إذن يمكن الاعتداد بقديم الشافعي في حالتين اثنتين، وهما:
الحالة الأولى: إذا لم يخالفه الشافعي في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة أصلًا بالنفي أو الإثبات.
الحالة الثانية: إذا وافق القديم نص حديث صحيح صريح لا معارض له.
وهذه الحالة الثانية تحتاج إلى شيء من التفصيل والبيان؛ فإنه من المشهور عن الشافعي ﵀ والثابت عنه قطعا أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وهذا القول قد رُوي عنه بألفاظ مختلفة وبروايات عدة، ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: «كل ما قلتُ، فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني». وقال الأصم: سمعتُ الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ، فقولوا بها، ودعوا قولي». وقال أيضًا: «كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي».
ومُؤدَّى هذه الأقوال، أنه إذا وُجِدَ حديث صحيح يخالف قول الشافعي فهو راجع عن قوله وقائل بالحديث، سواء كان ذلك في حياته أم بعد موته. وهذا الأمر جَعَل بعض الشافعية إذا رأى حديثا صحيحًا يخالف قول الشافعي، قال: ومذهب الشافعي كذا، على موجب الحديث.
وهذا الأمر ليس في مقدور كل فقيه؛ فإنه قد يصح الحديث على خلاف قول الشافعي، لكن الشافعي ﵀ يكون قد بلغه هذا الحديث بعينه، وكان له فيه تأويل معين، أو عارضه - عنده - حديث أقوى منه سندا، أو أصرح منه دلالةً، أو يكون له مُقيّد أو مُخصص، أو يكون معارضًا لقواعد الشريعة المقطوع بها أو غير ذلك من الأمور، فيترك العمل بهذا الحديث ولا يقول به. ومن ثم فلا يجوز لأحد إذا وجد حديثا على خلاف قول الشافعي أن يقول: هذا قول الشافعي، إلا بعد البحث التام والاستقصاء في كتب الشافعي نفسه وكتب أصحابه، هل بلغه هذا الحديث أم لا؟ وإذا كان بلغه، فما هي الأسباب التي جعلته يترك العمل به، ثم
[ المقدمة / ١١ ]
بعد ذلك يمكنه أن ينسب للشافعي ما يدل عليه هذا الحديث.
من أجل هذا، قال الإمام النووي مُعَقِّبًا على قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، قال: «.. وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث - ومذهب الشافعي خلافه - عملوا بالحديث، وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عن الشافعي فيه قول على وفق الحديث».
وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل أحد رأى حديثا صحيحًا قال: هذا مذهب الشافعي، وعمل بظاهره. وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب - على ما تقدم من صفته أو قريب منه - وشرطه: أن يغلب على ظنه أن الشافعي ﵀ لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته. وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها، ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها وهذا شرط صَعْبٌ قَلَّ مَنْ يَنْصِفُ به، وإنما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشافعي ﵀ ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة، رآها وعلمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، أو نحو ذلك.
قال الشيخ أبو عمرو ﵀: «ليس ما قال الشافعي بالهين فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجةً من الحديث، وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي ﵀ عمدا مع علمه بصحته؛ لمانع اطلع عليه وخفي على غيره، كأبي الوليد موسى بن أبي الجارود - ممن صحب الشافعي - قال: صح حديث «أَفْطَرَ الحاجم والمحجوم» فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم. فَرَدُّوا ذلك على أبي الوليد؛ لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته؛ لكونه منسوخا عنده، وبَيَّنَ الشافعي نسخه واستدل عليه». وقد قدمنا عن ابن خزيمة أنه قال: «لا أعلم سُنّة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه»، وجلالة ابن خزيمة وإمامته في الحديث والفقه، ومعرفته بنصوص الشافعي بالمحل المعروف.
قال الشيخ أبو عمرو: فمن وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه، نظر: إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقا - أو في ذلك الباب أو المسألة - كان
[ المقدمة / ١٢ ]
له الاستقلال بالعمل به. وإن لم تكمل وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جوابًا شافيًا: فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عُذرًا له ترك مذهب إمامه هنا.
قال النووي: وهذا الذي قاله حسن مُتَعَيَّن، والله أعلم.