الأذان والأذين والتأذين بالمعجمة لغة الإعلام قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] وشرعا قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وقوله ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] وخبر الصحيحين "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم" (^٤) وفي أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال لما أمر النبي ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة قال أولا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى فقال تقول الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال وتقول إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر إلى آخر الإقامة فلما أصبحت أتيت النبي ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: "إنها رؤيا حق إن شاء الله قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك" (^٥) فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: يؤذن في السفر مؤذن واحد، حديث ٦٢٨. ورواه مسلم، كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة؟، حديث ٦٧٤.
(٢) حسن صحيح: رواه أبو داود ١/ ١٣٥ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، حديث ٤٩٩ والترمذي ١/ ٣٨٥ حديث ١٨٩، وابن ماجه ١/ ٢٣٢ حديث ٧٠٦، والدارمي =
[ ١ / ٣٥٧ ]
فيؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال ﷺ: "فلله الحمد" (^١).
"هو" أي الأذان "والإقامة سنتان" على الكفاية (^٢) للخبرين السابقين قالوا وإنما لم يجبا لأنهما إعلام بالصلاة (^٣) ودعاء إليها كقوله الصلاة جامعة وضعفه في المجموع (^٤) بأنه ليس في ذاك شعار ظاهر بخلاف الأذان وفي المهمات بأن ذاك دعاء إلى مستحب وهذا دعاء إلى واجب وإنما يسنان "في المكتوبات" (^٥) الخمس "فقط" أي لا في غيرها كالسنن وصلاة الجنازة والمنذورة لعدم ثبوته فيه بل يكرهان فيه كما صرح به صاحب الأنوار وغيره (^٦)، "فليظهر الأذان" أي يسن إظهاره "في البلد" مثلا "بحيث يسمعه كل مصغ إليه" من أهل البلد ففي بلدة صغيرة يكفي في محل وفي كبيرة لا بد منه في محال لينتشر في جميع أهلها فلو أذن واحد في جانب فقط حصلت السنة فيه دون غيره "فلو تركوه" ولو في الجمعة "لم يقاتلوا" (^٧) كسائر السنن.
_________________
(١) = ١/ ٢٨٦ حديث ١١٨٧.
(٢) حسن صحيح: رواه أبو داود ١/ ١٣٥ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان حديث ٤٩٩، اترمذي ١/ ٣٨٥ حديث ١٨٩، وابن ماجه ١/ ٢٣٢ حديث ٧٠٦.
(٣) "قوله: سنتان على الكفاية" شمل أذان الجمعة.
(٤) "قوله: لأنهما إعلام بالصلاة إلخ" ولأنه ﷺ تركه في ثانية الجمع ولو كان واجبا لما تركه للجمع الذي ليس بواجب ولذكره ﷺ في خبر المسيء صلاته كما ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة ش.
(٥) "قوله: وضعفه في المجموع إلخ" قال في شرح المهذب أي تفريعا على أنه فرض كفاية والصواب وهو ظاهر كلام الجمهور إيجابه لكل صلاة ح.
(٦) "قوله: وإنما يسنان في المكتوبات فقط" يؤذن في أذن المولود اليمنى ويقيم في اليسرى ويشرع الأذان أيضا إذا تغولت الغيلان أي تمردت الجان لحديث صحيح ورد فيه كما قاله النووي في الأذكار قال شيخنا قد يقال لا ترد الثانية لأن كلامه في الأذان مع الإقامة وهذا أذان بلا إقامة.
(٧) "قوله: كما صرح به صاحب الأنوار وغيره" في التتمة ونص عليها الشافعي بالنسبة للعيد ز.
(٨) "قوله: فلو تركوه لم يقاتلوا" وإن تركوه رغبة عن السنة.
[ ١ / ٣٥٨ ]
"ويسن" الأذان "للمنفرد" بالصلاة "ولو سمعه" من غيره ويكفي في أذانه إسماع نفسه بخلاف أذان الإعلام كما سيأتي والترجيح في قوله ولو سمعه من زيادته وصرح به في التحقيق وغيره (^١) "ويعلن" أي يرفع به صوته ندبا روى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري قال له "إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" سمعته من رسول الله ﷺ (^٢) "لا" إن صلى "في مسجد أذن" (^٣) وصلى "فيه" وإن لم تقم الصلاة جماعة بأن أقيمت فرادى "أو" في مسجد أذن و"أقيمت" فيه "جماعة" فلا يرفع صوته فيهما (^٤) والأولى من زيادته ولو قال فيها وفي الثانية ما قدرته كان أولى واعتبر الأصل مع إقامة الجماعة انصرافهم حيث قال ما حاصله لا إن صلى في مسجد أقيمت فيه جماعة وانصرفوا فلا يرفع صوته لئلا يوهم السامعين (^٥) دخول وقت صلاة أخرى لا سيما في يوم الغيم وذكر أيضا ما يفهمه كلام المصنف بالأولى أنه لو أقيمت جماعة ثانية في المسجد سن لهم الأذان بلا رفع صوت وإنما سن الأذان
_________________
(١) "قوله: وصرح به في التحقيق وغيره" ونقله في المجموع عن نص الأم ش وهو مقتضى كلام الشرح الصغير لكن صحح في شرح مسلم أنه لا يؤذن والعمل على الأول ح.
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، حديث ٦٠٩.
(٣) "قوله: لا في مسجد أذن فيه إلخ" عبارة الشامل الصغير حيث لم يؤذن أولا وقال في التحقيق فإن أذن بمسجد صلينا فيه جماعة لم يرفع صوته وإلا رفع وقال في الكفاية نعم لو حضر وقد صلت الجماعة استحب له أن يؤذن بخفض الصوت سواء رجا جماعة أم لا ويكره رفعه لأنه يوهم الجيران وقوع صلاتهم قبل الوقت وهذا نصه في الأم وهو الأصح مطلقا وقال القمولي وهل يرفع صوته ينظر فإن كان في مسجد قد صليت فيه جماعة لم يرفعه سواء رجا حضور جماعة أم لا وقال الأصفوني والأصح أنه يرفع صوته إلا بمسجد وقعت فيه جماعة وقال الحجازي ويرفع صوته إلا بمسجد وقعت فيه جماعة وقال في المنهاج كالمحرر ويرفع صوته إلا بمسجد وقعت فيه جماعة.
(٤) "قوله: فلا يرفع صوته فيهما" أي الأولى أن لا يرفع.
(٥) "قوله: لئلا يوهم السامعين إلخ" أو يوهم الجيران وقوع صلاتهم قبل الوقت.
[ ١ / ٣٥٩ ]
ثانيا لأن الأول قد انتهى حكمه بصلاة الجماعة الأولى والتقييد بانصرافهم يقتضي سن الرفع قبله لعدم خفاء الحال عليهم قال في المهمات وفيه نظر لأنه يوهم غيرهم من أهل البلد وكان المصنف حذف التقييد المذكور لهذا لنظر قال الإسنوي وإنما قيدوا بوقوع جماعة (^١) لأنه لا يسن له الأذان قبله لأنه مدعو بالأول ولم ينته حكمه وذكر المسجد جرى على الغالب فمثله الرباط ونحوه من أمكنة الجماعة.
"وتقيم المرأة" لها وللنساء ندبا "ولا تؤذن" أي لا يندب أذانها لها ولا لهن لأنه يخاف من رفعها الصوت به الفتنة "فإن أذنت" لها أو لهن "سرا لم يكره" وكان ذكر الله تعالى "أو جهرا" بأن رفعت صوتها فوق ما تسمع صواحبها وثم أجنبي "حرم" (^٢) كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال لأنه يفتتن بصوتها (^٣) كما يفتتن بوجهها أو استشكل بجواز غنائها عند استماع لرجل له وأجيب بأن الغناء يكره للرجل استماعه (^٤) وإن أمن الفتنة والأذان يستحب له استماعه فلو جوزنا للمرأة لأدى إلى أن يؤمر الرجل باستماع ما يخشى منه الفتنة وهو ممتنع أما أذانها للرجال أو للخناثى فسيأتي أنه لا يصح والخنثى كالمرأة قاله في المجموع.
"وينادى لجماعة" صلاة "العيدين والكسوفين والاستسقاء والتراويح"
_________________
(١) "قوله: قال الإسنوي وإنما قيدوا بوقوع جماعة إلخ" هذا رأي مرجوح.
(٢) "قوله: وثم أجنبي حرم" لا فرق بين أن يكون هناك أجنبي وأن لا يكون.
(٣) "قوله: لأنه يفتتن بصوتها إلخ" ولما فيه من التشبه بالرجال بخلاف الغناء فإنه من شعائر النساء وفارق الرفع هنا الرفع في التلبية بأن الإصغاء إليه غير مطلوب ز.
(٤) "قوله: وأجيب بأن الغناء يكره للرجل استماعه إلخ" وبأن الغناء ليس بعبادة والأذان عبادة والمرأة ليست من أهلها وإذا لم تكن من أهلها حرم عليها تعاطيها كما يحرم عليها تعاطي العبادة الفاسدة وبأنه يستحب النظر إلى المؤذن حالة الأذان فلو استحببناه للمرأة لأمر السامع بالنظر إليها وهذا مخالف لمقصود الشارع ولأن الغناء منها إنما يباح للأجانب الذين يؤمن افتنانهم بصوتها والأذان مشروع لغير معين فلا يحكم بالأمن من الافتتان فمنعت منه وبأن صوت المرأة يناسب الغناء دون العبادات كما أن الدف يناسب الغناء دون ذكر الله ورسوله.
[ ١ / ٣٦٠ ]
والوتر حيث يسن جماعة فيما يظهر "الصلاة جامعة" (^١) لوروده في الصحيحين في كسوف الشمس وقيس به الباقي والجزءان منصوبان الأول بالإغراء والثاني بالحالية أي احضروا الصلاة أو الزموها حالة كونها جامعة ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ورفع أحدهما على أنه مبتدأ حذف خبره أو عكسه ونصب الآخر على الإغراء في الجزء الأول وعلى الحالية في الثاني وكالصلاة جامعة الصلاة كما نص عليه في الأم "لا لجنازة" ومنذورة ونافلة لا تسن جماعة كالضحى أو صليت فرادى فلا يسن لها ذلك أما غير الجنازة فظاهر وأما الجنازة فلأن المشيعين لها حاضرون فلا حاجة للإعلام "وإن والى بين فوائت أذن للأولى" فقط "وأقام للكل" أي لكل منها كما جاء الخبر بذلك من رواية ابن مسعود يوم الخندق وكان قبل نزول صلاة الخوف وهو وإن كان منقطعا معتضد بخبر في مسلم يدل على أنه يؤذن للفائتة فإن لم يوال بينها أذن وأقام لكل.
"ولو أتبعها" أي الفائتة "بحاضرة بلا فصل" طويل "لم يعده" أي الأذان للحاضرة "إلا إن دخل وقتها" (^٢) فيعيده للإعلام بوقتها "ويؤذن للأولى فقط" أي دون الثانية "في جمع تقديم أو" جمع "تأخير" والى فيه لأنه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين (^٣) رواه الشيخان من رواية جابر ورويا من رواية ابن عمر "أنه صلاهما بإقامتين" وأجابوا عنه بأنه إنما حفظ الإقامة وقد حفظ جابر الأذان فوجب تقديمه لأن معه زيادة علم وبأن جابرا استوفى أمور حجة النبي ﷺ وأتقنها فهو أولى بالاعتماد.
_________________
(١) "قوله: الصلاة جامعة" ينوب عنه الصلاة والصلاة وهلموا إلى الصلاة والصلاة رحمكم الله أو حي على الصلاة قال شيخنا فسقط القول بكراهة ذلك تبعا للدارمي.
(٢) "قوله: لم يعده إلا أن دخل وقتها" لا سبيل إلى توالي أذانين إلا في هذه وفيما لو أخر المؤداة إلى آخر الوقت فأذن لها وصلاها ثم دخلت فريضة أخرى.
(٣) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، وفيه "فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا" حديث ١٢١٨ - والحديث رواه البخاري في مواضع كثيرة مختصرا، ١٥١٦، ١٥٦٨، ١٦٥١، ١٧٨٥.
[ ١ / ٣٦١ ]