساووا في هذا المعنى أيضًا: يقرع فيقدم من خرجت قرعته، أو يكون الخيار للقوم فيقدم من يختارونه.
قوله: (ومن أم واحدًا: أقامه عن يمينه مقارنًا له) لما روي عن ابن عباس أنه قال: "بت في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القربة، فتوضأ، ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه وأدارني من وراءه فأقامني عن يمينه، فصليت معه" رواه أبو داود، وغيره.
قوله: (وإن أم اثنين: تقدم عليهما) لحديث أنس: "أقامني رسول الله ﷺ واليتيم وراءه وأم سليم
[ ١٦٦ ]
وراءنا" رواه البخاري ومسلم.
قوله: (ومن تقدم على إمامه) عند اقتدائه (لم يصح اقتداؤه) لأن وظيفة الإمام: التقدم، ووظيفة المقتدي: التأخر منه، فانقلب عكسًا: فلم يجز.
وقوله: (لم يصح اقتداؤه) أي لم يصح شروعه مع الإمام، ثم هل يصح شروعه في صلاة نفسه أم لا؟ فيه وجهان: إن قسناهما على مسألة: من كبر قبل إمامه ناويًا الاقتداء به: بطل شروعه مع الإمام، وهل يصير شارعًا في صلاة نفسه أم لا؟ فيه روايتان: فأقول ذلك بطريق القياس، لأني ما وقفت في ذلك على نقل صريح فيما طالعت من الكتب، فافهم.
قوله: (ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة) لقوله ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن الله" فينافي هذا تقديمهن على غيرهن. وتجوز إمامتها للنساء، ولكن جماعتهن مكروهة، فإن فعلن: يقف الإمام وسطهن كالعراة.
قوله: (ولا بالصبي) أي لا يصح اقتداء الرجل بالصبي مطلقًا، يعني سواء كان في
[ ١٦٧ ]
الفرض أو في غيره، وقال الشافعي: يصح مطلقًا، وهذا مبني على أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز عنده، ولا يجوز عندنا، والصبي متنفل. وعن بعض مشايخنا: جواز إمامته في التراويح والسنن المطلقة، والأكثرون على المنع مطلقًا، وعليه الفتوى.
قوله: (ويصح اقتداء الصبي بالصبي) لأنهما متنفلان، فيصح اقتداء المتنفل بالمتنفل.
فروع: تكره إمامة الأعمى،
[ ١٦٨ ]
والعبد وولد الزنا والمبتدع والفاسق.
وقال مالك: لا تجوز إمامة الفاسق. ولا تجوز إمامة الجهمية والقدرية والرافضة، ولا إمامة أهل الأهواء في رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم، وإن تكلم بحق. وفي المنتقى: إبراهيم عن محمد: أنه سئل هل يصلى خلف شارب الخمر؟ قال: لا ولا كرامة. واقتداء الأخرس بالأمي صحيح لا العكس. ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بمساح، وقائم بقاعد، ومومئ بمثله، ومتنفل بمفترض دون عكسه.
وقال محمد: لا يصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وقائم بقاعد دون عكسه.
قوله: (ويصف الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء) أما الرجال: فلقوله ﵇: "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) رواه مسلم، وأما الصبيان: فلحديث أنس وقد
[ ١٦٩ ]
رويناه، وأما الخناثى: فلاحتمال كونهم إناثًا، وأما تقديمهم على النساء: فلاحتمال كونهم ذكورًا.
قوله: (ويكره للنساء الشواب حضور الجماعة مطلقًا) يعني في جميع الصلوات، للفتنة والفساد، ولهذا يباح للعجائز الخروج في العيدين والجمعة بالاتفاق، لأنهن غير مرغوب فيهن، فلا فتنة. وكذا يباح لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء عند أبي حنيفة، لأن من ظهر منهم الفتنة وهم الفساق: نائمون في الفجر والعشاء، ومشغولون بالطعام في المغرب، وعندهما: يخرجن في الصلوات كلها كما في الجمعة، والفتوى اليوم على الكراهة في كل الصلوات لظهور الفساد.
ومتى كره حضور المسجد للصلاة، فلأن يكره حضور مجالس الوعاظ خصوصًا عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية العلماء: أولى، ذكره فخر الإسلام.
قوله: (ولو ظهر حدث الإمام: أعاد المأموم) يعني إذا اقتدى بإمام، ثم ظهر أنه محدث أو جنب: يعيد المأموم صلاته، خلافًا للشافعي.
والأصل في جنس هذه المسألة: أن المأموم تبع للإمام صحة وفسادًا عندنا، وعنده: تبع في الموافقة لا في الصحة والفساد، حتى يجوز اقتداء القائم بالمومئ. وقراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المقتدي، ويجوز اقتداء المفترض بالمتنفل وبمن يصلي فرضًا آخر، وعندنا: على العكس.
قوله: (ومتى كان بين الإمام والمأموم حائل) أي مانع (يشتبه به حال الإمام عليه) أي على المأموم (منع الصحة) أي صحة صلاة المأموم، لاختلاف حال الإمام عليه، حتى إذا لم يشتبه: لا يمنع الصحة والله أعلم.
[ ١٧٠ ]