ذكر الصوم عقيب الزكاة، وإن كان الوجه تقدم الحج عليه من حيث أن له مناسبة بالزكاة في المال، لأن الحج عبادة مركبة من البدني والمالي، والصوم عبادة بدنية لا تعلق لها بالمال أصلًا، والمفرد قبل المركب.
وهو لغة: إمساك مطلقًا.
وشرعًا: إمساك مخصوص في وقت مخصوص من شخص مخصوص بنية.
قوله: (يصح صوم رمضان من الصحيح المقيم بمطلق النية) مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم، ونية النفل مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم نفلًا، ونية واجب آخر مثل ما إذا كان عليه رمضان آخر ونواه في هذا الرمضان، ففي جميع ذلك يصح نيته عن رمضان، لأنه متعين ولا يحتاج إلى التعيين.
وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتعيين عن فرض الوقت.
وإنما قيد بقوله: (من الصحيح المقيم) لأن المريض إذا نوى واجبًا آخر: فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية: يقع عما نوى، وفي رواية وهي قولهما: يقع عن رمضان، وهي الأصح.
وكذلك المسافر إذا نوى واجبًا: يقع عما نوى عند أبي حنيفة، وعندهما: عن فرض الوقت، ولو نوى النفل: ففيه روايتان.
قوله: (والنذر المعين) مثل ما إذا نذر العشر الأول من رجب مثلًا: يصح بمطلق
[ ٢٥٣ ]
النية، مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم، وبنية النفل مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم نفلًا.
قوله: (لا بنية واجب آخر) أي لا يصح أداء النذر المعين بنية واجب آخر.
والفرق بينه وبين صوم رمضان: حيث يصح صوم رمضان بكل ما نوى، ولا يصح النذر المعين بنية واجب آخر، لأن التعيين في رمضان من جهة الشارع، وليس له إبطال هذا، وفي النذر: التعيين من جهة الناذر، وله إبطال هذا فيما له هو النفل، لا فيما عليه: وهو الواجب الآخر، فافهم.
قوله: (وكلاهما) أي صوم رمضان، والنذر المعين (يصح بنية من الليل والنهار قبل الضحوة الكبرى) وقال الشافعي: الصوم الواجب لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل" رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
ولنا ما روى محمد في كتاب الاستحسان: "أن أعرابيًا شهد بهلال رمضان بعد الصبح، فقبل رسول الله ﷺ شهادته وأمر الناس بالصوم".
ولأن النية لما جاءت في الليل وهو ليس بوقت للصوم، فلأن تجوز في النهار وهو وقت الصوم أولى.
والحديث محمول على نفي الكمال، كقوله ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
[ ٢٥٤ ]
قوله: (لا بعدها) أي لا يصح كلاهما بنية من النهار بعد الضحوة الكبرى، كالنفل: فإنه يجوز بنية من النهار قبل الضحوة الكبرى، وهي ما قبل نصف النهار.
وذكر القدوري: ما بينه وبين الزوال، وما ذكره المصنف هو الأصح، لأن النية إنما تصح إذا وقعت في الليل أو في أكثر النهار، والنية الواقعة قبل نصف النهار تكون واقعة في أكثر النهار، بخلاف ما قال القدوري، حيث لا تقع النية في أكثر النهار لا محالة، لأن نصف اليوم من طلوع الفجر الصادق إلى الضحوة الكبرى، لا وقت الزوال.
قوله: (والأفضل التبييت) أي النية من الليل، ليكون أبعد من الخلاف.
قوله: (ولو نوى المريض والمسافر برمضان واجبًا آخر: صح) هذا عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، وقد مر.
قوله: (والنذر المطلق) مثل ما إذا نذر عشرة أيام مثلًا من غير تعيين الأيام (والكفارة، وقضاء رمضان، ونحوها: لا يصح بنية في النهار) إذ ليس لها وقت متعين، فلم يتعين لها إلا بنية من الليل.
قوله: (ويستحب طلب الهلال ليلة ثلاثين من شعبان ورمضان) لقوله ﵇: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" رواه البخاري.
ومعنى فاقدروا له: أي قدروا عدده باستيفاء عدد الثلاثين.
قوله: (فإن لم تروا: فلا صوم ولا فطر) أي فإن لم تروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان: لا تصوموا، وإن لم تروه ليلة ثلاثين من رمضان: لا تفطروا، لما روينا.
قوله: (ويكره صوم يوم الشك) ووقوع الشك: بأن يغم عليهم هلال رمضان أو
[ ٢٥٥ ]
هلال شعبان، وإنما يكره لقوله ﵇: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" رواه أبو داود والنسائي.
قوله: (إلا أن يكون وردًا له) أي إلا أن يوافق يوم الشك يوم ورده الذي كان من عادته أن يصوم فيه، فحينئذ لا يكون مكروهًا لقوله ﵇: "لا تقدموا صوم رمضان بيوم أو يومين غلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك الصوم" رواه أبو داود.
فعلم بهذا أن المراد من قوله ﵇: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال " الحديث. غير التطوع، حتى لا يزاد على صوم رمضان كما زاد أهل الكتاب على صومهم.
وقال الشافعي: يكره التطوع، لقوله ﵇: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه أبو داود.
ولنا: ما روينا، وما رواه: غير محفوظ، قاله أحمد.
قوله: (ومن رأى الهلال) أي هلال رمضان (وحده فردت شهادته: صام)
[ ٢٥٦ ]
لقوله ﵇: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" رواه البخاري.
قوله: (فإن أفطر بعد الرد) أي بعد أن رد القاضي شهادته (لزمه القضاء لا غير) أي لا الكفارة، لأن تفرده بالرؤية يوهم الغلط فيه، فتقع الشبهة، والكفارة تندرئ بالشبهات.
قوله: (وكذا لو أفطر قبله) أي وكذا لا تجب الكفارة لو أفطر قبل رد القاضي شهادته عند البعض، وقيل: يجب، والأول أصح، لما بينا من ثبوت الشبهة.
قوله: (ولو صام ثلاثين يومًا لم يفطر وحده) لأن وجوب الصوم عليه في الابتداء كان للاحتياط، وهنا الاحتياط في تأخير الإفطار، لأنه يحتمل أن الهلال اشتبه عليه، ومع هذا لو أفطر: لا كفارة عليه للحقيقة التي عنده.
قوله: (ويقبل في هلال رمضان في الغيم شهادة واحد عدل) لأنه أمر ديني، فيقبل فيه خبر الواحد، ذكرًا كان أو أنثى، حرًا كان أو عبدًا، أو أمة، أو محدودًا في قذف.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يقبل شهادة المحدود في القذف: لأنه شهادة من وجه، والأول أصح، لأنه من باب الإخبار.
قوله: (فإذا صاموا ثلاثين يومًا ولم يروا هلال شوال: ففي الفطر خلاف) ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة: لا يفطرون احتياطًا، وفي رواية عن محمد: يفطرون.
قوله: (بخلاف شهادة اثنين) يعني بخلاف ما إذا صام الناس بشهادة اثنين، ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال (حيث يفطرون بلا خلاف).
قوله: (وفي الصحو) يعني وفيما إذا لم يكن بالسماء علة من سحاب أو دخان (لابد من أهل محلة) لأن التفرد في مثل هذه الحالة يوهم الغلط، فوجب التوقف في خبره، حتى يكون جمعًا كثيرًا يقع بهم العلم، أو خمسين رجلًا مثل القسامة.
قوله: (وفي هلال شوال في الغيم لابد من رجلين) أي لابد أن يشهد رجلا، أو رجل وامرأتان، عدولًا أحرارًا غير محدودين، كما في سائر الأحكام، لأن فيه منفعة العباد وهي الإفطار، فأشبهت الشهادة على حقوق الناس.
[ ٢٥٧ ]
قوله: (كالأضحى) يعني كما أن هلال الأضحى لابد له من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأن فيه منفعة العباد أيضًا من نحو التوسع بلحوم الأضاحي، والإحلال في الحج.
وعن أبي حنيفة: أن هلال الأضحى كهلال رمضان، ذكره في الخلاصة عن النوادر.
قوله: (ولا يلزم أحد المصرين برؤية الآخر) أي لا يلزم الصوم ولا الإفطار أحد المصرين برؤية أهل المصر الآخر، لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم، إلا إذا اتحدت المطالع فحينئذ يلزم أحد المصرين برؤية الآخر، حتى إذا صام أهل أحدهما ثلاثين يومًا، وأهل الآخر تسعة وعشرين يومًا: يجب عليهم قضاء يوم.
قوله: (ولو أكملوا شعبان ثم صاموا رمضان فكان ثمانية وعشرين، فإن كانوا عدوا شعبان من رؤية هلاله: قضوا يومًا) لأنهم لما عدوا أيام شعبان من رؤية الهلال، وظهر رمضان ثمانية وعشرين يومًا: علم أنهم أكلوا يومًا من رمضان، فيقضون يومًا (وأما إذا لم يعدوا أيام شعبان من رؤية الهلال: قضوا يومين) لاحتمال أن يكون رمضان كاملًا، فيكون أكلهم يومين، فيصومون يومين.
قوله: (ولو رأي الهلال قبل الزوال: فهو من الليلة الماضية) يعني إذا رأو الهلال يوم الشك، فإن كانوا رأوه قبل الزوال: يكون من الليلة الماضية، ويكون ذلك اليوم من شهر رمضان، وإن كانوا رأوه بعد الزوال: فهو لليلة المستقبلة.
فهذا التفصيل رواية عن أبي يوسف.
وفي ظاهر الرواية: هو لليلة المستقبلة، سواء كان قبل الزوال أو بعده، حتى لا يكون ذلك اليوم من شهر رمضان.
وإذا رأوا هلال الفطر قبل الزوال، قال أبو يوسف: أفطروا، وإن رأوه بعده: لم يفطروا.
وقال قاضي خان: إن أفطروا لا كفارة عليهم، لأنهم أفطروا بتأويل، وقال ﵇: "أفطروا لرؤيته".
[ ٢٥٨ ]
وعندهما: لا يعتبر رؤيته بالنهار، ووقته العشية، ولا يعتبر قبله ولا بعده.
قوله: (ووقت الصوم: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس) لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قوله: (والصوم: هو الكف عن الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية) هذا حد الصوم شرعًا، قلت: هذا الحد غير مانع، لأنه لا يخرج الحائض والنفساء والكافر، ولو قال: مع النية من أهله: لخرج هؤلاء، قيد به الشيخ حافظ الدين النسفي في مختصره.
[ ٢٥٩ ]