وهي ستةالأول: وقت الظهر (^١) للاتباع (^٢) رواه الشيخان وما روياه عن سلمة بن الأكوع من قوله "كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به" (^٣) محمول على شدة التعجيل بعد الزوال جمعا بين الأخبار على أن هذا الخبر إنما ينفي ظلا يستظل به لا أصل الظل "فلا تصلى" الجمعة ولا يفعل شيء منها ولا من خطبتيها "في غيره" أي غير وقت ظهر يومها ولو جاز تقديم الخطبة لقدمها ﷺ لتقع الصلاة أول الوقت "بل إن لم يسع" الوقت "الواجب من الخطبتين والركعتين أو شكوا في بقائه" (^٤) قبل الإحرام بها "تعين الإحرام بالظهر" لفوات الشرط وحكى الروياني وجهين فيما لو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية هل تنقلب ظهرا الآن أو عند خروج الوقت (^٥) ورجح منهما الأول ونظائره مما لو أحرم بصلاة وكانت مدة الخوف تنقضي فيها أو حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأكله في اليوم هل يحنث؟ ونحوهما يقتضي ترجيح الثاني لكن يفرق بأن باب الجمعة أحوط من ذلك.
"وإن شرعوا" فيها "في الوقت وخرج" وهم فيها فاتت إذ لا يجوز الابتداء بها بعده فتنقطع بخروجه (^٦) كالحج وإلحاقا للدوام بالابتداء (^٧) كدار الإقامة
_________________
(١) "قوله الأول وقت الظهر" لأن الوقت شرط لافتتاحها فكان شرطا لدوامها كالطهارة فلا تقضى
(٢) "قوله للاتباع" رواه الشيخان; ولأنهما فرضا وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر
(٣) رواه البخاري كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، حديث رقم "٤١٦٨"، ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم "٦٧٤".
(٤) "قوله أو شكوا في بقائه" لو قال إن كان وقت الجمعة باقيا فجمعة وإن لم يكن فظهر ثم بان بقاؤه فوجهان والقياس الصحة; لأن الأصل بقاء الوقت وبه أفتيت; لأنه نوى ما في نفس الأمر فهو تصريح بالمقتضي
(٥) "قوله أو عند خروج الوقت" أشار إلى تصحيحه
(٦) "قوله فتنقطع بخروجه" كالحج يتحلل فيه بعمل عمرة
(٧) "قوله وإلحاقا للدوام بالابتداء إلخ" وقال الماوردي كل شرط اختص بالجمعة في افتتاحها فإنه تجب استدامته إلى تمامها
[ ٢ / ١٠٩ ]
و"أتموها ظهرا" وجوبا كما صرح به الأصل وغيره (^١) ومال الأذرعي إلى أنهم إن شاءوا أتموها ظهرا أو إن شاءوا قلبوها نفلا واستأنفوا الظهر "ولو لم يجده والنية" للظهر; لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر "ويسر الإمام" بالقراءة من حينئذ
"ولو شكوا في خروجه" (^٢) في أثنائها "لم يؤثر" فيتمونها جمعة; لأن الأصل بقاؤه ولو أخبرهم عدل بخروجه. قال الدارمي قال ابن المرزبان يحتمل فوتها (^٣) قال وعندي خلافه إلا أن يعلموا نقله في المجموع والأوجه فوتها عملا بخبر العدل كما في غالب أبواب الفقه ومنه ما يأتي في هذا الباب في الشرط الثالث "وإن سلموا" منها "هم أو المسبوق التسليمة الأولى خارج الوقت عالمين" بخروجه "بطلت" صلاتهم وتعذر بناء الظهر عليها; لأنهم بخروجه لزمهم الإتمام فسلامهم كالسلام في أثناء الظهر عمدا "ولو قلبوها" قبل السلام "نفلا" فإنها تبطل كما لو قلبت الظهر نفلا "أو" سلموا "جاهلين" بخروجه "أتموها ظهرا" لعذرهم فإن قلت لم لم يحط عن المسبوق الوقت فيما يتداركه
_________________
(١) "قوله كما صرح به الأصل وغيره" قال الأذرعي الأشبه أن الخلاف في جواز البناء وعدمه لا أن المذهب تحتم البناء كما هو ظاهر لفظه وهل نقول البناء أفضل لما فيه من عدم إبطالها أو الاستئناف لتصح ظهره وفاقا الأقرب الثاني إن اتسع الوقت وحينئذ يقلبها نفلا ويسلم من ركعتين ثم يستأنف الظهر. ا هـ. وقولهم في تعليل البناء أنهما صلاتا وقت فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر صريح في أن الخلاف في الجواز نعم يجب البناء إذا ضاق الوقت عن الظهر لو استؤنف على كل من كلام الأذرعي وكلام الغزالي لا يأتي في مسألتنا إذ صورتها أن وقت الظهر خرج وهم فيها
(٢) "قوله لو شكوا في خروجه إلخ" أحرم بالصلاة آخر وقت الجمعة ونوى الجمعة إن كان وقتها باقيا وإلا فالظهر فبان بقاء الوقت ففي صحة الجمعة وجهان. ووجه الجواز اعتضاد نيته بالاستصحاب للوقت ومثله نية الصوم عن رمضان ليلة الثلاثين منه إذا اعتقد كونه منه انتهى والأصح صحتها وقوله والأصح صحتها قال الشيخ: هذا ينافي قول الروض أو شكوا في بقائه تعين الإحرام بالظهر. ا هـ. إلا أن يخصص قائل هذا كلام الروض بغير التعليق ولا يخفى ما فيه نعم إن صورت المسألة بما إذا لم يشك لنحو اعتقاده تبقية الوقت فعلق كما ذكر كانت الصحة ظاهرة. ا هـ.
(٣) "قوله قال ابن المرزبان يحتمل فوتها" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ١١٠ ]
لكونه تابعا للقوم كما حط عنه القدوة والعدد لذلك كما سيأتي قلنا; لأن اعتناء الشرع برعايته أكثر بدليل اختلاف قول الشافعي (^١) ﵁ في الانفضاض المخل بالجماعة وعدم اختلافه في فوات الجمعة بوقوع شيء من صلاة الإمام خارج الوقت.
"وإن سلم" الأولى "الإمام وتسعة وثلاثون في الوقت و" سلمها "الباقون خارجه صحت جمعة الإمام ومن معه فقط" أي دون المسلمين خارجه فلا تصح جمعتهم وكذا جمعة المسلمين فيه لو نقصوا عن أربعين كأن سلم الإمام فيه وسلم من معه أو بعضهم خارجه واستشكل بطلان صلاة الإمام في هذه مع وجود الشروط في حقه بما نقله الشيخان عن البيان من أنهم إذا كانوا محدثين دونه صحت له وحده مع عدم انعقاد صلاتهم وأجيب بأن سلام المحدثين وقع في الوقت فتمت فيه صورة الصلاة بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل السلام ويجاب أيضا بأنه في هذه مقصر بتأخير الصلاة إلى خروج بعضها عن الوقت بخلافه في تلك فإن فرض أنه لم يقصر بل سلم في الوقت فأخروا إلى أن خرج الوقت احتمل أن يكون الحكم كذلك إلحاقا للفرد النادر (^٢) بالأعم الأغلب واحتمل أن يلتزم فيها صحة جمعته، وهو أوجه وبأن المحدث تصح جمعته في الجملة بأن لم يجد ماء ولا ترابا بخلافها خارج الوقت
"الشرط الثاني دار الإقامة" (^٣) ; لأنها لم تقم في عصره ﷺ والخلفاء بعده إلا فيها "فلا تصح" الجمعة "إلا في أبنية مجتمعة" في العرف، وإن لم تكن
_________________
(١) قوله بدليل اختلاف قول الشافعي إلخ" وبدليل توقف صحة الصلوات على دخول وقتها وحرمة تأخيرها عنه بخلاف القدوة والعدد
(٢) "قوله إلحاقا للفرد النادر إلخ" فالمعتمد إطلاق الأصحاب
(٣) "قوله الثاني دار الإقامة" قال في الأنوار فإن تفرقت لم تجب الجمعة وإن تقاربت وجبت قال في البحر وحد القرب أن يكون بين منزل ومنزل دون ثلاثمائة ذراع. ا هـ. وجزم في شرح المهذب بالرجوع في الاجتماع والتفرق إلى العرف وقال ابن الصباغ وإن كانت متفرقة بأن كان بعضها نائيا عن بعض بحيث يقصر إذا أراد أن يسافر من بعضها وإن لم يفارق الثاني فهذه متفرقة لا تجب عليهم الجمعة
[ ٢ / ١١١ ]
في مسجد والتصريح بمجتمعة من زيادته وبه صرح في المجموع "فإن انهدمت (^١) وأقاموا لعمارتها لم يضر" انهدامها في صحة الجمعة، وإن لم يكونوا في مظال; لأنها وطنهم ولا تنعقد في غير بناء إلا في هذه، وهذا بخلاف ما لو نزلوا مكانا وأقاموا فيه ليعمروه قرية لا تصح جمعتهم فيه قبل البناء استصحابا للأصل في الحالين "وسواء" في الأبنية "البلاد والقرى والأسراب التي تتوطن والبناء بالخشب وغيره" كطين وقصب وسعف والأسراب جمع سرب بفتح السين والراء بيت في الأرض "لا" في "خيام ينتقل أهلها" من محالها شتاء أو غيره فلا تصح جمعتهم فيها "وكذا إذا لم ينتقلوا" (^٢) بل استوطنوها دائما; لأنه ﷺ لم يأمر المقيمين حول المدينة بها فإنهم على أهبة المستوفزين "ويجوز إقامتها في فضاء" معدود من الأبنية المجتمعة بحيث "لا تقصر فيه الصلاة" كما في السكن الخارج عنها المعدود منها المفهوم من كلامه كغيره بالأولى بخلاف غير المعدود منها فمن أطلق المنع في السكن الخارج عنها أراد به هذا والسبكي لما لم يظهر له أن كلامهم يفهم ذلك قال كذا أطلقوه ومعناه إذا لم يعد السكن من القرية فإن عد منها ولو منفصلا عنها فينبغي صحتها فيه ففي الأم أن المسافر لا يقصر حتى يجاوز بيوتها ولا يكون بين يديه بيت منفرد ولا متصل قال الأذرعي، وهو حسن وأكثر أهل القرى يؤخرون المسجد عن جدار القرية قليلا صيانة له عن نجاسة البهائم وعدم انعقاد الجمعة فيه بعيد وقول القاضي أبي الطيب قال أصحابنا لو
_________________
(١) "قوله فإن انهدمت إلخ" قال الأذرعي بقي ما لو جلا أهلها وحضر قوم أربعون على استيطانها وأخذوا في عمارتها هل يكون كأهلها فيما سبق أم لا حتى يرفعوا البناء فيه احتمال والأقرب إلى كلامهم عدم الإلحاق وإذا أقيمت الجمعة في أبنية القرية وامتدت الصفوف يمينا وشمالا ووراء مع الاتصال المعتبر في المواقف حتى خرجت إلى خارج القرية فهل نقول تصح جمعة الخارجين عن الأبنية في الجهات الثلاث تبعا لمن في الأبنية أو لا لما سبق لم أر فيه شيئا والثاني محتمل والأول أقرب إلى كلامهم وقال الزركشي فإنها تصح صلاة الخارجين تبعا لمن في الأبنية كما سبق نظيره في صلاة الجماعة ولم نر فيها تصريحا. ا هـ. وكلامهم كالصريح في رد ما تفقهاه إن كانوا في مكان تقصر فيه الصلاة وإلا فهو ظاهر
(٢) "قوله وكذا إن لم ينتقلوا إلخ" إلا إن بلغ أهل دار أربعين كاملين فتلزمهم وهم بالنسبة لمن قرب منهم كبلد الجمعة
[ ٢ / ١١٢ ]
بنى أهل البلدة مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله عن البنيان محمول على انفصال (^١) لا يعد به من القرية. ا هـ.
"الشرط الثالث أن لا يتقدمها ولا يقارنها جمعة في البلد"; لأنه ﷺ والخلفاء بعده لم يقيموا سوى جمعة واحدة; ولأن الاقتصار على واحدة أفضى إلى المقصود من إظهار شعار الاجتماع واتفاق الكلمة "نعم إذا كثر الناس وعسر اجتماعهم (^٢) في مسجد" أو نحوه "فالتعدد جائز للحاجة" (^٣) بحسبها; لأن الشافعي ﵁ دخل بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين وقيل ثلاثا فلم ينكر عليهم فحمله الأكثر على عسر الاجتماع قال الروياني ولا يحتمل مذهب الشافعي غيره وقال الصيمري وبه أفتى المزني بمصر وظاهر النص منع التعدد مطلقا وعليه اقتصر الشيخ أبو حامد ومتابعوه قال السبكي، وهو بعيد ثم انتصر له (^٤) وصنف فيه وقال إنه الصحيح مذهبا ودليلا ونقله عن أكثر العلماء وأنكر نسبة الأول للأكثر وأطنب في ذلك فالاحتياط إذا صلى جمعة ببلد تعددت فيه الجمعة ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهرا. "و" على الأول "إذا لم يعسر" اجتماعهم في مكان "وصلوا جمعتين فالصحيحة هي السابقة" للأخرى بالإحرام "ولو بانتهاء تكبيرة الإمام" له (^٥) ; لأن به يتبين الانعقاد "لا ابتدائها" فلا عبرة بالسبق به ولا بالخطبة ولا بالسلام بل بما قلنا "وإن كان السلطان مع الأخرى (^٦) وإذا" دخلت طائفة في الجمعة ثم "أخبروا بأنهم مسبوقون" بغيرهم "أتموها ظهرا" كما لو خرج الوقت وهم فيه لو استأنفوا
_________________
(١) "قوله محمول على انفصال إلخ" قال ابن عجيل إذا كان بين المسجد وبين آخر بيت من القرية ثلاثمائة ذراع فما دونها انعقدت فيه الجمعة.
(٢) "قوله وعسر اجتماعهم إلخ" لوقوع الزحمة أو لبعد أطراف البلدة أو لوقوع المقاتلة بين أهلها وحد البعد كما في الخروج عن البلد
(٣) "قوله فالتعدد جائز للحاجة" أي لدفع المشقة; ولأنه لو منع ذلك لوجب التكبير قبل الفجر لبعد الجامع ولا يقول به أحد
(٤) "قوله ثم انتصر له" وصنف فيه أربع مصنفات
(٥) "قوله ولو بانتهاء تكبيرة الإمام له" أي للإحرام
(٦) "قوله وإن كان السلطان مع الأخرى" لأن حضور الإمام وإذنه ليس شرطا في صحتها
[ ٢ / ١١٣ ]
الظهر "والاستئناف أفضل" ليصح ظهرهم بالاتفاق ونبه بقوله تكبيرة الإمام على أنها المعتبرة دون تكبيرة من خلفه حتى لو أحرم إمام الجمعة ثم إمام آخر بها ثم اقتدى به تسعة وثلاثون ثم بالأول مثلهم صحت جمعة الأول إذ بإحرامه تعينت جمعته للسبق وامتنع على غيره افتتاح جمعة أخرى وبذلك صرح في المجموع "، وإن اقترنتا" بأن أحرما معا "بطلتا" لتدافعهما وليست إحداهما أولى من الأخرى "وتستأنف الجمعة" إن وسع الوقت "وكذا" تستأنف لو لم يعلم السبق لاحتمال المعية قال الإمام وحكم الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم مشكل لاحتمال تقدم إحداهما فلا تصح أخرى فاليقين أن يقيموا جمعة ثم ظهرا قال في المجموع: وما قاله مستحب وإلا فالجمعة كافية في البراءة كما قالوه; لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة قال غيره; ولأن السبق إذا لم يعلم أو يظن لم يؤثر احتماله; لأن النظر إلى علم المكلف أو ظنه لا إلى نفس الأمر
"فإن علم" السبق معينا "ثم نسي لزمهم الظهر" لالتباس الصحيحة بالفاسدة "وكذا" يلزمهم الظهر لذلك "إن لم يتعين" سبق كأن سمع مريضان أو مسافران خارجا المسجدين تكبيرتين متلاحقتين وجهلا السابقة فأخبراهم بالحال وظاهر أن العدل الواحد كاف في ذلك
"الشرط الرابع العدد (^١) فلا تنعقد بأقل من أربعين" (^٢) منهم الإمام
_________________
(١) "قوله الرابع العدد إلخ" فإن قيل لم اختصت الجمعة بأربعين رجلا من بين سائر الصلوات ولم اختصت الأربعون بذلك من بين سائر الأعداد قال الأصبحي إنما كان كذلك; لأن الجمعة إنما شرعت لمباهاة أهل الذمة ولا يحصل ذلك إلا بعدد والأولى من الأعداد ما أظهر الله به الإسلام، وهو الأربعون فهذا هو المعنى في ذلك ذكره الشيخ أبو إسحاق في النكت قال شيخنا ويمكن أن يقال إنما اختصت بهذا العدد; لأن خير الطلائع أربعون
(٢) "قوله فلا تنعقد بأقل من أربعين" سواء كانوا من الإنس أو من الجن أو منهما قال القمولي قال الدميري في حياة الحيوان إن كلامه محمول على ما إذا تصوروا في صورة بني آدم وكتب أيضا يشترط في انعقاد الجمعة في صلاة ذات الرقاع أن يزيدوا على الأربعين ليحرم الإمام بأربعين ويقف الزائد في وجه العدو ولا يشترط بلوغهم أربعين على الصحيح; لأنهم تبع للأولين
[ ٢ / ١١٤ ]
لخبر كعب بن مالك (^١) كان أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ في نقيع الخضمات وكنا أربعين" (^٢) رواه البيهقي وغيره وصححوه وروى البيهقي عن ابن مسعود "أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا" قال في المجموع قال أصحابنا وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف وقد ثبت جوازها بأربعين وثبت "صلوا كما رأيتموني أصلي" (^٣) ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك فلا تجوز بأقل منه، وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر فليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة وفي مسلم انفضوا في الخطبة وفي رواية للبخاري انفضوا في الصلاة، وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار فلا تنعقد إلا بأربعين ولو أميين في درجة "لا" بأربعين "وفيهم أمي" واحد أو أكثر "لارتباط" صحة "صلاة بعضهم ببعض" فصار كاقتداء القارئ بالأمي "نقله الأذرعي عن" فتاوى "البغوي"، وهو من زيادة المصنف وظاهر أن محله إذا قصر الأمي في التعلم وإلا فتصح الجمعة إن كان الإمام قارئا ومعلوم مما مر في صفة الأئمة أن الأميين إذا لم يكونوا في درجة لا يصح اقتداء بعضهم ببعض قال البغوي ولو جهلوا كلهم الخطبة لم تجز الجمعة بخلاف ما إذا جهلها بعضهم; لأنها تشترط لصحتها
"فرع يشترط حضور أربعين" من المسلمين "ذكورا مكلفين أحرارا متوطنين" ببلد الجمعة (^٤) أي "لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة"
_________________
(١) "قوله لخبر كعب بن مالك إلخ" ولقول جابر ﵁ مضت السنة أن "في كل ثلاثة إماما وفي كل أربعين جمعة" أخرجه الدارقطني. وقول الصحابي مضت السنة كقوله قال ﷺ ولقوله ﷺ "إذا اجتمع أربعون رجلا فعليهم الجمعة" وقوله ﷺ "لا جمعة إلا في أربعين".
(٢) حسن: رواه أبو داود "١/ ٢٨٠" كتاب الصلاة باب الجمعة في القرى، رقم "١٠٦٩".
(٣) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، حديث رقم "٦٣١".
(٤) "قوله مستوطنين ببلد الجمعة" من له مسكن في بلدة ومسكن في أخرى هل تنعقد به جمعة البلدتين إن قل سكونه في إحداهما أم لا أم تنعقد به جمعة لبلد التي سكونه فيها أكثر دون الأخرى قال الأصبحي الحكم للبلدة التي سكونه فيها أكثر فإن استويا في ذلك نظر إلى ما له في أي المنزلين أكثر فيكون الحكم له فإن استويا في ذلك نظر إلى نيته في المستقبل فيكون الحكم له فإن لم يكن نية نظر إلى الموضع الذي حضر فيه فيكون الحكم له وقال أبو شكيل لا تنعقد به الجمعة في البلد التي سكونه فيها أقل وفي انعقاد الجمعة به في البلدة التي إقامته فيها أكثر احتمال والظاهر أنها تنعقد أخذا مما قالوه في المتمتع في الحج إذا كان له مسكنان أحدهما على دون مسافة القصر من مكة والآخر فوق مسافة القصر وكان يسكن أحدهما أكثر فإن العبرة به حتى يجعل من حاضري المسجد الحرام وقطع الأصفوني بما أجاب به أبو شكيل وكذلك ابن العراف
[ ٢ / ١١٥ ]
كتجارة وزيارة فلا تنعقد بالكفار والنساء والخناثى وغير المكلفين ومن فيهم رق لنقصهم ولا بغير المتوطنين كمن أقام على عزم عوده (^١) إلى بلده بعد مدة ولو طويلة كالمتفقهة والتجار لعدم التوطن ولا بالمتوطنين خارج بلد الجمعة، وإن سمعوا النداء لعدم الإقامة ببلدها ومن ثم اشترط تقدم إحرام من تنعقد بهم (^٢)
_________________
(١) "قوله كمن أقام على عزم عوده إلخ" إذا أكره الإمام أهل قرية على الانتقال منها وتعطيلها بالبناء في موضع آخر فسكنوا فيه وهم مكرهون وقصدهم العود إذا فرج الله عنهم فهل تجب عليهم إقامة الجمعة في هذه القرية المنقول إليها أجاب بعض العلماء بأنهم لا تلزمهم الجمعة بل لا تصح منهم لو فعلوها لفقد الاستيطان وذلك ظاهر لا شك فيه وخرج بقولهم متوطنين ببلد الجمعة ما إذا تقاربت قريتان في كل منهما دون الأربعين بصفة الكمال ولو اجتمعوا لبلغوا أربعين فإنها لا تنعقد بهم وإن سمعت كل واحدة منهما نداء الأخرى; لأن الأربعين غير متوطنين في موضع الجمعة
(٢) "قوله ومن ثم اشترط إحرام من تنعقد بهم إلخ" كما لا يصح تقدم إحرام الصف الخارج من المسجد على الصف الذي يشاهد الإمام ومقتضى إطلاق غير القاضي عدم الاشتراط وأيده صاحب الخادم كالبلقيني قال لعل ما قاله القاضي مبني على الوجه الذي قال إنه القياس، وهو أنه لا تصح الجمعة خلف الصبي والعبد والمسافر إذا تم العدد بغيره ثم ذكر صاحب الخادم أن الصواب خلافه أي بناء على المعتمد، وهو صحة إمامة الصبي ونحوه إذا زاد على الأربعين وأجاب عن توجيه القاضي بأن الحكم قد ثبت للتابع قبل ثبوته للمتبوع وبعد فقده فالأول كالصبي في إمامة الجمعة قبل انعقادها لهم وكإخراج زكاة العام الثاني في التعجيل قبل زكاة الأول والثاني كإطالة التعجيل بنية استحبابها بعد قطع اليد فوق المرفق. ا هـ. بمعناه، وهو يقتضي اعتماد إطلاق الأصحاب ووجهه ظاهر وقد أجاب أيضا عن توجيه القاضي بالفرق بأن الصف الذي يشاهد الإمام دليل للصف الخارج على انتقالات الإمام والدليل من حيث هو دليل لا بد من تحققه قبل مدلوله إن وجزم في الأنوار بما قاله القاضي.
[ ٢ / ١١٦ ]
لتصح لغيرهم; لأنه تبع قاله البغوي ونقله في الكفاية عن القاضي ولا ينافيه صحتها له إذا كان إماما فيها مع تقدم إحرامه; لأن تقدم إحرام الإمام ضروري فاغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره قال الأصحاب الناس في الجمعة ستة أقسام من تلزمه وتنعقد به، وهو من ذكر ولا عذر له ومن لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وهو من به جنون أو إغماء أو كفر أصلي أي ومن به سكر، وإن لزمه القضاء ومن لا تلزمه ولا تنعقد به وتصح منه. وهو من فيه رق والمسافر والمقيم خارج البلد إذا لم يسمع النداء والصبي والأنثى والخنثى ومن لا تلزمه وتنعقد به، وهو من له عذر من أعذارها غير السفر ومن تلزمه ولا تصح منه، وهو المرتد ومن تلزمه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو المقيم غير المتوطن والمتوطن خارج بلدها إذا سمع نداءها ويشترط حضور الأربعين "في أركان الخطبتين و" في "الجمعة" للاتباع وقال تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [لأعراف: من الآية ٢٠٤] فسره كثير بالخطبة واحتجوا بأنها ذكر واجب في الجمعة كتكبيرة الإحرام
"و" يشترط "أن يسمعوها" أي أركان الخطبتين وإن لم يفهموها كما سيأتي، وهذا الشرط معلوم مما سيأتي في شروط الخطبة "وإن انفضوا" كلهم أو بعضهم "في أثناء الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى ثم عادوا ولم يطل فصل" في العرف "بني" على فعله كما لو تذكر بعد السلام قريبا ترك ركن ومعلوم مما مر أنه لو فاتهم ركن قبل العود لزم إعادته لهم بعده "وإلا" أي، وإن فقد شيء من ذلك "استأنف" لعدم سماعهم الخطبة أو لتبين انفراد الإمام في الأولى بانفضاضهم في الثانية وإن قصر الفصل فيها أو لترك الولاء الذي فعله النبي ﷺ والأئمة بعده والتقييد بالركعة الأولى وبقصر الفصل فيها من زيادته، وهو محمول على انفضاضهم مع عودهم قبل الركوع فيها مع تمكنهم من الفاتحة; لأنه بعد ذلك مضر مطلقا; لأن العدد معتبر في جميع الصلاة كما صرح به الأصل وغيره لكن ما أفهمه كلامه من أن طول الفصل حينئذ مضر ليس كذلك أخذا من قوله "ولو تبطأ المأمومون" بالإحرام عقب إحرام الإمام "وأدركوا ركوع" الركعة "الأولى مع الفاتحة صحت" جمعتهم "وإلا فلا" لإدراكهم الركوع والفاتحة معه في الأول دون الثاني وسبقه في الأول بالتكبير
[ ٢ / ١١٧ ]
والقيام كما لو يمنع إدراكهم الركعة لا يمنع انعقاد الجمعة والترجيح فيه من زيادته وجرى عليه الإمام والغزالي كما سيأتي وبه جزم القفال مرة وصاحب الأنوار (^١) وقال البغوي إنه المذهب والذي في الأصل (^٢) قال القفال تصح والجويني يشترط قصر الفصل بين تحرمه وتحرمهم والإمام يمكنهم من إتمام الفاتحة وصححه الغزالي انتهى
وإن "أتم بهم الجمعة"; لأنهم إذا لحقوا والعدد تام (^٣) صار حكمهم واحدا فسقط عنهم سماع الخطبة "أو" انفضوا "قبل إحرامهم" به "استأنف الخطبة بهم" فلا تصح الجمعة بدونها، وإن قصر الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم "وإن أحرم بهم فانفضوا إلا تسعة وثلاثين" به "فكملوا" أربعين "بخنثى فإن أحرم" به "بعد انفضاضهم لم تصح جمعتهم" للشك في تمام العدد المعتبر "وإلا صحت"; لأنا حكمنا بانعقادها وصحتها وشككنا في نقص العدد بتقدير أنوثته والأصل صحة الصلاة فلا نبطلها بالشك كما لو شك في الصلاة هل كان مسح رأسه أم لا فإنه يمضي في صلاته، وهذا من زيادته وذكره الشيخ أبو الحسن السلمي في كتاب الخناثى، وهو مقيد لقول غيره فإن كمل به العدد ثم بان رجلا
_________________
(١) "قوله وصاحب الأنوار" وشراح الحاوي
(٢) "قوله والذي في الأصل إلخ" فقد ظهر أن إدراكهم الركعة الأولى معه محل وفاق وقد ادعى المصنف في شرحه أنه يؤخذ من الاتفاق على ذلك تقييد لحوق اللاحقين بكونه في الركعة الأولى فلو تحرم أربعون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم أو انفضوا فلا جمعة بل يتمها الإمام ومن بقي معه ظهرا; لأنه قد تبين بفساد صلاة الأربعين أو من نقص منهم أنه قد مضى للإمام ركعة فقد فيها الجماعة أو العدد إذ المقتدون الذين تصح بهم الجمعة هم اللاحقون ولم يحرموا إلا بعد ركوعه هذا معنى ما ذكره مع تنقيح له وتوشيح ويجاب عنه بأنهم إذا تحرموا والعدد تام صار حكمهم واحدا كما صرح به الأصح أنهم في التعليل الآتي فكما لا يؤثر انفضاض الأولين بالنسبة إلى عدم سماع اللاحقين الخطبة كذلك لا يؤثر بالنسبة إلى عدم حضورهم الركعة الأولى أن انفضوا أي السامعون للخطبة من الصلاة
(٣) "قوله: لأنهم إذا لحقوا والعدد تام إلخ" مقتضى إطلاق الرافعي أنه لا فرق بين أن يكون اللاحقون من أهل الكمال وقت الخطبة أم لا، وهو متجه ح.
[ ٢ / ١١٨ ]
لزمهم الإعادة في الأصح
"الشرط الخامس الجماعة (^١) ولا" الأولى قول أصله فلا "تصح" الجمعة "بالعدد فرادى" إذ لم ينقل فعلها كذلك واعلم أنه لا يلزم من اشتراط كل من العدد والجماعة اشتراط الآخر لانفكاك كل منهما عن الآخر أما العدد فلأنه قد يحضر أربعون من غير جماعة، وأما الجماعة فلأنها الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم، وهو لا يستدعي عدد الأربعين قاله الرافعي "ولا يشترط حضور السلطان" الجمعة ولا إذنه فيها كسائر العبادات لكن يستحب استئذانه فيها "ويستحب أن لا يطول فصل بين إحرام العدد المعتبر وبين إحرام الإمام" خروجا من الخلاف السابق، وهذا من زيادته
"وإن كان الإمام زائدا على الأربعين جاز أن يكون مسافرا وعبدا محرما بصبح ومقصورة" ورباعية تامة لتمام العدد المعتبر (^٢) "وكذا" يجوز لذلك أن يكون "صبيا ومتنفلا ومجهول الحدث" بأن تبين بعد الصلاة حدثه ولا يمنع من ذلك في الأخيرة حدثه; لأن حدثه لا يمنع الجماعة ولا نيل فضلها "وإلا" أي، وإن لم يكن الإمام زائدا على الأربعين "فلا" يجوز ذلك لانتفاء تمام العدد المعتبر "ولو بان الأربعون" الذين اقتدوا به "أو بعضهم" وذكره من زيادته "محدثين (^٣) فلا جمعة لأحد" ممن أحدث منهم لذلك وتصح جمعة الإمام فيهما كما صرح به الصيمري والمتولي والروياني والقمولي ونقله الشيخان عن صاحب البيان (^٤) وأقراه; لأنه لم يكلف العلم بطهارتهم بخلاف ما لو بانوا عبيدا أو نساء لسهولة الاطلاع على حالهم أما المتطهر منهم في الثانية فتصح جمعته تبعا للإمام كما صرح به المتولي (^٥) والقمولي وصرح المتولي أيضا بأن صحة
_________________
(١) "قوله الخامس الجماعة" وشرط جماعتها كغيرها من الجماعات إلا في نية الإمامة فتجب هنا على الأصح لتحصل له الجماعة
(٢) "قوله لتمام العدد المعتبر"; ولأنه ذكر تصح جمعته مأموما فصحت إماما كسائر الصلوات
(٣) "قوله ولو بان الأربعون أو بعضهم محدثين" أو مصلون بنجاسة لا يعفى عنها
(٤) "قوله ونقله الشيخان عن صاحب البيان" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله كما صرح به المتولي" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ١١٩ ]
صلاتهما لا تختص بما إذا زاد الإمام على الأربعين، وهو ظاهر إذ لا فرق بين الحالين واستشكال صحة صلاة الإمام بأن العدد شرط ولهذا شرطناه في عكسه فكيف تصح للإمام مع فوات الشرط يرد بأنه لم يفت بل وجد في حقه واحتمل فيه حدثهم; لأنه متبوع ويصح إحرامه منفردا فاغتفر له مع عذره ما لا يغتفر في غيره وإنما صحت للمتطهر المؤتم به في الثانية تبعا له والمصنف تبع في أنه لا جمعة لأحد الإسنوي (^١) التابع لابن الرفعة
"فرع، وإن أدرك المسبوق (^٢) ركوع الإمام في ثانية الجمعة" واستمر معه إلى أن سلم "أتى بركعة بعد سلامه جهرا" كالإمام وذكر الجهر من زيادته وقد ذكره ابن الصباغ ونقله الروياني عن نص الشافعي "وتمت جمعته" (^٣) قال ﷺ: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة" (^٤) وقال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى" (^٥) رواهما الحاكم وقال في كل منهما إسناده صحيح على شرط الشيخين قال في المجموع وقوله فليصل هو بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام وتقييد المصنف ما ذكره بقوله "إن صحت جمعة
_________________
(١) "قوله والمصنف تبع في أنه لا جمعة لأحد الإسنوي" أي وغيره
(٢) "قوله وإن أدرك المسبوق إلخ" لو شك في سجدة منها فإن لم يسلم إمامه سجدها وأتمها جمعة وإلا سجدها وأتم الظهر وإذا قام لإتمام الجمعة وأتى بالثانية وذكر في تشهده ترك سجدة منها سجدها وتشهد وسجد للسهو أو من الأولى أو شك فاتت جمعته وحصل له ركعة من الظهر
(٣) "قوله وتمت جمعته" فلا تدرك الجمعة بما دون الركعة; لأن إدراكها يتضمن إسقاط ركعتين سواء أقلنا الجمعة ظهر مقصورة أم صلاة بحيالها والإدراك لا يفيد إلا بشرط كماله ألا ترى أن المسبوق إذا أدرك الإمام ساجدا لم يدرك الركعة; لأنه إدراك ناقص
(٤) شاذ: رواه والحاكم "١/ ٤٢٩"، حديث "١٠٧٧" والحديث رواه النسائي "٣/ ١١٢"، كتاب الجمعة، باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة، حديث رقم "١٤٢٥". قال الشيخ الألباني: شاذ بذكر الجمعة والمحفوظ "من أدرك من الصلاة ركعة … "
(٥) رواه الحاكم "١/ ٤٢٩". حديث "١٠٧٩". والحديث رواه مالك في الموطأ كتاب النداء للصلاة، باب ما جاء فيمن أدرك يوم الجمعة.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الإمام" (^١) من زيادته أخذه من قول الأذرعي لو خرج الإمام منها قبل السلام فلا جمعة للمأموم وإليه يرشد قول الشيخ يعني النووي بعد سلام الإمام، وهذا إذا لم يدرك مع الإمام ركعة لقول الإسنوي إنه لا يتقيد بذلك بل إذا أدرك معه ركعة وأتى بأخرى أدرك الجمعة، وإن خرج منها الإمام كما أن حدثه لا يمنع صحتها لمن خلفه كما مر وقولهم بعد سلام الإمام جرى على الغالب لا يقال الركعة الأخيرة إنما تحصل بالسلام; لأنا نمنعه فقد قال في الأم ومن أدرك ركعة من الجمعة بنى عليها ركعة أخرى وأجزأته الجمعة وإدراك الركعة أن يدرك الرجل قبل أن يرفع رأسه من الركعة فيركع معه ويسجد انتهى.
"ومن فارق الإمام" وقد أدرك معه الأولى "في الثانية وأتمها جمعة أجزأه" ذلك كما لو أحدث الإمام في الثانية "وإن" أدرك "الركعة كاملة" مع الإمام "في" ركعة "زائدة سهوا فكمصل" صلاة "أصلية" من جمعة أو غيرها "خلف محدث" فتصح إن لم يكن عالما بزيادتها بخلاف ما لو بان إمامه كافرا أو امرأة; لأنهما ليسا أهلا للإمامة بحال "ولو أدركه" المسبوق "بعد الركوع" للثانية "أحرم بجمعة" موافقة للإمام; ولأن اليأس منها لا يحصل إلا بالسلام إذ قد يتذكر إمامه ترك ركن فيأتي بركعة فيدرك الجمعة واستشكل بأنه لو بقي عليه ركعة فقام الإمام إلى خامسة لا تجوز له متابعته حملا على أنه تذكر ترك ركن ويجاب عنه بأن ما هنا محمول على ما إذا علم أنه ترك ركنا فقام ليأتي به فيتابعه وقوله "ندبا" (^٢) من زيادته أي أحرم بالجمعة ندبا وعبارة الأنوار
_________________
(١) "قوله إن صحت جمعة الإمام" خرج بقوله إن صحت جمعة الإمام ما لو تبين عدم صحتها لانتفاء ركن من أركانها أو شرط من شروطها كما لو تبين كونه محدثا فإن ركعة المسبوق حينئذ لم تحسب; لأن المحدث لعدم حسبان صلاته لا يتحمل عن المسبوق الفاتحة إذ الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة وإنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبا من صلاة الإمام ليتحمل به عن الغير والمحدث ليس أهلا للتحمل وإن صحت الصلاة خلفه وقد تبين بما ذكرته صحة قول المصنف إن صحت جمعة الإمام.
(٢) "قوله ولو أدركه بعد الركوع أحرم بجمعة ندبا" أي إن كان ممن تسن له ولا تجب عليه كالمسافر والعبد، وأما إن كان ممن تلزمه فإحرامه بها واجب، وهو محمل كلام أصله بدليل ما ذكره كأصله في أواخر الباب الثاني من أن من لا عذر له لا تصح ظهره قبل سلام الإمام ا هـ ولو أدرك هذا المسبوق بعد صلاته الظهر جماعة يصلون الجمعة لزمه أن يصليها معهم
[ ٢ / ١٢١ ]
جوازا وعبارة الأصل تقتضي الوجوب، وهو المعتمد الموافق لما يأتي في مسألة الزحام وآخر الباب الثاني "وأتمها ظهرا" سواء أكان عالما بالحال أم لا "وإن شك مدرك الركعة الثانية" مع الإمام "قبل السلام" أي سلام الإمام "هل سجد مع الإمام" أم لا "سجد وأتمها جمعة" لإدراكه معه ركعة "أو" شك في ذلك "بعد السلام أتمها ظهرا" وفاتته الجمعة لانتفاء ذلك فعلم من ذلك ما صرح به الأصل أنه لو أتى بركعته الثانية وعلم في تشهده ترك سجدة منها سجدها ثم تشهد وسجد للسهو، وهو مدرك للجمعة، وإن علمها من الأولى أو شك فاتت الجمعة وحصلت ركعة من الظهر.
"فصل، وإن بطلت" صلاة "للإمام أو أبطلها عمدا جمعة كانت أو غيرها بحدث أو غيره فاستخلف هو أو المأمومون قبل إتيانهم بركن" شخصا "صالحا للإمامة" بهم "مقتديا به قبل حدثه" ولو صبيا أو متنفلا "جاز"; لأن الصلاة بإمامين بالتعاقب جائزة كما أن أبا بكر كان إماما فدخل النبي ﷺ فاقتدى به أبو بكر والناس (^١) وإذا جاز هذا فيمن لم تبطل صلاته ففيمن بطلت بالأولى لضرورته إلى الخروج منها واحتياجهم إلى إمام وصرح بقوله أو أبطلها عمدا مع دخوله فيما قبله إشارة لخلاف أبي حنيفة فيه إذ عنده أنه إذا تعمد الحدث بطلت صلاة القوم أيضا وخرج بالصالح غيره كالمرأة والخنثى لغير النساء، وهو معلوم مما مر في الجماعة "، وإن كان" الصالح "مسبوقا" فإنه يجوز استخلافه "إن عرف نظم صلاة الإمام ليجري عليه" أي على نظمها فيفعل ما كان يفعله; لأنه بالاقتداء به التزم ترتيب صلاته "فيقنت لهم الخليفة المسبوق في الصبح". ولو كان هو يصلي الظهر ويترك القنوت في الظهر ولو كان هو
_________________
(١) "قوله فاقتدى به أبو بكر والناس" وقد استخلف عمر ﵁ حين طعن رواه البيهقي قال ابن الأستاذ إذا قدم الإمام واحدا في الركعة الأولى من الجمعة فالظاهر أنه لا يجب عليه أن يمتثل ويحتمل أن يجب لئلا يؤدي إلى التواكل وقوله ويحتمل أن يجب أشار إلى تصحيحه قال شيخنا حيث غلب على ظنه ترتب ضرر للمقدم بسبب عدم تقدمه كان
[ ٢ / ١٢٢ ]
يصلي الصبح "ويتشهد ويسجد بهم لسهو الإمام" الحاصل "قبل اقتدائه" به "وبعده" أما إذا لم يعرف نظم صلاة الإمام فلا يجوز استخلافه على ما أفهمه كلامه وأفتى به القاضي وقال في الروضة إنه أرجح القولين دليلا وفي المجموع إنه أقيسهما لكنه نقل فيهما الجواز (^١) عن أبي علي السنجي وصححه في التحقيق قال في المجموع ونقله ابن المنذر عن نص الشافعي ونقله في المهمات عن جزم الصيمري أيضا وقال إنه الصحيح (^٢) وعليه فيراقب القوم بعد الركعة فإن هموا بالقيام قام وإلا قعد (^٣) "ثم حين يقوم" لإتمام صلاته "لهم مفارقته" ويسلمون أو يستخلفون من تمت صلاته ليسلم بهم "و" لهم "انتظاره ليسلم بهم" قال في المجموع، وهو أفضل ولهم ذلك في كل صلاة "لا في جمعة خشوا" بانتظارهم "فوات وقتها" فلا ينتظرونه لما فيه من فوات الجمعة والتصريح بهذا من زيادته (^٤)
"ويقنت لنفسه" في ثانيته "ويعيد السجود" في آخر صلاته "لسهو إمامه ويسجدون لسهوه" الحاصل "بعد الاستخلاف" بل بعد البطلان "لا قبله"
_________________
(١) "قوله لكنه نقل فيهما الجواز" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وقال إنه لصحيح" وبه أفتيت وإن قال البلقيني قوله إن الصحيح الجواز ممنوع بل الأصح المنع; لأن الدخول في عبادة لا يدري ماذا يصنع فيها باعتبار وجوب ترتيب إمامه، وهو لا يعرفه مخالف لقواعد الشرع وتجويزه على ظهور إمارة من المأمومين بهمهم بالقيام لا يسوغ لجواز أنهم لم يهموا أو يهموا سهوا وكيف يجوز أن يكون الموضع لقيام الإمام، وهو موضع قعود الخليفة أو بالعكس فيخالف ترتيب صلاة نفسه بمجرد توهم هذا مما لا يسوغ ولا يصح عن الشافعي ﵁ والمصير إلى جوازه ضعيف مردود وإن ذكروه بل الصواب القطع بالمنع وإذا كان المذهب أنه لا يرجع إلى إخبار المأمومين في عدد الركعات مع مخالفته لظاهر حديث ذي اليدين فلأن لا يرجع إلى حركة ضعيفة الدلالة أولى
(٣) "قوله فإن هموا بالقيام قام وإلا قعد" هذا واضح في الجمعة أما الرباعية ففيها قعودان فإذا لم يهموا بقيام وقعد تشهد ثم قام فإن قاموا معه علم أنها ثانيتهم ا ب ع
(٤) "قوله والتصريح بهذا من زيادته" وجزم به جماعة وقد تقدم أن غيرها من الفرائض يحرم فيه ذلك أيضا.
[ ٢ / ١٢٣ ]
تبعا له فيهما وإنما لم يسجد هو لسهوه قبله لتحمل إمامه له "وسهوهم بين" استخلاف "الخليفة و" بطلان صلاة "الإمام غير محمول عنهم" بل يسجد له الساهي آخر صلاته
"ويجوز في غير الجمعة استخلاف غير المقتدي في الأولى والثالثة (^١) من الرباعية" لموافقة نظم صلاته نظم صلاتهم "لا" في "غيرهما" (^٢) من الثانية والأخيرة; لأنه يحتاج إلى القيام ويحتاجون إلى القعود وقضية التعليل أنه لو كان موافقا لهم كأن حضر جماعة في ثانية منفردا أو أخيرته فاقتدوا به فيها ثم بطلت صلاته فاستخلف موافقا لهم جاز (^٣)، وهو ظاهر وإطلاقهم المنع جروا فيه على الغالب قال في المجموع: ويجوز استخلاف اثنين وأكثر (^٤) يصلي كل بطائفة والأولى الاقتصار على واحد ولو بطلت صلاة الخليفة جاز استخلاف ثالث وهكذا وعلى الجميع مراعاة ترتيب صلاة الإمام الأصلي "وخليفة الجمعة، وهو المقتدي" بإمامها (^٥) قبل بطلان صلاته "إن استخلف في" الركعة "الأولى (^٦) أتمها جمعة ولو لم يحضر الخطبة"; لأنه بالاقتداء صار في حكم حاضرها; ولأنه قد سمعها أربعون غيره وسماعهم كسماعه "أو" استخلف "في الثانية ولم يدرك معه الأولى أتمها وحده ظهرا" (^٧) ; لأنه لم يدرك معه ركعة (^٨).
_________________
(١) "قوله في الأولى والثالثة" من الرباعية قبل الركوع
(٢) "قوله لا في غيرهما" في بعض النسخ إلا إنشاء وكتب أيضا إلا بنية مجردة
(٣) "قوله فاستخلف موافقا له جاز" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله ويجوز استخلاف اثنين وأكثر إلخ" وكذا في الجمعة إن كانوا قد صلوا ركعة وإلا فإن تابع كل فرقة خليفة على التعاقب أو معا وأحدهما فقط أربعون صحت جمعتهم ويتم الآخرون الظهر أربعا أو معا وكل فرقة أربعون لم تصح للكل جمعة ولا ظهرا وكذا إن شك في المعية
(٥) "قوله، وهو المقتدي بإمامها إلخ" شمل ما لو اقتدى به قبل تذكر حدثه
(٦) "قوله إن استخلف في الأولى" بأن أدرك ركوعها وعبارة المنهاج ثم إن كان أدرك الأولى تمت جمعتهم وإلا فتتم لهم دونه في الأصح
(٧) "قوله أتمها وحده ظهرا" صورة المسألة أنه زائد على الأربعين
(٨) "قوله; لأنه لم يدرك معه ركعة" فلو أدرك معه ركوع الثانية وسجودها أتمها جمعة; لأنه صلى مع الإمام ركعة وبه صرح البغوي وقوله وبه صرح البغوي أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ١٢٤ ]
وإن أدرك ركعة من الجمعة في جماعة ويخالف المأموم; لأنه إمام لا يمكن جعله تابعا وفارق إتمامها جمعة في الأولى مع أنه لم يدركها معه كلها (^١) ; لأنه ثم أدركه في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام فكان أقوى من الإدراك في الثانية وجاز له فيها الاستخلاف، وإن كان فيه فعل الظهر قبل فوت الجمعة لعذره بالاستخلاف بإشارة الإمام قاله الرافعي وقد يؤخذ منه أنه إذا استخلفه القوم أو تقدم بنفسه لا يجوز ذلك لكن إطلاقهم يخالفه (^٢) ويوجه بأن التقدم مطلوب في الجملة فيعذر به أما إذا أدرك معه الأولى فيتمها جمعة وعلم من كلامه أنه لا يشترط في جواز استخلافه في الثانية اقتداؤه به في الأولى، وهو كذلك "فلو دخل مسبوق" في الجمعة "واقتدى به" أي بالخليفة "فيها" أي في الثانية "معهم أتم الجمعة"; لأنه أدرك ركعة مع من يراعي نظم صلاة الإمام بخلاف الخليفة.
"فإن استخلف في الجمعة غير المقتدي" بإمامها "بطلت صلاته" إذ لا يجوز إنشاء جمعة بعد أخرى ولا فعل الظهر قبل فوات الجمعة (^٣) ولا يرد المسبوق; لأنه تابع لا منشئ وإذا بطلت جمعة وظهرا بقيت نفلا كما اقتضاه كلام أصل الروضة والمجموع وعليه اختصر شيخنا أبو عبد الله الحجازي كلام الروضة وظاهر أن محله إذا كان جاهلا بالحكم "و" بطلت "صلاتهم إن اقتدوا به" مع علمهم ببطلان صلاته نعم إن كان ممن لا تلزمه الجمعة ونوى غيرها صحت صلاته وحيث صحت صلاته ولو نفلا واقتدوا به فإن كان في الأولى لم تصح ظهرا لعدم فوت الجمعة ولا جمعة; لأنهم لم يدركوا منها ركعة مع الإمام مع استغنائهم عن الاقتداء به بتقديم واحد منهم أو في الثانية أتموها جمعة
_________________
(١) "قوله مع أنه لم يدركها معه كلها إلخ" كأن استخلفه في ركوعها
(٢) "قوله لكن إطلاقهم يخالفه" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله ولا فعل الظهر قبل فوات الجمعة" أما لو كان غير المقتدي لا تلزمه الجمعة وتقدم ناويا غيرها فإنه يجوز كما سيأتي أفهم كلامه عدم بطلان صلاة المستخلف إذا كان مقتديا به قبل حدثه
[ ٢ / ١٢٥ ]
"فرع لو استخلف" الإمام واحدا (^١) "واستخلفوا" أي المأمومون آخر "فمن عينوه" للاستخلاف "أولى" ممن عينه; لأن الحظ في ذلك لهم "ولو تقدم واحد بنفسه جاز" ومقدمهم أولى منه إلا أن يكون راتبا فظاهر أنه أولى من مقدمهم ومن مقدم الإمام ولو قدم الإمام واحدا وتقدم آخر كان مقدم الإمام أولى "فإن لم يتقدم أحد وهم في" الركعة "الأولى من الجمعة لزمهم أن يستخلفوا" فيها واحدا منهم لتدرك بها الجمعة "أو" وهم "في الثانية وأتموها جمعة فرادى جاز" فلا يلزمهم الاستخلاف لإدراكهم مع الإمام ركعة كالمسبوق ولا يشكل بالانفضاض فيها; لأن البطلان به لنقص العدد لا لفقد الجماعة فلو استخلف فيها قال الإمام فلهم أن يتابعوه ولهم أن ينفردوا ولو اقتدى بعضهم وانفرد بعضهم جاز وذكر البغوي نحوه
"ولا تشترط نية الاقتداء" من القوم "بالخليفة" لتنزيله منزلة الأول في دوام الجماعة وكلامه كالحاوي ومن تبعه يقتضي أن ذلك جاز فيمن قدمه الإمام (^٢) ومن قدمه القوم ومن تقدم بنفسه وكلام الشيخين وغيرهما يقتضي اختصاصه بالأول وبه أخذ الأذرعي فقال في الثاني إنه يلزمهم تجديد نية الاقتداء به وفي الثالث الوجه أنه يلزمهم تجديدها ولم أر في ذلك نصا
"فرع" لو "أحدث بعد الخطبة أو فيها فاستخلف من سمعها" أي واحدا ممن سمع أركانها "لا غيره جاز" كما في الصلاة وإنما لم يجز في غير السامع; لأنه إنما يصير من أهل الجمعة إذا دخل في الصلاة كما مر والسماع هنا كالاقتداء ثم وفي قوله من سمعها تغليب; لأن من استخلف فيها لم يسمعها بل سمع بعضها وبالسماع عبر الأصحاب وقضيته حقيقة السماع وعبارة الشامل حضر وسمع الخطبة وقال السبكي بعد نقله كلامهم وما احتجوا به وإذا تأملت هذا ظهر لك أن الشرط هنا حقيقة السماع ولا يكفي الحضور بخلاف المسألة
_________________
(١) "قوله لو استخلف الإمام واحدا إلخ" قال ابن الأستاذ وإذا قدم الإمام واحدا فالظاهر أنه لا يجب عليه أن يمتثل ويحتمل أن يجب لئلا يؤدي إلى التواكل.
(٢) "قوله يقتضي أن ذلك جاز فيمن قدمه الإمام إلخ" أشار إلى تصحيحه قال شيخنا، وهو المعتمد
[ ٢ / ١٢٦ ]
المتقدمة يعني مسألة استخلاف الإمام في الصلاة من اقتدى به قبل حدثه لكن قال في المجموع تبعا للعمراني مراد الأصحاب هنا بالسماع الحضور (^١)، وإن لم يسمع وجرى عليه البارزي وابن الوردي وألحقا به مسألة المبادرة الآتية ثم ما ذكره المصنف كأصله في الحدث في الخطبة مخالف لما سيأتي له تبعا (^٢) لاختيار الروضة في نظيره من الإغماء فيها من منع الاستخلاف بل صححه في المجموع في المحل المشار إليه في الإغماء وفي الحدث نفسه لاختلال الوعظ بذلك، وهو، وإن أشبه ما مر من منع البناء على أذان غيره فالأول أقيس إلحاقا للخطبة بالصلاة وسيأتي لذلك مزيد إيضاح
"وكره" الاستخلاف بعد الخطبة أو فيها إن اتسع الوقت فيتطهر ويستأنف أو يبني بشرطه خروجا من خلاف منع الاستخلاف، وهذا من زيادته "ولو أراد المسبوقون" أو من صلاته أطول من صلاة الإمام "أن يستخلفوا" من يتم بهم "لم يجز إلا في غير الجمعة" (^٣) إذ لا مانع في غيرها بخلافها لما مر أنه لا تنشأ جمعة بعد أخرى وكأنهم أرادوا بالإنشاء ما يعم الحقيقي والمجازي إذ ليس فيما إذا كان الخليفة منهم إنشاء جمعة وإنما فيه ما يشبهه صورة على أن بعضهم قال بالجواز في هذه لذلك وما ذكر من الجواز في غير الجمعة هو ما اقتضاه كلام الشيخين في الجماعة لكنهما صححا هنا المنع وعللاه بأن الجماعة حصلت وهم إذا أتموها فرادى نالوا فضلها والأول هو ما صححه في التحقيق هناك وكذا في المجموع وقال فيه اعتمده ولا نغتر بما في الانتصار من تصحيح المنع (^٤)
_________________
(١) قوله مراد الأصحاب هنا بالسماع الحضور" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله مخالف لما سيأتي له إلخ" الفرق بينهما أن المغمى عليه خرج عن الأهلية بالكلية بخلاف المحدث بدليل صحة خطبة غير الجمعة منه.
(٣) "قوله إلا في غير الجمعة إلخ" قال الناشري ما ذكره في الجمعة غير موافق عليه إذا قدموا من لم يكن من جملتهم فإن كان من جملتهم جاز حتى لو اقتدى شخص بهذا المقدم وصلى معهم ركعة وسلموا فله أن يتمها جمعة; لأنه وإن استفتح الجمعة فهو تبع للإمام والإمام مستديم لها لا مستفتح نقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وأقره وكذلك الريمي وقوله وكذلك الريمي أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله ولا تغتر بما في الانتصار من تصحيح المنع" ولعله اغتر بقول الشيخ أبي حامد لعل الأصح المنع. ا هـ. والجمع بين هذا وبين ما تقدم عنه في الروضة أن ذاك من حيث حصول الفضيلة، وهذا من حيث جواز اقتداء المنفرد يدل عليه أنه في التحقيق بعد أن ذكر جواز اقتداء المنفرد قال واقتداء المسبوق بعد سلام إمامه كغيره قال شيخنا ويوافق الجواز ما في الرافعي في صلاة الجماعة أنه لو صلى العشاء خلف التراويح فسلم الإمام ثم أحرم فاقتدى به فهو على القولين فيمن أحرم ثم اقتدى ومقتضاه تصحيح الجواز وكتب أيضا وقال ابن العماد الكلام هنا محمول على ما إذا اختلف الإمام والمأموم في عدد الركعات فلا يجوز الاستخلاف في غير الجمعة; لأنه يؤدي إلى أن أحدهما يقعد والآخر يقوم بخلاف ما إذا اتفق نظم الصلاتين قال بعضهم هو جمع لا بأس به لكن تعليله في الروضة وأصلها المنع بأن الجماعة حصلت له يخالفه
[ ٢ / ١٢٧ ]
على أن تعليل المنع بما ذكر لا ينافي الجواز إذ للاقتداء فوائد أخر كتحمل السهو وتحمل السورة في الصلاة الجهرية ونيل فضل الجماعة الكامل "ولو بادر أربعون سمعوا الخطبة" (^١) أي أركانها "وأحرموا بها" أي بالجمعة "انعقدت بهم"; لأنهم من أهلها بخلاف غيرهم.
"فصل وإذا زحم" المأموم "عن السجود في" الركعة "الأولى من الجمعة وأمكنه أن يسجد بهيئة التنكيس على ظهر إنسان" أو قدمه أو بهيمة أو غيرها "فعل" ذلك لزوما لتمكنه من سجود يجزئه وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر ﵁ قال إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه (^٢) أي ولو بغير إذنه للحاجة مع أن الأمر فيه يسير قاله في المطلب "فلو امتنع" من ذلك "فمتخلف بلا عذر" وقد مر حكمه "وإذا لم يمكنه" ذلك "لم تجز له المفارقة" (^٣) ; لأن الخروج من الجمعة قصدا مع توقع إدراكها لا وجه له كذا
_________________
(١) "قوله ولو بادر أربعون سمعوا الخطبة إلخ" قال في المجموع والمراد بالسماع حضورها خاصة
(٢) ""قوله لم تجز المفارقة إلخ" قال في المهمات إذا انتظره قائما لزم تطويل الركن القصير أو قاعدا لزم زيادة قعود طويل وكلاهما مبطل قال ابن العماد هذا الاعتراض ساقط من وجهين أحدهما أن الركن القصير يجوز تطويله للحاجة والعذر كما في الكفاية وقد رأيت الطرق متفقة على أن التخلف بعذر الزحمة لا يقطع حكم القدوة على إطلاق، وهذا كما أن التخلف عن الإمام بالسجدتين لا يضر هاهنا قطعا كما قاله في النهاية الثاني أنه لا يمكنه الانفكاك بالمفارقة; لأنه إذا فارق الإمام في هذه الحالة لا يمكنه السجود; لأن الفرض أنه مزحوم
(٣) . قوله فليسجد أحدكم على ظهر أخيه إلخ" صورته أن يكون الساجد على شاخص أو المسجود عليه في وهدة.
[ ٢ / ١٢٨ ]
نقله الشيخان عن الإمام وأقراه، وهو بحث له (^١) حكى وجها، وأما منقوله ومنقول غيره كالصيدلاني القاضي والبغوي والخوارزمي فالجواز للعذر ونقله القاضي عن نص الشافعي نبه على ذلك في المهمات "ولا الإيماء" لقدرته على السجود وندرة هذا العذر وعدم دوامه. ويسن للإمام تطويل القراءة ليلحقه "فإن وجد فرجة" يتمكن من السجود فيها "فسجد وأدركه قائما قرأ قراءة المسبوق" إن كان مثله وإلا فقراءة الموافق "أو" أدركه "راكعا تابعه" في الركوع "وسقطت" عنه "القراءة" كالمسبوق "أو بعد الركوع تابعه" فيما هو فيه "وأتى بركعة بعد سلامه" لفواتها كالمسبوق "فإن سلم الإمام قبل تمام سجوده فاتته" الجمعة; لأنه لم تتم له ركعة قبل سلام الإمام فيتمها ظهرا بخلاف ما إذا رفع رأسه من السجود فسلم الإمام فيتمها جمعة "وإن ركع الإمام" في الثانية "قبل سجوده فلا يسجد بل يركع ويسجد معه" لخبر "وإذا ركع فاركعوا" (^٢) "وفرضه الركوع الأول"; لأنه أتى به وقت الاعتداد بالركوع والثاني للمتابعة "فتكون الركعة ملفقة" من ركوع الأولى وسجود الثانية "وتجزئ" في إدراك الجمعة لخبر "من أدرك من الجمعة ركعة" (^٣) السابق والتلفيق ليس بنقص في المعذور. "فإن لم يركع" معه "واشتغل بترتيب" صلاة "نفسه عامدا" عالما بأن واجبه المتابعة "بطلت صلاته" لتلاعبه "فإن أمكنه الإحرام بالجمعة لزمه" عبارة الأصل ويلزمه (^٤) الإحرام بها إن أدرك الإمام في
_________________
(١) "قوله، وهو بحث له" صرح الماوردي بحكاية نص موافق له قوله كالمسبوق" يؤخذ منه أنه اطمأن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، وإن قال ابن العماد ظاهر كلامهم أنه يدرك الركعة الثانية بهذا الركوع وإن لم يطمئن مع الإمام في الركوع بخلاف المسبوق، فإنها متابعة في حال القدوة فلا يضر سبق الإمام المأموم بالطمأنينة
(٢) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، حديث رقم "٣٧٨"، ورواه مسلم كتاب الصلاة باب ائتمام المأموم بالإمام حديث رقم "٣١٢".
(٣) سبق تخريجه.
(٤) "قوله عبارة الأصل، ويلزمه إلخ" إنما سكت هنا عن حكم ما إذا أدركه بعده لعلمه مما قدمه من أن الأصح لزومه أيضا
[ ٢ / ١٢٩ ]
الركوع فعدل عنها المصنف إلى ما قاله لقول الإسنوي إنها غير مستقيمة بل يلزمه ذلك ما لم يسلم الإمام إذ يحتمل أن الإمام قد نسي القراءة مثلا فيعود إليها "أو" اشتغل بذلك "جاهلا" أو ناسيا "لم يعتد بسجوده" لمخالفته به الإمام ولا تبطل به صلاته لعذره "فإن أدركه" بعد سجوده "في الركوع لزمه متابعته" فإن تابع فكما لو لم يسجد "وإن أدركه في السجود سجد معه" وحسب وتكون ركعته ملفقة ويدرك بها الجمعة "أو في التشهد تابعه وسجد بعد سلامه ولا جمعة له"; لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة فيتمها ظهرا كما لو وجده قد سلم. "وإن" لم يتابعه فيما ذكر بل "مضى على ترتيب" صلاة "نفسه" بأن قام بعد السجود وقرأ وركع ورفع وسجد "لغا" ولا تبطل به صلاته لما مر "وعليه بعد سلام الإمام أن يتم الركعة بسجدتين ويتمها ظهرا" لما مر، وهذا ما قال في الأصل إنه مفهوم كلام الأكثرين ونقله في المجموع عن الجمهور ونقل الأصل عن الصيدلاني والإمام والغزالي إنه يحسب له السجود الثاني (^١) فتكمل به الركعة وبه جزم في المنهاج (^٢) وقال في المحرر إنه المنقول وبحث فيه في شرحيه بأنه إذا لم يحسب سجوده والإمام راكع لكون فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب والإمام في ركن بعد الركوع وأجاب عنه السبكي (^٣) والإسنوي بأنا إنما لم نحسب له سجوده (^٤) والإمام راكع لإمكان متابعته بعد ذلك فيدرك الركعة بخلاف ما بعده فلو لم نحسبه له لفاتته الركعة ويكون ذلك عذرا في عدم
_________________
(١) "قوله إنه يحسب له السجود الثاني" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وبه جزم في المنهاج" والأنوار.
(٣) "قوله وأجاب عنه السبكي" والإسنوي وغيرهما
(٤) "قوله بأنا إنما لم نحسب له سجوده إلخ" اعترضه في الخادم بأنه ينتقض بما إذا ظن المسبوق سلام الإمام فقام وأتى بما بقي عليه ثم تبين أن الإمام لم يسلم فإنه لا يحسب له إلا ما أتى به مع أنه لا يمكنه المتابعة بعد السلام. ا هـ. وقال البلقيني كون المتجه ما في المنهاج ممنوع; لأن الجاري على ترتيبه جاهلا أو ناسيا لا يعتد بما أتى به في هذه الحالة فكيف نجعله بما لم يعتد به مدركا ولا أثر للفرق المذكور; لأن عدم إمكان المتابعة لا يحصل له ما لا يعتد به والمعتمد ما في شرح المهذب من عدم الاعتداد المترتب عليه عدم إدراك الجمعة
[ ٢ / ١٣٠ ]
المتابعة وفي كلامهم شواهد لذلك (^١) ولعله اعتمد في المجموع على ما في الروضة من أنه المفهوم من كلامهم لا أنهم صرحوا به قال السبكي فثبت أن ما في المنهاج هو الأصح من جهة الفقه وقال الإسنوي إنه المتجه قالا وصورة المسألة أن يستمر سهوه أو جهله إلى إتيانه بالسجود الثاني وإلا فعلى المفهوم من كلام الأكثرين تجب متابعة الإمام فيما هو فيه أي فإن أدرك معه السجود تمت ركعته.
"فرع فإن لم يتمكن" أي المزحوم من السجود "حتى سجد الإمام في" الركعة "الثانية سجد معه وحصلت له ركعة ملفقة" من ركوع الأولى وسجود الثانية فإن لم يتمكن إلا في السجدة الثانية سجد معه فيها ثم يحتمل أن يسجد الأخرى (^٢) ; لأنهما كركن واحد وأن يجلس معه فإذا سلم بنى على صلاته ذكرهما الزركشي ثم قال والمتجه أنه ينتظره ساجدا حتى يسلم فيبني على صلاته; لأن الاحتمال الأول يؤدي إلى المخالفة والثاني إلى تطويل الركن القصير وأيده بما قدمته عن القاضي والبغوي أوائل صفة الأئمة وقدمت ثم إن المختار (^٣) جواز تطويل الركن القصير في مثل ذلك وقد جوز الدارمي وغيره للمنفرد أن يقتدي في اعتداله بغيره قبل ركوعه ويتابعه
"فإن لم يتمكن" من السجود "حتى تشهد الإمام" سجد "فإن فرغ من السجود ولو بالرفع" منه "قبل سلامه" أي الإمام "وإن لم يعتدل حصلت له ركعة وأدرك الجمعة وإن رفع" منه "بعد سلامه فاتته" الجمعة "فيتمها
_________________
(١) "قوله وفي كلامهم شواهد لذلك" قال ويشهد لذلك أنا إذا فرغنا على القول بأنه يجري على ترتيب نفسه ففرغ من السجود ووجد الإمام في السجود أو التشهد لزمه المتابعة على الأصح ولا يجري على ترتيب نفسه; لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئا يحسب له فهو كالمسبوق بخلاف الركعة الأولى فإنه أدرك منها الركوع وما قبله فلزمه أن يفعل ما بعده من السجود والرافعي وغيره يوافقون على تصحيح ذلك فكما خالفنا تفريع هذا القول لهذا المعنى وجعلناه مخصوصا بالركعة الأولى كذلك نقول في تفريع القول بوجوب المتابعة
(٢) "قوله ثم يحتمل أن يسجد الأخرى" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه قياس المسألة الآتية ترجيح الاحتمال الأول
(٣) "قوله وقدمت ثم إن المختار إلخ" المعتمد منع ذلك والفرق بينه وبين ما نقله الشارح عن الدارمي وغيره وأصح فإنه باقتدائه صار اللازم له مراعاة ترتيب صلاة إمامه
[ ٢ / ١٣١ ]
ظهرا" كذا نقله الرافعي عن التتمة وجزم به النووي وليس على وجهه فإنه إنما ذكره في التتمة تفريعا على القول بأنه يجري على ترتيب نفسه، وأما على القول بأنه يتابعه فلا يسجد بل يجلس معه ثم بعد سلامه يسجد سجدتين ويتمها ظهرا نبه على ذلك الأذرعي (^١) وغيره "أما من أدرك معه الركعة الأولى وزحم عن السجود في الثانية فيتدارك" ما فاته "قبل السلام وبعده" بحسب إمكانه وتتم جمعته "فإن كان مسبوقا بالأولى" بأن لحقه في الثانية وزحم فيها "ولم يتدارك" السجود "قبل السلام" من الإمام "فاتته الجمعة"; لأنه لم يدرك معه ركعة "وسهوه في" حال "التخلف" عنه للزحمة "محمول" عنه; لأنه مقتد به حكما والتصريح بهذا هنا من زيادته "وإن زحم عن الركوع" في الأولى "ولم يتمكن" منه "إلا حال ركوع الثانية" ركع معه و"حسبت" أي الثانية "له غير ملفقة" لسقوط الأولى
"فرع ليست الجمعة ظهرا مقصورا"، وإن كان وقتها وتتدارك به "بل صلاة على حيالها" أي مستقلة; لأنه لا يغني عنها ولقول عمر ﵁ الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى" (^٢) رواه الإمام أحمد وغيره وقال في المجموع إنه حسن "فإن عرض فيها ما يمنع وقوعها جمعة انقلبت ظهرا، وإن لم يقصد قلبها"; لأنهما فرض وقت واحد فتصح الظهر بنية الجمعة
"فرع التخلف لنسيان ومرض كالزحام" أي كالتخلف للعذر "وغير الجمعة في الزحام" ونحوه "كالجمعة" وإنما ذكروه فيها; لأنه فيها أكثر ولاختصاصها بأمور أخر (^٣) كالتردد في حصولها بالركعة المطلقة والقدوة الحكمية
_________________
(١) "قوله نبه على ذلك الأذرعي وغيره" يرد بأنه تفريع على القول بأنه يتابعه ويوجه بما تقدم عن السبكي والإسنوي في نظيرها، وهو أنا لو لم نجوز له السجود حينئذ لفاتته الركعة ويكون ذلك عذرا في عدم المتابعة بل هذه أولى بالعذر من تلك; لأن ذاك مقصر بخلاف هذا.
(٢) حسن: رواه أحمد "١/ ٣٧" حديث "٢٥٧"، ورواه النسائي "٣/ ١١١"، حديث "١٤٢٠"، وابن ماجة "١/ ٣٣٨" حديث "١٠٦٣".
(٣) "قوله: ولاختصاصها بأمور أخر" ولهذا قال الإمام ليس في الزمان من يحيط بأطرافها.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وفي بناء الظهر عليها عند تعذر إقامتها
"الشرط السادس تقديم خطبتين قبل الجمعة" للاتباع مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" بخلاف العيد فإن خطبتيه مؤخرتان للاتباع; ولأن خطبة الجمعة شرط والشرط مقدم على مشروطه; ولأن الجمعة إنما تؤدى جماعة فأخرت ليدركها المتأخر (^١)، وهذا الشرط ذكره أيضا كأصله بعد من شروط الخطبة وما هنا أولى وعليه اقتصر في المنهاج كأصله.
"وأركان الخطبة" الشاملة للخطبتين "خمسة الأول حمد الله" تعالى للاتباع رواه مسلم "ويتعين لفظ "الله" "وحمده"" للاتباع وككلمتي التكبير كالحمد لله أو أحمد الله أو نحمد الله أو حمد الله ولله الحمد فخرج الحمد للرحمن والشكر لله ونحوهما
"الثاني الصلاة على النبي (^٢) ﷺ"; لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر نبيه ﷺ كالأذان والصلاة "ويتعين صيغة صلاة" عليه كاللهم صل على محمد أو أصلي أو نصلي على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الماحي أو العاقب أو الحاشر أو المبشر أو النذير فخرج رحم الله محمدا وصلى الله عليه وصلى الله على جبريل ونحوها
"الثالث الوصية بالتقوى" للاتباع رواه مسلم; ولأن معظم مقصود الخطبة الوصية "ولا يتعين لفظها" أي الوصية بالتقوى; لأن غرضها الوعظ، وهو حاصل بغير لفظها كأطيعوا الله كما سيأتي "وكل من ذلك" أي مما ذكر من الأركان الثلاثة "واجب في الخطبتين" أي في كل منهما لاتباع السلف والخلف. "ولا يكفي الاقتصار" في الوصية "على تحذير من غرور الدنيا" وزخرفها فقد يتواصى به منكرو المعاد "إلا بالحمل" الأولى بل لا بد من الحمل
_________________
(١) "قوله فأخرت ليدركها المتأخر" وللتمييز بين الفرض والنفل ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ فأباح الانتشار بعدها فلو جاز تأخيرهما لما جاز الانتشار.
(٢) "قوله الثاني الصلاة على النبي إلخ" سئل الفقيه إسماعيل الحضرمي هل "كان النبي ﷺ يصلي على نفسه" فقال نعم وكتب أيضا وتسن الصلاة على آله
[ ٢ / ١٣٣ ]
"على الطاعة"، وهو مستلزم للحمل على المنع من المعصية الذي صرح به أصله فلم يحتج إلى التصريح به "ولو قال أطيعوا الله أو اتقوا الله كفى" لحصول الغرض والتصريح بقوله أو اتقوا الله من زيادته "الرابع الدعاء للمؤمنين بأخروي في" الخطبة "الثانية" لاتباع السلف والخلف; ولأن الدعاء يليق بالخواتم والمراد بالمؤمنين الجنس الشامل للمؤمنات وبهما عبر في الوسيط (^١) وفي التنزيل: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: من الآية ١٢]
"وإن خص" بالدعاء "السامعين فقال رحمكم الله" أو يرحمكم الله "كفى" فيكفي فيه ما يقع عليه اسم الدعاء "الخامس قراءة آية" للاتباع رواه الشيخان سواء أكانت وعدا لهم أم وعيدا أم حكما أم قصة. قال في الأصل قال الإمام ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة (^٢) قال في المجموع والمشهور الجزم باشتراط آية، وهو ما أفهمه - كلام المصنف "مفهمة" لا كثم نظر أو ثم عبس "ولو في أحديهما"; لأن الثابت القراءة في الخطبة دون تعيين قال في المجموع ويسن جعلها في الأولى
_________________
(١) "قوله وبهما عبر في الوسيط" وجرى عليه القاضي حسين والفوراني وعبارة الانتصار ويجب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وجزم ابن عبد السلام في الأمالي والغزالي بتحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب وبعدم دخولهم النار; لأنا نقطع بخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ أن فيهم من يدخل النار، وأما الدعاء بالمغفرة في قوله تعالى حكاية عن نوح ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ونحو ذلك فإنه ورد بصيغة الفعل في سياق الإثبات، وذلك لا يقتضي العموم; لأن الأفعال نكرات ولجواز قصد معهود خاص، وهو أهل زمانه مثلا
(٢) "قوله قال الإمام ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة" جزم به الأرغياني فقال لو قرأ شطر آية طويلة جاز أو آية قصيرة كقوله يس لم يكف أو آية لم تشتمل على وعد أو وعيد أو حكم أو معنى مقصود في قصة لم يكفه. ا هـ. وإطلاقهم يقتضي الاكتفاء بمنسوخ الحكم وعدم الاكتفاء بمنسوخ التلاوة قوله ولو في أحديهما" وتجزئ قبلهما وبعدهما وبينهما "فرع" لو شك بعد الفراغ من الخطبتين في ترك شيء من فرائضهما قال الروياني ليس له الشروع في الصلاة وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضا واحدا ولم يعلم عينه ا هـ قال شيخنا قياس ما تقدم في شكه في ترك ركن بعد فراغه من الصلاة إنه لا يؤثر عدم وجوب الإعادة هنا، وهو الأوجه
[ ٢ / ١٣٤ ]
"ويستحب قراءة ق في الخطبة الأولى" للاتباع رواه مسلم ولاشتمالها على أنواع المواعظ قال البندنيجي فإن أبى قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآية قال الأذرعي وتكون القراءة بعد فراغ الأولى قال وفي استحباب المواظبة على قراءة ق شيء; لأنه ﷺ إنما قرأها أحيانا لاقتضاء الحال ذلك أو لعلمه برضا الحاضرين أو لعدم اشتغالهم وأجاب الزركشي بأن في مسلم أنه ﷺ كان يقرؤها في خطبته كل جمعة قال النووي فيه دليل على استحباب قراءة ق أو بعضها في خطبته كل جمعة، وأما اشتراط رضا الحاضرين فلا وجه له كما لم يشترطوه في قراءة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وإن كانت السنة التخفيف
"ولو قرأ آية سجدة نزل وسجد" إن لم تكن فيه كلفة "فإن خشي من ذلك طول فصل سجد مكانه إن أمكن" وإلا تركه "ولا يجزئ آيات تشتمل على الأركان كلها"; لأن ذلك لا يسمى خطبة واستشكل هذا بأنه ليس لنا آية تشتمل على الصلاة منا على النبي ﷺ "وإن أتى ببعضها ضمن آية" كقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) [فاطر: من الآية ١] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية ١] "لم يمتنع وأجزأه" ذلك "عنه" أي عن البعض دون القراءة لئلا يتداخلا "، وإن قصدهما" بآية "لم يجزه" ذلك "عنهما" بل عن القراءة فقط كما صرح به في المجموع والتصريح بقوله وأجزأه عنه وبقوله عنهما من زيادته
"فائدة" ذكرها القمولي اختلف السلف في جواز تضمين شيء من آي القرآن لغيره من الخطب والرسائل ونحوهما فكرهه جماعة; لأنه استعمال له في غير موضعه كقول بعض الأمراء وقد أهدى له بعض الملوك هدية ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: من الآية ٣٦] فقال له الرسول ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ [النمل: من الآية ٣٧] الآية ورخص بعضهم فيه في الخطب والمواعظ وقد أكثر من استعماله جماعة منهم ابن نباتة وابن الجوزي
_________________
(١) "قوله كقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ إلخ" ومثله بعضهم بأوائل سورة الأنعام.
[ ٢ / ١٣٥ ]
"ويشترط كونها" أي الخطبة أي أركانها "بالعربية" لاتباع السلف والخلف (^١) "فإن أمكن تعلمها وجب" على الجميع على سبيل فرض الكفاية كما أشار إليه بقوله "وكفى" أي في تعلمها "واحد فإن لم يفعل" هذا أولى من قول أصله فإن لم يتعلموا "عصوا ولا جمعة" لهم بل يصلون الظهر وأجاب القاضي عن سؤال ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة ويوافقه ما سيأتي فيما إذا سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها أنها تصح "فإن لم يمكن" تعلمها "ترجم" أي خطب بلغته، وإن لم يعرفها القوم "وإن" وفي نسخة فإن "لم يحسن" أن يترجم "فلا جمعة" لهم لانتفاء شرطها، وهذا من زيادته
"فرع شروط خطبة الجمعة تسعة" الأول والثاني والثالث "وقت الظهر والتقديم" لها "على الصلاة والقيام" فيها "للقادر" للاتباع المعلوم من الأخبار الصحيحة في الثلاثة; ولأنها ذكر يختص بالصلاة وليس من شرطه القعود كالقراءة والتكبير في الثلث "وتصح خطبة العاجز" عن القيام "قاعدا ثم مضطجعا" كالصلاة ويجوز الاقتداء به سواء قال لا أستطيع أم سكت; لأن الظاهر أنه إنما قعد أو اضطجع لعجزه وتعبيره بثم أولى من تعبير أصله بأو "فإن بان" أنه كان "قادرا فكمن" أي فكإمام "بان" أنه كان "جنبا" وتقدم حكمه "والأولى أن يستنيب العاجز" قادرا كما في الصلاة "و" الرابع "الجلوس بينهما" (^٢) للاتباع (^٣) رواه مسلم "بالطمأنينة" فيه كما في الجلوس بين السجدتين
"فلو خطب جالسا" لعجزه "وجب الفصل" بينهما "بسكتة لا اضطجاع" فلا يجب الفصل به بل لا يكفي. والحكمة في جعل القيام والجلوس هنا شرطين وفي الصلاة ركنين أن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزأين منهما بخلاف الصلاة فإنها جملة أعمال، وهي كما تكون أذكارا
_________________
(١) "قوله لاتباع السلف والخلف"; ولأنها ذكر مفروض فيشترط فيه ذلك كتكبيرة الإحرام.
(٢) "قوله والجلوس بينهما" هل يسكت فيه أو يقرأ أو يذكر سكتوا عنه وفي صحيح ابن حبان "أنه ﷺ كان يقرأ فيه" قاله الأذرعي
(٣) "قوله للاتباع" رواه مسلم; ولأن به يحصل التمييز بينهما.
[ ٢ / ١٣٦ ]
تكون غير أذكار
"و" الخامس والسادس "الطهارة" عن الحدث والخبث "والستر" للاتباع وكما في الصلاة "فلو أحدث" في الخطبة "استأنف" ها "ولو سبقه" الحدث وقصر الفصل; لأنها عبادة واحدة فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة فلو أحدث بين الخطبة والصلاة وتطهر عن قرب فالأوجه ما اقتضاه كلامهم أنه لا يضر كما (^١) في الجمع بين الصلاتين (^٢)، وأما السامعون للخطبة فلا تشترط طهارتهم ولا سترهم كما نقله الأذرعي عن بعضهم قال وأغرب من شرط ذلك (^٣)
"و" السابع "الموالاة" (^٤) بين أركانها وبين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة (^٥) للاتباع; ولأن لها أثرا ظاهرا في استمالة القلوب والخطبة والصلاة شبيهتان بصلاة الجمع.
"و" الثامن "رفع الصوت" بأركانها "بحيث يسمع" ها "أربعون" رجلا "كاملا" عدد من تنعقد بهم الجمعة بالاتفاق (^٦) ; لأن مقصودها وعظهم، وهو لا يحصل إلا بذلك فعلم أنه يشترط الإسماع والسماع "وإن لم يفهموا" معناها
_________________
(١) "قوله فالأوجه ما اقتضاه كلامهم أنه لا يضر" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله كما في الجمع بين الصلاتين" لا يلزم من اغتفار الطهارة بين صلاتي الجمع اغتفارها بين الخطبة والصلاة والفرق بينهما من وجوه أحدها أن صحة الصلاة الأولى في الجمع لا تتوقف على فعل الثانية وصحة الخطبة متوقفة على فعل الصلاة بعدها على الولاء فإذا لم يفعل وجب استئناف الخطبة كالجزء من الصلاة بدليل أنها بدل عن الركعتين على رأي فالحدث بينهما كالحدث في نفس الصلاة فوجب الاستئناف ولهذا قال الرافعي فيها بعد فيما لو سبقه الحدث في الخطبة وتطهر وعاد استأنف وأنه لم يشترط الموالاة; لأنها عبادة واحدة فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة
(٣) "قوله قال وأغرب من شرط ذلك" قال صاحب التعجيز في شرح الوجيز المشهور خلافه
(٤) "قوله والموالاة" حد الموالاة ما حد في جمع التقديم.
(٥) "قوله وبينهما وبين الصلاة" لو شك الخطيب بعد الفراغ من الخطبتين في ترك شيء من فرائضهما قال الروياني ليس له الشروع في الصلاة وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضا واحدا ولم يعلم عينه ويقرأ القرآن في هذه الخطبة أقول ينبغي أن يكون الشك بعد فراغهما كالشك في ترك ركن بعد فراغه من الصلاتين فيكون لا أثر لذلك على قولنا أنهما أصلان
(٦) "قوله بالاتفاق" تبع في هذا الجلال المحلي، وهو جواب الاعتراض بأن الواجب إسماع تسعة وثلاثين; لأن الأصح أن الإمام من الأربعين
[ ٢ / ١٣٧ ]
كالعامي يقرأ الفاتحة في الصلاة ولا يفهم معناها فلا يكفي الإسرار كالأذان ولا إسماع دون الأربعين "ولو كانوا صما أو بعضهم" كذلك "لم تصح" كبعدهم عنه وكشهود النكاح وقوله كغيره أربعون أي بالإمام كما يؤخذ من قول القاضي مجلي في باب صلاة الخوف فيما إذا صلوها جمعة ولا بد من سماع العدد الذي تنعقد بهم الجمعة بأن يسمع أربعون (^١) أو تسعة وثلاثون سوى الإمام; لأن به تتم الأربعون وقضية كلامهم أنه يشترط في الخطيب إذا كان من الأربعين أن يسمع نفسه حتى لو كان أصم لم يكف قال الإسنوي، وهو بعيد (^٢) بل لا معنى له (^٣) قال الزركشي. ولو كان الخطيب لا يعرف معنى أركان الخطبة فالظاهر أنه لا يجوز فيما قاله نظر بل الوجه الجواز كمن (^٤) يؤم بالقوم ولا يعرف معنى الفاتحة
"وينبغي" أي يستحب للقوم السامعين وغيرهم "أن يقبلوا عليه" بوجوههم; لأنه الأدب ولما فيه من توجههم القبلة "و" أن "ينصتوا ويستمعوا" قال تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [لأعراف: من الآية ٢٠٤] ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة وسميت قرآنا لاشتمالها عليه قال في الأصل والإنصات السكوت والاستماع شغل السمع بالسماع انتهى فبينهما عموم وخصوص من وجه
"ويكره للحاضرين الكلام" فيها لظاهر الآية السابقة وخبر مسلم "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" (^٥) "ولا يحرم"
_________________
(١) "قوله بأن يسمع أربعون" قال ابن العماد إذا كان الإمام أصم وعبارة الطراز إسماع ما يجب لأربعين من أهل الكمال فإن كان الإمام من أهل الكمال فتسعة وثلاثين إلا أن يكون أصم
(٢) "قوله قال الإسنوي، وهو بعيد" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله بل لا معنى له" فإنه يعلم ما يقوله وإن لم يسمعه ولا معنى لأمره بالإنصات لنفسه
(٤) "قوله بل الوجه الجواز" أشار إلى تصحيحه "فرع" وإذا ارتج في الخطبة لا يلقن ما دام يردد فإذا سكت يلقن "قوله وأن ينصتوا ويستمعوا" مقتضاه أن السماع المحقق لا يشترط وإلا كان الإنصات واجبا فيكتفى بالصوت وإمكان السماع.
(٥) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة حديث رقم "٨٥١"، ورواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب حديث رقم "٩٣٤".
[ ٢ / ١٣٨ ]
للأخبار الدالة على جوازه (^١) كخبر الصحيحين عن أنس "بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه ودعا" (^٢) وخبر البيهقي بسند صحيح عن أنس أن رجلا دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال متى الساعة فأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام فقال له النبي ﷺ في الثالثة: "ما أعددت لها؟ " قال حب الله ورسوله قال: "إنك مع من أحببت" (^٣) وجه الدلالة أنه لم ينكر عليه الكلام ولم يبين له وجوب السكوت والأمر في الآية للندب ومعنى لغوت تركت الأدب جمعا بين الأدلة والتصريح بالكراهة من زيادة المصنف "ولا تختص بالأربعين" بل الحاضرون كلهم فيها سواء نعم لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر وكلام المجموع يقتضي أن الاشتغال بهما أولى، وهو ظاهر
"وإن عرض مهم" ناجز "كتعليم خبر ونهي عن منكر" وإنذار إنسان عقربا أو أعمى بئرا "لم يمنع منه" أي من الكلام بل قد يجب عليه "لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة" إن أغنت "ويباح" لهم بلا كراهة "الكلام قبل الخطبة وبعدها وبينهما" أي الخطبتين "و" الكلام "للداخل" في أثنائها "ما لم يجلس" يعني ما لم يتخذ له مكانا ويستقر فيه والتقييد بالجلوس جرى على الغالب وظاهر أن محل ذلك إذا دعت الحاجة إليه
"والتاسع" من شروطها "ما سبق، وهو كونها بالعربية" وسبق بيانه
"فرع لو سلم داخل" على مستمع الخطبة "وهو" أي والخطيب "يخطب وجب الرد" عليه بناء على أن الإنصات سنة كما مر وصرح في المجموع وغيره مع ذلك بكراهة السلام ونقلها عن النص وغيره وعليه فالفرق
_________________
(١) "قوله للأخبار الدالة على جوازه"; ولأنها قربة لا يفسدها الكلام فلم يحرم فيها كالطواف.
(٢) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، حديث رقم "٩٣٣". ورواه مسلم في كتاب الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم "٨٩٧".
(٣) رواه البيهقي "٣/ ٢٢١" حديث "٥٦٢٨" والحديث رواه البخاري عن أنس بن مالك كتاب الأدب، باب علامة حب الله ﷿، حديث رقم "٦١٧١".
[ ٢ / ١٣٩ ]
بينه وبين الرد من قاضي الحاجة على من سلم عليه حيث لا يجب ولا يستحب لائح ومع ذلك فلك أن تقول إذا لم يشرع السلام فكيف يجب الرد وقد قال الجرجاني إن قلنا يكره الكلام كره الرد وقال الأذرعي ولو قيل إن علم المسلم أنه لا يشرع له السلام هنا لم يجب الرد والأوجب لم يبعد
"ويستحب تشميت العاطس" إذا حمد الله بأن يقول له رحمك الله أو يرحمك الله لعموم أدلته وسيأتي بسطه في السير وإنما لم يكره كسائر الكلام; لأن سببه قهري، وهو بالشين المعجمة والمهملة.
"وينبغي" أي يجب كما صرح به الشيخ نصر المقدسي (^١) "تخفيف الصلاة" على من كان فيها "عند قيام الخطيب" أي صعوده المنبر وجلوسه "ولا تباح" لغير الخطيب من الحاضرين "نافلة بعد صعوده" المنبر "وجلوسه" (^٢) وإن لم يسمع الخطبة لإعراضه عنه بالكلية ونقل فيه الماوردي وغيره الإجماع وعن الزهري خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام والفرق بين الكلام حيث لا بأس به وإن صعد الخطيب المنبر ما لم يبتدئ الخطبة وبين الصلاة حيث تحرم حينئذ أن قطع الكلام هين متى ابتدأ الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة فإنه قد يفوته بها سماع أول الخطبة (^٣) وإذا حرمت فالمتجه كما قال البلقيني (^٤) عدم انعقادها; لأن الوقت ليس لها وكالصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة بل أولى للإجماع على تحريمها هنا كما مر بخلافها ثم ولتفصيلهم ثم بين ذات السبب وغيرها بخلاف ما هنا بل إطلاقهم (^٥) ومنعهم من الراتبة مع قيام سببها يقتضي أنه لو تذكر هنا فرضا لا يأتي به وأنه لو أتى به لم ينعقد، وهو المتجه (^٦) وتعبير جماعة
_________________
(١) قوله كما صرح به الشيخ نصر المقدسي" صرح به في المجموع
(٢) "قوله بعد صعوده وجلوسه" أي الخطيب
(٣) "قوله فإنه قد يفوت بها سماع أول الخطبة" وبه يعلم أنه لو أمن فوات ذلك لم تحرم الصلاة ش قال شيخنا لكن ظاهر إطلاق الأصحاب يقتضي أنه لا فرق، وهو الأوجه
(٤) "قوله فالمتجه كما قال البلقيني إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله بل إطلاقهم إلخ" يؤخذ منه أنه لا يسجد للتلاوة ولا للشكر وبه أفتيت
(٦) "قوله، وهو المتجه" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ١٤٠ ]
بالنافلة (^١) جرى على الغالب وتعليل الجرجاني استحباب التحية بأنها ذات سبب فلم تمنعها الخطبة كالقضاء محمول بعد تسليم صحته على أن له أن يحرم بالقضاء قبل جلوسه كما في التحية وقول المصنف وجلوسه من زيادته وبه صرح في المجموع
"والداخل" للمسجد والخطيب على المنبر "لا في آخر الخطبة يصلي التحية" ندبا "مخففة" وجوبا لما مر في صلاة التطوع مع خبر مسلم جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس فقال: "يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين (^٢) وليتجوز فيهما" (^٣) هذا "إن صلى السنة" أي سنة الجمعة "وإلا صلاها كذلك" أي مخففة وحصلت التحية ولا يزيد على ركعتين بكل حال أما إذا دخل في آخر الخطبة فلا يصلي لئلا يفوته أول الجمعة مع الإمام قال في المجموع، وهذا محمول على تفصيل ذكره المحققون من أنه إن غلب على ظنه أنه إن صلاها فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل التحية بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يعقد لئلا يكون جالسا في المسجد قبل التحية قال ابن الرفعة ولو صلاها في هذه الحالة استحب للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يكملها وما قاله نص عليه في الأم ثم قال فإن لم يفعل الإمام ذلك كرهته له فإن صلاها وقد أقيمت الصلاة كرهت ذلك له قال الزركشي والمراد بالتخفيف فيما ذكر (^٤) الاقتصار على
_________________
(١) "قوله وتعبير جماعة بالنافلة إلخ" قال الأذرعي تخصيصهم النافلة بالذكر يقتضي أن له فعل الفائتة حينئذ ولم أره نصا، وهو متجه في الفورية دون المتراخية القضاء نعم تحري القضاء في هذا الوقت يتجه تحريمه مطلقا فتأمله ثم رأيت في شافي الجرجاني أنه إذا دخل والإمام يخطب صلى التحية وخففها لحديث سليك; ولأنها صلاة لها سبب فلم تمنع الخطبة منها كالقضاء. ا هـ. وفي إطلاقه نظر. ا هـ. وكلام الجرجاني في صلاته قبل جلوسه -
(٢) "قوله فليركع ركعتين إلخ" فلا يصليها أربع ركعات بتسليمة أو تسليمتين وعبارة التنبيه ولا يزيد على تحية المسجد بركعتين ولفظا الحديث يدل عليه أيضا
(٣) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب التحية ظوالإمام يخطب حديث رقم "٨٧٥"، ورواه البخاري كتاب الجمعة، حديث رقم "٩٣٠" بلفظ مختلف عن هذا.
(٤) "قوله والمراد بالتخفيف فيما ذكر إلخ" فيه نظر والفرق بينه وبين ما استدل به واضح
[ ٢ / ١٤١ ]
الواجبات لا الإسراع قال ويدل له ما ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات.
"فرع يستحب ترتيب" أركان "الخطبة" بأن يبدأ بالحمد ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم الوصية ثم القراءة ثم الدعاء كما جرى عليه الناس وإنما لم يجب لحصول المقصود بدونه "وتجب نية" الخطبة و"فرضيتها" كما في الصلاة بجامع أن كلا منهما فرض تشترط فيه الطهارة والستر والموالاة كذا في الأصل عن القاضي وبه جزم في الأنوار وقال في المطلب: إنه ظاهر على قول اشتراط الطهارة لكن كلام الروضة يشير (^١) إلى أن الصحيح خلافه وبه جزم في المجموع في باب الوضوء وقال في المهمات نقل عن القاضي أن ذلك تفريع على أنها بدل عن الركعتين انتهى وقال ابن عبد السلام في فتاويه ولا تشترط النية في الخطب; لأنها أذكار وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودعاء وقراءة ولا تشترط النية في شيء من ذلك; لأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله بحقيقته فلا يفتقر إلى نية تصرفه إليه. ا هـ.
"ويستحب أن تكون" الخطبة "على منبر" بكسر الميم للاتباع رواه الشيخان وأن يكون المنبر "على يمين المحراب" (^٢) والمراد به يمين مصلى الإمام قال الرافعي هكذا وضع منبره ﷺ انتهى وكان يخطب قبل ذلك على الأرض وعن يساره جذع نخلة يعتمد عليه "وإلا" أي، وإن لم يكن منبر "فعلى مرتفع"; لأنه أبلغ في الإعلام فإن تعذر استند إلى خشبة أو نحوها فقد صح "أنه ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر وكان منبره ﷺ ثلاث درج" غير
_________________
(١) "قوله لكن كلام الروضة يشير إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله على يمين المحراب" قال الرافعي والمراد من يمين المحراب الذي يكون على يمين الإمام إذا استقبل القبلة قال في الخادم قوله يمين المحراب قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب البيان وغيرهم، وهي عبارة غير مخلصة بل تقتضي عكس المراد; لأن كل من قابلته يمينك يسار له ويسارك يمين له ولهذا احتاج الرافعي إلى تأويلها بقوله والمراد إلخ، وهذا التأويل يلائم يسار المحراب لا يمينه وبذلك صرح الصيمري والدارمي فقالا يستحب أن يكون المنبر على يمين المصلي عن يسار القبلة. ا هـ.
[ ٢ / ١٤٢ ]
الدرجة التي تسمى المستراح وكان يقف على الثالثة فيندب كما يفهم مما سيأتي أنه يقف على الدرجة التي تلي المستراح نعم إن طال المنبر قال الماوردي فعلى السابعة أي; لأن مروان بن الحكم زاد في زمن معاوية على المنبر الأول ست درج فصار عدد درجه تسعة فكان الخلفاء يقفون على الدرجة السابعة، وهي الأولى من الأول قال الصيمري وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين "ويكره" منبر "كبير يضيق" على المصلين
"و" يستحب "للخطيب أن يسلم عند وصوله المنبر على من عنده" للاتباع رواه البيهقي ولمفارقته إياهم وعند دخوله المسجد على الحاضرين لإقباله عليهم "و" يستحب له "بعد وصوله الدرجة" التي "تحت المستراح" أن "يقبل على الناس" بوجهه (^١) "ويسلم" عليهم للاتباع رواه الضياء المقدسي في أحكامه ولإقباله عليهم "ثم يجلس" على المستراح ليستريح من تعب الصعود "حتى يفرغ المؤذن" بين يديه للاتباع رواه أبو داود وفي البخاري كان الأذان على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر حين يجلس الإمام على المنبر فلما كثر الناس في عهد عثمان أمرهم بأذان آخر على الزوراء واستقر الأمر على هذا وقال عطاء إنما أحدثه معاوية قال في الأم وأيهما كان فالأمر الذي كان على عهده ﷺ أحب إلي وعليه يحتمل أن تصلى سنة الجمعة المتقدمة بعد صلاة الجمعة وأن تصلى قبل الأذان بعد الزوال (^٢)
"وندب اتخاذه" أي المؤذن ونص في الأم عليه وعلى كراهة التأذين جماعة
"و" ندب أن "يخطب خطبة بليغة" لا مبتذلة ركيكة; لأنها لا تؤثر في القلوب "قريبة من الأفهام" لا غريبة وحشية إذ لا ينتفع بها أكثر الناس وقال علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (^٣)
_________________
(١) قوله أن يقبل على الناس بوجهه" ويلتفت على يمينه
(٢) "قوله وأن تصلي قبل الأذان بعد الزوال" أشار إلى تصحيحه.
(٣) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم حديث رقم "١٢٧".
[ ٢ / ١٤٣ ]
رواه البخاري "متوسطة" (^١) بين الطويلة والقصيرة لخبر مسلم "كانت صلاة النبي ﷺ قصدا وخطبته قصدا" (^٢) ولا يعارضه خبره أيضا "طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه أي علامة عليه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة" (^٣) ; لأن القصر والطول من الأمور النسبية فالمراد بإقصار الخطبة إقصارها عن الصلاة وبإطالة الصلاة إطالتها على الخطبة وبهذا اندفع ما قيل أن إقصار الخطبة يشكل بقولهم يسن أن يقرأ في الأولى ﴿ق﴾ "مقبلا على الناس" بوجهه في خطبته للاتباع رواه الضياء المقدسي; ولأنه لو استقبل القبلة فإن تقدم عليهم أو تأخر عنهم مع استقبالهم لها قبح ذلك وخرج عن عرف المخاطبات، وإن تأخر عنهم مع استدبارهم لها لزم استدبار الجم الغفير لها واستدبار واحد أهون من ذلك ويندب رفع صوته زيادة على الواجب للاتباع رواه مسلم; ولأنه أبلغ في الإعلام "ولا يلتفت" في شيء منها بل يستمر على ما مر من الإقبال عليهم إلى فراغها "ولا يعبث" بل يخشع كما في الصلاة "ولا يشير بيده" هذا زاده هنا مع أنه سيأتي بزيادة.
"فلو استقبل" هو "أو استدبروا" أي الحاضرون القبلة "أجزأ" كما في الأذان "وكره" من زيادته وبه صرح في المجموع
"ويستحب أن يكون جلوسه بينهما" أي الخطبتين "قدر سورة الإخلاص" تقريبا لاتباع السلف والخلف وخروجا من خلاف من أوجبه ويقرأ فيه شيئا من كتاب الله للاتباع رواه ابن حبان
"و" يستحب "أن يعتمد سيفا أو عصا" أو قوسا أو نحوها "بيده
_________________
(١) "قوله متوسطة إلخ" قال الأذرعي وحسن أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال وأزمان الأسباب وقد يقتضي الحال الإسهاب كالحث على الجهاد إذا طرق العدو والعياذ بالله تعالى البلاد وغير ذلك من النهي عن الخمور والفواحش والزنا والظلم إذا تتابع الناس فيها وحسن قول الماوردي ويقصد إيراد المعنى الصحيح واختيار اللفظ الفصيح ولا يطيل إطالة تمل ولا يقصر تقصيرا يخل.
(٢) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة حديث رقم "٨٦٦".
(٣) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم "٨٦٩".
[ ٢ / ١٤٤ ]
اليسرى" لخبر أبي داود بإسناد حسن "أنه ﷺ قام في خطبة الجمعة متوكئا على قوس أو عصا" (^١) وحكمته الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به "ويشغل الأخرى" أي اليمنى "بحرف المنبر فإن لم يجد" شيئا من ذلك "سكن يديه خاشعا" بأن يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما والغرض أن يخشع ولا يعبث بهما كما مر فلو أمكنه أن يشغل اليمنى بحرف المنبر ويرسل الأخرى لم يبعد
"ويكره له ولهم الشرب" لئلا يشتغل فكرهم عما هم فيه "إلا لشدة عطش" فلا يكره ذلك والتقييد بالشدة من زيادته وقضية كلام الروضة وغيرها أنه غير معتبر، وهو الأوجه "وبعد الفراغ" من الخطبة "يأخذ في النزول والمؤذن في الإقامة ويبادر ليبلغ المحراب مع فراغه" من الإقامة فيشرع في الصلاة كل ذلك مستحب مبالغة في تحقيق الموالاة وتخفيفا على الحاضرين
"ويكره" في الخطبة "ما ابتدعه الخطباء" الجهلة "من الإشارة باليد" أو غيرها "و" من "الالتفات في الخطبة الثانية و" من "دق الدرج في صعوده" المنبر بسيف أو برجله أو نحوهما "واللادعاء" إذا انتهى صعوده "قبل الجلوس للأذان" وربما توهموا أنها ساعة الإجابة، وهو جهل لما سيأتي أنها بعد جلوسه وأغرب البيضاوي فقال يقف في كل مرقاة وقفة خفيفة يسأل الله فيها المعونة والتسديد "ومبالغة الإسراع في" الخطبة "الثانية" وخفض الصوت بها "والمجازفة في وصف الخلفاء" (^٢) أي السلاطين في الدعاء لهم قال صاحب المهذب وغيره ويكره الدعاء للسلطان، وهو مأخوذ من قول الشافعي ولا يدعو في الخطبة لأحد بعينه فإن فعل ذلك كرهته قال النووي "و" المختار أنه "لا بأس بالدعاء للسلطان" (^٣) إذا لم تكن فيه مجازفة في وصفه إذ
_________________
(١) ضعيف: رواه أبو داود "١/ ٢٧٨"، كتاب الصلاة، باب من تجب عليه الجمعة حديث رقم "١٠٥٩".
(٢) قوله والمجازفة في وصف الخلفاء" قال في العباب وقد يحرم
(٣) "قوله ولا بأس بالدعاء للسلطان إلخ" قال أبو علي الفارقي تركه في زماننا يفضي إلى ضرر وفساد فيستحب لدفع الضرر لا; لأنه مندوب في نفسه، وهذا حسن قال ابن عبد السلام إن الترضي عن الصحابة ﵃ على الوجه المعهود في زماننا بدعة غير محبوبة وبحث بعضهم استحبابه حيث كان في بلد الخطبة مبتدع لا يحب الصحابة إذا لم يؤد ذلك إلى فتنة
[ ٢ / ١٤٥ ]
يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمور
"ويكره الاحتباء"، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوبه أو يديه أو غيرهما "والإمام يخطب" للنهي عنه رواه أبو داود والترمذي وحسنه وحكمته أنه يجلب النوم فيعرض طهارته للنقض ويمنعه الاستماع
"ويستحب له التيامن في المنبر الواسع وأن يختم الخطبة" الثانية "بقول أستغفر الله لي ولكم، وإن أغمي عليه" فيها "استؤنفت" وجوبا، وهذا ما اختاره في الروضة وصححه في المجموع بعد نقله كالرافعي عن صاحب التهذيب إن في بناء غيره على خطبته القولين في الاستخلاف في الصلاة وقضيته أن الصحيح جواز بناء غيره، وهو الأوجه; لأنه صحح كغيره جواز الاستخلاف فيها بالحدث ولا فرق بين كونه بالإغماء (^١) وكونه بغيره وقياسها بالصلاة أشبه منه بالأذان بجامع أمور تقدمت مع أنها تفارق الأذان بأنها للحاضرين فلا لبس والأذان للغائبين فيحصل لهم اللبس باختلاف الأصوات.
قال في الروضة وذكر صاحبا العدة والبيان أنه يستحب للخطيب إذا وصل المنبر أن يصلي تحية المسجد ثم يصعده، وهو غريب مردود فإنه خلاف ظاهر المنقول عن فعل رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين فمن بعدهم قال الإسنوي بل الموجود لأئمة المذهب الاستحباب ونقل القمولي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه كان يصليها لما ولي الخطابة بمصر قال الأذرعي والمختار أنه إذا حضر حال الخطبة لا يعرج على غيرها قال وقد سأل الإسنوي قاضي حماة عن هذه فأجاب بأنه ينبغي أن يقال إذا دخل المسجد للخطبة فإن لم يقصد المنبر لعدم تحقق الوقت أو لانتظار ما لا بد منه صلى التحية وإلا فلا يصليها ويكون اشتغاله بالخطبة والصلاة يقوم مقام التحية كما يقوم مقامها طواف
_________________
(١) "قوله ولا فرق فيه بين كونه بالإغماء إلخ" قدمت الفرق بينهما
[ ٢ / ١٤٦ ]
القدوم فيحمل كلام الفريقين على هاتين الحالتين قال، وهو جواب حسن والعجب من إهمال الإسنوي له هنا. ا هـ.
ويؤيد قول النووي قول المتولي (^١) يستحب للخطيب أن لا يحضر الجامع إلا بعد دخول الوقت ليشرع في الخطبة أول وصوله المنبر فإذا وصله صعد ولا يصلي التحية وتسقط عنه بالاشتغال بالخطبة كما تسقط بالاشتغال بطواف القدوم
"فائدة" قال القمولي من البدع المنكرة كتب كثير من الناس الأوراق التي يسمونها حفائظ في آخر جمعة من رمضان في حال الخطبة لما فيها من الاشتغال عن الاستماع والاتعاظ والذكر والدعاء، وهو من أشرف الأوقات وكتابة كلام لا يعرف معناه، وهو كعسلهون وقد يكون دالا على ما ليس بصحيح ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم (^٢)
_________________
(١) "قوله ويؤيد قول النووي قول المتولي إلخ" النووي إنما أنكر استحباب فعل الإمام التحية عند المنبر ولم ينكر استحبابها للإمام عند دخوله المسجد فلا يعترض عليه بأن ما قاله غريب ضعيف نقلا وبحثا أما بحثا; فلأن داخل المسجد تستحب له التحية وقياسا على غيره أيضا، وأما نقلا; فلأن الموجود لأئمة المذهب هو استحبابه وقد صرح به الشيخ أبو حامد والبندنيجي والروياني وسليم الرازي والجرجاني وصاحب الاستقصاء والبيان والعدة; لأن محل هذه النقول إذا حضر قبل الزوال وعبارة البحر يستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم ثم يصلي تحية المسجد ثم إذا زالت الشمس صعد المنبر وقال البارزي ينبغي أن يقال أنه إذا دخل الخطيب المسجد للخطبة فإن لم يصعد المنبر لعدم تحقق الوقت أو لانتظاره ما لا بد منه صلى التحية وإن صعد المنبر وقت وصوله إليه لزوال المانع لا يصلي التحية ويكون اشتغاله بالخطبتين والصلاة يقوم مقام التحية كما يقوم طواف القدوم مقام التحية فيحمل كلام الفريقين على هذين الحالين، وهو الذي تشهد له السنة من فعل رسول الله ﷺ قال في التوسط، وهو جواز حسن
(٢) "قوله ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم" قال الناشري ووجد بخط الفقيه الإمام المحدث إبراهيم العلوي وقفت على ما مثاله على نسخة تنسب إلى الفقيه محمد الصفي ما هو ذا أو قريب منه يكتب في آخر جمعة من رمضان بعد صلاة العصر على ما ورد في الأثر لا آلاء إلا آلاؤك يا الله إنه سميع عليم محيط به علمك كعسلهون وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ما كان في بيت فاحترق وولا في مركب فغرق وسألت عن ذلك شيخي الإمام شهاب الدين أحمد بن أبي الخير فقال لا بأس بذلك وإن كان في الحديث شيء فذلك من باب الترغيب أقول هذا الأثر صريح في أن الكتب بعد صلاة العصر
[ ٢ / ١٤٧ ]