الحكم"الثاني أنه لا يستبيح بالتيمم" للفريضة"إلا فريضة واحدة مكتوبة أو طوافا أو منذورة" فلا يستبيح به أكثر منها لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إلى قوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة خرج الوضوء بالسنة فبقي التيمم على مقتضاه ولما روى البيهقي بإسناد
[ ١ / ٢٥٩ ]
صحيح (^١) عن ابن عمر قال (^٢) يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث (^٣) ولأنه طهارة ضرورة فتتقدر بقدرها وخرج بتقييده الفريضة بما ذكر تمكين الحائض من الوطء مرارا وجمعه مع فرض آخر بتيمم واحد فإنهما جائزان، وأما خطبة الجمعة فسيأتي حكمها في كلامه.
"ويتنفل" مع الفريضة وبدونها بتيمم"ما شاء" لأن النوافل تكثر فتشتد المشقة بإعادة التيمم لها فخفف أمرها كما خفف بترك القيام فيها مع القدرة وبترك القبلة في السفر ولأنها وإن تعددت في حكم صلاة واحدة لأن له إذا أحرم بركعة أن يجعلها مائة وبالعكس ولو نذر إتمام كل صلاة دخل فيها فله جمعها مع فرض لأن ابتداءها نفل ذكره الروياني وهي داخلة في كلام المصنف لأنها في الحقيقة نفل والفرض إنما هو إتمامها كما في حج النفل.
"والصبي كالبالغ" في أنه لا يؤدي بتيمم إلا فريضة واحدة لأن ما يؤديه كالفرض في النية وغيرها نعم لو تيمم للفرض ثم بلغ لم يصل به الفرض لأن صلاته نفل كما مر بيانه في صفة الوضوء.
"ويجمع" المتيمم"الطواف" الواجب"وركعتيه بتيمم" بناء على أنهما سنة وهو الأصح وهذا معلوم مما مر"لا الجمعة والخطبة" أي خطبتها إن تيمم للخطبة (^٤) فقط لأنها فرض كفاية كصلاة الجنازة فلا يؤدي بالتيمم لها
_________________
(١) "قوله: ولما روى البيهقي بإسناد صحيح. إلخ" ولما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة ثم يحدث للثانية تيمما والسنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ومفهوم قوله ﷺ: "أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" يدل عليه.
(٢) "قوله: عن ابن عمر ﵁. إلخ" قال في الكفاية ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
(٣) رواه البيهقي في سننه الكبرى ١/ ٢٢١ حديث ٩٩٤.
(٤) "قوله: إن تيمم للخطبة فقط. إلخ" لا يجمع بين الجمعة وخطبتها بتيمم واحد وإن تيمم للجمعة وفارقت الخطبة غيرها من فروض الكفاية بتأكد أمرها ولهذا قيل: إنها بدل عن ركعتين وبانحصارها وامتيازها بوقت وجمع مخصوصين فألحقت بفروض الأعيان وعلى هذا فلو تيمم لها ففعلها غيره جاز له أن يصلي به الجمعة وإنما جمع بين خطبتي الجمعة بتيمم لأنهما في حكم شيء واحد.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فرض عين"ثم" نقول"الجنازة كالنافلة" في أنه يجوز أن يأتي منها بما شاء (^١) وأن يجمعها مع مكتوبه بتيمم"وإن تعينت" عليه بأن لم يحضر غيره لأنها كالنفل في جواز الترك في الجملة وإنما تعين القيام فيها مع القدرة لأن القيام قوامها لعدم الركوع والسجود فيها فتركه بحق صورتها.
"فرع" لو"نسي صلاة" (^٢) من صلوات متفقة كظهر من أسبوع لزمه ظهر واحد بتيمم ولا أثر للتردد في يومه أو"من الخمس لزمه الخمس" (^٣) ليبرأ بيقين"وكفاه" لهن"تيمم واحد" لأن الفرض واحد وما عداه وسيلة"ولو نسي منها أكثر من واحدة تيمم بعدد ما نسي" (^٤) لأنه الفرض وما عداه وسيلة"فإن اتفقت" منسياته كصبحين أو ظهرين"أو شك في اختلافها صلى بكل" من تيمماته"الخمس" ليبرأ بيقين"وإن اختلفت" كصبح وظهر"صلى الخمس بخمسة" من التيممات وهي طريقة ابن القاص"وإن شاء" تيمم بعدد المنسي كما مر و"صلى" بكل تيمم"بعدد غير المنسي وزيادة صلاة لكنه يترك المبدوء بها في كل مرة" وهي طريقة ابن الحداد المشهورة المستحسنة
_________________
(١) "قوله: في أنه يجوز أن يأتي منها بما شاء إلخ" وفي أنه يستبيحها بتيممه للنافلة خلافا لبعض المتأخرين.
(٢) "قوله: فرع لو نسي صلاة. إلخ" نذر شيئا إن رده الله تعالى سالما ثم شك أنذر صدقة أم عتقا أم صلاة أم صوما. قال البغوي: في فتاويه يحتمل أن يقال عليه الإتيان بجميعها كمن نسي صلاة من الخمس ويحتمل أن يقال يجتهد بخلاف الصلاة لأنا تيقنا هناك وجوب الكل عليه فلا تسقط إلا بيقين وهاهنا تيقنا أن الكل لم يجب عليه إنما وجبت واحدة واشتبه فيجتهد كالقبلة والأواني انتهى. والراجح الثاني.
(٣) "قوله: لزمه الخمس" نظير هذه المسألة من الصوم أن ينسى صوم يوم من ثلاثة قضاء رمضان ونذر وكفارة فيلزمه أن يصوم ثلاثة أيام بثلاث نيات.
(٤) "قوله: تيمم بعدد ما نسي" لو جهل عددهن وقال: لا ينقصن عن عشر ولا يزدن على عشرين لزمه عشرون ولو نسي ثلاث صلوات من يومين ولا يدري أكلها مختلفة أو ثنتان من جنس واحد فيجب عشر أيضا قاله القفال في فتاويه قال: وإن نسي أربعا من يومين ولا يدري أنها مختلفة أو من جنس واحد أو خمسا أو ستا لزمه صلاة يومين وكذا في السبع والثمان من يومين وأما الثلاثة من ثلاثة أيام لا يدري أنها مختلفة أو متفقة فإنه يقضي ثلاثة أيام وكذا أربع أو خمس من ثلاثة أيام.
[ ١ / ٢٦١ ]
عند الأصحاب.
"فلو نسي صلاتين" مختلفتين تيمم مرتين و"صلى بالأول" أربعا"الظهر والعصر والمغرب والعشاء" مثلا"و" بالتيمم"الثاني" أربعا"يبدأ" فيها"من العصر ويختم بالصبح" فيبرأ بيقين لأن المنسيتين إما الظهر والصبح أو إحداهما مع إحدى الثلاث الأخر أو هما من الثلاث وعلى كل تقدير صلى كلا منهما بتيمم وفي ثلاث صلوات يتيمم ثلاث تيممات ويصلي بكل منها ثلاثا لأنها عدد غير المنسي وزيادة صلاة وكلامه يقتضي أنه يتعين في الثاني البداءة بالعصر والختم بالصبح وليس مرادا بل الشرط ترك الأولى فلو قال: وبالثاني أربع ليس منها الأولى لسلم من ذلك وكان أخصر وأوضح أما إذا كان منها الأولى كأن صلى الظهر والعصر والمغرب والصبح فلا يبرأ بيقين لجواز كون المنسيتين العشاء وواحدة غير الصبح فبالتيمم الأول تصح تلك الواحدة دون العشاء وبالثاني لم يصل العشاء،
ولضبط ما يصليه ثلاث عبارات:
الأولى: ما ذكره المصنف كالحاوي الصغير وليست في الأصل.
الثانية: ما في الشرح الصغير أن تضرب المنسي في المنسي فيه وتزيد على الحاصل قدر المنسي ثم تضرب المنسي في نفسه وتسقط الحاصل من الجملة فالباقي عدد الصلوات ففي المثال تضرب اثنين في خمسة يحصل عشرة تزيد عليه اثنين ثم تضربهما فيهما وتسقط الحاصل وهو أربعة من الجملة تبقى ثمانية.
الثالثة: ما في الأصل أن تزيد في عدد المنسي فيه ما لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي وينقسم المجموع صحيحا عليه ففي المثال المنسي اثنان يزاد على المنسي فيه ثلاثة وهي أول عدد يوجد فيه الشرط المذكور والمجموع وهو ثمانية ينقسم على الاثنين صحيحا وعلى العبارات كلها يشترط أن يترك في كل مرة ما بدأ به في المرة قبلها كما عرف.
"فائدة" لو تذكر المنسية بعد ذلك لم تجب إعادتها كما صرح به الروياني
[ ١ / ٢٦٢ ]
ورجحه في المجموع من احتمالين ثانيهما تخريجه على ما لو ظن حدثا فتوضأ له ثم تيقنه ومقتضاه وجوب الإعادة وجزم به ابن الصلاح"فعلى هذا" وهو أنه يتيمم بعدد المنسي.
"لو شك هل ترك طواف الزيارة" مثلا"أو صلاة من الخمس صلى الخمس وطاف بتيمم واحد" لما مر"ولو صلى بتيمم فرضا وأعاده به استحبابا" كأن صلاه به منفردا وأعاده به مع جماعة"لا وجوبا" (^١) بأن صلاه به على وجه تجب معه إعادته كمربوط على خشبة وأراد إعادته به"جاز" لأنه جمع بين فرض ونافلة وهو جائز بخلاف ما إذا وجبت الإعادة بناء على أن الفرض الثانية أو كلاهما وهذا تبع فيه الرافعي وقال في الروضة: ينبغي إذا قلنا الثانية فرض أي وهو الأصح أن يجوز لأنه جمع بين فرض ونافلة واختاره في المجموع وصححه في التحقيق فقال: وإن صلى فريضة بتيمم ثم أعادها جماعة به أو صلاها على وجه تجب إعادتها فأعادها به جاز على المذهب وإنما جاز جمعهما بالتيمم للأولى مع وقوعها نفلا لأنها وإن وقعت نفلا فالإتيان بها فرض فإن قلت فكيف جمعهما بتيمم مع أن كلا منهما فرض قلت هذا كالمنسية من خمس يجوز جمعها بتيمم وإن كانت فروضا لأن الفرض بالذات واحدة.
"فصل" في بيان وقت التيمم (^٢) "والتيمم للصلاة" ولو نافلة"قبل وقتها باطل" (^٣) لما مر أول الباب (^٤)، "وفيه" أي التيمم في الوقت"قبل
_________________
(١) "قوله: لا وجوبا" في بعض النسخ أو وجوبا.
(٢) "فصل في بيان وقت التيمم".
(٣) "قوله: والتيمم للصلاة قبل وقتها باطل" لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت وهذا بخلاف الوضوء ومسح الخف وإزالة النجاسة لأن الوضوء قربة مقصودة في نفسها ترفع الحدث ومسح الخف رخصة للتخفيف لجوازه مع القدرة على غسل الرجل فلا يضيق باشتراط الوقت، وإزالة النجاسة طهارة رفاهية فالتحقت بالوضوء بخلاف التيمم فإنه ضرورة فاختص بحالها كأكل الميتة ولأنه لإباحة الصلاة ولم تبح قبل الوقت فإن قلت التيمم بدل وما صلح للمبدل صلح للبدل قلنا منتقض بالليل وبيوم العيد فإن الأول يصلح لعتق الكفارة والثاني لنحو هدي التمتع دون بدلهما وهو الصوم.
(٤) "قوله: لما مر أول الباب" لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية والقيام إليها إنما هو بعد =
[ ١ / ٢٦٣ ]
الاجتهاد في القبلة خلاف" حكاه في الروضة عن الروياني وشبهه بما لو تيمم وعليه نجاسة وظاهره ترجيح عدم الصحة كما قدمته في الباب السابق لكن قد يقال قياس ما جزموا به من الصحة في نظير ذلك من طهر المستحاضة الصحة هنا ويجاب بأن طهر المستحاضة أقوى من طهر المتيمم لأن الماء يرفع الحدث في حد ذاته بخلاف التراب هذا والأوجه الصحة (^١) كصحته قبل الستر ويفارق إزالة النجاسة بأنه أخف منها ولهذا تصح صلاة من صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد بلا إعادة بخلاف إزالة النجاسة والتشبيه المذكور لا يستلزم اتحاد المشبه والمشبه به في الترجيح.
"وتيمم لجمع العصر" أي للعصر ليجمعها مع الظهر"تقديما عقيب الظهر في وقتها" بحكم التبعية"فإن دخل وقت العصر قبل أن يصليها بطل التيمم" لوقوعه قبل وقتها وزوال التبعية بانحلال رابطة الجمع بخلاف ما لو تيمم لفائتة قبل وقت الحاضرة فإنها تباح به وفرق النووي بأنه ثم استباح ما نوى فاستباح غيره بدلا وهنا لم يستبح ما نوى بالصفة التي نوى فلم يستبح غيره وابن الرفعة بأنه في الفائتة تيمم لها بعد دخول وقتها الحقيقي ولا كذلك هنا"ولا جمع" لما مر وقضية كلامه كأصله أنه لو لم يدخل وقت العصر لكن بطل الجمع لطول الفصل لم يبطل تيممه حتى يصلي به فريضة غيرها ونافلة وقضية التعليل تأباه (^٢) هذا ولكن التعبير ببطلان التيمم لم يذكره الرافعي بل كلامه يقتضي بقاءه وإن خرج الوقت حتى لو صلى به ما ذكر صح قال الزركشي وهو الصواب قلت وفيه نظر لأن التيمم إنما صح تبعا على خلاف
_________________
(١) = دخول وقتها فخرج الوضوء بالدليل وبقي التيمم على ظاهرها وقوله: ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" ولأنه قبل الوقت مستغنى عنه فلم يصح كحال وجود الماء.
(٢) "قوله: والأوجه الصحة" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: وقضية التعليل تأباه" قال المصنف في شرح إرشاده اقتصروا على بطلان التيمم بدخول الوقت والذي يقتضيه القياس أن التأخير المبطل للتبعية المانع من الجمع يبطل التيمم أيضا لأنه تيمم لها قبل وقتها.
[ ١ / ٢٦٤ ]
القياس ولأن ذلك يستلزم أنه يستبيح بالتيمم غير ما نواه دون ما نواه.
"ويدخل وقت فائتة بتذكرها" لخبر الصحيحين "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (^١) ولو تذكر فائتة" فتيمم لها"ثم صلى به حاضرة" أو عكسه"أجزأه" لأن التيمم قد صح لما قصده فصح أن يؤدي به غيره كما لو تيمم لإحدى فائتتين جاز له أن يصلي الأخرى دون التي تيمم لها ولو تيمم لمؤداة في أول وقتها وصلاها به في آخره أو بعده جاز.
"وأوقات الرواتب" وسائر المؤقتات كصلاة العيد والكسوف"معروفة" في محالها ومن المؤقتات صلاة الاستسقاء والجنازة وقد بين وقتهما بقوله"ووقت" صلاة"الاستسقاء عند الاجتماع" لها"بالصحراء" أو نحوها إذا أرادوا أن يصلوها جماعة إذ لو أرادوا أن يصلوها فرادى صح التيمم وإن لم يجتمعوا"و" وقت صلاة"الجنازة بعد الغسل" (^٢) أو التيمم للميت وإن لم يكفن وهذا شخص لا يصح تيممه حتى ييمم غيره"ولا يصح" التيمم"في وقت الكراهة لغير المؤقتة وذات السبب" غير المتأخر قال الزركشي: وينبغي أن يكون (^٣) هذا فيما إذا تيمم في وقتها ليصلي في وقتها فلو تيمم فيه ليصلي مطلقا أو في غيره فلا ينبغي منعه وينبغي أيضا أنه إذا تيمم في غير وقتها ليصلي فيه لا يصح، ولو اقتصر المصنف على غير المؤقتة كالأصل كفى وإن كانوا قد يقولون الصلاة إما ذات وقت أو ذات سبب أو مطلقة.
"ولا يبطل" التيمم لنافلة وإن لم يكن لها سبب"بدخول وقت الكراهة" قطعا"ولو طلب" الماء"أو أخذ التراب قبل الوقت أو شاكا فيه لم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصليها إذا ذكر …، حديث ٥٩٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، حديث ٦٨٤.
(٢) "قوله: والجنازة بعد الغسل" هل المراد الغسلة الواجبة وإن أريد غسله ثلاثا أو تمام الثلاث الظاهر الثاني، وعبارة مختصر الحجازي وقت الجنازة تمام الغسل الواجب.
(٣) "قوله: قال الزركشي وينبغي أن يكون إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
يجزه" وإن صادفه في الشك لانتفاء معرفته حال الفعل (^١) وهذا بخلاف الوضوء ومسح الخف وإزالة النجاسة لأن الوضوء قربة مقصودة في نفسها برفع الحدث، ومسح الخف رخصة للتخفيف للجواز مع القدرة على غسل الرجل فلا يضيق باشتراط الوقت (^٢) وإزالة النجاسة طهارة رفاهية فالتحقت بالوضوء بخلاف التيمم فإنه ضرورة فاختص بحالها كأكل الميتة ولأنه لإباحة الصلاة ولم تبح قبل الوقت.
الحكم"الثالث: القضاء ولا قضاء" على المصلي"مع العذر العام" وإن لم يدم للحرج ولهذا يسقط بالحيض وذلك"كالتيمم" أي كالصلاة بالتيمم"لعدم الماء في الكروان كان قصيرا" أو وجد الماء في الوقت لعموم فقده في السفر ولما رواه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين أن رجلين تيمما في سفر وصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما بالوضوء دون الآخر ثم ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" وللآخر: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" (^٣) "لا" في"سفر معصية" كعبد آبق (^٤) وامرأة ناشزة فإنه يجب به القضاء لأن عدم القضاء رخصة فلا يناط بسفر المعصية بخلاف ما لو عصى في سفر لم يعص به كأن زنا أو سرق فيه لا قضاء عليه لأن المرخص غير ما به المعصية وشمل كلامه التيمم لفقد الماء والمتيمم لمرض أو عطش أو نحوه والحكم صحيح بل لا يصح تيمم الثاني لأنه قادر على التوبة وواجد
_________________
(١) "قوله: لانتفاء معرفته حال الفعل" خرج به ما إذا عرفه، ولو بالاجتهاد.
(٢) "قوله: فلا يضيق باشتراط الوقت" فإن قلت التيمم بدل وما صلح للمبدل صلح للبدل قلت ينتقض بالليل وبيوم العيد فإن الأول يصلح لعتق الكفارة والثاني لنحو هدي التمتع دون بدلهما وهو الصوم ش.
(٣) صحيح: رواه أبو داود ١/ ٩٣ كتاب الطهارة، باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت، حديث ٣٣٨، والنسائي ١/ ٢١٣ حديث ٤٣٣. ورواه الدارمي في سننه ١/ ٢٠٧ حديث ٧٤٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٦ حديث ٦٣٢. وصححه الشيخ الألباني. ورواه البيهقي في الكبرى ١/ ٢٣١ حديث ١٠٣١.
(٤) "قوله: لا في سفر معصية كعبد آبق. إلخ" وكذا حكم العاصي بإقامته في موضع يندر فيه وجود الماء غ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
للماء حينئذ ذكره في المجموع في باب مسح الخف ونقل أنه لا خلاف فيه.
"وكصلاة المريض بالتيمم أو قاعدا" أو مضطجعا أو مستلقيا"أو" صلاة"الخائف بالإيماء" والمراد صلاة شدة الخوف"وأما" العذر"النادر فمنه ما يدوم" غالبا"كالاستحاضة وسلس البول والجرح السائل و" استمرار"الريح" أو غيره من سائر ما يوجب الحدث"فكالعام" فلا يجب به القضاء للحرج"وإن زال سريعا" إذ العبرة بالجنس سواء أكان مع ذلك بدل أم لا"ومنه ما لا يدوم" غالبا"ولا بدل معه فهذا قد يجب معه القضاء وإن دام" لندرته مع فوات البدل وعدم غلبة الدوام"كمن لم يجد ماء ولا ترابا" (^١) وصلى (^٢) "فتبطل" صلاته"برؤية أحدهما" فيها لكن محله في التراب إذا رآه بمحل يغني التيمم فيه عن القضاء كما صرح به في المجموع كذا نقله الزركشي عنه (^٣) ولم أره فيه وفيه نظر وكلام المصنف كأصله يفهم أن صلاته بلا رؤية أحدهما صحيحة وإن وجب قضاؤها وهو الأصح في المجموع وغيره فتبطل بما تبطل به (^٤) ما لا يجب قضاؤها ومحل شروع قضائها إذا قدر على الماء أو على التراب بمحل يغني التيمم فيه عن القضاء وإلا فلا يشرع لأنه لا فائدة
_________________
(١) "قوله: كمن لم يجد ماء ولا ترابا وصلى" الذي يتجه أنه يحرم عليه الصلاة في الوقت ما دام يرجو أحد الطهورين حتى يضيق الوقت، قاله الأذرعي وقد يقال يجيء فيه الخلاف فيما إذا اجتهد أول الوقت في الماء ولم يظهر له شيء هل يجوز أن يتيمم أو يجب تكرير الاجتهاد حتى يضيق الوقت وحينئذ فالراجح هنا أنه يصلي في الحال قياسا على الراجح في المسألة المذكورة وقد يفرق بأن هناك بدلا بخلافه هنا والفرق هو الظاهر لما سيأتي أن من تحير في معرفة القبلة لا يصلي على حسب حاله إلا إذا خاف فوت الوقت لكن قد يشكل على هذا قول القفال لفاقد الطهورين أن يصلي على الجنازة ويعيد غ ما قاله الأذرعي هو المعتمد وبه أفتيت.
(٢) "قوله: وصلى" أي وجوبا لحرمة الوقت.
(٣) "قوله: كذا نقله الزركشي عنه .. . إلخ" لعله انتقل نظره من مسألة القضاء إلى هذه المسألة وإلا فالوجه خلافه قال شيخنا: الذي ينبغي اعتماده ما اقتضاه كلام الروضة.
(٤) "قوله: فتبطل بما تبطل به ما لا يجب قضاؤها" قال في المجموع: قال أصحابنا ولو أحدث في هذه الصلاة أو تكلم بطلت بلا خلاف.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فيه (^١).
جزم به النووي في تحقيقه وفتاويه ومجموعه ونقله فيه عن الأصحاب ولا عبرة بما وقع له في نكته مما يخالف ذلك"كمن" المناسب لكلام الأصل ومن"على بدنه نجاسة يخاف من غسلها" (^٢) شيئا مما مر في مبيحات التيمم"أو حبس عليها" فيلزمه القضاء"ويصلي" وجوبا"إيماء" بالسجود فيما إذا حبس على نجاسة بحيث لو سجد لسجد عليها وذلك بأن ينحني له بحيث لو زاد أصابها (^٣) وقيل يلزمه وضع جبهته على الأرض وإن كان القضاء لازما على التقديرين وقضية كلام الأصل ترجيحه والأول هو ما نص عليه الشافعي في الأم وغيره وصححه النووي في مجموعه وتحقيقه (^٤) في باب طهارة البدن لأن الإيماء بدل السجود وليس لطهارة النجاسة بدل ولأن اجتناب النجاسة آكد من استيفاء السجود بدليل أنه يتصور سقوط القضاء مع الإيماء بخلافه مع النجاسة"وهؤلاء" الثلاثة وهم من لم يجد ماء ولا ترابا ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها ومن حبس عليهما"يصلون" وجوبا"الفريضة" لحرمة الوقت كالعاجز عن السترة"فقط" (^٥) أي لا النافلة فلا يصلونها إذ لا ضرورة إليها وتقدم أن صلاة الجنازة كالنفل في أنها تؤدى مع مكتوبة بتيمم واحد،
_________________
(١) "قوله: لأنه لا فائدة فيه" قال في المجموع وكيف يصلي محدثا صلاة لا تنفعه بلا ضرورة ولا حرمة وقت وإنما جازت صلاته في الوقت في هذا الحال لحرمة الوقت.
(٢) "قوله: كمن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها إلخ" لحمله نجاسة غير معفو عنها ولكون التيمم طهارة ضعيفة لم يغتفر فيها الدم الكثير كما لا يغتفر فيه جواز تأخير الاستنجاء عنه بخلاف الطهر بالماء ويمكن أيضا حمل ما هنا على كثير جاوز محله أو حصل بفعله لا يخالف ما في شروط الصلاة ك.
(٣) "قوله: بحيث لو زاد أصابها" شمل ما إذا كان موضع قدميه وجلوسه نجسين أيضا.
(٤) "قوله: وصححه النووي في مجموعه وتحقيقه .. . إلخ" وقال في التنقيح: قال أصحابنا المذهب أنه يومئ ويحرم وضع الجبهة عليها وصوبه الزركشي.
(٥) "قوله: وهؤلاء يصلون الفريضة فقط" حذف المصنف قول الروضة نقلا عن الجرجاني أو سترة طاهرة لأنه رأي مرجوح إذ صلاة فاقد السترة مسقطة للفرض بخلاف هؤلاء فيباح له فعل النوافل كدائم الحدث ونحوه ممن يسقط فرضه بالصلاة مع وجود المنافي.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقياسه أن هؤلاء لا يصلونها (^١) وجرى عليه الزركشي وغيره في فاقد الطهورين ونقله في بابها عن مقتضى كلام القفال وعطف على كمن لم يجد قوله.
"وكالغريق والمصلوب" حيث يصليان"ويومئان" وجوبا"وكالمريض" إذا"لم يجد من يحوله إلى القبلة وقد لا يجب معه القضاء كالمصلي عريانا لفقد السترة" حسا أو شرعا بأن لم يجد إلا ثوبا نجسا أو وجد ثوبا طاهرا لو فرشه على النجس بقي عريانا وإن لم يعتد العري لأن وجوب الستر لا يختص بالصلاة فاختلاله لا يوجب القضاء ولأن العري عذر نادر أو عام يدوم سواء أكان في حضر أم سفر بخلاف التيمم لفقد الماء لأن السترة في مظنة الضنة بها ولو في الحضر بخلاف الماء.
"ويتم" العاري"الركوع والسجود" فلا يومئ بهما لأن الميسور لا يسقط بالمعسور وكلامهم مصرح بأن العري عذر عام أو نادر يدوم والمصنف جعله من قسم النادر الذي لا يدوم أخذا من تعليل الرافعي الوجه القائل بوجوب القضاء بأنه عذر نادر لا يدوم مع استشكاله التعليلين السابقين لعدم القضاء فيه بأن مساق الأول أنه لا يجب القضاء وإن لم يعجز عن السترة كالاحتراز عن الكون في المكان المغصوب وبأن الطبع في الثاني لا ينقاد لكون العري بالصفة المذكورة"أو معه" أي النادر الذي لا يدوم"بدل وهذا أيضا قد يجب معه القضاء كالتيمم للبرد" ولو في سفر لأن البرد وإن لم يندر فالعجز عما يسخن به الماء ويتدفأ به نادر لا يدوم، وأما عدم أمره ﷺ عمرو بن العاص بالقضاء في خبره السابق فلا يقتضي عدم وجوب القضاء لأنه على التراخي وتأخير البيان لوقت الحاجة جائز ولجواز أنه كان عالما به أو أنه كان قد قضى.
"و" كتيمم"المقيم" لفقد الماء لأن فقده في الإقامة نادر بخلافه في السفر وهذا جرى على الغالب وإلا فالعبرة في القضاء بندرة فقد الماء لا بالإقامة وفي عدمه بغلبة فقد الماء لا بالسفر كما بين ذلك بقوله: "فإن أقام"
_________________
(١) "قوله: وقياسه أن هؤلاء لا يصلونها" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه أيضا إذا حصل فرضها بغيرهم.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أي المتيمم"في مفازة فكالمسافر" في أنه لا قضاء عليه وإن طالت إقامته"أو تيمم المسافر لعدم الماء في موضع يندر فيه عدمه (^١) كقرية" في طريقه"فكالحاضر" في أنه"يقضي وقد لا يجب" معه القضاء"كمن وضع الجبيرة على طهر وتيمم" وصلى لعدم أمر المشجوج به في خبره السابق"إلا" إذا وضعها عليه"في أعضاء التيمم فإنه يعيد" لنقصان البدل والمبدول جميعا.
"ومن" أي وكمن"تيمم لجراحة" وليس بها دم كثير (^٢) "وكل" من الأحكام المذكورة"مذكور في بابه وفرض من وجبت عليه الإعادة" هو"الثانية" لأنها المسقطة له.
"مسائل منثورة لا يستحب تجديد التيمم للنافلة" (^٣) بخلاف التجديد في المغسول معه فإنه مستحب كما جزم به القفال قال ابن الرفعة: وفيه نظر
_________________
(١) "قوله: في موضع يندر فيه عدمه. إلخ" عبروا بمكان التيمم جريا على الغالب من عدم اختلاف مكان التيمم والصلاة به في ندرة فقد الماء وعدم ندرته فإن اختلفا في ذلك فالاعتبار حينئذ بمكان الصلاة به.
(٢) "قوله: وليس بها دم كثير" أما إذا كان بها دم كثير فإنه يقضي لحمله نجاسة غير معفو عنها ولكون التيمم طهارة ضعيفة لم يغتفر فيه الدم الكثير كما لا يغتفر فيه جواز تأخير الاستنجاء عنه بخلاف الطهر بالماء ويمكن أيضا حمل ما هنا على كثير جاوز محله أو حصل بفعله فلا يخالف ما في شروط الصلاة أو كان الجرح في عضو التيمم وعليه دم يسير جاف يمنع الماء وإيصال التراب إلى العضو والتفريع في أصل المسألة ظاهر إذا قلنا بصحة التيمم أما إذا قلنا بأن من على بدنه نجاسة لا يصح تيممه فصلاته بالتيمم في هذه الحالة باطلة والقضاء بالتفويت ويمكن حمله على ما إذا طرأت النجاسة بعد التيمم.
(٣) "قوله: لا يستحب تحديد التيمم للنافلة" لتيمم يخالف الوضوء في سبع وعشرين مسألة لا يستحب تجديده ولا يسن تثليثه بل يكره ولا يجب الإيصال إلى أصول الشعر الخفيف ولا يستحب تخليل الشعر الكثيف ولا يصح إلا لمحتاج ولا يصح قبل الاستنجاء ولا قبل دخول الوقت ولا للنفل المطلق في وقت الكراهة ولا لمن على بدنه نجاسة إلا بعد إزالتها على النص ولا يرفع الحدث ويختص بالوجه واليدين ولا يجمع به بين فرضين لخطبة الجمعة وصلاتها والجنازة كالنفل ولا يصلي الفريضة بتيمم النافلة ويعيد المصلي به في الحضر لفقد الماء وقد ينعكس الحكم سفرا وحضرا فلا يعيد في الحضر إذا كان مقيما بمفازة ويعيد في السفر إذا كان مقيما بقرية وإذا صلى بالتيمم صلاة فرأى الماء في أثنائها بطلت إن كانت =
[ ١ / ٢٧٠ ]
لأن الإتيان ببعض الطهارة غير مستحب إلا أن يقال لما تعذر استعمال الماء في الباقي والتيمم عنه غير مشروع صار ذلك البعض كالمفقود.
"ولو وجد ماء مسبلا للشرب تيمم" لم يذكر في الروضة وغيرها للشرب بل قال خابية ماء مسبل تيمم ولا يجوز الوضوء منها لأنها إنما توضع للشرب وظاهره أنه لو لم يعلم أنه مسبل للشرب كان الحكم كذلك نظرا للغالب وهو ظاهر، ثم رأيت الزركشي نبه على ذلك"ولم يقض" صلاته كما لو تيمم بحضرة ماء يحتاج إليه لعطش وصلى به والتصريح بهذا من زيادته.
"ولو تيمم عن جنابة أو حيض ثم أحدث انتقض" طهره"الأصغر لا الأكبر" كما لو أحدث بعد غسله فيحرم عليه ما يحرم على المحدث ويستمر تيممه عن الحدث الأكبر"حتى يجد الماء" بلا مانع"وإن منع" شخص"ترتيب الوضوء عكس" الترتيب وجوبا لتمكنه من بعض الوضوء فيحصل له غسل الوجه"وتيمم للباقي" لعجزه عن الماء، "ولا إعادة" (^١) عليه لأنه في معنى من غصب ماؤه بخلاف ما لو أكره على الصلاة محدثا فإنه يلزمه الإعادة لأنه لم يأت عن وضوئه ثم يبدل بخلافه هنا فهو كما لو تيمم لحيلولة سبع بينه وبين الماء لا تلزمه إعادة وقوله: وإن منع ترتيب الوضوء أعم من قول الروضة: ولو منع من الوضوء إلا منكوسا ولو عبر بدل عكس بغسل وجهه كان أولى وأوفق بكلام الروضة.
_________________
(١) = مما لا يسقط فرضها بالتيمم ويعيد العاصي بالسفر لفقد الماء ولا يصح من العاصي بسفره إذا كانت معه ماء يحتاجه للعطش ويقال له إن تبت استبحت وإلا فلا كما لو أراد أن يأكل الميتة ولا يمسح بطهارته على الخفين إذا كان لفقد الماء ويجب فيه تخليل الأصابع إن لم يفرقها حال الضرب ويجب تعداده بحسب تعداد الأعضاء المفروضة المجروحة في الوضوء إذا بقي منها ما يغسل ويسن تعداده بحسب تعداد الأعضاء المسنونة أيضا كالكفين ويبطل بالردة وبرؤية الماء بلا حائل مع القدرة على استعماله وبتوهم الماء وبوجدان ثمنه وبزوال المرض وبأن يسمع شخصا يقول: عندي ماء.
(٢) "قوله: ويتيمم للباقي ولا إعادة. إلخ" قال الأذرعي وكان الصورة فيما إذا كان بموضع لا يلزم المتيمم فيه القضاء وإلا فالوجه وجوبه وأشار إلى تصحيحه وقال شيخنا هو كما قال.
[ ١ / ٢٧١ ]