المناسبة بين الفصلين ظاهرة: من حيث أنه يطلق على هذا سجدة التلاوة، وعلى ذلك: سجدة السهو.
قوله: (وهي) أي سجدة التلاوة (أربع عشر سجدة) وهي: في آخر الأعراف، وفي الرعد والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق.
قوله: (منها: الأولى في الحج) إنما أفرد هذا بالذكر لبيان الاختلاف فيه، فعند الشافعي: في الحج سجدتان، وليس في ص سجدة، فتكون السجدة عنده: أربعة عشر أيضًا.
وقال مالك: لا سجود في المفصل: في سورة النجم والانشقاق والعلق، وبه قال الشافعي في القديم.
والأصح ما قلناه، لما روي عن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثالث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان" رواه أبو داود وابن ماجة.
إلا أنا نقول: السجدة الثانية في الحج هي سجدة صلاة.
[ ٢٠٣ ]
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ: "سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري: "قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه" رواه أبو داود.
قوله: (وتجب على التالي والسامع) وقال الشافعي: تسن ولا تجب، ولنا: أن آيات السجدة كلها تدل على الوجوب، لأنها ثلاثة أقسام: قسم: أمر صريح، وهو للوجوب. وقسم: فيه ذكر فعل الأنبياء ﵇، والاقتداء بهم واجب. وقسم: فيه ذكر استنكاف الكفار، ومخالفتهم واجبة، ولهذا ذم الله تعالى من لم يسجد عند القراءة.
قوله: (ووجوبها) أي وجوب سجدة التلاوة (على التراخي) حتى لا يأثم بالتأخير، لأن الأمر غير مؤقت، وقيل: على الفور.
قوله: (ولا تجب على من لا تجب عليه الصلاة ولا قضاؤها) أي لا تجب سجدة التلاوة أداء وقضاء على من لا تجب عليه الصلاة، كالحائض، والنفساء، والصبي، والمجنون، والكافر، لأنهم ليسوا بأهل التلاوة، فلا تجب عليهم.
قوله: (وتجب على سامعها منهم) أي من هؤلاء المذكورين، لتحقق السبب، وقيل: لا تجب بقراءة المجنون والصغير الذي لا يعقل.
قوله: (ولو سمعها من الطوطي والنائم، قيل: لا تجب، وقيل: تجب) والأصح أنه لا يجب إذا سمعها من الطوطي، وكذا لا تجب إذا سمعها من المغمى عليه في رواية.
[ ٢٠٤ ]
قوله: (وتجب على التالي الأصم) لوجود التلاوة منه.
قوله: (وإن قرأها المأموم خلف الإمام لم يسجدها هو) أي المأموم (ولا الإمام في الصلاة وبعدها) أما المأموم فلأنه إذا سجد: فإن تابعه الإمام: يؤدي إلى قلب الموضوع، وإن لم يتابعه: كان المأموم مخالفًا لإمامه.
وأما الإمام: فلأنه إذا سجد يكون قلب الموضوع أيضًا.
وقوله: (في الصلاة وبعدها) قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما عند محمد: يسجدونها بعد الفراغ من الصلاة، لوجود سبب الوجوب وهو السماع والتلاوة، وبه قال الشافعي.
ولهما: أن المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه، وتصرف المحجور عليه لا حكم له، فلا يسجدونها مطلقًا.
قوله: (والسجدة الصلاتية لا تقضى خارج الصلاة) لأنها صلاتية، ولها مزية الصلاة، فتكون أقوى من غير الصلاتية، والكامل لا يتأدى بالناقص.
قوله: (ومن قرأ آية السجدة ولم يسجدها حتى صلى في مجلسه) يعني في المجلس الذي تلاها فيه (وأعادها) أي أعاد تلك السجدة بعينها (وسجد لها: سقطتا) أي الأولى والثانية جميعًا (للتداخل، وجعلت الصلاتية مستتبعة للأولى) هذا جواب عامة الكتب. وفي نوادر أبي سليمان: تلزمه سجدة أخرى، إذا فرغ من الصلاة، سجد للتلاوة الأولى.
[ ٢٠٥ ]
قوله: (ولو كان سجد للأولى) أي للتلاوة الأولى (قبل الصلاة، ثم أعادها في الصلاة: سجد لها أيضًا فيها) لعدم التداخل.
قوله: (ومتى اتحد المجلس والآية: تداخلت) لأن لاتحاد المجلس أثرًا في جمع المتفرقات، حتى لو تلاها فيه وسجد، ثم ذهب وجاء إليه فتلاها ثانية: سجد لها أخرى.
والمجلس المتحد: كالمسجد، والجامع، والبيت، والسفينة سائرة كانت أو واقفة، والحوض، والغدير، والنهر الواسع، والدابة السائرة وراكبها في الصلاة، والمختلف: كالدابة السائرة وراكبها ليس في الصلاة، والماشي في الصحراء، والسابح في البحر، والنهر العظيم، والمتنقل من غصن إلى غصن.
قوله: (ولا يختلف المجلس بمجرد القيام بل بالانتقال) حتى إذا قرأها وهو قاعد ثم قام فقرأها: لا تجب عليه إلا سجدة واحدة، ولا يختلف بخطوة أو خطوتين، بل بثلاث خطوات فصاعدًا، ولا بلقمة بل بلقمتين، ولا بشربة بل بشربتين، ولا بكلمة بل بكلام كثير.
قوله: (والسفينة الجارية: كالبيت) لأن جريانها غير مضاف إليه، قال الله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. ولهذا لا يقدر على إيقافها متى شاء، بخلاف الدابة: فإن قوائمها كرجليه، لقدرته عليها وقفًا وتسييرًا.
قوله: (ولو كررها) أي التلاوة (على دابة وهي تسير، فإن كان في الصلاة: اتحدت) أي السجدة، لأن حرمة الصلاة تجعل الأمكنة كمكان واحد (وإن لم يكن في الصلاة: تعددت) لما قلنا.
قوله: (وإن تلاها على الدابة: أجزأته بإيماء) لأنه أداها كما وجبت. ولو تلاها عند طلوع الشمس فلم يسجد لها، حتى كان وقت الزوال فسجد: أجزأه، خلافًا لزفر، وكذلك لو تلاها راكبًا، ولم يسجد لها حتى نزل ثم ركب فسجد: أجزأه، خلافًا لزفر، ولو تلاها على الأرض ثم ركب وأومأ: لم يجز، خلافًا للشافعي.
[ ٢٠٦ ]
قوله: (وهي) أي سجدة التلاوة (كسجدة الصلاة بغير تشهد وسلام) لأنه المأمور به من غير زيادة، وعند الشافعي: يتشهد ويسلم.
ثم اختلف أصحابنا: في أنه ماذا يقول في السجود؟ فقيل: يقرأ فيها: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وقيل: يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ وقيل: يقول: "سبحان ربي الأعلى" قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل في السجدة مرارًا: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" رواه أبو داود.
[ ٢٠٧ ]