ترجع كتب الشافعية عمومًا إلى كتاب «نهاية المطلب في دراية المذهب» للإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (^١) المتوفى سنة (٤٧٨ هـ) (^٢)، وذلك أن إمام الحرمين ألف كتابه هذا وشرح فيه مختصر المزني (^٣)، ومن بعده اشتغل الناس بما كتب - اختصارًا ونقلا واحتجاجًا - ثم اختصره الإمام الغزالي (^٤) في كتاب سماه
_________________
(١) هو إمام الحرمين، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ركن الدين، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) سنة (٤١٩ هـ) ثم رحل إلى بغداد ثم إلى مكة ثم إلى المدينة ثم رجع إلى نيسابور وكان يدرس بالمدرسة النظامية وللإمام مصنفات عديدة منها: «غياث الأمم والتياث الظلم»، «العقيدة النظامية»، «البرهان في أصول الفقه»، نهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعي، «والشامل في أصول الدين»، «والورقات في أصول الفقه»، وتوفي ﵀ بنيسابور سنة (٤٧٨ هـ). انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٢/ ٣٤١) ترجمة رقم (٣٥١)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥ - ٢٢٢) ترجمة رقم (٤٥٧)، طبقات الشافعية، لابن هداية الله ص (١٧٤ - ١٧٦) الأعلام (٤/ ١٦٠).
(٢) قال الحافظ ابن حجر - نقلا عن مجموعة سبعة كتب مفيدة ص (٣٦) -: ومنذ أن صنف الإمام - يعني الجويني - كتابه «النهاية»، الذي هو شرح لمختصر المزني - الذي رواه من كلام الشافعي وهي في ثمانية أسفار حاوية - لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام؛ لأن تلميذه الغزالي اختصر «النهاية» المذكورة في مختصر مطول حافل وسماه «البسيط»، واختصره في أقل منه وسماه «الوسيط»، واختصره في أقل منه وسماه «الوجيز».
(٣) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمر صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر، وولد بها سنة (١٧٥ هـ)، وكان - رحمه الله تعالى- زاهدًا ورعًا، وعالما مجتهدا من كبار أهل العلم، قال عنه الشافعي ﵁: المزني ناصر مذهبي، وقال أيضًا مُمْتَدِحًا قوة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه. ومن مصنفاته: الجامع الكبير، والجامع الصغير والمختصر المعروف باسمه. وغير ذلك من المصنفات. توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة (٢٦٤ هـ)، عن عمر يناهز تسعًا وثمانين سنة، ودفن بالقرب من مقبرة الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى جميعا. انظر في ترجمته: طبقات فقهاء الشافعية ص (١٠٨)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٢/ ٩٣)، الأعلام للزركلي (١/ ٣٢٩).
(٤) هو محمد بن محمد بن محمد الإمام حجة الإسلام زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة أخذ عن الإمام أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين ولازمه حتى صار … ..
[ المقدمة / ٤ ]
البسيط في المذهب، ثم اختصر البسيط في كتاب سماه الوسيط (^١)، واختصر الوسيط في كتاب الوجيز، ثم جاء الإمام الرافعي (^٢) فشرح الوجيز شرحين، أحدهما صغير، ويُسَمَّى بالشرح الصغير، والثاني كبير ويُسَمَّى «فتح العزيز في شرح الوجيز»، ثم جاء الإمام النووي رحمة الله تعالى عليه (^٣) واختصر فتح العزيز في
_________________
(١) = أنظر أهل زمانه، وجلس للإقراء في حياة إمامه، وصنف وبعد وفاة الإمام حضر مجلس نظام الملك فأقبل عليه وحل منه محلا عظيما فولاه نظامية بغداد فدرس بها مدة ثم تركها وحج ورجع إلى دمشق وأقام بها عشر سنين، وصنف فيها كتبا يقال: إن الإحياء منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه بطوس مقبلا على التصنيف والعبادة ونشر العلم ودرس بنظامية نيسابور مدة ثم تركها وبني خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين وأقبل على النظر في الأحاديث خصوصا البخاري. توفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. طبقات ابن قاضي شهبة (٢٩٣/ ٢).
(٢) كتاب الوسيط في المذهب للإمام الغزالي وهو من أبرز الكتب الفقهية في الفقه الشافعي بخاصة، وفي الفقه الإسلامي بعامة. ويعتبر هذا الكتاب - بحق - الحلقة الوسطى في تطوير التصنيف في المذهب الشافعي. قال النووي في مقدمة كتابه التنقيح: وقد أكثر العلماء من أصحابنا الشافعيين ﵏ في تصنيف الفروع من المبسوطات والمختصرات، وأودعوا فيها من الأحكام والقواعد والنفائس الجليلة ما هو معلوم مشهور لأهل العنايات، ومن أحسنها جمعا وترتيبا، وإيجازا وتلخيصا، وضبطًا وتقعيدًا، وتأصيلًا وتمهيدًا الوسيط للإمام أبي حامد الغزالي ﵀. وشرحه محيي الدين أبو سعيد النيسابوري وسماه المحيط في شرح الوسيط والعلامة ابن الرفعة وسماه (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي)، والقمولي وسماه (البحر المحيط في شرح الوسيط) وغيرهم. وقد وفقني الله تعالى لتحقيقه تحقيقًا وافيا بالاشتراك مع الأستاذ أحمد محمود. انظر الوسيط في المذهب بتحقيقنا (١/ ١١ - ٢٣).
(٣) الرافعي: هو شيخ الإسلام وإمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي صاحب «فتح العزيز في شرح الوجيز» الذي برز فيه على كثير ممن تقدمه، وحاز قصب السبق فلا يدرك شأوه إلا من وضع يديه حيث وضع قدمه. ولد سنة (٥٥٧ هـ) وتفقه على والده وغيره، وسمع الحديث من جماعة. قال عنه الإسنوي: صاحب شرح الوجيز الذي لم يُصَنَّف من المذهب مثله، وكان إماما في الفقه والتفسير والحديث والأصول وغيرها، كان طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات. وقال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، كان ذا فنون، حسن السيرة، جميل الأمر. وهو منسوب إلى رافع بن خديج ﵁، توفي ﵀ سنة (٦٢٤ هـ). ومن تصانيفه بالإضافة إلى «فتح العزيز»، «الشرح الصغير»، «المحرر»، «شرح مسند الشافعي»، و«الأمالي» وغير ذلك. انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (٤/ ٥٤).
(٤) الإمام النووي: هو الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، ولد بـ «نوى» قرية من قرى «حوران» بـ «سوريا» سنة (٦٣١ هـ) قرأ القرآن ببلده وختم وقد ناهز الاحتلام، ثم قدم دمشق فشرع في قراءة «التنبيه»، فيقال: إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف وقرأ ربع العبادات من «المهذب» في بقية السنة، ثم لزم المشايخ تصحيحًا وشرحًا =
[ المقدمة / ٥ ]
كتاب سماه روضة الطالبين، ثم جاء الشيخ إسماعيل المقري اليمني (^١) فاختصر «روضة الطالبين» في كتاب سماه «روض الطالب»، ثم جاء الشيخ زكريا الأنصاري (^٢)، فشرح هذا المختصر في كتاب سماه «أسنى المطالب شرح روض الطالب» وهو كتابنا هذا، ثم جاء الشيخ الجليل شهاب الدين الرملي (^٣) فَحَشَّى
_________________
(١) = فكان يقرأ في كل يوم اثنى عشر درسًا على المشايخ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئًا كثيرا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله. وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر، ولا يجمع بين إدامين، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، وقد باشر التدريس بعدة مدارس، توفي ﵀ سنة (٦٧٦ هـ). انظر ترجمته في البداية والنهاية (٢٧٧/ ٧) وطبقات ابن قاضي شهبة (١/ ١٥٧/ ٢)، (٤١/ ٣/ ٢) وكشف الظنون (٧٢٨/ ٢) ومقدمة المجموع شرح المهذب.
(٢) هو إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن إبراهيم الشرجي الحسيني الشاوري اليمني، من أهل اليمن والحسيني: نسبة إلى أبيات حسين باليمن، والشرجة: نسبة إلى شرجة (من سواحل اليمن). تولى الشيخ رحمه الله تعالى التدريس ببلدة تعز وزبيد، وولي إمرة بعض البلاد في دولة الأشرف، ومات بزبيد. له تصانيف كثيرة، منها: عنوان الشرف الوافي في الفقه والنحو والتاريخ والعروض والقوافي، وله أيضا ديوان شعر، والإرشاد في فروع الشافعية، اختصر به الحاوي، ومنها كتابنا هذا - روض الطالب - الذي شرحه الشيخ زكريا الأنصاري رحمهم الله تعالى جميعا.
(٣) زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي، أبو يحيى: شيخ الإسلام. قاض مفسر، من حفاظ الحديث. ولد في سنيكة (بشرقية مصر) وتعلم في القاهرة وكف بصره سنة ٩٠٦ هـ ونشأ فقيرًا معدمًا ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علمًا ومالًا. وولاه السلطان قايتباي الجركسي قضاء القضاة، فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح. ولما ولي رأى من السلطان عدولًا عن الحق في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي. له تصانيف كثيرة، منها: فتح الرحمن في التفسير، وتحفة الباري على صحيح البخاري، وفتح الجليل تعليق على تفسير البيضاوي، وشرح إيساغوجي في المنطق، وشرح ألفية العراقي في مصطلح الحديث، وشرح شذور الذهب في النحو، وتحفة نجباء العصر في التجويد، واللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم والدقائق المحكمة في القراءات، وفتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام في خزانة الرباط وتنقيح تحرير اللباب في الفقه، وغاية الوصول في أصول الفقه، ولب الأصول، اختصره من جمع الجوامع، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب - وهو كتابنا هذا -، والغرر البهية في شرح البهجة الوردية، خمسة أجزاء، ومنهج الطلاب وفتح الوهاب.
(٤) هو شهاب الدين أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي الشافعي. والرملي نسبة إلى رملة المنوفية بمصر توفي (٩٥٧ هـ) اشتغل بالفقه والتفسير والحديث وعلوم العربية: النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وبعلم الكلام. أبرز شيوخه: هو شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، صاحب أسنى المطالب. وأبرز تلاميذه: ولده شمس الدين محمد الرملي الملقب بالشافعي الصغير المتوفى سنة (١٠٠٤ هـ). وشمس الدين … … =
[ المقدمة / ٦ ]
عليه - في نسخته الخاصة به - حواشي جليلة. ثم جاء الشيخ محمد بن أحمد الشوبري فجرد هذه الحواشي.