المناسبة بين الفصلين من حيث أن الجمعة لا تقام إلا بالجماعة والإمام، وما ذكر في الفصل الأول هو أحكام الجماعة والإمام.
قوله: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع) لقوله ﵇: "لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع" ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه وقال: ذكره أبو يوسف في الإملاء مسندًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
والمصر الجامع: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وقال الشافعي: لا يشترط المصر، حتى إذا كان أربعون رجالًا أحرارًا مقيمين في القرى: تقام الجمعة.
قوله: (أو في فنائه) أي فناء المصر، وهو ما أعد لحوائج أهل المصر. وفناء المصر، وفناء الدار، وفناء كل شيء: كذلك. واختلفوا فيه: فقدره محمد: بغلوة،
وبعضهم: بفرسخ، وبعضهم: بفرسخين، وبعضهم: بمنتهى صوت المؤذن إذا أذن.
وعن أبي يوسف: لو أن إمامًا خرج من المصر مقدار ميل أو ميلين لحاجة، فجاء
[ ١٧١ ]
وقت الجمعة فصلاها بهم: جاز، وقيل: يجوز عند أبي يوسف إذا كان بينه وبين المصر مزارع. وبه كان يفتي شمس الأئمة الحلواني.
قوله: (ولا يقيمها إلا السلطان أو نائبه) لقوله ﵇: "من تركها استخفافًا بها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله .. " الحديث. شرط فيه أن يكون له إمام، وقال الشافعي: هذا ليس بشرط، وتجوز الجمعة خلف المتغلب الذي لا منشور له من الخليفة، إذا كانت سيرته في رعيته سيرة الأمراء، يحكم فيما بين رعيته، لأن بهذا تثبت السلطة، فتحقق الشرط، كذا في التتمة والكافي.
والي مصر قد مات ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت بهم جمع: فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب شرطة أو القاضي: جاز، ولو اجتمعت العامة على أن يقدموا رجلًا من غير أمر الخليفة أو القاضي: لم يجز ولم يكن جمعة، كذا في العيون.
صبي خطب يوم الجمعة وله منشور الوالي: يجوز، ويصلي بالناس رجل بالغ صلاة الجمعة، كذا في فتاوى خوارزم.
قوله: (ويخطب قبلها) أي قبل الجمعة (خطبتين خفيفتين) وهي شرط، حتى لو صلوا بغيرها: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي
[ ١٧٢ ]
الخطبة، والسنة: خطبتان خفيفتان بجلسة بينهما، ومقدارها: أن يستقر كل عضو منه موضعه، ويحمد في الأولى، ويتشهد ويصلي على النبي ﵇، ويعظ الناس، وفي الثانية كذلك، إلا أنه يدعو مكان الوعظ، كذا جرى التوارث، ويخطب قائمًا بطهارة، فلو خطب قاعدًا أو محدثًا: جاز وكره، ويستحب إعادتها إذا كان جنبًا.
قوله: (ولو ذكر الله بدل الخطبة) مثل ما إذا قال: سبحان الله أو لا إله إلا الله: (صح) عند أبي حنيفة، وكذا لو اقتصر على الحمد لله، وعندهما: لا يجوز إلا إذا كان كلامًا يسمى خطبة عادة، وقيل: أقله قدر التشهد، والشرط عند أبي حنيفة: أن يكون قوله الحمد لله على قصد الخطبة، حتى إذا عطس وقال: الحمد لله، يريد به الحمد على عطاسه: لا ينوب عن الخطبة.
قوله: (وشرطها) أي شرط إقامة الجمعة (ثلاثة أنفس غير الإمام) وهذا عندهما، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام، لأن في المثنى معنى الاجتماع، ولهما: أن أقل الجمع ثلاث، كما في قوله: له علي دراهم، أو نذر أن يصوم أيامًا: يجب عليه ثلاثة فيهما.
ثم اشتراط الجماعة لتأكد العقد بالسجدة عند أبي حنيفة، وعندهما: شرط للشروع، وعند زفر: لأدائها. وفائدته: فيما إذا نفر الناس عن الإمام قبل أن يقيد الركعة الأولى بالسجدة: فعند أبي حنيفة: لا يجمع، ويستقبل الظهر، وعندهما: إن نفروا بعد شروعه: جمع، وعند زفر: إن نفروا قبل قعوده قدر التشهد: لم يجمع. والدلائل قد مرت في المستجمع.
قوله: (ولا جمعة على مسافر) للحرج (وامرأة) لاشتغالها بخدمة الزوج (ومريض) للحرج (وعبد) لاشتغاله بخدمة المولى (وأعمى) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، وهذا عند أبي حنيفة، وسواء وجد قائدًا يوصله إلى الجامع أولًا، وقالا: إن وجد قائدًا وجب عليه، بدليل أنه لو أدى جاز، وكذا الخلاف في الحج.
قوله: (وإن صلوها: كفتهم) أي وإن حضر هؤلاء وصلوا الجمعة: كفتهم جمعتهم
[ ١٧٣ ]
عن فرض الوقت، لأن السقوط عنهم للتخفيف، فلو وجب غيرها بتقدير إقامتها: لعاد الأمر على موضوعه بالنقض.
قوله: (وتصح إمامتهم فيها) أي إمامة الجماعة المذكورة، خلافًا لزفر، لأنهم صالحون لإمامة غير الجمعة، فكذا الجمعة، وأما المرأة فهي مستثناة بالإجماع. قوله: (وتحصل بهم الجماعة) أي وتحصل بهؤلاء الجماعة التي هي من شرط الجمعة، كما تجوز إمامتهم فيها، إلا المرأة.
قوله: (ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله بغير عذر: كره وأجزأه) وقال زفر: لا يجوز، لأن الجمعة هي الأصل، والظهر خلف عنها، فلا يجوز تقديمه على الأصل، وبه قال الشافعي.
ولنا: أن الأصل هو الظهر، إلا أنه مأمور بإسقاط هذا الفرض بأداء الجمعة إذا استجمعت شرائطها، فإذا أداها قبل الجمعة: جاز، وأما الكراهة: فلتركه السعي المأمور به.
قوله: (ويكره للمعذورين مثل العميان والمرضى والمحبوسين: الظهر بجماعة يوم الجمعة) رعاية لحق الجمعة، وعند الشافعي ومالك: لا يكره.
قوله: (ومن أدرك الإمام في التشهد) أي في تشهد صلاة الجمعة (أو أدركه وهو في سجود السهو: أتم الجمعة) عندهما، وعند محمد: يصلي أربعًا، ويعقد في الثانية البتة، ويقرأ في الأربع للاحتياط، وبه قال زفر والشافعي ومالك.
ولهما: قوله ﵇: "من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة" ذكره خواهر زاده في مبسوطه.
[ ١٧٤ ]
وقوله ﵇: "من أدرك الإمام جالسًا قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة" ذكره الدارقطني.
قوله: (وبالأذان الأول يحرم البيع) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال الطحاوي: يكره البيع عند أذان المنبر بعد خروج الإمام، وهذا يرجع إلى أن الأذان المعتبر عنده هذا، والذي قبله محدث، وقال الحسن بن زياد: والمعتبر هو الأذان الأول، والأصح أن كل أذان يكون قبل الزوال: فهو غير معتبر، والمعتبر: أول الأذان بعد الزوال، سواء كان على المنبر أو على المنارة.
فإن قلت: كيف حقيقة قوله: (يحرم البيع) فهل هو فاسد؟
قلت: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع، لأن النهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، وقيل: إنه فاسد، وهو قول مالك وأحمد.
قوله: (ويجب السعي) أي إلى الجمعة (على من سمع النداء فقط) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا قول محمد والشافعي، وعند أبي يوسف: يجب على أهل القرى المشمولين بسور البلد، وعند أبي حنيفة: على القرى التي يجبي خراجها مع خراج المصر، وعند مالك: يجب على من بينه وبين الجامع ثلاثة أميال.
قوله: (وإذا خرج الإمام إلى الخطبة: ترك الناس الصلاة والكلام حتى يصلوا) هذا
[ ١٧٥ ]
عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز الكلام إلى الخطبة، لأن الكراهية للإخلال بفرض الاستماع، ولا استماع ههنا.
وله: قوله ﵇: "إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام".
قوله: (فإذا خطب: وجب السماع والسكوت على القريب والبعيد).
لقوله ﷺ: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" [من غير فصل]. رواه مسلم وابن ماجة وأبو داود.
قوله: (وإذا قرأ) أي الخطيب (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] يصلي السامع في نفسه) يعني لا يجهر بالصلاة لما روينا، بل يصلي في قلبه.
[ ١٧٦ ]